المرصد النيابي العراقي
التصويت
هل التقنيات المستخدمة في موقع مؤسسة مدارك مقبولة ؟
 نعم
 كلا
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 2
عدد زوار اليوم : 3
عدد زوار أمس : 42
عدد الزوار الكلي : 2809
تفاصيل الخبر

أوباما آخر المناهضين للاستعمار

2011-09-26


 

دنيش دي سوزا

اوباما .. آخر المناهضين للإستعمار٭

ترجمة قيس قاسم العجرش

 

 

 

 

 

مقدمة المترجم[1]:

ستاند بوينت مجلة سياسية بريطانية مهمة، تحتوي على رؤية لما تقيسه الصحافة اليوم من توجهات الرأي العام الأوروبي. كما إن كتاباتها تسهم في بلورة رأي يتبناه البريطانيون عن قناعة بشكل شائع، المقال المترجم، يعبر فكرة شائعة لها مصاديقها بدأت تسود أوروبا عن الرئيس الأميركي باراك أوباما. وتزداد أهمية هذه الفكرة حين نجد أن رأي الناخب في الأحزاب الموالية أو البعيدة عن الإدارة الاميركية هو الذي يتحكم في الانتخابات في تلك البلدان وبالتالي تنتج لنا حكومات قريبة أو بعيدة عن واشنطن أي أنه يؤثر حقيقة على ما ترغب به واشنطن من علاقة استراتيجية وانصياع من جانب أوروبا. كما أن كاتب المقال يبحث في أصول أوباما ويعكس صورة غير مكشوفة في الغالب للقارئ الأوروبي. هنا تكمن أهمية المقال أن يتعرف القارئ العربي على نمطية التأثير في الأوروبيين.

أوباما آخر المناهضين للاستعمار

لم يسبق أن وصل إلى البيت الأبيض رئيس يعرف عن شخصه أقل مما يعرف عن باراك أوباما اليوم.

جملة ظروف ملتبسة ساعدت على تنصيبه رئيساً بما فيها كساد اقتصادي وشيك تزامن مع حملته الانتخابية وقبل الانتخابات مباشرة.

لكن الآن فقط وبعد سنتين من رئاسته بدأ الأميركيون بالسؤال، من هو باراك أوباما؟

كان هذا عنواناً لعمود نشرته "واشنطن بوست" بقلم ريتشارد كوهين.

 كان السؤال لا يستهدف استكشاف سياسات أوباما ;  الجميع لديهم فكرة عن هذه السياسات، لكن بدلا من ذلك كان السؤال يستهدف علامات الاستفهام في ايديولوجيا أوباما، ما الذي يحرك هذا الرجل؟.

الأوروبيون أصدروا أصلاً حكماً وتصوراً  ؛ أوباما هو أول أميركي من أصل أفريقي يتبوأ سدة الرئاسة، هو حصيلة تضامن بين تفاعلات متعددة وحضارات متعددة، إنه نقيض عالمي لقصر النظر الذي تميز به أسلافه. هو يظهر ويتكلم ويبدو على الشاكلة التي تمناها عدد كبير من غير الاميركيين أن يكون عليها الرئيس الاميركي.

لهذا فان منتقدي أوباما يوصفون في أوروبا على أنهم حزمة الجناح اليميني المتعصب أو كما يُطلق عليهم تجمع رواد صالونات الشاي.

هكذا سرت الدعاية عن أوباما، وهي بالضبط ما كان أوباما بحاجة اليه من أجل الفوز. لكن اليوم أصبح متاحاً أمام الأميركيين أن يروا الجانب الحقيقي في أوباما وأن يعرفوا ما لا يودون معرفته ؛ شعبية أوباما اليوم في حالة هبوط.

و بعيداً تماماً عن الجناح اليميني غير  الثابت في سياسته،فإن مساندي أوباما أخذوا يشعرون اليوم كمن ندم على شراء سلعة ما.

و ذلك للغرابة نجده شائعا أيضاً بين صفوف مساندي أوباما الحاليين، فان هناك من صرح بحالة الحيرة تجاه ما يمكن أن يكون الدافع والمحرك لهذا الرجل.

