المرصد النيابي العراقي
التصويت
ماهو رائيك بالتصميم الجديد لموقع مؤسسة مدارك ؟
 ممتاز
 جيد جدا
 مقبول
 ضعيف
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 1
عدد زوار اليوم : 11
عدد زوار أمس : 19
عدد الزوار الكلي : 9351
تفاصيل الخبر

المحاصصة في مجلس النواب... (علاقات الخوف) - خاص لمدارك

2011-09-26


المحاصصة في مجلس النواب... (علاقات الخوف)

 

كمال الساعدي

 

ربما يتفق اغلب المتابعين للمشهد السياسي العراقي ولوسائل الإعلام المحلية والعربية خصوصاً، المحللين والمختصين منهم أو عموم الناس، على أن مجلس النواب العراقي قد استحوذ على الحصة الأكبر من التغطية والاهتمام والمواقف الناقدة وبشكل غير مسبوق في أي من البرلمانات (في العالم الثالث على الأقل). وقد ساهمت عناصر وشروط عديدة في تعزيز واستمرار هذا الشغف بما يجري في أروقة البرلمان الى الحد الذي لايكاد يمر يوم دون أن نجد انعكاس حواراته ومواقفه على السن الجمهور وصفحات الجرائد وشاشات التلفزيون ومن الظواهر الفريدة والسائدة حالياً في المجتمع العراقي تحميل مجلس النواب كل ما يحدث من أخطاء ومشاكل بل وحتى مصاعب الحياة اليومية التي لا يخلو منها مجتمع، يعكسها المواطن بسب ولعن لمجلس النواب الى الحد الذي يمكن ان نتخيل دون مبالغة ان حادثة دهس عرضي يتعرض لها مواطن، لابد ان يتحمل وزرها مجلس النواب.

وربما استندت هذه المواقف الى كون ـ وان لم يكن المواطن قادرا على التعبير عن ذلك ـ ان النظام السياسي الجديد هو نظام برلماني تولد من رحم كل القيادات العليا للدولة فيتحمل البرلمان وزر اعمالها وكون هذا النظام لم ينبثق بشكل سلس واجواء مستقرة بل جازف المواطن بالكثير لكي يذهب الى  صناديق الاقتراع التي افرزته وان هذا المجلس كأبرز ممثل للنظام السياسي الجديد قام على اعتاب مرحلة دكتاتورية دموية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً لذا فان حجم التوقعات التي بنيت عليه لم تتناسب وفداحة المعاناة التي قاساها المواطن الذي لم يهنأ بفرحة اندحار الدكتاتورية حتى فوجئ برعب من نوع جديد لم يألفه وقوى جديدة متوحشة تنشر الموت والدمار في كل زاوية من زوايا هذا المجتمع ولا تستثني من بربريتها احداً. هذه العناصر وغيرها القت بظلالها على دور ومسوؤلية هذا المجلس وهو ما يفسر (جزئياً) تلك النقمة اليومية التي تصاحب أي تعثر او خطأ او صراع او حتى خلاف في وجهات النظر. وقد عزز ذلك عنصران هما: عدم اعتياد الشعب العراقي على هذا اللون من الخلاف والصراع.. اذ كان السائد والمعتاد هو الموقف الموحد والرأي الواحد وكون هذا الصراع والتطاحن يبث بشكل يومي ومباشر من على شاشات التلفاز وما يعقب ذلك من تصريحات نارية من هذا الطرف او ذاك مما خلق احساساً بالذعر من هذا المشهد الجديد.

 

جذور الصراع:

من السهل الركون الى التحليلات والتفسيرات المنطقية السائدة حول ما يجري في اروقة مجلس النواب، وتخيل الامر وكأنه صراع على السلطة او تصفية حسابات شخصية او افراز غير سوي لانتخابات غير ناضجة قذفت بالبعض الى مواقع لا يستحقونها، ويمكن ايضاً ان نتجاوز اسوار المجلس وحدود الجغرافيا لنحمل الاجنبي مسؤولية ذلك وانه جلب مع دباباته وطائراته طائفية وعنصرية مقيته لم يألفها المجتمع العراقي. ويمكن لنا كذلك ان نلعن التدخل الاقليمي الذي وصل الى درجة من التغلغل بحيث صار بامكانه ان يحرك احجار الشطرنج داخل المجلس كيفما يشاء. لكن هذه التفسيرات لا تعد كونها خلطاً بين الاسباب والنتائج وتجاهلاً للاسباب الحقيقة الكامنة والتي نعبر عنها (بتفجر المكبوت الداخلي).

