ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

أثر اللاشعور على اضطهاد المرأة في المجتمع الريفي العراقي


القسم الثاني


سعدون محسن ضمد

 

تأثير اللاشعور الجمعي بالإطار المرجعي للفردي

«إن العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع. ومن دون شك فإن قواعد العقل تجد مصدرها الأول في الحياة الاجتماعية التي تشكل أول أنواع الواقع الحي الذي يحتك به الإنسان، بل ويعيش في كنفه»([1]). وفي الحقيقة إن الإنسان وهو ينمو وتتشكل شخصيته لا يستطيع أن يكون بمعزل عن الجماعة التي ينتمي إليه، وكما أوضحنا سابقاً فإن هذه الجماعة ومن أيامه الأولى تأخذ على نفسها رفده ـ على دفعات ـ بكامل منظومتها الفكرية، وهو لذلك سيعمل وفق منظومة فكرية تكون في جوهرها عبارة عن نسخة مقاربة لنسخة منظومة تلك الجماعة. ومن هنا نخلص للقول أن مسيرة القضاء على الانحراف في السلوك الفردي، يجب أن تبدأ من خطوة التعديل في بنية لاشعور الجماعة التي ينتمي إليها ذلك «ومن الصعب جداً أن تقنع امرأً على رأي يخالف ما تعود عليه من مصطلحات اجتماعية. انظر مثلاً إلى رجل قد نشأ بين جماعة محافظة تؤمن بالحجاب الشديد وتعتبره دليلاً على عفة المرأة وعلى شرفها. فهذا الرجل قد ارتبط في عقله مفهوم الحجاب بمفهوم الشرف وتركزت في أعماق نفسه قاعدة منطقية لا تقبل الشك مؤداها: إن المرأة التي [لا]([2]) تتشدد في حجابها لا عفة لها ولا شرف في عائلتها»([3]).

إن قيام المجتمع بتعميم لاشعوره على جملة الأفراد الذين ينتمون إليه، هو في الحقيقة آلية دفاعية يستخدمها ذلك المجتمع ضد عوامل التفكك والاندثار، فلا يمكن أن يكتب لمجتمع يعاني أفراده من اختلافات جذرية في القيم والمفاهيم والعادات والأعراف، البقاء، بل ستنشب حتماً بين هؤلاء الأفراد عمليات الصراع التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك ذلك المجتمع ومن ثم انهياره. غير أن هذه الآلية الدفاعية، هي في حقيقتها سلاح ذو حدين، فنفس تفعيل المجتمع لهذه الآلية هو عصيان وتمرد من قبله على كل فعاليات التغيير والإصلاح، التي تحاول التأثير عليه من داخله وخارجه، حيث أن المجتمع سيقاتل حتماً من أجل الاحتفاظ بكيانه وشكله البنيوي، وغالباً ما تكون الآليات التي يستخدمها في عمله ذاك هي آليات ضغط يستخدمها ضد الأفراد ليمنعهم بها من قبول التغيير. ولذلك نجد أن الكثير من المجتمعات، وخاصة تلك التي لم تتقدم في سلم الحضارة لا تستطيع أن تتقبل المختلف بينها، فهي تحاصره بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في محاولة لإبعاده، لما يسببه لها من قلق على المصير باختلافه عنها. وفي هذا السياق يتحدث الدكتور علي الوردي عن القسر الاجتماعي الذي يمارس اجتماعياً ضد الأفراد، حيث يصف عملية تعامل الرجل مع موضوعة الخيانة الزوجية استجابة لضغط المجتمع فيقول: «وهو [الزوج] قد يقطع أحد كفيها فيعلقه على باب بيته، أو باب المضيف، ليبرهن على أنه رجل شريف. أما إذا تقاعس عن قتلها صار موضع الإهانة بين الناس، وقد لا يقدمون له القهوة إذا جلس في المضيف، ولا يردون له التحية فيه»([4]). إن المجتمع في هذه الحالة يمارس حقه في الدفاع عن ذاته من خلال حماية قيمه وعقائده، وهذه عملية بحد ذاتها شرعية كما قلنا، غير أن المثير للخوف هو أن تكون المعايير والقيم موضوعة الحفظ من قبل المجتمع منحرفة، والمجتمع مع إدراكه لانحرافها أو عدم إدراكه يستميت في سبيل الدفاع عنها، وسبب الدفاع كما أسلفنا هو كمون هذه المنحرفات داخل البنية اللاشعورية في الأفراد ومن خلالهم في المجتمع، والعكس صحيح طبعاً، وهكذا تصبح عملية القضاء على هذه المنحرفات، وتصحيح المسار الاجتماعي عملية عسيرة يجب أن تخضع لتخطيط منهجي ودراسات متأنية وجادة.