و مثال ذلك ما قال به "ايفان ثوماس" رئيس تحرير "نيوزويك" في برنامج تلفزيوني، حين عبر عن نفسه بأنه يشعر بالارتداد عن سياسات رئيس هي في عمومها مقبولة. ثوماس وصف أوباما بأنه مخيف بعض الشيء لكنه مناور كبير، وهذا ما يجعله يعتقد بوجود شيء مُزيف أو غير حقيقي في شخصية أوباما العلانية. إنتهت كلمات ثوماس.

لقد تكاثرت النظريات بشأن أوباما. من جهة لتصوير يقدمه على أنه واحد من أفذاذ حركة الحقوق المدنية، نموذج حداثوي من "مارتن لوثر كينغ".

مربع نص: لكن تهمة اعتناق الاشتراكية هي الاقرب إلى الملاحظة والدراسة، لقد امتلك أوباما الرئيس مدى واسعا من قوة الدولة في التاريخ الاميركيو من جهة أخرى يتحدثون على أنه مُسلم في السريرة أو أكثر من ذلك هو في حالة نفسية وعقلية من إعتناق الاشتراكية.

طبعا كلا الوصفين لا مقبولية واقعية لها.

لم يتعايش أوباما أبداً مع حالة من العزلة المشروطة، هو حتى ليس اميركياً من أصل أفريقي وفقاً للوصف المجرد.

في الولايات المتحدة وصف المواطن على أنه من أصل أفريقي يعني أنه ينحدر من سلالة عبيد، بينما لم يكن والد أوباما كذلك، كان مهاجراً متعلماً من كينيا وأمه كانت أميركية من العرق الأبيض ولدت في مدينة كنساس.

أما خبرة أوباما الحياتية والأكاديمية فقد تشكلت وتكونت في هاواي واندونيسيا وكينيا وهي أماكن تبدو بعيدة جداً عن الأماكن التي  ولد فيها وترعرع مارتن لوثر كينغ.

لا يوجد دليل على أن أوباما مُسلم. كان أبوه باراك بيير  أوباما قد تمت تنشأته كمسلم، وهذا جاء كنتيجة لتأثيرات جده أونيانغو أوباما.. أما زوج أمه لولو سويتورو، أندونيسي الأصل فقد تمت تنشأته كذلك على أنه مُسلم.لكن الثابت أن كلا الرجلين لم يمارسا طقوس الإسلام وعباداته، وكتب أوباما يقول أن والده كان ينظر إلى الاسلام بنفس النظرة الاحتقارية التي كان يكنها للمعالجين بالسحر في أفريقيا.

لكن مع ذلك فإن أوباما درس الاسلام في اندونيسيا حيث عاش لأربعة أعوام  لكنه درس كذلك الكاثوليكية والبوذية ويبدو أنه لم يؤخذ بأي دين أو تحولات دينية على الاطلاق.

لكن تهمة اعتناق الاشتراكية هي الاقرب إلى الملاحظة والدراسة، لقد امتلك أوباما الرئيس مدى واسعا من قوة الدولة في التاريخ الاميركي. و بشكل لم يسبق له مثيل وسع من تأثيرات الدولة والحكومة الفيدرالية في النظام المصرفي المستقل وكذلك في مجال الديون الارتهانية والنواحي المالية والرعاية الصحية ومجال التأمين وصناعة السيارات والطاقة.

لكن،على سبيل المقارنة فان هذا التدخل الحكومي مألوف في أوروبا لكن في الولايات المتحدة سيكون هذا من شواذ السياسات على الاطلاق.

و بينما تصرف أوروبا الأذهان إلى نقاشات حيوية للوصول إلى دولة الرفاهية المسبغة، يواصل أوباما سعيه إلى تنفيذ هذه الدولة المرفهة لأبنائها، وكنتيجة مباشرة أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر مديونيات العالم ولوح أوباما بعصا الضرائب تجاه الأميركيين الأكثر غنى وثروة، هذه الشريحة التي يصفها أوباما بأنها مازالت ترفض دفع "حصتها العادلة للشعب".

إن أياً من هذه الاتجاهات في تفكير أوباما لا تمثل الاتجاه نـحو صرامة الاشتراكية، فهو لم يمثل تهديدا من جانب الدولة للملكية الخاصة، لكنه يمثل توجها واضحاً نـحو النموذج الأوروبي للاشتراكية.

