ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

أثر اللاشعور على اضطهاد المرأة في المجتمع الريفي العراقي


القسم الثالث


سعدون محسن ضمد

الدراسة والتحليل

 قبل الشروع بعملية التحليل، لا بد من الإشارة إلى بعد هذه الممارسات عن المنهج الذي رسمه الإسلام في التعامل المنصف والعادل مع مثل هذه الحالات، فحكم الزاني واحد بغض النظر عن جنسه، بالإضافة إلى أن الحكم لو ثبت([1]) بالزنى فليس لغير الحاكم الشرعي إقامة الحد عليه، وكما هو معلوم فأن هذا الحد لا تتساوى فيه المحصنة وغير المحصنة.

والآن لنحاول الوقوف على السبب الحقيقي الكامن وراء هذا الإجحاف في التعامل مع المرأة في هذا المجتمع، وحتى نكون منصفين لا بد أن نشير إلى أن غياب السلطة الحقيقية والحريصة على تمتع أفراد المجتمع بأحكام وقوانين إنسانية منصفة، قد يبرر لهؤلاء الناس قيامهم بالاحتكام إلى بعضهم البعض، ومن ثم تنفيذهم للعقوبات بأنفسهم أيضاً، كما أن هذا الغياب يجعل هذه السلطة شريكاً حقيقياً بهذه الجرائم، خاصة إذا عرفنا أنها تسمي هذه الجرائم بـ(جرائم الشرف) وهي لا تعاقب عليها العقاب المناسب. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه حتماً هو لماذا هذا التمييز من قبل المجتمع بين الجنسين؟ من أين جاءت هذه النظرة الفوقية من قبل الرجل للمرأة، في مجتمع هو في الحقيقية وريث تام للفكر الإسلامي، بكل قوانينه وأعرافه وسلوكياته، هذا الفكر الذي يقول عنه غوستاف لوبون أحد المنظرين لفلسفتي الأخلاق والتاريخ ما نصه «وفي خلال فترة الحضارة الإسلامية منحت المرأة نفس الدرجة والمقام اللذان لم يعطيا للمرأة الأوربية إلا بعد فترة طويلة جداً أي بعد أن قام عرب الأندلس بنشر أخلاق الفرسان في أوربا [......] فإن أخلاق الفرسان عند الأوربيين إنما جاءت من المسلمين وأخذت عنهم وإن الدين الذي استطاع أن يرفع المرأة من الذلة والمهانة إلى أوج العزة والرفعة هو الدين الإسلامي وليس الدين المسيحي كما يتصور العامة. ذلك أننا نرى رؤسائنا وقادتنا في القرون الوسطي ـ بالرغم من انهم مسيحيين ـ لم يكونوا يقيمون للمرأة وزناً، ولو طالعنا التاريخ القديم لما بقيت شبهة في أن هؤلاء القادة الأمراء ـ قبل أن يتعلموا من المسلمين احترام المرأة ـ كانوا يعاملونها بكل وحشية» إذن لما كانت هذه هي النظرة التي جاء بها الإسلام للمرأة، فمن أين جاء ورثته بهذه القوانين المجحفة وغير الإنسانية، ونحن إذ نتوجه إلى نفس هذا المجتمع طالبين منه الإجابة عن هذا التساؤل المشروع، فإنه حتماً لن يخرج علينا بغير عبارات الشرف وغسيل العار وصون العرض، كإجابات وافية وموجزة، يدفع بها عن نفسه التهمة، ويبرر بها وحشية العمل، لا بل يجعله مقدساً، إلا أن مثل هذه المصطلحات المبهمة والعائمة على مساحات ضبابية واسعة لا تفيدنا جواباً حتماً.