يتحدث الدكتور علي الوردي عن المجتمع البدوي فيقول: «ويجب أن نعترف مع ذلك أن عقيدتهم هذه [ألإسلامية] لم تمنعهم عن العصبية والغزو والثأر والحمية وغير ذلك من القيم البدوية. فهم لا يرون أي تناقض بين شدة تمسكهم بالعقيدة الإسلامية وشدة تمسكهم بالقيم البدوية، أو لعلهم لا يفكرون بذلك أصلاً»([5]). وهذا الأمر يكشف عن آلية من آليات حفظ المجتمع لما يراه ضرورياً فيه من العقائد والسلوكيات، فما دامت عمليات الغزو والثأر وغيرها ضرورية من وجهة نظره، فقد سكت هو عن نداء عقيدته الإسلامية التي تحرم هذه التصرفات، وقام بوعي أو دون وعي بدفن هذه النداءات الإصلاحية في لاشعوره الجماعي، في محاولة منه لضمان حد من حدود الاستقرار النسبي لمنظومته الإدراكية.

الآن وإذا كنا معنيين خلال هذه الدراسة، بمشكلة المرأة في المجتمع الريفي العراقي، فما علاقة الإطار المرجعي بهذه المشكلة؟


([1]) الجابري، د. محمد عابد، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، ص24.

([2]) لم ترد في النص الأصلي.

([3]) الوردي، د. علي، شخصية الفرد العراقي، ص31-32.

([4]) الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مصدر سابق، ص216.

([5]) الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مصدر سابق، ص91.

جدلية العلاقة بين اللاشعور الجمعي والإطار المرجعي

إن الجواب على السؤال السابق يتعلق بتوسيع مفهوم الإطار المرجعي، أو بالخروج به من الحالة الفردية إلى الحالة الجمعية. ذلك أننا لن نستطيع أن نفهم أبعاد مشكلة المرأة الريفية في العراق إذا اقتصرنا على دراسة الإطار المرجعي ببعده الفردي، فمع انتشار مبادئ الدين الإسلامي في هذا المجتمع، لا تعود مبررة كل تلك الممارسات التمييزية التي تحصل بحق المرأة، إذ من المفترض أن الدين الإسلامي يجب أن يرفد الإطار المرجعي للفرد العراقي المسلم، بالكثير من المفاهيم والعقائد والمعايير التي توجهه باتجاه إنصاف المرأة. على هذا الأساس نستطيع أن نقول: أن الفرد العراقي المسلم (مثلاً) لو خلي وسبيله لاختلفت علاقته بالمرأة، غير أن جدلية علاقة الفرد بالجماعة، ومقدار الهيمنة التي يمارسها المجتمع في عملية إنتاج الأطر الفكرية لأفراده هي التي تكرس الممارسات التمييزية بحق المرأة في المجتمع الريفي العراقي. فما هي طبيعة التأثير المتبادل بين إطار الفرد المرجعي والمجتمع؟

