ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

 نظام الحكم في الإسلام ..

سالم جلود

الجزء الأول

مقدمة

يحتل نظام الحكم  اعلى درجات الاهمية في الفكر البشري لدوره الفاعل في كل مفاصل المجتمع وبناه التحتية ونتيجة للتجارب المريرة التي عانت منها كل الاجيال على مدار التاريخ الإنساني بحيث لم يخل شعب من الشعوب  من فترات الظلم والجور واستخدام اقذر اساليب القمع والتصفية الجسدية والمعنوية التي مورست في ابسط التجمعات البشرية وفي اكثرها تطورا على اختلاف في الالية وقواعد العمل .

وما هذه الدراسة الا محاولة مختزلة للبحث في  هذه المشكلة .

ونتسائل ابتداء، هل ان مشكلة الحكم هي مشكلة عرضية يمكن التخلص منها كليا رغم ما قدمنا من شمولها لكافة الفترات السابقة من تاريخ الانسان ام انها جوهرية ودائمة في المجتمعات البشرية وانما من الممكن تحجيمها والسبطرة عليها ؟

ما هي اسبابها ؟

و ما هو علاجها ؟ 

ونجيب بكل تاكيد ان المشكلة اصيلة في كل المجتمعات وجميع الازمنة لارتباطها بتركيبة الإنسان الفكرية والنفسية وقيمه العملية الفعلية اذ يتصف الإنسان بمحدودية ادراك وبتركيبة متنوعة التاثير على توجهاته من فكرية مثالية تدفعه إلى الطوباوية والاحلام إلى نفسية اجتماعية تدفعه إلى الشهرة وحب الظهور والمكانة الاجتماعية  إلى غرائز جسدية تتطلب الاستجابة .

وترتبط من جهة اخرى بالسبب العقائدي او الفكري المحدد لنظرية الحكم التي يدين الإنسان  بها ومدى قدرتها على تجاوز اشكاليات العلاقة بين السلطة والشعب ، بين الحاكم والمحكوم ، ويتداخل تاثير هذين العاملين تداخلا متفاوتا في تلك الاشكالية فقد يتوفر الإنسان النزيه ولكن تربكه طريقة او نظرية الحكم القاصرة وقد يحدث العكس فتتوفر النظرية المناسبة ولكن يشلها الشخص او الاشخاص غير الجديرين بتحمل المسؤولية .

وفي الوقت الذي مارست فيه الإنسانية نشاطها الفكري لتجاوز الاشكال النظري في طريقين هما استنطاق الاصول العقلية من جهة واستيحاء التعليم الديني من جهة اخرى فان السبب التربوي بقي عصيا على التحكم والسيطرة لتعلقه بارادة الخير والشر في وجدان الإنسان .

وبناء على ما سبق فان علاج الاشكالية  داخليا بالرهان على تربية الإنسان وتطهيره قد باء بالفشل في اغلب الاحيان بل يكاد الامر يكون دائميا .

ومن هنا فقد اتجهت الإنسانية في عصرها الحديث إلى العلاج الخارجي كاسلوب امثل يتجاوز كل احتمالات تذبذب الذات البشرية وانحرافاتها وذلك عن طريق التحديد – تحديد صلاحيات المنصب ومدة اشـغاله - والمراقبة والمحاسبة , تاركة المجال لمؤسسات المجتمع  المعنية  تمارس دورها المهم في العلاج الداخلي  من خلال  تربية الإنسان وتنشئته ثقافيا وحضاريا بشكل يوازن فيه بين حقوقه وواجباته دون التعدي على حقوق الاخرين حرياتهم ، ومستخدمة نتائج ذلك في اختيار الاشخاص المناسبين لموقع القيادة في المجتمع .