لكن مع هذا فان التهمة بالتوجه نـحو الاشتراكية قد تفسر تصرفات وقرارات أوباما في الجانب المالي وطريقته في صياغة الميزانية الاميركية العامة، لكنها لا تفسر سياسته الخارجية، من مثال ذلك أن مساندي أوباما لاحظوا عدم انشغاله بالقضايا التي تشغل الاشتراكيين عموما من قبيل السعي إلى الفقراء أو المساواة الاجتماعية، لم يكن لهذه حيز في تفكير أوباما، ندر في الحقيقة أن تحدث أوباما بطريقة عاطفية عن هذه الأشياء، كان يبدو أن أشياء أخرى ممكن أن نسمعها منه.

إن الطريقة المثلى لفهم الرئيس الاميركي هي في أن نسأل السؤال التالي: ما هي أحلام أوباما؟

لحسن الحظ، لسنا مضطرين للتنبؤ في هذا المجال، لأن أوباما نفسه زوّدنا بفكرة حيوية في كتابه المشتمل سيرته الذاتية التي عنونها "أحلام من أبي"، هنا نلاحظ، وفقاً لأوباما أن أحلامه أتت من أبيه فهو لم يقل "أحلام أبي"، لم يكتب أوباما عن أحلام أبيه بل كتب عن أحلام استلمها من أبيه.

ان هذه القضية ليست مجرد عنوان لكتاب، الكتاب بأسره عبارة عن "صدمة" عبر قبول أوباما لنفسه  أن يشتق معتقداته وعواطفه وقيمه الشخصانية وحتى هويته من أبيه.

و على الرغم من أن أباه لم يكن في الحياة خلال معظم مراحل حياة أوباما، لكنه كتب يقول "حتى في غيابه فقد منحتني شخصيته القوية ما يشبه الحِصن لأنمو فيه وصورة لأتخلق بها أو ربما لأخيب ظنها".

ثم كتب أوباما يقول "كان ذلك في أحلام أبي، هذا الرجل الأسود، ابن أفريقيا، إنني يمكن أن اجمع كل هذه الإسهامات كل هذه الخواص في شخص واحد"، وفي الحقيقة فإن الآخرين الذين يعرفون أوباما يؤكدون ذلك فيه ايضاً.

و في حديث لـ"نيوزويك"، قالت جدة أوباما وتدعى سارة : "أنظر إليه وارى نفس الأشياء، هذا الابن أخذ كل شيء من أبيه، الابن أدرك كل شيء أراده الأب".

إذن من كان هو والد باراك أوباما ؟و ما هي الأشياء التي أرادها؟

في الحقيقة فان أوباما الأب كان غريب الأطوار بعمق، كان مزواجاً واتخذ لنفسه أربع زوجات ويعرف له ثمانية أبناء على الأقل. لم يضطلع بتربية احد منهم على الإطلاق. اتهمه احد أبنائه ويدعى مارك بضرب زوجته وبكونه أبا سيئاً. 

كان كذلك مزمناً في إدمانه على الكحول حتى انه كان يعرف في هارفارد بكلمة "ضعف الضعف" في إشارة إلى طلبه المستمر من النادل أن يجهزه بكأس مضاعف من الويسكي.

وبما أنه كان معتادا على قيادة السيارة مخموراً فقد تورط بعدد من الحوادث في إحداها تسبب بمقتل شخص وفي آخرى جرح نفسه بإصابة بالغة أدت إلى بتر ساقيه الاثنتين واستبدلهما بساقين صناعيتين. وفي واقعه لم تكن بعيدة عن تلك الليلة قتل فيها نفسه بحادث سيارة في نيروبي.

و لم يكن باراك أوباما ليعرف الكثير عن مصير والده واساءاته، لأنه تسلح بصورة جميلة لقنته اياها والدته "آن أوباما"عن أبيه الغائب.كانت وفية لزوجها حتى بعد أن هجرها، وحين كان أوباما (الطفل) يتذمر من غياب أبيه كانت تعنفه وتؤكد له أن والده هو بطل من أبطال التحرر الأفريقي.