يمكننا الآن أن نعود للتأسيس الذي أسسناه في بداية بحثنا هذا، محاولين قرأة مفردات الإطار المرجعي الذي يتحكم بسلوك القتل الذي يصدر بحق فعل الخيانة من قبل المرأة. كما هو واضح فإن مصطلحات أو وحدات معرفية من قبيل (الخيانة، الشرف، العار، العرض) هي التي ستكون حاضرة في الذهن، عندما يكون المحفز هو خيانة المرأة، أو قيامها بالممارسة الجسدية بصورة غير شرعية. أي أن هذه الوحدات هي التي ستشكل الصورة الذهنية ومن ثم الإطار المرجعي المتعلق بهذا الفعل، وبعد ذلك تؤثر بصورة مباشرة في تحديد نوع الإجراء الاجتماعي والفردي. لكن من أين أتت هذه الوحدات، وهل هناك من سبيل للتأثير عليها، هل يمكن لنا ومن خلال التأثير على الإطار المرجعي ـ بالتأثير على الوحدات المعرفية المستدعاة بفعل محفز ما مثلاً ـ من تجاوز مثل هذه المشكلة الاجتماعية الإنسانية؟ وقبل الجواب على هذا السؤال، علينا أن نحدد معنى هذه الموحدات المعرفية، علينا أن نتعرف على ما تحمله من معنى في المجتمع المدروس، بعبارة أخرى ما معنى هذه المصطلحات، ما معنى مصطلح الشرف، ومتى بدأ الرجل يضم المرأة إلى مساحة شرفه، ولماذا؟ ولماذا تكون المرأة شرفاً للرجل ولا يكون هو شرفاً لها يخولها أن تدافع عنه بالقتل في حال قيام الزوج بخطيئة الزنى؟ ما معنى العار.. ما معنى العرض؟


([1]) وهنا تجدر الإشارة إلى ما يكتنف عملية إثبات الزنى ـ من شروط تجعل من فعل الإثبات حالة نادرة ـ  إسلامياً من صعوبات، وما يكتنفها عرفياً من يسر

(العرض، الشرف، العار) في اللغة العربية

أولاً: العرض

كلمة العرض في اللغة العربية تعني:«المتاع. وكل شيء فهو عرض، سوى الدراهم والدنانير فإنهما عين. قال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا ولا عقارا. تقول: اشتريت المتاع بعرض، أي بمتاع مثله. وعرضت له من حقه ثوبا، إذا أعطيته ثوبا مكان حقه. وأعرض لك الخير، إذا أمكنك. يقال أعرض لك الظبي، أي أمكنك من عرضه، إذا ولاك عرضه، أي فارمه»([1]) « والعرض أيضا: الجسد. وفى صفة أهل الجنة: "إنما هو عرق يسيل من أعراضهم" أي من أجسادهم. والعرض أيضا: النفس. يقال: أكرمت عنه عرضي، أي صنت عنه نفسي. وفلان نقى العرض، أي برئ من أن يشتم أو يعاب»([2]) وجاء في لسان العرب أن «عرض الرجل حسبه، وقيل نفسه، وقيل خليقته المحمودة، وقيل ما يمدح به ويذم. وفي الحديث: إن أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، قال ابن الأثير: هو جمع العرض المذكور على اختلاف القول فيه، قال حسان: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء قال ابن الأثير: هذا خاص للنفس. يقال: أكرمت عنه عرضي أي صنت عنه نفسي، وفلان نقي العرض أي برئ من أن يشتم أو يعاب، والجمع أعراض. وعرض عرضه يعرضه واعترضه إذا وقع فيه وانتقصه وشتمه أو قاتله أو ساواه في الحسب، أنشد ابن الأعرابي: وقوما آخرين تعرضوا لي، ولا أجني من الناس اعتراضا أي لا أجتني شتما منهم. ويقال: لا تعرض عرض فلان أي لا تذكره بسوء، وقيل في قوله شتم فلان عرض فلان: معناه ذكر أسلافه وآباءه بالقبيح، ذكر ذلك أبو عبيد فأنكر ابن قتيبة أن يكون العرض الأسلاف والآباء، وقال: العرض نفس الرجل، [......] ومنه حديث صفة أهل الجنة إنما هو عرق يجري، وساق ما هنا. من أعراضهم مثل ريح المسك أي من أنفسهم وأبدانهم، قال أبو بكر: وليس احتجاجه بهذا الحديث حجة لأن الأعراض عند العرب المواضع التي تعرق من الجسد، ودل على غلطه قول مسكين الدارمي: رب مهزول سمين عرضه، وسمين الجسم مهزول الحسب. معناه: رب مهزول البدن والجسم كريم الآباء. وقال اللحياني: العرض عرض الإنسان، ذم أو مدح، وهو الجسد. وفي حديث عمر، رضي الله عنه، للحطيئة : كأني بك عند بعض الملوك تغنيه بأعراض الناس أي تغني بذمهم وذم أسلافهم في شعرك وثلبهم، قال الشاعر: ولكن أعراض الكرام مصونة، إذا كان أعراض اللئام تفرفر[......] وعرض الرجل: حسبه. ويقال: فلان كريم العرض أي كريم الحسب. وأعراض الناس: أعراقهم وأحسابهم وأنفسهم. وفلان ذو عرض إذا كان حسيبا. وفي الحديث: لي الواجد يحل عقوبته وعرضه أي لصاحب الدين أن يذم عرضه ويصفه بسوء القضاء، لأنه ظالم له بعدما كان محرما منه لا يحل له اقتراضه والطعن عليه، وقيل: عرضه أن يغلظ له وعقوبته الحبس، وقيل: معناه أنه يحل له شكايته منه، وقيل: معناه أن يقول يا ظالم أنصفني، لأنه إذا مطله وهو غني فقد ظلمه. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير. وفي حديث النعمان بن بشير عن النبي، صلى الله عليه وسلم: فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه أي احتاط لنفسه، لا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف. وفي الحديث: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، قال ابن الأثير: العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب، وقال أبو العباس: إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع أو يسقط بذكرها من جهتها بحمد أو بذم، فيجوز أن تكون أمورا يوصف هو بها دون أسلافه، ويجوز أن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم»([3]) والعرض أيضاً «جانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب، أو سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذم منه، أو ما يفتخر به من حسب وشرف، وقد يراد به الآباء والأجداد، والخليقة المحمودة، والجلد»([4])