ان المقاربة التحليلية الهادئة والموضوعية للخطابات التي سادت في السنتين الاوليين وهما من اخطر فترات الاحتكاك والتطاحن تكشف لنا عن ان الامر اعمق بكثير مما كنا نتخيله او نتوقعه، لقد تم استدعاء التاريخ وتحريك الشعور واللاشعور والخوف الشك بل والغرائز البدائية (عند البعض) واثبتت الذاكرة حضورها المتميز ولم يتردد البعض عن تحويل قبة البرلمان الى ساحة معركة للهويات المتنافسة والتي افتقدت (ولاسباب عديدة لا مجال لذكرها) الى الهوية الام وهي المواطنة.

لقد تموضع الخطاب السائد على محور اساسي هو (الاقصاء) وانشعابات جانبية يمكن تصنيفها كبنى فوقية لهذا العامل الاساسي وهذا ما يدفعنا الى الاعتقاد الراسخ بان نظرية (العامل الاساسي)[1]، يمكن ان تكون مدخلاً حقيقياً لتفسير هذا الصراع، اذ حملنا هذه النظرية الى الجذور الاساسية والى البدايات التي اسست لاستقطاب تاريخي اثمر عبر التراكم انشقاقاً اجتماعياً وطائفياً لم تنج مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامي من الاكتواء بناره التي لا تنطفيء.

 

البدايات:

لم تمر الا سنون قليلة بعد وفاة النبي (ص) حتى واجه المجتمع الاسلامي وتحديدا في زمن (الخليفة الرابع) الامام علي(ع) وقائع وحوادث مثيرة صعقت المجتمع واصابته بالذهول وتمثلت تلك الاحداث في الحروب الداخلية التي يمكن وصفها بمجموعها بانها (حرب اهلية) وكانت النتائج المترتبة على هذه الحروب خطيرة ومدمرة خصوصاً وان من خطط لها واشترك فيها شخصيات من الخط الاول في الاسلام ويحملون ارثاً ورمزية تاريخية هائلة وهو ما عمق من فداحة الخسائر التي تركت ندوباً واثاراً لا يزال المسلمون يدفعون ثمناً باهظأ لها.

لقد كانت من نوع الحروب التي تقسم المجتمعات الى الابد. ولتفسير او تبرير تلك الحروب او تقسم المجتمع ايضاً الى تيارات واتجاهات متنافرة ومتناقضة ولاول مرة تبرز اتجاهات كلامية (لاهوتية) تحفر في النص والعقل لتجد حلولاً وسطاً تبرر القتل والقتل المضاد او على العكس لتبرئ هذا الفريق او ذلك من اثام ما حدث وتدخل الفقه هو الآخر ليسوغ هذه الاعمال وحيث ينعدم النص المساعد على ذلك برز الوضع والوضاعون ليقوموا بهذا الدور على اكمل وجه ولاول مرة ايضاً تتم شخصنة الحديث النبوي الشريف لتجد ان هناك (شهادات نبوية) لكل الاطراف المتنازعة توزع يميناً وشمالاً وقد تمت الصياغات الاولى لهذه المنظومات المعرفية بشكل واضح وممنهج بعد استشهاد الامام علي(ع) وولده الشهيد والخليفة الخامس الحسن(ع).

ان مقتل اربعة خلفاء هم الخليفة الثاني  والثالث والرابع والخامس واشتعال ثلاثة حروب اهلية هي الجمل وصفين والنهروان قدمت لنا ضمانة بان الانشقاق في المجتمع الاسلامي اصبح حقيقة واقعة لامجال لتجنبها مطلقاً. ولو استمر النظام السياسي القائم على ما هو عليه لكان من الممكن تجنب الكثير من المخاطر والعواقب الوخيمة ولكن بروز اسلوب جديد ونظرية جديدة قائمة على الوراثة لنظام حكم جديد (الدولة الاموية) نقل المجتمع الى مستوى جديد من الصراع يقوم على فكرة الاستئصال كحد اعلى والاقصاء كحد ادنى على ان يكون ذلك بشكل ممنهج ومتوارث ليكون مفعوله طويل الامد ودون توقف ولا يتم ذلك  كله ما لم توجد الارضية المعرفية (الثقافية) التي تضمن ان يتواث المجتمع والدولة موقفاً موحداً لامجال لخرقه وهل يوجد سلاح افضل من الفقه والحديث واللاهوت في هذا الباب تعززه سلطة سياسية تمتلك قدرات سياسية وعسكرية هائلة. ان ثلاثية (الدين والمال والسلطة) تمتلك دياليكتيكاً هائلاً ليطحن أي قوة تقف في طريقه.