لكن الواقع يقول ان باراك أوباما اكتشف الحقائق عن أبيه من خلال أخته نصف الشقيقة وتدعى "اوما "، لكنه مع ذلك لم يستسلم لهذه الفكرة عن أبيه.

 ذهب إلى قبره وانتحب هناك، ضغط على الأرض محاولاً أن يتصل بأبيه عبر "تربة أفريقيا الحمراء". لكن لم يكن بإمكان أوباما ان يسترجع اباه الراحل، وبدلاً من ذلك قرر أن يأخذ أحلامه ويحملها، انه استنتج ذلك، فعلى الرغم من تهافته كرجل، فان أوباما الأب كانت له أفكار عظيمة وعلى أوباما الابن أن يدرك هذه الأفكار وان يكون بمستواها وربما ظن أنه سيكمل دائرة العائلة عبر ذلك ويستحق حب أبيه.

 وعبر نسك مقدس عند قبر العائلة ستتحول آيدولوجيا الأب إلى حق اكتسبه الابن بالولادة.

لكن ما هي حقيقة ايدولوجيات باراك أوباما الأب؟

 أولاً وقبل كل شيء كان من المناهضين للكولونيالية (الاستعمارية ).لقد هرم في كينيا في عهد كان فيه ذلك البلد يناضل من اجل استقلاله عن بريطانيا. لقد عانت عائلة أوباما نفسها رعب الاستعمار.

و في خمسينيات القرن الماضي عندما كان ونيستون تشرشل يذوق المرارة جراء عمليات جماعات "الماو ماو" الفدائية كان والد أوباما معتقلاً بسبب نشاطه السياسي فيما كان جده معتقلاً في معسكر لقي فيه أشد أنواع التعذيب. وهنا بدأت السهام المضادة للكولونيالية والاستعمار تطل برأسها وبالنسبة لأوباما الأب كانت هذه المناهضة حصيلة تجربة شخصية مريرة.

لقد تعايشت شخصياً مع المناهضين للاستعمار والكولونيالية لأنني ترعرعت في الهند في حقبة ما بعد الحكم البريطاني. المناهضة للاستعمار في الحقيقة ملأت المناخ السياسي في حقبة الستينيات والسبعينيات حسب ذاكرتي وأنا أغترف شوارع مومباي.

إن المناهضة للكولونيالية كانت تختزل مجال عمل الآيدولوجيا السياسية في العالم الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين. في تلك الأوقات كان والد باراك أوباما يعمل في هذا النطاق، الذي لم يكن يحظى بتلك الأوقات بكثير من التفهم من جانب قطاع كبير من المواطنين الأميركيين.

مربع نص: إن هيكل أحلام أوباما الأب الموصوفة في كتاباته قد تساعدنا على فهم ما يقصده الرئيس أوباما حين يقول إن الأغنياء "لا يدفعون حصتهم العادلة  للشعب"من الضرائبلكن مع ذلك فإن مفهوم مناهضة الكولونيالية أو الاستعمار يستحق أن يجري توضيحه.

إن الفكرة العامة تنضوي على افتراض أن العالم يحوي معسكرين. الاستعمار متمثلاً بالغرب الأبيض من جانب، والمستعمر ( بفتح الميم ) وهم سكان العالم الثالث.

وكان مناهضو الاستعمار يفترضون أن الدول الغنية إنما أصبحت غنية عبر احتلال ونهب الدول الفقيرة.

و في الحقيقة فإن هذه الإشارة تتجه اليوم ليس إلى أوروبا بل إلى أميركا باعتبارها هي " الفيل الغشاش" الذي ينشر الذعر حول العالم.

إن الولايات المتحدة تغزو اليوم وتحتل دولاً من العالم بذات الطريقة التي اقترفتها يوما ما كل من فرنسا وبريطانيا.

إن مناهضي الاستعمار تمسكوا بهذا الطرح حتى بعد النهاية العملية لهذا الشكل من أشكال الهيمنة، حيث بقي مستداماً  التركيز على القوة الاقتصادية في البلدان الغنية.

إن هذه النخب الاقتصادية أصبحت تـُتهم اليوم بأنها تمارس " الاستعمار الجديد" والذي هو استعمار بحلة مغايرة، أساسه الاستغلال السياسي.