 


([1]) الجوهري، الصحاح، ج3، ص1082.

([2]) م، ن، ج3، ص1089.

([3]) ابن منظور، لسان العرب، ج 7   ص 170-171.

([4]) الفيروز آبادى، القاموس المحيط، ج 2   ص 334.

 

ثانياً: الشرف

«الشرف: العلو، والمكان العالي. قال الشاعر: آتى الندى فلا يقرب مجلسي وأقود للشرف الرفيع حماري يقول: إني خرفت فلا ينتفع برأيي، وكبرت فلا أستطيع أن أركب من الأرض حماري إلا من مكان عال. وجبل مشرف عال. ورجل شريف، والجمع شرفاء وأشراف، مثل يتيم وأيتام. وقد شرف بالضم فهو شريف اليوم، وشارف عن قليل، أي سيصير شريفا. ذكره الفراء. وشرفه»([1]) والشرف أيضاً «الحسب بالآباء، شرف يشرف شرفا وشرفة وشرافة، فهو شريف، والجمع أشراف. غيره: والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. ويقال: رجل شريف ورجل ماجد له آباء متقدمون في الشرف. قال: والحسب والكرم يكونان وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والشرف: مصدر الشريف من الناس. وشريف وأشراف مثل نصير وأنصار وشهيد وأشهاد، الجوهري: والجمع شرفاء وأشراف، وقد شرف، بالضم، فهو شريف اليوم، وشارف عن قليل أي سيصير شريفا، قال الجوهري: ذكره الفراء»([2]) وفي القاموس المحيط نجد أن «الشرف، محركة: العلو والمكان العالي، والمجد، أو لا يكون إلا بالآباء، أو علو الحسب، ومن البعير: سنامه، والشوط، أو نحو ميل، ومنه: "فاستنت شرفا أو شرفين"»([3]).


 


([1]) الصحاح، م. س، ج 4  ص 1379-1380.

([2]) لسان العرب، م، س، ج 9  ص 169.

([3]) القاموس المحيط، م، س، ج 3 ص 157.

 

ثالثاً: العار

«والعار: السبة والعيب. يقال: عاره، إذ عابه. والمعاير: المعايب. قالت ليلى الاخيلية: لعمرك ما بالموت عار على أمريء  إذا لم تصبه في الحياة المعاير، وتعاير القوم: تعايبوا»([1]).

الآن تجمعت لدينا من قواميس اللغة الدلالات التالية:

1.    العرض: (المتاع، الجسد، النفس، الحسب والنسب، ما يمدح المرء به أو يذم).

2.    الشرف: (المكان العالي.. العلو، الحسب بالآباء، المجد الذي لا يكون إلا بالآباء).

3.    العار: (السبة والعيب).