ولقد مهد خرق الاتفاقية المعقودة بين الامام الحسن(ع) وبين معاوية بن ابي سفيان والتي تنص في بعض بنودها على عودة الخلافة للحسن(ع) بعد موت معاوية وللحسين(ع) اذا مات الحسن قبل معاوية لقيام هذه الدولة الجديدة والتي قامت وبشكل حثت لتأسيس منظومة معرفية كاملة تخترق الاستبعاد والاستئصال وتمت اول تطبيقات لهذه المنظومة في واقعة مشهورة هزت الوجدان الاسلامي ودقت والى الابد الاسفين بين التفسير الرسمي للدين وبين التفسير الثوري والانساني، تلك هي واقعة كربلاء.

لم يعد ممكناً، بعد هذه الجريمة المنكرة ان ينظر الى هذه الدولة وهذه السلطة الجديدة كامتداد لنظام الخلافة ويمكن لنا بعد الان ان نرصد وبسهولة نمو معارضة شاملة لهذه الدولة وبدأت حركات التمرد والثورات مستمرة الى الحد الذي مكن العباسيين (والذي سيحكمون فيما بعد) من توظيف شعار الرضا من آل محمد كاحد محركات الصراع وهو شعار وجد له صدى واسعاً عند المجتمع وفعلاً توج هذا التوظيف البراغماتي لمشاعر الملايين بسقوط هذه الدولة وقيام دولة جديدة هي الدولة العباسية.

كان من المؤمل عند الغالبية الساحقة من المسلمين ان تنهج هذه الدولة نهجاً جديداً وان تدرس بعناية اسباب الرفض والتمرد الذي واجهته الدولة الاموية وان تقترب من المعارضة (والتي في غالبيتها كانت مساندة للحركة العباسية) وتلبي بعض مطالبها وترفع الحيف عنها لكن مالم يتعرض له الباحثون ـ الا قلة منهم ـ هو ان البناء الفكري والنفسي والثقافي لهذا النظام الجديد لا يختلف في جوهره عما سبقه كما ان القادة الجدد كانوا ليعلموا يقينا ان المعارضة التي يقودها أئمة اهل البيت ليست صراعا على السلطة بل هو خلاف جذري حول مبادئ وموجهات هذه الدولة ومن سبقها، لذلك فما أن استقر النظام السياسي الجديد واحكم قبضته حتى بدأت مرحلة جديدة من المطاردة والابادة استمرت قرابة خمسة قرون حتى سقوط الدولة العباسية على يد قوى خارجية بربرية الثقافة والاسلوب وتم اكتساح بغداد وسقوطها بشكل درامي وشاءت الاقدار ان يتبلور عن هذا الغزو (خصوصا بعد دخول المغول والتتار في الاسلام) ان تقوم دولة وريثة لهذا الغزو وقريبة جدا من سلوكه واخلاقياته وهي الدولة العثمانية وانتقلت بذلك (الخلافة العربية ـ الاسلامية!!) الى الاتراك الذين تتلمذوا فكريا على قيم ومبادئ نفس المدرسة السابقة مع تعديل لنظرية الحكم التي كانت سائدة والتي ترى ان الخلافة في قريش مما حداهم الى تبني مذهب ونظرية ابي حنيفة النعمان الذي لايرى انحصار الخلافة في قومية او قبيلة معينة، وباستثناء هذا التعديل فان وحشية العثمانيين ارسلت بالكثير من هذه المعارضة القديمة الجديدة الى القبور دون ادنى اسف وفقاً للاسلوب العثماني الشهير بالغلطة والقسوة.

 

بارقة امل:

لم يقاوم (رجل اوربا المريض) ضغط النهوض الاوربي الذي تطور ونما داخلياً على كل الاصعدة واخذ يستعين بهذه القدرات الجديدة والواعدة لتطبيق مشروعه وحلمه التاريخي في الهيمنة على الشرق ومقدراته ضمن مخطط كوني امتد الى اغلب بقاع الارض وكانت الدولة العثمانية تقف حجر عثرة في طريقه فاطبق عليها من خلال توريطها بالحرب العالمية الاولى فانتهت بانتصار كاسح لهذا المعسكر وكان ضمن نتائج ذلك تفكيك وتدمير هذه الدولة نهائياً حيث اعلن سنة 1921 عن انتهاء الخلافة الاسلامية!! رسميا وواقعيا وتم تقسيم تركة هذا الرجل العجوز الى مجموعات صغيرة او كبيرة من الدول القطرية وقد ساهم العرب باخلاص في تدمير هذه الخلافة يحدوهم الامل بنهوض جديد وقيام دولة او دول حديثة تشابه الدول القومية في اوربا وكانت نتائج ذلك قيام الدولة العراقية الجديدة.