وقد حاولنا في هذا البحث ان نلقي الضوء – بشكل مختـصر يفي بحجم البحث ومقصده - على الجوانب السياسية في السيرة  النبوية والراشدية واهم ما انتجه المفكرون المسلمون قديما وحديثا لننتهي الى محاولة  المساهمة في حل ثلالة اشكاليات تواجه الفكر السياسي الاسلامي وهي التشنج في صياغة نظرية الحكم، وفي تطبيقها، وفي اسس التعامل مع نظرية حكم مغايرة

نظرة عامة على المسحة السياسية للواقع العربي في مكة قبل الاسلام

لقد طبعت السمة القبلية مجتمع مكة بطابعها وقد تمتعت القبائل المختلفة باستقلالية تامة في القضايا التي تمس علاقات افرادها في ما بينهم وتقيدت  بتقاليد عامة ملزمة لجميع القبائل في حالة النزاع بين فردين اواكثر من قبيلتين مختلفتين اضافة إلى شؤون الحرب من تقاليد قتال واشهر حرم يوقف فيها القتال والمعاهدات المبرمة بين القبائل وديات القتل وامور التجارة  وقد تميزت بعض القبائل عن بعضها في ممارسة مهام قيادية تبعا لامكانات قائدها وقابلياته الشخصية وقوة عشيرته فقد انتزع  قصي بين كلاب(([1])) زعيم قريش السيادة من قبيلة خزاعة بالقوة نتيجة لاستعانته بقبيلة بني عذرة وقسم من قبيلة قضاعة ، وقد قام بتقسيم ما حول الكعبة خططا انزل فيها القبائل المختلفة حسب ترتيب معين بعد ان اختص هو وعشيرته بسكنى الحرم واهتم ببناء الكعبة ووضع الحجر الاسود فيها  وحفر الابار ونظم شؤون المدينة الاجتماعية واسس دار الندوة التي كانت معظم امور قريش تمارس فيها، حيث تعقد الزيجات وتتم المشاورة في الامور العامة وتعقد رايات الحرب، كما قام بتنظيم امور الحج واوجد الوظائف التي تؤمن لوازمه واحتياجاته ، واخذ لنفسه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء.. وقد عبر كل ذلك عن نظرة حضارية تمثلت في نقله قريش إلى التحضر وتخطيط منطقة الحرم  واسكان الناس في البيوت بدال الكهوف والبوادي وابتكار صيغة مستقبلية تضمن وحدة القبيلة في انشائه دار الندوة  مركزا لتبادل الاراء وتبادل المشورة في قيادة القبيلة ، كما تم التوصل إلى تلك الصيغة من اعتراف القبائل العربية بالمكانة المتميزة لقريش التي عبرت عنها مواثيق قريش واتفاقياتها مع القبائل الاخرى والمعروفة بـ (الايلاف )، وقد كان مجتمع مكة مجتمع الرجال وقد حددوا عمر من يحق له ان يحضر الندوة بالاربعين .

اعطت قريش لنفسها حقوقا مترتبة عن سكناها الحرم من قيبل الوظائف الادارية الكبرى والدينية التي تتعلق بالحج أي قيادة المجتمع بصورة عامة

ويلاحظ مما سبق ظهور ملامح سياسية ذات طابع ديمقراطي([2]) في وضع دار الندوة وطبيعة الدور الذي تقوم به في المجتمع المكي واخرى انسانية  في حلف الفضول الذي انشاه المكيون لنصرة الضعفاء والمظلومين الا ان  الجانب السلبي ضمن تلك التوجهات كان حاضرا ايضا في استئثار قريش بالمناصب الادارية والدينية وماتترتب عليه من هيمنة مادية تمثلت بالاستثمارات التي حصل عليها رجالاتها في منطقة مثل الطائف على سبيل المثال , وهيمنة معنوية استمرت في ظلها النزعة المحافظة على ما ورثه اهل مكة عن ابائهم من عبادة وتقاليد او اعراف .


 


([1])  نزار عبدالله  الحديثي   الامة والدولة في سياسة النبي والخلفاء الراشدين  ، ص 43.

([2])  نفس المصدر ص

 

ظهور الاسلام وبروز ملامح اكثر تحديدا لفكر سياسي جديد

دشنت العقيدة الإسلامية أول عهدها بالتواصل مع المسلمات العامة للإنسان على المستوى العقائدي الذي يرتكز على الايمان بخالق متعال للكون  ولكن مع التأكيد على وحدانيته وتنـزيهه  ووجود يوم آخر للحساب وعلى المستوى الأخلاقي الذي يستند إلى المثل والقيم التي حلمت البشرية ان تسود  حياتها.