قلنا إن المجتمع وكما هو واضح يمارس فعلاً دفاعياً إزاء حالات الاختلاف التي يشعر أنها تهدد استقراره بوصفه بناء يحاول أن يكون متماسكاً ومتجانساً. وهو في عملية دفاعه يستخدم الكثير من الآليات والوسائل، التي منها عملية الضغط على الفرد الذي يمثل ظاهرة الاختلاف، في محاولة لإعادته للصف المجتمعي، ويكفينا دليلاً على ذلك حوادث التاريخ التي نقلت لنا بإسهاب ضغط المجتمعات الهائل على حركات الإصلاح والتغيير، فالمجتمع المكّي كان يتعامل مع موضوعة العبادة والشعائر الدينية بشكل متجانس وهادئ، إلى أن ظهر الرسول محمد (ص) باختلافه، الذي هدد ذلك المجتمع بفقدان الكثير من المقومات أهونها ضرورة تماسكه كبناء اجتماعي. وهو لذلك ـ المجتمع ـ قاتل بشدة موجة التغيير التي حسب أن منها تهب رياح الدمار. ولا يخفى خطورة الأساليب التي استخدمها ذلك المجتمع في عملية دفاعه، والتي منها تعذيب المختلفين جسدياً، وكان ذلك المجتمع وبشكل محموم يتحول من أسلوب بشع إلى آخر أبشع منه كلما باءت محاولاته الدفاعية بالفشل. وهذه الحالة في حقيقة الأمر حالة عامة بالنسبة لجميع المجتمعات الأخرى، وأيضاً على مر التاريخ، فالمجتمع أجبر الفلاسفة الذين ضن أنهم يهرطقون على شرب السم، كما أنه أقام أبشع المجازر والمحارق في حق من حسب أنهم سحرة ومشعوذين. على هذا الأساس يشعر المختلف داخل المجتمع بالاضطهاد، ما يجعله نزّاعاً باتجاه التصالح معه، ودفن كل ما من شأنه أن يعكر صفو علاقته بالآخرين. طبعاً الذي يجب أن يكون واضحاً أن هذا الجدل الذي نتحدث عنه الآن بين المجتمع والفرد لا يكون واضحاً جداً لسببين:

الأول أنه يحدث داخل ما يسمى بلاشعور الفرد:

الثاني: لأن المصلحين أو لنقل التغييرين هم في الحقيقة أقلية لا يكاد المرء يحس بوجودهم إلا بعد اشتداد أوار المعركة بينهم وبين المجتمع، وبالتالي لا تكون الأزمة التي نتناولها الآن بين الفرد والمجتمع حاضرة في الواقع بصورة جلية إلا في أحيان تكاد أن تكون نادرة.

إذن تَحَصَّلَ لدينا أن هناك شكل من التأثير يقع من قبل المجتمع ـ من خلال منظومته اللاشعورية ـ على إطار الفرد المرجعي، فهو يقمع ذلك الإطار ويحاول أن يمنعه من إنتاج أي سلوك يكون في حقيقته مفاجئاً لذلك المجتمع ومهدداً له. ولكن هل تقتصر العلاقة بين هذين الطرفين بهذا المستوى فقط؟