نلاحظ أن مفهوم العرض بحسب اللغة، يحيلنا لمقتنيات الإنسان المادية والمعنوية. ابتداء من نفسه ثم حسبه ثم المحاسن والمساوئ ثم ماله ومتاعه، وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نعتبر أن قتله للمرأة، بعد عملية خيانتها له، تعبيراً مباشراً عن محاولة للثأر، الذي يكون موجه لها، إما لتمكينها للآخر من سلب أملاكه ـ التي هي واحدة منها ـ أو تلويث نسبه أو تعريضه للذم. ولا يخرج كلا المفهومين الآخرين عن هذا المعنى. فالشرف هو المجد والرفعة التي لها علاقة بالآباء، والعار هو العيب، وهكذا تكون عملية الخيانة سحباً للرجل من عليائه، إما بتلويث نسبه، أو بجعله موضوعاً للعيب. ونحن بهذا المستوى من التحليل نستطيع أن نفهم فعل القتل الموجه من قبل (الفرد/المجتمع) باتجاه عملية ممارسة الخيانة، لو كانت هذا الفعل موجهاً لكلا الجنسين موضوعي الممارسة، غير أن المفاجئة المربكة لتحليلنا، تكمن في أمرين:

الأول: هو عملية التمييز التي تكون ضحيتها المرأة فقط.

الثاني: هو اشتراك النساء بفعل القتل ـ كما لاحظنا في العينات الأولى والثانية ـ مع أنه ممارسة تمييزية بحق المرأة.

إن كلا هذين الأمرين يدفعان بنا لمزيد من البحث والاستقصاء من أجل أن نقع على حقيقة ما يدور خلف كواليس عملية القتل. وهكذا نكتشف أن مفاهيم (الشرف، العرض، العار) لا تكفي وحدها لتفسير الموضوع، ومن ثم فهي لوحدها ليست الصانع الحقيقي للصورة الذهنية المتعلقة بالمرأة في الريف العراقي. بل نكتشف أن هناك وحدات أخرى تشارك بتشكيل المرجعية لفعلي القتل والتمييز. فما هي هذه الوحدات؟

إذا كنا حتى الآن ومن خلال استقراء معاجم اللغة، قد درسنا الجانب المفهومي الفكري للإطار المرجعي، فعلينا إذا أن نتوجه للجانب العاطفي النفسي. أي الوجه الآخر لهذا الإطار، لعلنا ننجح في الكشف عن علة التمييز التي لم نكشف عنها حتى الآن. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نجمع وحدات أخرى تشترك كمرجعية لحدثي القتل والتمييز هي: (الغيرة، حب التملك، النزعة التسلطية عند الرجل، عقدت أوديب...). فهل لهذه الوحدات من أثر على الصورة الذهنية الخاصة بموضوعنا؟

عاطفة الغيرة: لما كان فعل القتل الذي ندرسه، هو صيغة من صيغ الأفعال البدائية، باعتباره منقول للمجتمع الريفي عن مجتمع بدائي، هو المجتمع البدوي، فإننا يمكن أن نعتقد أن عاطفة الغيرة يمكن لها أن تكون تعبيراً مباشراً عن شعور غريزي يدفع الإنسان البدائي لعملية القتل، ولو كان ذلك صحيحاً لكان بإمكاننا أن نغض النظر عن عملية التمييز، باعتبار أن الفعل الغريزي، يحدث في منطقة سابقة على الإدراك وغير خاضعة له، وهو بالتالي لا يحتاج لمرجعية ما، إنه ينطلق من إنسانية الإنسان، فهو فعل لصيق بكيانه، ولا يمكن له أن ينفك عنه، فالخوف عاطفة غريزية لا تحتاج لإطار ينتجها، بل هي فقط تحتاج لمحفز، وهي على هذا الأساس متساوية بالنسبة لجميع البشر وفي كل المجتمعات. والآن هل أن عاطفة الغيرة غريزية، أم أنها ليست كذلك؟