بعيداً عن الدين والمذهب:

كان الخطاب السائد لقادة هذه الدول الجديدة واغلبهم ينتمي تاريخياً الى المدرسة التركية هو التحرر من ثقافة الماضي فلن يكون الدين او المذهب او القومية أي دور في الموقف من رعايا هذه الدولة بل الوطن والوطن فقط هو الهوية وتم (استيراد) حاكمين من خارج هذه الجغرافيا وتم تنصيب فيصل الاول ملكاً على العراق وقامت وتشكلت احزاب ومجموعات ومراكز قوى تريد لهذا البلد الجديد ان يختط طريقاً جديداً وصدق العراقيون ذلك واندفعوا لدعم هذه التجربة لكن الذاكرة خانتهم في ان طبقة العسكر والسياسيين هؤلاء ينتمون الى نفس المدرسة فكان ان هذه القوى لم تتورع في التراجع وبشكل سافر عن كل ما قالته ووعدت وتم تشكيل مراكز القوى في هذه الدولة طبق نفس الثقافة وبنفس الاليات ولنفس الدوافع وعزز ذلك ان المعارضة التاريخية لم يكن لديها أي تواجد رسمي في الدول السابقة ولا تمتلك ساسة او ضباط كبار او وزراء سابقين فهل من الممكن ان يسمح للفلاحين وعمال البناء بمزاحمة رجالات دولة عتيدين؟

 

أمل اخر كاذب:

استمرت ساسة الدولة الجديدة في الاستعباد طيلة الفترة الممتدة من سنة 1921 وحتى انقلاب 14 تموز 1958 وقد عزز هذا الاستعباد (مضافاً للطائفية) عاملان جديدان هما الموقف الفقهي لبعض علماء الدين وتحريمهم التعامل مع البريطانيين بما يشمل المدارس والوظائف وهذا ما ساهم في الاقصاء (الذاتي) هذه المرة والموقف البريطاني الذي اتسم بالكراهية ونزعة الثار بسبب الموقف التاريخي الداعم للدولة العثمانية والمناهض للاستعمار الجديد، فكان ذلك بمثابة الفرصة الذهبية للبعض ليعزز الاستحواذ ويحكم قبضته على الامور. وعلى عادتهم التي جرتهم الى ما وصلوا اليه صدق هؤلاء المهمشون بان الشمس قد اشرقت بعد طول افول وان لا مجال لاي مشكك بعد الان الا ان يطرح هواجسه جانبا وينطلق مهللا للوقوف بجانب العهد الجديد الذي اعلنه بيان رقم (الف) الذي اطاح بالنظام السابق وجاء بالعهد الجمهوري. ماذا وهل يبقى أي مجال للشك بان النظام الجديد لا ينتمي الى الانظمة السابقة لا بثقافته ولا بروحه ان خطابه السياسي ومبادئه وقادته تعلن للشعب جميعا انهم متساوون امام القانون وان عهد الظلم والجور قد ولى الى غير رجعة وكانت شخصية عبد الكريم قاسم احدى المعززات للايمان بهذه المبادئ فلقد كان الرجل (والحق يقال) يتسم بقدر كبير من الخلق وتجاوز الانتماءات الضيقة، لكن النوايا الطيبة لرجل واحد في وسط نظام اجتماعي وسياسي مشبع بثقافة الاستئصال والطائفية لا يمكنها ان تقدم حلولا سحرية وتنتزع الخبث من شياطين الطائفية فبقيت البنية السياسية والعسكرية (في بلد يحكمه العسكر سرا وعلنا) كما هي عليه. بل ويقال (ولست متاكداً من ذلك) ان عبد الكريم قاسم قد دفع حياته ثمناً لمجموعة من العوامل احدها انه ينتمي للشيعة من ناحية الام. ثم توالت الانقلابات والانظمة والتي توجت اخيراً بابشع واحط نظام عرفته البشرية (ولا اقول ذلك للمبالغة) وباكثر الرجال وحشية وبربرية (نظام حزب البعث وصدام حسين) والذي شهد العراق في عهده مجازر بشرية طالت الجميع دون استثناء لكن الطائفية في عهده وعهد سلفه البكر وصلت الى ذروتها واصبحت تمارس بشكل فج وعلناً وبلا استيحاء. ولا نريد ان نسوق الارقام والوقائع على ذلك فلقد تعرض الكثير من الكتاب والباحثين والمؤرخين لهذه المرحلة معتبرين أنها من اسوأ ما شهده العراق في تاريخه القديم والحديث.