في حقيقة الأمر هناك مستويين آخرين، الأول منهما تناولناه في الأوراق السابقة، ذلك هو مستوى تدخل المجتمع في صياغة الإطار المرجعي للفرد، حيث أن الفرد ومنذ أيام طفولته المبكرة يكون مشروع تأثير وصياغة وصناعة بالنسبة للمجتمع، ورحلة الصنع هذه تبدأ من الأم ثم العائلة والمدرسة، ولا تكاد تنتهي إلا في نهاية عمر الإنسان. وثانيهما: نوع تأثير يجمع كلا التأثيرين السابقين، وهو نفس عملية تأثير الإطار المرجعي المجتمعي على الفردي، حيث أن المجتمع لا يستطيع أن يحدد رؤيا موحدة إزاء أي موضوع محدد دون أن يكون له ـ بوصفه كتلة واحدة ـ إطار مرجعي موحد بالنسبة لذلك الموضوع على أقل التقادير، وهكذا فإن المجتمع سيملي على الفرد نوع السلوك الذي يجب على الفرد أن يواجه به ذلك الموضوع، بل وحتى الرؤيا التي عليه أن يشكلها بإزاءه، بالاستناد طبعاً إلى إطاره المرجعي. وهكذا نستطيع أن نتوصل لجواب السؤال الذي سألناه، فبعد أن توصلنا لوجود إطار مرجعي عام وبالتالي إنتاج موحد إزاء مواضيع التعاطي، صار واضحاً لدينا أن المرأة في الريف العراقي، وبوصفها موضوع للتعاطي المجتمعي، تكون ضحية لا للإطار المرجعي الفردي فقط، بل وأيضاً للإطار المرجعي المجتمعي العام، الذي يقوم بإنتاج الصورة الذهنية التي تتعلق بها، من جهة، ومن جهة أخرى يقوم بممارسة عملية قسر بحق مجموع أفراده لا لتبني هذه الصورة فقط، بل وأيضاً للتعامل معها تعاملاً موحداً. أي أنه يصنع اتجاهاً اجتماعاياً موحداً تقريباً إزاء موضوعة المرأة. بعبارة أخرى نستطيع أن نقول: أن هناك مفردات معرفية موحدة (تقريباً) تشترك بإنتاج الصورة الذهنية بالنسبة للإطار المرجعي الخاص بالمجتمع، بحق عملية التعاطي الجنسي من قبل الأنثى، وأن هذه المفردات ـ وبسبب طبيعة العلاقة بين الجماعة والفرد ـ نفسها تعمل في الإطار المرجعي الفردي، لتنتج صورة متماهية مع الصورة التي انتجها المجتمع. وبالتالي فأن المجتمع سيكون قد أثر على إطار الفرد المرجعي وفق آليتين، الأولى منهما هو أنه ينتج صورة ذهنية عامة خاصة به، ما يدفع الفرد للمتاهي معها أو أخذها بنظر الاعتبار. والثانية منهما، هي تصديره للمفردات التي استخدمها في إنتاج الصورة الذهنية خاصته، للإطار المرجعي للفرد، من أجل أن تكون حاضرة أثناء تعاطي هذا الإطار مع نفس الموضوع. وبخطوة لاحقة ستكون الصورة الذهنية المنتجة من قبل الجماعة، أما متبناة تماماً من قبل الفرد، أو أنها ستكون مفردة ذات تأثير فعال في الإطار المرجعي للفرد الذي يتعامل مع نفس الموضوع.

لقد رأينا سابقاً بأن الزوج أو الأخ الذي لا يقوم بتلبية رغبة المجتمع بقتل المرأة ـ الزوجة أو الأخت ـ المتهمة بالخيانة، لا يقدم له المجتمع القهوة، وهي علامة استهانة واضحة وبالتالي عملية ضغط. وكذلك لا يرد عليه السلام، وهو أسلوب من الضغط قد يكون أقسى من الأول، حيث يمكن للفرد أن يتجنب المجالس التي تقدم فيها القهوة، تحاشياً للاضطهاد، لكنه بأي حال من الأحوال لا يستطيع أن يتحاشى الطريق ويلبث جليس بيته من أجل أن يتخلص من ازدراء الآخرين له جرّاء امتناعهم عن الرد على سلامه.

هكذا يتأكد أن علينا الانطلاق في عملية حل المشاكل الاجتماعية من دراسة الإطار المرجعي المجتمعي الذي يؤثر فيها، من أجل الوصول لوضع الخطة الناجعة التي ترسم لنا معالم الحل والعلاج.

المجتمع الريفي العراقي

(نظرة موجزة )

الريف العراقي مجتمع بسيط قد يتشابه في بعض نواحيه مع الأشكال الأولى للتجمعات البشرية، حيث أن الظروف الغير طبيعية من سياسية واجتماعية واقتصادية، أدت بهذا المجتمع لا إلى العزلة السلبية عن باقي المجتمعات المتحضرة وحسب، بل إلى شيء من النكوص الحضاري والإنساني، بل وحتى على مستوى بعض الجوانب الأخلاقية([1])، ومن دلائل هذا النكوص أن هذه التجمعات البشرية كانت تلتزم بقيم ومفاهيم هي في معظم جوانبها بمعزل عن تراثها الإسلامي من جهة، وعن الحضارة الإنسانية التي كانت تحيط بها من جهة أخرى.