ومن وجهة نظر مناهضي الاستعمار فإن هذه النخب المخادعة، المتمثلة بالبنوك وشركات التأمين وشركات الأدوية وشركات النفط وغيرها، مستمرة في اضطهاد كل العالم، ليس فقط شعوب دولها بل شعوب كل العالم.

كان أوباما الأب رجل اقتصاد، بلور فكرته ووجهة نظره وتعريفه لنفسه على أنه اشتراكي أفريقي.

و في عام 1965 كتب مقالاً في صحيفة " إيست افريكا" وضع فيه وجهة نظره كاشتراكي أفريقي ضمن المنحى الاشتراكي العالمي المناهض للاستعمار.

بدأ بتعداد الاعتراضات والحجج المناهضة للاستعمار، التي تتطابق مع خط التحرر الوطني، لكنه بيّن أن التحرر السياسي لم يكن كافياً.

كينيا كانت قد كسبت استقلالها فعلاً عام 1963 لكنه كان يركز على قضية الاستقلال الاقتصادي إذ يقول: "هل فعلاً كان الأفارقة هم من ربحوا هذا البلد؟ إن كان كذلك فلماذا لا نجد هؤلاء الأفارقة هم من يتحكم بالوسائل الاقتصادية فعلا كالتي تنمو في كينيا".

و يقول أبوما الأب: "أنه طالما تركزت الثروة والقوة بأيدي النخب الاقتصادية المتحكمة فإننا بحاجة إلى إقصاء هياكل القوة التي بنيت من فائض التراكم في الثروات".

أبعد من هذا، فقد اقترح تدخلاً وسيطرة حكومية على الأراضي ورفع مستوى الضرائب دون وضع حد أعلى لها ولإيضاح هذه النقطة بالذات كتب يقول: "لا يوجد مانع نظري يمنع الحكومة من فرض ضرائب تصل نسبتها إلى مئة بالمئة من الربح طالما أن هناك تجاوزاً لنقطة التعادل في الأرباح المتحققة من النشاط الخاضع للضريبة".

و للوهلة الأولى تبدو فكرة فرض ضريبة بنسبة مئة بالمئة على أنها فكرة خرقاء، كيف يمكن لرجل ذكي بارز أن يقترح شيئاً كهذا؟ فضلاً عن كونه رجل اقتصاد.

لكن بالعودة إلى مفاهيم مناهضة الاستعمار فإننا نستطيع أن نفهم منطق هذا الاقتراح، والمبني أصلاً على افتراض أن الرجل الغني إنما أصبح غنياً عبر الاستغلال وفقط الاستغلال.

فعلى سبيل المثال، إذا جئت إلى بيتي وسرقت مني الأثاث، فما هو أفضل معدل تخضع له كضريبة، إنه مئة بالمئة، لأنه ببساطة، أثاث ليس ملكك.

و قد يبدو غير قابل للتصديق أن يتم اقتراح المتجه المضاد للغرب والمناهض للآيديولوجيا الأميركية لوالد السيد أوباما لتبرير الاعتماد الهائل على الملكية الشخصية، قد يبدو غير قابل للتصديق هذا الذي يؤمن به رئيس الولايات المتحدة.

لكن هذا هو ما أنا أقوله، ففي الوقت الراهن، فإن هيكل أحلام أوباما الأب الموصوفة في كتاباته قد تساعدنا على فهم ما يقصده الرئيس أوباما حين يقول إن الأغنياء "لا يدفعون حصتهم العادلة  للشعب"من الضرائب.

إن 10 % من السكان الأميركيين الذين يصنفون في مقدمة أعلى المدخولات يدفعون ما يقارب 70% من إجمالي الضرائب.

و بالمعيار الأولي يبدو أن الأغنياء يدفعون أكثر من حصتهم بكثير، لكننا إذا افترضنا أن الثروة لا يتم جمعها عبر الجهود أو العمل الخلاق ولكن بدلا من ذلك تجمع عن طريق الاستغلال أو تكون نتاجاً للجشع واللصوصية، عندها فلا يوجد حد أعلى للضريبة يمكن أن تفرضه أو تشرعه قانونياً.