 

الشوفينية: الذراع الاخرى للوحشية:

اذا عدنا مرة اخرى لبدايات التجربة الاموية يمكن لنا سهولة ان نعثر على جذور النزعة القومية الشوفينية في مواقف قيادات هذه الدولة وفي ثقافاتها (التي تأسست بشكل كبير على يد الوضاعين الذين غرسوا فكرة القومية كرافعة وجوهر الاسلام الذي ما كان ولن يكون في يوم من الايام ينتمي الى قبيلة او قومية. وقد تسميه الدولة (الوريثة للاسلام) باسم اسرة من هذه الاسر العربية (بنو امية) وتعاملت هذه الدولة بتعامل واضح مع غير العرب، ونتجت الدولة العباسية على منوالها وبشكل اشد قسوة وهو ما فتح عين غير العرب الى تغير اساليبهم ونهش هذه الدولة من الداخل وهو ما حدث بالفعل في عصور الخلفاء المتأخرين لهذه الدولة حتى اصبح هؤلاء الخلفاء اضحوكة لمجتمعاتهم. وحين انهارت الدولة العباسية وقامت الدولة العثمانية فان هذه النزعة العنصرية والممارسات المهنية ضد الشعوب والقوميات الاخرى لم تتبدل بل الذي تبدل هو قيام العنصرية التركية بدل العربية ويروي لنا التاريخ صفحات سوداء ومخزية لهذه الروح النهجية القائمة على فكرة تفوق الدم وقد انتقلت هذه الثقافة على شقيها العربي والتركي الى الدولة العراقية الجديدة وبدت ملامح الرفض والاستعلاء على الكرد واضحة للعيان ومن هنا بدات قصة جديدة للكراهية وبدا واضحا لكل متتبع ان قطار هذه الدولة لا يسير الا على سكة الشيعة والاكراد وان عجلاته لا تنزلق الا على هذين النوعين من القضبان ولكن هل سيصل الى محطته النهائية ام سيبقى يسحق الى الابد.

لقد تعرض الكرد في مراحل مختلفة من تشكيل هذه الدولة الى مذابح مروعة. وواجهوا مصيراً اسود بلغ ذروته في زمن السيء الصيت صدام حسين فمارس على مرأى ومسمع العالم ذبحاً جماعياً لهذا الشعب دون تفريق من يعارض ومن لم يعارض مدفوعا بشهوة الدم وثقافة الدولة (العربية الاسلامية) والتي تعني ترجمتها التاريخية في العهد الحديث استئصال ما هو كردي لانه مناقض للعروبة وما هو الشيعي لانه مناهض لاسلام الدولة الاموية.

 

الثقافة جوهر التاريخ:

بعد هذا العرض السريع لجذور المشكلة التي نود مقارنتها يتنصب امامنا حقيقة لا يمكن التهرب منها او تجاهلها لتفسير ما يجري. صاغها احد الفلاسفة بعبارة رائعة وموجزة حين طلب منه تعريف الثقافة فقال (الثقافة هي ما يبقى بعد ان يزول كل شيء) ففي كل عملية التغير والتطور التاريخي للمجتمع العربي الاسلامي وانظمة السياسة المتنوعة والتي تبدلت واخذت اشكالاً شتى وعلى الرغم تغير الانظمة والقوميات وتبني اديولوجيات مختلفة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار من الاسلام المتطرف الى العلمانية المتطرفة فان امرا واحدا بقي ثابتا لم يتبدل وهو الموقف من هذه الطائفة او تلك القومية وهذا ما نسميه بثبات العامل الثقافي او العامل الاساسي وهو ما يفسر لنا كيف تجتمع ارادة العلماني مع الاسلاموي وثباتهما على هذه الكراهية المقيتة، لقد اشار احد الباحثين[2]. الى احد التطبيقات المخزية لنظرية العامل الثقافي حين رصد قيام السلطات في العراق الى اعدام ومطاردة قادة الحزب الشيوعي العراقي ممن ينتمون الى الشيعة (سوسيولوجيا) دون غيرهم على الرغم من معاداتهم الصريحة في ذلك الوقت لكل ما هو ديني وعلمانيتهم الشديدة أنئذ وذلك في ستينيات القرن الماضي.