والملاحظة التي يمكن تسجيلها في هذا الإطار هي: العودة الغير مقصودة التي قامت بها هذه التجمعات إلى نمط السلوك الذي كان يسود مجتمع الجزيرة العربية زمن ما قبل البعثة الشريفة. خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن معظم هذه التجمعات كانت مشابهة للتجمعات البدوية، بسبب التأثر بالقبائل البدوية التي نزحت من الجزيرة العربية إلى العراق.

يعلل الدكتور علي الوردي مثل هذه العودة بتأثير القبائل التي نزحت من الجزيرة العربية إلى المجتمع العراقي، «لقد ورث أهل الريف عادة (غسل العار) من البادية. وهي عادة ملائمة لحياة البادية، إنما هي غير ملائمة لحياة الريف. وقد وقعت المرأة الريفية ضحيت لهذا (التناشز الاجتماعي)»([2])، إن الدكتور الوردي هنا يرى أن البيئة هي الشريك الأكبر في صياغة شكل ومضمون الإطار المرجعي المجتمعي أو اللاشعور الجماعي. وهو على هذا الأساس يعتبر أن لاشعور أو ثقافة أهل البادية تختلفان حتماً عن لاشعور وثقافة أهل الريف، وبالتالي فإن معتقدات ومعايير الثقافتين تختلفان عن بعضهما البعض بشكل كبير، ثم هو يعتقد أيضاً بأن المعتقدات التي تناسب المجتمع البدوي لا تستطيع الصمود لمدة طويلة بعد تحول هذا المجتمع من بيئة البادية لبيئة الريف، وأن هذه المعتقدات سوف تتبدل شيئاً فشيئاً، وإلى هذه العملية يعزوا الدكتور الـ(تناشز) الذي يعتبر أنه يلازم المجتمع العراقي بصورة عامة والمجتمع الريفي في العراق بصورة خاصة، حيث أنه يعتبر أن هذا الريف أما وريث لتقاليد وأعراف البادية، أو أنه عرضة لتأثيرها بسبب المد الذي جاءه من الصحراء. إذن فإن المجتمع الريفي ـ بحسب علي الوردي ـ يقع بين ضغطين متعارضين، فهو من جهة بحاجة للحفاظ على تقاليده وأعرافه وجملة معاييره، وهو من جهة أخرى يحاول مجارات حياته ـ حياة الاستيطان في الريف ـ الجديدة التي تتطلب شكل آخر من أشكال المعتقد والمعيار، وهكذا ففي حين يجد أن المرأة الخائنة يجب أن تقتل حفاظاً على اعتقاده البدوي المتعلق بهذا الصدد، لا يستطيع أن يوفر لها المناعة التي تحتاجها مثل هذه العقيدة، والتي من أقل ضروراتها حماية المرأة من الاختلاط بمجتمعات المدينة التي تجعلها عرضة للانحراف، ذلك أن حياة البداوة توفر هذا الشرط، والمرأة البدوية تكون بمنأى عن مثل تلك الاختلاطات، وبالتالي يكون المجتمع البدوي أكثر توازناً من المجتمع الريفي بالنسبة لهذا الموضوع، «أن من النادر في الصحراء أن تقتل المرأة لسوء سلوكها. إن ظروف الحياة البدوية تساعد المرأة على المحافظة على عفتها وحسن سمعتها. فالرجل البدوي عفيف في الغالب، وهو لا يحاول إغراء  المرأة أو التحرش بها إلا نادراً. والمرأة من الجهة الأخرى تعيش بين أبناء قبيلتها، وهي قلما تحتك بغيرهم»([3]).