إن أداء أوباما يشي بأنه يشعر بارتياح أخلاقي مبرر عبر المصادرة الحكومية للثروة والى أي مدى يمكنه في ذلك فعله.

إن افتراضات مناهضي الاستعمار لا تبدو فقط معقولة سايكولوجيا ً لكننا نجدها متعمقة في شهادة الرئيس أوباما عن أبيه ومنحته قوة تفسيرية وتبريرية هائلة. أكثر من ذلك إننا يمكن أن نتلمس آثارها ليس فقط في طريقة أوباما لإدارة الميزانية إنما حتى في السياسة الخارجية التي يتبعها، يمكن لهذه الافتراضات أن تفسر بعض التفاصيل المتعلقة بأوباما من حيث لا يمكن لنظرية أخرى أن تفسرها.

ففي ما يتعلق بموقف أوباما من القطاع الخاص، تتبلور نظرة واضحة في التقييم يتبعها أوباما أساسها اعتبار هذا القطاع مبنيا أصلأً على ثروات نبعت من الأنانية والجشع والاستعمارية الجديدة.

قلما ترك أوباما فرصة إلا وانتهزها ليشعل فيها "وال ستريت"[2]،ثم يتهم شركات النفط بمحاولة تحقيق أرباح عبر التلاعب وشركات الأدوية بالاستغلال وشركات التأمين بالالتفاف على القوانين.

لذا كانت الحلول التي قدمها تبدو على أنها محاولة " لاجتثاث " الميول الكولونيالية من القطاع الخاص عبر جلبه تحت القبضة القوية للحكومة. أوباما هو من رفض أن تعيد البنوك جدولة ديونها المدينة بها للإحتياطي الفيدرالي أو أن تسدد قسطاً منها. برر ذلك بالقول: "إن عليهم أن يجتازوا أولاً اختبار الثقة من قبل المودعين قبل أن تثق بهم الحكومة لإعادة دعم هذه البنوك".

لقد سعى أوباما إلى أن تحتفظ هذه البنوك بالأموال الفيدرالية كجزء من رؤوس أموالها بدلاً من استعادتها كتسديد من أجل أن يبقي على الهيمنة الحكومية على إداراتها[3].

أما سياسة أوباما البيئية فقد ابتدأت بمحاولة إنعاش الدول التي خضعت سابقاً للاستعمار وتحميل كلفة هذه البرامج على الغرب الاستعماري الجديد.

ففي خطابه في الأمم المتحدة وفي أماكن أخرى، دعا أوباما إلى وضع محددات فاعلة على استهلاك النفط والمصادر الكاربونية والمصادر الأخرى للطاقة من قبل الأمم الغربية المتقدمة، لكنه لم يدع إلى محددات مماثلة تفرض على دول العالم الثالث وبدلاً من ذلك اقترح تمويلاً غربياً لدول العالم الثالث من أجل تنمية مصادر بديلة للطاقة.

أما في ساحة السياسة الخارجية فيبدو أن أوباما لم يعتمد على تعريف العراق وأفغانستان كـ"ساحة" لقتال الإرهاب، أكثر من ذلك فهو قد وجه بمنع استخدام هذا المصطلح، وبدلا من ذلك اتجه أوباما إلى أن يفسر وجود الولايات المتحدة في هذين البلدين على انه نتيجة للعقلية الاستعمارية السابقة والحروب التي خلفتها.

أوباما وعد بأن يتمم الإنسحاب بغض النظر عن النتائج المتخلفة على أرض الواقع، ففي العراق عارض أوباما المضي قدماً في عمليات عسكرية أثبتت أنها وصلت إلى مراحل حاسمة في القضاء على التمرد، وبدلا من ذلك سيدخل العراق عصراً طويلا من عدم الاستقرار لأن أوباما بدا انسحابه بالفعل.

مربع نص: بعد أن دخل أوباما إلى البيت الأبيض أمر بإعادة تمثال نصفي لونستون تشرشل إذ كان يمثل وجوده في البيت الأبيض عمق العلاقة الاستراتيجية بين بريطانيا والولايات المتحدةو في أفغانستان أعلن أوباما أنه سيسحب القوات الأميركية خلال 12 شهراً، وعلى أرض الواقع دخلت حكومة حامد كرزاي بمفاوضات سرية مع حركة طالبان، الأمر الذي بدا على أنه حركة تراجع عن الثقة بالحليف الأميركي الذي قد لا تستدام ثقته.