ويمكن لنا ان نقدم دليلاً اخر يفسر كيف يمكن لعلماني شديد العلمانية ومتدين شديد التدين ان يتخذ الموقف نفسه فيما لو كان يغذي الطرفين العامل الثقافي فكلنا ندرك ونسمع ونرى موقف الحضارة الغربية من الاسلام بشكل عام[3]. وكيف ينظر الانسان الغربي ـ سواء كان يحضر الى الكنيسة اسبوعيا او كان ملحدا او علمانيا ـ بعين الشك والريبة والتوجس للمجتمعات الاسلامية. فهنا لا يمكن ان نفسر ان الدين لوحده هو الذي يسبب ذلك اذ ان ذلك يفسر موقف المتدين المسيحي مثلا او لنقل المتطرف المسيحي اما الملحد او العلماني فانه يتغذى على ذاكرة تاريخية تم بنائها عبر تطور تاريخي طويل وعبر تقنيات تخلط بين الوهم والحقيقة وبين النظرية والتطبيق وتضخ بشكل دائم نمطيات سلبية عن المسلمين وتثير مشاعر الخوف والريبة، كل هذه التقنيات وغيرها هي عبارة عن مزيج من العناصر النفسية والثقافية والدينية والاساطير شكلت خلفية الفرد الاوربي ضد المسلمين وهي ما تسمى الان بالصليبية الجديدة. وهي ثقافة راسخة الى حد كبير ومتوارثة يتم تحديثها بين اونة واخرى حتى لا تفقد تاثيرها تقوم بوظيفة الفصل والكراهية في ان واحد ان من يلقي نظرة على موقف المجتمع العربي حاليا سيجد ان الانتماء الموحد للمثقفين من كل الاطياف الشديدة العلمانية منها او الشديدة التدين وعند كل الطبقات والمستويات الثقافية يتحرك باتجاه واحد وهو الكراهية والرغبة العارمة في الانتقام تجاه التجربة السياسية في العراق (نستثني من ذلك قلة قليلة من المتنورين) وما كان من الممكن حدوث هذا الانسجام والتوحد لو لم يكن جميع من يمتلك ادوات التاثير على الرأي العام قد اتفقوا في الدوافع والموقف والتحليل. ولا يمكن لذلك ان يحدث لو لم تكن الذاكرة التاريخية والثقافة الموروثة والافكار والتطورات النمطية الراسخة تقف خلف ذلك.

ان فكرة الفرقة الناجية التي قادت ووجهت الموقف التاريخي ضد الشيعة باعتبارهم خارجون عن الاجماع وعلى الحاكم الذي يجب طاعته هو الاخر وان كان ظالما (نظرية اطاعة الحاكم) تم استيحاءها بشكل كامل تقريبا عن الاشد الانظمة علمانية فبقي الشيعة الفرقة الهالكة وبقيت أي معارضة يقودونها، حتى ولو كانت من اجل الحصول على ابسط الحقوق، تصنف على انها ثأر تاريخي وامتداد للخروج السابق على الحاكم. وليس غريبا ولا زلة لسان ان يقول البكر انني احب العباس لشهامته وعروبته اذ وقف مع اخيه الحسين لكنه يتحدث عن الحسين(ع) بسلبية واضحة لانه يعتقد انه قد خرج على الحاكم في ذلك الزمان وهو يرى ذلك شقا لوحدة الصف وانحرافاً عن الدين، بغض النظر عن طبيعة الحاكم او السلطة وطبيعة مبادءها وسلوكها.

 

صدام حسين ونهاية التاريخ:

يمكن القول بحق ان البكر وصدام حسين احد ابرز ممثلي هذا الاتجاه التاريخي الذي يظهر باشكال مختلفة دون ان يغيير جوهره تجاه هذه المعارضة التاريخية التي صنعها الحسين الشهيد(ع) في ملحمة كربلاء. ولقد بالغ الاخير في قسوته الى الحد الذي وصلت فيه الامور الى درجة لاتطاق، ولم يعد ممكنا ـ طبق منطق التاريخ ـ ان يستمر الوضع على ما هو عليه فكما قال النبي(ص): (الملك يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم) وتحركت ارادة التاريخ طبق حسابات غير منطقية من وجهة نظر سياسية بحتة لكنها منطقية بل وحتمية عندما يريد الله ذلك. ودخلت قوات من كل حدب وصوب، وما هي الا ايام حتى انهار الجبروت بطريقة لم يتوقعها الكثيرون ولم يفرح بذلك الا الاحرار والضحايا وقام على اعتاب ذلك نظام جديد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.