لم يعد المجتمع الريفي العراقي في العصر الحديث عبارة عن تجمع بشري متماسك([4]) كما كان الحال عليه آبان الحواضر الإسلامية، بل عادت القبلية حاكمة متحكمة بمصير الفرد والمجتمع، وعاد الفرد بالتالي يدين بالولاء للمجتمع بشكله المصغر (العشيرة) الذي يحيط نفسه بعزلة شبه تامة عن المجتمع الأم وحتى أنه يعارضه في بعض الأحيان بالوسائل ولأهداف. وغالباً ما تقوم هذه التجمعات المصغرة بالاعتداء بعضها على البعض الآخر بصورة غير مبررة وبالشكل الذي تنتج عنه المذابح البشرية على النطاق الواسع نسبياً، وغالباً ما تكون هذه الاعتداءات من أجل منافع اقتصادية بسيطة، أو من أجل الحفاظ على قيم ومفاهيم ارتبطت وطبيعة الحياة البدوية التي تحياها هذه التجمعات، وهذا هو بالضبط حال المجتمع الجاهلي، وبالجملة، فقد استطاعت هذه التجمعات أن تسرب عبر الامتداد التاريخي الذي يربطها بالعصر الجاهلي جملة من الأخلاق والممارسات التي تناسب الحياة البدوية وطبيعة الترحال الدائم، الذي يحول بين الإنسان وبين الانتماء للأرض ما يؤدي بالنتيجة لعدم الانتماء للمجتمع وكذلك تناسب العوز المادي والتخلف الحضاري والفقر المعنوي الذي ينزل برؤية الفرد من مستواها الإنساني السامي إلى المستوى الفردي النفعي الضيق، وهذا إنما يؤشر إلى الفشل الذريع الذي لحق بالتجربة الإسلامية نتيجة لعدم تطبيق مشروعها الإصلاحي على كافة المستويات والأصعدة، نتيجة لجملة من العوائق المعروفة تاريخيا. نعم هناك الكثير من الممارسات الأخلاقية التي كانت تتعامل بها هذه الجماعات، وهي بالتالي مطبوعة بالطابع الإنساني النبيل إلا أنها كانت تندفع لغايات أخرى غير الغايات التي بشر بها الإسلام، مما يعزز التصور الذي يعيد هذه الأخلاق إلى تأثير المد البدوي على ريف العراق.

بعد أن تعرفنا على بعض خلفيات السلوك الإنساني، وبعض العوامل المؤثرة على هذا السلوك، صار بإمكاننا أن نتحول لصميم موضوعنا، لنورد حوادث وسلوكيات تعطيناً تصوراً عن طبيعة الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة في المجتمع الريفي العراقي، لنتحول بعد ذلك لتحليل هذه التصرفات وصولاً للتأشير على الدوافع الكامنة وراءها، وطبيعة المؤثرات التي تؤدي لإنتاجها. فإذا فعلنا ذلك نكون مهيئين لعرض التوصيات التي يمكن لها أن تجعلنا على مقربة من الحل.

سنكتفي بالنسبة لحالات اضطهاد المرأة بالتعرض لأبشع الممارسات الاضطهادية وأكثرها وحشية، وبعداً عن الإنسانية، تلك هي حالات التصفية الجسدية التي كانت وما زلت تمارس بشكل علني وسافر في هذا المجتمع، وتوخياً للدقة سنقتصر على ثلاث حالات ـ من تلك التي كنت شاهداً عليها ـ هي بمثابة العينات التي سنعتمدها في عملية التحليل.


([1]) إذا أريد من هذه الكلمة مفهومها الإنساني العام الذي يتفق عليه جملة بني البشر، لا المفهوم الخاص الذي يتلاءم ومتطلبات جماعة ما ضمن ظروف وملابسات معينة.

([2]) الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مصدر سابق، ص216.

([3]) الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مصدر سابق، ص214.