حين قرأت الخبر لأول مرة، قلت في نفسي أن هؤلاء الأفغان ليسوا محل ثقة فبمجرد أن أدارت الإدارة الأميركية ظهرها بدأوا بمصافحة الأعداء، لكن بعد يومين نشرت نيويورك تايمز أن الإدارة الأميركية كانت هي التي نسقت اللقاءات بين حكومة كرزاي وحركة طالبان وبمعرفة بيترايوس. مرة أخرى يبدو أن هذا الأداء نابع من موقف أوباما من الاستعمار سواء كان البديل هو حكومة كرزاي أو طالبان أو خليط بين الإثنين؟ هذه كانت أهدافاً ثانوية بالنسبة لأوباما.

و في الاعتبار الإيراني، يبدو أوباما كمن يحاول أن يجمع التواقيع[4] الدولية لمحاولة إقناع إيران بعدم امتلاكها قنبلة نووية، والواقع يقول إنه من الصعب جداً إقناع "الملالي"[5] بعدم امتلاك شيء هم محتاجون إليه فعلاً. كان على إدارة أوباما على الأقل أن تعي مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي والتهديد الذي يمثله هكذا سلاح بأيدي الإيرانيين تجاه إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة.

لكن الذي حدث أن أوباما استمر في التحشيد لصالح نظام عقوبات أثبتت إيران أنها قادرة على تخطيه بسهولة.إن تقاعس أوباما عن مواجهة السلاح النووي الإيراني يتعاكس تماماً مع موقفه من تحجيم القدرات النووية الأميركية.

ففي القمة الروسية الأميركية الأخيرة أعلن أوباما أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على تخفيض حاد في ترسانتهما النووية، وبما أن معظم الترسانة النووية الروسية تعاني من الاختلال والتراجع التقني فإن هذا يعني بالضبط تخفيضاً من الجانب الأميركي فقط. هذا هو فعلا أحد أحلام أوباما الأب  بأن نتحرك فعلا باتجاه عالم خالٍ من الأسلحة النووية. إن الترسانة النووية الوحيدة التي وقعت بيد أوباما الابن هي الترسانة الأميركية، لذلك فلتحقيق أحلامه في نزع الأسلحة النووية أقدم على نزعها عن بلاده هو بغض النظر عما يمتلكه الآخرون.

بعد هذه القمة النووية، استهجن عدد من المحافظين[6] في الولايات المتحدة معتقدات أوباما بان هذا الخفض النووي إنما سيساعد إيران وربما كوريا الشمالية على التراجع عن برامجها النووية، والعكس هو المحتمل حيث يمكن أن تقدم كلا الدولتين على عمل استفزازي[7].

إن كان هذا ما يعتقده أوباما من توقع لتراجع كوريا الشمالية وإيران فهو توقع أحمق بالضرورة، لكن إن كان هذا الظن لدى أوباما نابعا من تصور مناهض للاستعمار وأن الاستعمار يتمثل أولاً بالولايات المتحدة التي يحتوي تاريخها على سابقة حقيقية في استخدام الأسلحة النووية وبالتالي فهي الدول الوحيدة المعنية بخفض ترسانتها، فإن أوباما نجح في ذلك فعلاً.

و لمراجعة أحد التفاصيل الصغيرة عن نظرية العداء للاستعمار ومناهضة الكولونيالية، فبعد أن دخل أوباما إلى البيت الأبيض أمر بإعادة تمثال نصفي لونستون تشرشل إذ كان يمثل وجوده في البيت الأبيض عمق العلاقة الاستراتيجية بين بريطانيا والولايات المتحدة، لكنه أمر بإعادته إلى لندن وبالرغم من اقتراح بعرضه خارج المكتب البيضاوي لكن على أن يبقى داخل البيت الأبيض إلا أن أوباما رفض والتمثال النصفي الآن يقبع ساكناً في منزل السفير البريطاني.