 

مجلس النواب: عود على بد

لم يكن هذا التغيير ينسج على منوال الانقلابات السابقة، بل تغير كل شيء بداً بالنظام السياسي والمنظومات العسكرية والقوى الاجتماعية الفاعلة والمهمشة وانهار ايضاً (وهو الاخطر) الكثير من مسلمات التاريخ والثقافة التي كانت الذراع الايديولوجي لقيام وسقوط الانظمة التي توالت على حكم العراق بل وكل الانظمة التي شابهت وتشابه نظام صدام حسين وسيشهد التاريخ اثار هذا التبدل بشكل غير معهود والمسالة هي زمن فقط.

ومن اهم نتائج هذا التغيير الاختفاء الكامل والنهائي لمجموعة خطيرة من المبادئ والقيم التي ساهمت في تدمير عقل وارادة وكرامة هذا الانسان ومنها الحاكم والفرد والايديولوجيا الواحدة والحزب الواحد والقدر التاريخي للحاكم او المحكوم والحق التاريخي في الحكم وهي قريبة من فكرة التفويض الالهي التي تخلصت من اوربا نهائياً. وقامت بدل ذلك قيما وافكارا جديدة تؤمن بالمشاركة والتعدد والحرمة والحرية والمساواة ومرجعية الدستور وحكم الشعب لنفسه والتوزيع العادل للثروة والتبادل السلمي للسطة وغيرها من المبادئ التي اعتقد جازما بانها اخطر نتائج هذا التغيير الجوهري والشامل. وكان من الطبيعي ان يتبلور عن هذه المبادئ نظام سياسي يترجم هذه المقولات الى حقيقة ويقترب من الحلم الذي راود الجميع ويضع اللمسات الاولى له.

وكان من الحتمي ان ياخذ هذا النظام شكلا تمثيليا للمجتمع والقوى السائدة فيه و لايستطيع احد مهما اوتي من قوة بما في ذلك القوى الكبرى التي قادت عليه التغيير ان يتجاهل هذا الحلم او هذه الرغبة وكان من المستحيل العودة الى الوراء حتى ولو تمت بالتضحية برجالات وقادة النظام القديم وتحميلهم وزر ما جرى، فلم تعد اللعبة تنطلي على احد. فكان الاحرار منذ البدء مصرين على قيام حكومة منتخبة ودستورية وهو ما حدث فعلا وتم في 15-1-2005 التصويت على الدستور بعد ان صاغته اول جمعية وطنية واجريت اول انتخابات لاول مجلس للنواب قائم على الدستور في كانون الاول 2005.

وهنا علينا الرجوع للوراء قليلا حيث راهن البعض على الاطاحة بالنظام الجديد عبر مقاومة داخلية ودعم اقليمي بلا حدود وهو ما حرم بعض قطاعات الشعب من المشاركة بانتخاب اول جمعية وطنية وعزز ذلك فتاوى من هنا وهناك تحرم المشاركة وجاءت نتائج على الارض عكس التوقعات وهو ما دفع الكثير الى اعادة النظر في موقف السابقة والمشاركة في انتخابات مجلس النواب ولاول مرة تقف مكونات الشعب العراقي جنبا الى جنب في تجربة فريدة  غير مسبوقة تقوم على التمثيل الحقيقي جغرافيا وعدديا في ظل اجواء مخيفة من التطاحن الاجتماعي الذي يتغذى على تصارع الارادات الاقليمية الدولية. وهنا بدات مرحلة الصراع بالاصالة والوكالة عن التاريخ والقوى الممثلة له. ان المراقب لن يستطيع قطعا ادراك ما يجري بدقة دون ان يدرك مدى حضور المكبوت واللاشعور والذاكرة التاريخية وكل المخاوف والذكريات المفجة والمخيفة وكل اجواء الشك وعدم الثقة والرغبة في اضعاف قدرات الاخر بل والاطاحة به ان امكن. ولا يمكن له ايظا ان ينتشل الحقيقة فقط من خلال ما يجري امام شاشات التلفاز والتصريحات بل ان احاديث الكواليس والتثقيف الخاص والافكار النمطية والتاثيرات الدولية والاقليمية وضغط الشارع والذاع التي كانت تقع في يوم وتهديدات وتحذيرات بعض رجال الدين ودور بعض القنوات والصحف وتصريحات الساسة والمثقفون العربوغير العرب وتنظيرات الايديولوجيات المطرفة التي تضخ يوميا عبر وسائل متعددة هذه العناصر وغيرها وكانت حاضرة بشكل يمي في عقل ونفس هؤلاء النواب. ان مقاومة ذلك له كان يحتاج الى ارادة غير طبيعية في القفز على هذه الضغوط الهائلة واشد ما كان بقلق هؤلاء النواب خصوصا من امنوا وساندوا النظام الجديد ويقض مضاجعهم وبجعلهم في حالة توتر دائم هو الخوف المركب الذي كان مشتت التفكير ومستثرا سلوكا قائما على ردة الفعل احينا ويمكن الاشارة الى العناصر التي توجه سلوك النواب بما يلي:

1.                  الخوف على النظام السياسي الجديد من ان يتعرض الى نكسة خطيرة او انهيار.

2.                  الخوف من تغلغل قوى النظام السابق وتسللها لاجهاض التجربة من الداخل.

3.                  الذاكرة التاريخية المريرة التي تمتد بامتداد التاريخ الذي ذكرناه.

4.                  اليقين بوجود بعض القوى داخل المجلس لم تؤمن في يوم ما بالنظام السياسي الجديد.

5.                  التوجيهات والاثيرات الاقليمية لبعض النواب.

6.                  تاثير وسائل الاعلام وما شابه من اخبار وتحليلات.

7.                  الجرائم التي يرتكبها الخارجون عن القانون وعلى راسهم القاعدة.

8.                  الرفض الكامل من النظام الرسمي العربي للنظام الجديد.

9.                  التباين في مستويات الوعي والقدرة لدى النواب.

10.               التنوع الشديد والتعدد الذي يجعل من الصعب صياغة موقفه تجاه الحكومة والقضايا الاخرى.

11.               الافتقاد للتقاليد البرلمانية وغياب ثقافة الاختلاف.

12.               الافتقاد للموقف الموحد من الارهاب.

13.               تباين المواقف تجاه الاحتلال.

 

الخاتمة:

ان تفسير مواقف النواب المختلفة بعامل او عاملين او احالة ذلك الى عامل الصراع الشخصي او الصراع على السلطة او المصالح يخل بشكل كبير ويؤثر بشكل واضح في فهمنا لشروط الصراع التي تقف خلف كل موقف وكل كلمة وكل سلوك او تصرف ويسلب من الكثيرين منهم ؟؟؟ في ان يعرف الاخرون بدقة ما كان يجري وما يجري الان.

انني كمشارك في هذا المشهد طيلة هذه الفترة الماضية لا يمكن لي ان استبعد عامل الصراع الشخصي او الصراع على السلطة لكن من الصعب على التسليم بان الامر الواقع يتعلق بهذين العاملين فقط بل استطيع القول وبثقة كاملة ان علاقات الخوف والشك كانت هي المحرك الاساس لهذا الصراع وكنت اسمع ولا زلت دقات قلوب الكثير منهم وهي تقول معبرة عن خوف الملايين من خلفها (اعطونا مستقبلاً.. فقد اكتفينا من ماضيكم.


الهوامش



[1] هناك عدة نظريات تفسر الصراع الانساني على اساس وجود عامل رئيس او اساسي ( دون ان تغفل بالطبع دور العوامل الاخرى ) فالاسلام يرجع الصراع الى الرغبات او النزعات المنحرفة للانسان والماركسية ترى في الاقتصاد بنية تحتية لكل البنى الاخرى وبالتالي فان كل مرحلة في التاريخ البشرية وما تختزنه من صراع ليس الا تعبيراً عن الشكل الاقتصادي للمجتمع اما مدرسة التحليل النفسي لفرويد فترى في الجنس محركاً اساسياً للسلوك وبالتالي للصراع المصاحب له .

[2] الشيعة والدولة الاموية: حسن العلوي .

[3] مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي

المزيد من الاخبار

  الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني (خاص لمدارك)

  لجنة الثقافة والاعلام في البرلمان العراقي (خاص لمدارك)

  الاطر الدستورية والقانونية للهيئات المستقلة (خاص لمدارك)

  سياسات العنف الجماعي (خاص لمدارك)

  دور البرلمان في مكافحة الفساد (خاص لمدارك)

  الإرهاب .. وتكنولوجيا المعلومات(خاص لمدارك)

  رؤية إسلامية لثنائية الإنسان والعنف (خاص لمدارك)

  العنف السياسي (خاص لمدارك)

  العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

  أثر العنف في الفن التشكيلي (خاص لمدارك)

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...