وفي الوقت الذي تفتخر يه الثورة الفرنسية بشعارات الحرية والاخاء والمساواة فانها – أي هذه الشعارات ومرادفاتها او مشابهاتها -- كانت على الدوام مطلبا بشريا عاما لم تخل منه حضارة او مدرسة فكرية قديما وحديثا شرقا وغربا  ،  وقد تضافرت الايات والاحاديث الشريقة في التاكيد عليها والحض على طلبها وتطبيقها بل تعدى التعلبم الديني إلى اعتبارها لب الدين واساس البعثات الرسالية (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ) ، فتحرير الإنسان من العبوديات المادية والمعنوية جعلت غاية لبعثة الرسول ص  (..ليضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) وفي قول الرسول ص ( لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )  تعبير بليغ عن اساس العدالة وقوله ص " المؤمنون سواسية كاسنان المشط  "  تاكيد لمبدا المساواة.

   اما قواعد العمل السياسي من قبيل الاخذ براي الاكثرية مثلا فقد حفل بها التراث الاسلامي فعن المحقق النائيني (قدس سره) انه " في غزوة احد ، مع ان رأي رسول الله وبعض اصحابه  كان عدم الخروج من المدينة المشرفة مرجحا التحصن فيها ، وتبين بعد الحرب ان المصلحة والصواب كان في البقاء في المدينة ولكن رغم ذلك خرج الرسول من المدينة  لكون الاكثرية ايدت ذلك ، فتحمل  ص تلك المصائب الجليلة )([1]) ،  وفي حصار الطائف نزل على رأي الاكثرية في البقاء رغم ان رايه كان عدم جدوى ذلك ، إلى ان استبان لهم الامر فقال لهم " انا قافلون غدا " فسروا بذلك وفرحوا ...([2]).

وفي فصل السلطات نشير إلى ما ورد في تاريخ ابن الاثير ان عليا وهو اميرالمؤمنين فقد درعا فوجدها مع يهودي يدعي ملكيتها فتحاكما  إلى قاضي المسلمين فحكم لصالح اليهودي لانه حائز على الدرع([3])

وفي عمل الهيئات الاستشارية ودورها الفعال في التوصل إلى الحلول المناسبة لكل حال  قوله ص " اعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله "  و ما ورد عن ابن عباس انه لما نزلت "..  وشاورهم في الامر " قال رسول الله  ص اما ان الله ورسوله لغنيان عنها ولكن الله جعلها رحمة لامتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيا "  وقد اصطفى  ص نخبة من اصحابه كمستشارين له في الامور العامة بل الخاصة احيانا  ( كطلاق بعض زوجاته )([4]).

فترة الخلافة: جهز الرسول ص قبل وفاته جيشا إلى مشارف الشام وتخوم فلسطين بقيادة اسامة بن زيد بن حارثة وكان من بين الصحابة المنتدبين في الجيش ابوبكر وعمر ، غادر الجيش المدينة فعلا ولكن عندما سمعوا بخبر مرض النبي وهم في ضواحيها تريثوا ولم يمهل المرض النبي ص سوى بضعة ايام توفي بعدها .

لقد بادر الانصار إلى الاجتماع بهدف تعيين واحد منهم ولما سمع ابو بكر وعمر بذلك التحقا بهم ودار نقاش وجدال انتهى بمبايعة ابي بكر من قبل اكثر الموجودين ، بينما كان علي بن ابي طالب وبعض الهاشميين وافراد من الصحابة المستضعفين القدامى منهمكين في تجهيز جثمان النبي ص([5]).

ثم  ما لبثت الخلافة ان استتبت لابي بكر بمبايعة الاكثرين تحت ذرائع شتى .   

وعندما احس ابي بكر بدنو اجله اثر المرض الذي الم به قام بتعيين عمر خليفة له اذ يذكر التاريخ " اشرف ابو بكر على الناس ... وقال : اترضون بمن استخلف عليكم ؟ فاني والله ما آلوت من جهد الراي ولا وليت ذا قرابة . واني قد استخلفت عمر ابن الخطاب فاسمعوا له واطيعوا فقالوا سمعنا واطعنا"([6]).