هنا علينا أن نتذكر أن تشرشل يمثل التاريخ الاستعماري لبريطانيا ونتذكر أن تشرشل قال يوماً "إنني لم أصبح رئيساً للوزراء من أجل أن أفتت الإمبراطورية البريطانية".

 وأن نتذكر أن تشرشل يوم كان رئيسا ً للوزراء في بريطانيا حينما كانت تستعمر كينيا  وحينما كان والد أوباما وجده لأبيه يقبعان في السجون، تشرشل كذلك منع تحقيقات حكومية في التجاوزات التي شهدتها السجون البريطانية في كينيا المستعمرة.

لذا فإننا حين نستخدم مقايسة للنموذج المناهض للاستعمار فإننا نجد انطباقاً عالي المستوى في عدائية أوباما لبريطانيا عموماً وتشرشل بصورة خاصة.

إن العالم قد تغير بصورة كبيرة منذ أيام صعود ورواج المناهضة للاستعمار في الخمسينيات الماضية. إن الأمم تتقدم اليوم ليس عبر الشعارات الاشتراكية، لكن، بدلا من ذلك بتمكين الاستفادة مما بات يعرف بمصطلح "فوائد التخلف".

أمم مثل الصين والهند وتشيلي وأندونيسيا تحقق الفوائد اليوم عبر انخفاض كلفة الإنتاج لديها ووفرة اليد العاملة وتراجع تكاليف المعيشة، باستخدام هذه "الامتيازات" فهي تنتج ما تحتاجه الأمم الأخرى من حولها.

عبر هذا فقط هم يشهدون نمواً مضطرداً وغير مسبوق، عدد كبير من الأمم التي كان تسمى في السابق بالعالم الثالث أصبحت اليوم أمما تصنع الازدهار كما تحولت إلى أسواق واعدة متفاعلة.

عدد كبير من البريطانيين اليوم يشعرون بتنافر وتناقض مع شرعية الماضي الاستعماري لبريطانيا، لكن الاستعمار اليوم قد مات ومعه مات المناهضون له.

لا أحد اليوم يعير اهتماماً للاستعمار ومناهضته باستثناء الرجل الجالس في البيت الأبيض، إنه آخر الرجال المناهضين للاستعمار.

إن مشكلة أوباما اليوم تكمن بأنه مازال عالقاً في آلة الوقت التي اخترعها والده محاولاً جلب حلول قديمة لمشكلات جديدة.

و لن تقدم معالجات أوباما للدول الفقيرة دفعات تقدمية لأنها لن تتخطى الفاقة التي تعيشها تلك المجتمعات، وعلى العكس من ذلك فهو عازم على إنهاء قرون من قيادة الولايات المتحدة للعالم المتقدم، إذا نجح أوباما في ذلك فلن يكون مستقبل أوروبا أو الولايات المتحدة آمنا وستهجره الرفاهية.

هوامش المترجم

 



[1]  المقال الأصلي منشور في: ستاند بوينت البريطانية تشرين الثاني 2010

[2]  شارع المال والاقتصاد في نيويورك.

[3]  تمتلك الحكومة الأميركية اليوم أكبر نسبة في تاريخها من اصول البنوك الخاصة.

[4]  محاولة الحط من مستوى فعل أوباما.

[5]  لأن الكاتب قضى فترة في الهند فقد استخدم لفظ "ملالي" بحروفه في وقت يطلق البريطانيون لفظ " شيخ" على جميع أنواع رجال الدين المسلمين.

[6]  لفظ جامع للجمهوريين وأنصارهم.

[7]  من المدهش أنه بعد أسبوعين من نشر المقال، إعتدت كوريا الشمالية على جارتها الجنوبية عبر قصف مدفعي هو التصعيد الأكبر منذ الحرب الكورية.

المزيد من الاخبار

  الشيعة والسياسة في الشرق الأوسط

  منهج فلسفة التاريخ والعولمة

  ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

  العرف العشائري والشريعة الإسلامية /نظامان يحكمان واقع المرأة

  التقليد في الفقه الشيعي من الاستناد إلى السلطة

  الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية

  سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العراقية )

  صعود المرجع الأعلى

  التفكير بالدولة في مدرسة النجف

  فقيه الولاية

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...