([4])  المقصود بالتماسك هنا أن يكون للمجتمع أهداف مشتركة ومصير واحد وأن ينتمي المجتمع إلى وحدة لا تشوبها تجمعات تكون على حساب تماسك المجتمع .

الحالة الأولى

كنت يومها أناهز الحادية عشر من العمر عندما خرجت في الصباح الباكر للذهاب إلى المدرسة أنا وبعض الأطفال الآخرين، حيث لاحظنا وبدون أي مقدمات خطاً من الدم يمتد من أحد البيوت القريبة من المدرسة لينتهي في الساحة التي تتوسط الحي، وبدافع من الفضول تتبعنا الخط لنجده ينتهي بتجمع غير صغير من البشر يشكلون حلقة دائرية حول أول فاجعة تنهش براءة الطفولة عندي، رأس لفتاة لم تتجاوز العشرين من العمر يبعد نصف متر عن جسدها الملطخ بالدم. لم يكن هذا الحادث ليمر على ذاكرة الطفل مروراً عابراً، وأمام سيل التساؤلات راح قب التعرف

الرأي العام، إن صح التعبير يبرر الحادثة ويصبغها بالصبغة الأخلاقية النبيلة، وبعد عدة سنوات عرفت أن هذه الفتاة كانت مجبرة منذ طفولتها على العمل، وحتى ساعات متأخرة من الليل، في واحد من أكبر تجمعات مركبات الأجرة في مدينة بغداد (كراج النهضة) والذي يعج بالمنحرفين سلوكياً وأخلاقياً، ما أدى بها لأن تتعرض للتغرير، وبالتالي الهرب مع خليل غير صادق، سرعان ما تخلى عنها بعد أن بقيت معه عدة ليال، لتعود هي للبيت الذي سيطالبها بتبرير هذا الغياب تبريراً يقبله المجتمع. وعرفت أيضاً أن الذي قام بهذه الجريمة بعد رفض الأخ الأكبر (حيث أنها يتيمة الأب)، ثلاثة من أبناء العم غير المباشرين، اثنان من النساء، ورجل واحد، وذلك بعد أن عادت القتيلة بمحض إرادتها إلى البيت.

هناك عدت ملاحظات على هذه الجريمة هي:-

1.                أن المقتولة ليست متزوجة، أي أنها غير محصنة، ما يجعل عقوبتها على خطيئة الزني ـ بعد أن تثبت ـ هي الجلد وليس الرجم حتى الموت.

2.                أن القاتل ليس ولياً مباشراً، آخذين بنظر الاعتبار وجود الأخ، ما يعني أن الأخ كان لا يؤمن بهذا المستوى من العقاب، غير أنه مع ذلك سمح به الأمر الذي يساعدنا في الكشف عن مقدار الضغط الذي يمارسه العقل الجمعي على عقيدة وإرادة أفراد المجتمع.

3.                أن المقتولة كانت مجبرة بحكم العمل على الاختلاط بالذكور وفي أوقات متأخرة من الليل، أي أن المجتمع الذي شارك الفتاة في الجريمة سرعان ما تنصل عنها وحمل الفتاة وحدها المسؤولية.

4.                اشتراك اثنين من النساء بالجريمة، وهذا عامل مساعد آخر في عملية الكشف عن ضغط العقل الجمعي، الذي نجح ليس فقط بدفع الأفراد للاشتراك بتفعيل خياراته حتى لو كانت مجحفة، بل وحول هذه الخيارات لعقيدة يؤمن بها الأفراد أشد الإيمان، فالنسوة لم يسكتن عن التمييز الذي حصل بحق مثيلتهن بالجنس، بل وشاركن بهذا التمييز.

5.                التمثيل بالضحية من خلال فصل الرأس عن الجسد، ورمي الجثة مفصولة عن الرأس على قارعة الطريق، وهذه وحشية غير مبررة إطلاقاً، خاصة إذا تذكرنا بأن الجناة ليسو أولياء مباشرين للفتاة.