وعندما طعن عمر وخاف رجال الدولة وفاته طلبوا منه ان يعين من يخلفه .... اقترح على الناس ستة مرشحين سموا منذ ذلك الوقت باهل الشورى كلفهم بانتخاب واحد منهم خليفة . وهؤلاء الستة هم علي بن ابي طالب وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وسعد ابن ابي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله ، ثم استدعى هؤلاء الستة وقال لهم: "اني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الامر الا فيكم ، وقد قبض رسول الله ص وهو راض عنكم " ثم اضاف اليهم ابنه عبدالله "يحضر مشيرا ولايكون له من الامر شيء" ([7]) وعندما اجتمع المجلس ولم يتوصل بسهولة لحسم الامر إلى اليوم الثالث وهو غاية ما حدده عمر للبت في الامر طلب منهم عبدالرحمن ان يتنازل ثلاثة لثلاثة فتنازل طلحة لعثمان وتنازل سعد لعبدالرحمن وتنازل الزبير لعلي وبعد تنازل عبدالرحمن عن حقه انحصر الامر في علي وعثمان عندها طلب عبدالرحمن من علي ان يبايعه على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة  الشيخين فاستثنى الامام سيرة الشيخين اما عثمان  فوافق على الامر كله فمد عبدالرحمن يده اليه فبايعه .

وعندها حدثت الفتنة التي اودت بحياة عثمان  توجه الناس إلى مبايعة الامام علي  الذي ابى عليهم وقال لهم " اني لكم وزيرخيرلكم مني امير" ولكنه وافق تحت اصرار الناس على اختياره فتدافع الناس إلى بيعته بشكل مكثف حتى وطئ الحسنان حسب تعبيرالامام نفسه.


 


([1])  ناصر حسين الاسدي  شورى الفقهاء مفتاح الاصلاح العام  ص 92

([2])  نفس المصدر ص 92.

([3])  نفس المصدر ص  19

 

([4])  نفس المصدر ص  128

([5])  محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي  ص 132

([6])  نفس المصدر ص  143.

([7])  نفس المصدر ص

التراث لسياسي عند المفكرين المسلمين

يحدد الفارابي([1]) خصال االرئيس الاصيل حسب تعبيره باثنتي عشر خصلة تنضوي تحت اهليته الجسدية والعقلية والاخلاقية  ولصعوبة توفر الصفات المطلوبة في شخص معين  اقترح تسمية الرئيس القائم الذي يمتلك اهم الصفات وان لم يوجد يشخص اثنان او ثلالة او ستة على ان تكون صفة الحكمة في احدهم ولا يحق لاي من البدائل السابقة ان  تشرع  بل تتبع تشريع الرئيس الاصيل السابق الذي ينحصر حق التشريع عنده.

ويبين ابن سينا([2]) مواصفات الخليفة باستقلاله بالسياسة وانه اصيل العقل  وذو اخلاق شريفة  وانه عارف بالشريعة حتى لا اعرف منه اما كيفية الاتفا ق عليه فيقول "ان الاستخلاف بالنص اصوب ،فان ذلك لايؤدي إلى التشاغب والاختلاف"

اما الماوردي الذي اعتبر كتابه الاحكام السلطانية والولايات الدينية مرجعا لاغنى للباحثين في التراث السياسي عنه فانه يتناول شروط اهل الاختيار([3]) بالعدالة والعلم والحكمة ،ثم حدد شروط اهل الامامة  بالعدالة والعلم وسلامة الحواس والاعضاء وحسن التدبير والشجاعة والنسب ثم بين ان الامامة تنعقد بوجهين احدهما باختيار اهل الحل والعقد والثاني بعهد الامام السابق للاحق وناقش الاراء المختلفة في عدد اهل الحل والعقد من اشتراط  توافق جمهور اهل الحل والعقد في كل بلد إلى شرعية شخص واحد في ذلك على اساس سيرة الخلفاء وبعض الصحابة كابن عباس الذي مد يعد للامام علي ليبايعه .

اما ابن تيمية([4]) فان الراي المهم الذي يركز عليه هو ان المعول عليه في شرعية الحاكم هو بيعة المسلمين له وليس التعيين ولا الشورى بدليل استحصال  الخلفاء لها وعدم الاكتفاء بغيرها ولولاها حسب رايه ما جازت خلافة ابي بكر بمبايعة عمر له ولا تعيين ابوبكر لعمر ولا اختيار عثمان  في شورى عمر ، اذن فالبيعة هي الاساس في راي ابن تيمية .     


([1])  جهاد تقي صادق  الفكر السياسي العربي الاسلامي ص 43

([2])  نفس المصدر ص54.

([3])  الاحكام السلطانية والولايات الدينية  الماوردي  ص 16

([4])  جهاد تقي صادق  الفكر السياسي العربي الاسلامي ص 104