 

الحالة الثانية

كون أبي رئيساً لقسم من إحدى العشائر الكبيرة، جعلني على مساس من هذه الحالة، ومكنني من الإطلاع على ما يدور خلف كواليس الحدث، كما هو بالواقع لا كما يصوره الفكر الجمعي لهذا المجتمع البسيط، الفتاة من نفس العشيرة التي أنتمي إليها، ولذلك جاء والدها بصحبة أخيها يحملون كفها المقطوع ليراه والدي علامة على الفراغ من عملية غسيل العار، الفتاة كانت بكر أيضاً، الرجل الزاني أيضاً متنصل عن المسؤولية وهارب. اجتمع في بيتنا كل من ذوي المقتولة من جهة وذوي الزاني من جهة أخرى، وتم الاتفاق على الدية التي تحدد في جلسة ما يسمى بـ(الفصل) وطبعاً الدية ليست عن القتل ولا عن الزنى ولا حتى عن التسبب بالقتل بل، عن هتك العرض، ونلاحظ على هذه الجريمة الآتي :-

1.                نفس ما ورد في بعض الفقرات السابقة أن المقتولة بكر، ممثل بها.

2.                أن قبيلة المجني عليها تطالب قبيلة الزاني بالدية، مقابل هتك العرض، وهكذا نرى أن القتل لم يحصل بدافع ديني لقمع الخطيئة، ولو كان الأمر كذلك لاكتفت قبيلة الزانية من جهتها بذبح المرأة تاركة لقبيلة الزاني مهمة معاقبة فردها الخاطئ، غير أن مطالبة قبيلة الفتاة للقبيلة الأخرى بالدية يشير للعوامل الحقيقية وراء عملية القتل.

3.                أن قبيلة الزاني تقوم بمعظم الأحيان بمشاركته في تحمل هذه الدية، ما يكشف عن أنها لا ترى أنه فعل ما يستحق القتل عليه.

4.                أن ذوي الزانية يقومون في معظم الأحيان بقطع كفها وأخذه لرئيس القبيلة، وهذا الأمر بحد ذاته يرسم علامة استفهام كبيرة ومهمة، فلماذا الكف دونا عن باقي أجزاء الجسد الأخرى؟ ألا يكشف هذا عن أن عملية الزنى في نظر هذا المجتمع هي في الحقيقة عملية سرقة لشيء ما؟.

 

الحالة الثالثة

هذه الحالة حصلت في أواخر سنة 1998، وهي باختصار، تخص امرأة متزوجة تركت بيت زوجها لعدة أيام ولجهة مجهولة، طبعاً لها عدة أطفال من زوجها، وبعد عودتها قام الزوج بإرسالها إلى بيت أهلها وتركها عندهم، وهذه رسالة من الزوج لأهل الفتاة، مفادها أن عقد الزواج غير تام بسبب خلل بالمرأة، وعليه فأهلها مطالبين برد المهر. غير أن اللافت للنظر هو امتناع هذا الزوج عن قتل زوجته.

والد هذه المرأة متوفى لذلك قام أبناء عمومتها بالضغط على أخوتها الأربعة من أجل قتلها إلا أن الأخوة رفضوا ذلك، أكبر هؤلاء الأخوة كان يمتنع عن القتل لعلمه بأنه حرام.  بعد رفض الأخوة القيام بعملية القتل وتحت ضغط أفراد القبيلة المقربين منهم فسحوا المجال لأبناء العم للقيام بالجريمة.

والملاحظ على هذه الحالة :-

1.                أولياء الزوجة المباشرين وهم الزوج والأخوة في هذه الحالة أيضاً رفضوا القيام بعملية القتل، حيث قام بها الأقارب.

2.                إن الأخ الأكبر كان يعلم بأن فعل القتل غير مبرر شرعاً، إلا أنه مع ذلك فسح المجال أمام أبناء العم للقيام به بعد أن عجز هو عن زجرهم والحفاظ على حياة أخته، وهنا يأتي نفس الكلام عن كون هذا التصرف كاشف عن الضغط الجمعي.

 

القسم الثالث