غريزية الغيرة: في هذا الفرض تكون الغيرة عاطفة مضمرة بفطرة الإنسان ولا سبيل بالتالي إلى زحزحتها إلا بالتمرس على نهج أخلاقي خاص ولفترة ليست قصيرة، ومن ثم لو خلي الإنسان وبدائيته فإنه يعود إلى سلوكه الفطري تاركاً خلفه الأخلاق الطارئة. وهذا الفرض إن صح، فسر لنا الاستدعاء العجيب الذي قام به المجتمع موضوع الدراسة ـ البدوي وحتى الريفي ـ لأخلاق الجاهلية، حيث أنه تَمَثل نظرته الفطرية لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال هذه الأخلاق، بعد الغياب الطويل الذي طرأ على ممارسته للسلوك الإسلامي، وتميع هذا الأخير لديه نتيجة عدم توفر الظروف الموضوعية الملائمة له. وربما كنت أميل سابقاً بشيء من التحفظ لهذا الاعتقاد لولا أن أوقعني هذا البحث على دراسات أجراها بعض علماء الاجتماع تشير في نتيجتها إلى أن سلوك الرجل إزاء المرأة بهذا الشكل ليس سلوكاً فطرياً، بل هو بالحقيقة سلوك طارئ ينشأ وفق ظروف معينة، ولنقرأ ما جاء بكتاب المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها، مما يتعلق بهذا الجانب «إن العفة ليست من مقتضيات الأخلاق، فبعض الشعوب تجيز للمرأة أن تبيح نفسها لجمع مهرها، أو لتقديم تضحية تعبدية، وكانت المرأة التي تحمل قبل الزواج مرغوباً بها في بعض الشعوب البدائية لانتفاء تهمة العقم عنها، وبعض الشعوب كانت تحرم إراقة دماء أحد أفراد القبيلة، ولذلك فعملية فض البكارة محرمة عندهم لكونها تتسبب بإراقة الدماء، مما يدعوا فتيات هذه الشعوب للتعرض للأجانب من أجل تنفيذ هذه المهمة لهن، وقد تبحث الأمهات في التبت عن رجال يؤدون هذه المهمة لبناتهن»([2])، من الواضح أن سلوك الشعوب البدائية يمثل الفطرة أو على الأقل الشيء القريب منها، بحكم كون هذه الشعوب لم تصل بعد إلى التعقيد الفكري والنضوج الاجتماعي اللذان يأخذان على عاتقهما تقنين الغرائز والدوافع الفطرية، بقوانين الأخلاق، وعليه فإن تصرف رجال هذه القبائل([3])،  يؤدي إلى زحزحة القول بأن النظرة التي يتميز بها أبناء الريف العراقي جاءتهم من الفطرة.

لا غريزية الغيرة: على أساس ما تقدم نستطيع أن نفهم هذه العاطفة على أنها تنشأ بسبب كون الفعل الجنسي إذا قامت به المرأة مع الغريب فإنه يشير إلى أفضلية ذلك الغريب على غيره من الأقارب، مما يجعلهم يغارون. ومن أجل ذلك يقوم الأقارب بالاشتراك بعملية الثأر، فهم بعملية القتل يكونون قد نفسوا عن الضغط الذي تولده عاطفة الغيرة  بما يتوافق مع فهمهم لطبيعة الفعل والفاعل، إلا أن الملاحظ على ذلك أن فعل القتل إن كان بسبب الغيرة، فالأولى أن يكون منصباً على الذكر الغريب، كما حصل ما بين قابيل وهابيل، أو لا أقل على الأنثى والذكر على حد سواء، لا أن يتوجه بالفعل تجاه الأنثى فقط. كما أنه لا يفسر لنا ما حصل في الحالة الأولى والثالثة، حيث أن الأولياء المباشرين أي الأقرب للأنثى لم يتفاعلوا مع حدث الزنى كما تفاعل معه ابن العم، خاصة وأن الحالة الثالثة اجتمع فيها أربعة أخوة وزوج لم تفعل بهم عاطفة الغيرة ما فعلته بأبناء العم، وهذا يعني أن هذه العاطفة ليست السبب الوحيد وراء فعل القتل.

حب التملك: هناك رأي يقول «لكن الذي غير النظرة إلى البكارة وجعلها فضيلة في المدنيات العليا هي الملكية حيث أصبحت العذرة وامتدادها إلى يوم الزواج ضماناً لملكية صاحبتها للرجل بعد أن أصبحت الأسرة أبوية»([4])، وهذا الرأي مع أنه يتلاءم مع بعض الصفات النفعية التي يتصف بها أفراد المجتمع الريفي، وكذلك يتوافق مع تعاملهم مع النساء حيث يعتبروهن عاملات، مما أدى إلى شياع تعدد الزوجات، وكذلك يفسر قطع الكف وجلبها لرئيس العشيرة كما في الحالة الثانية على اعتبار أنه فعل رمزي يستبطن النظر لفعل الزنى على أنه سرقة لملكية خاصة تشمل حتى الفعل الجنسي الخاص بالمرأة، إلا أنه لا يفسر أيضاً قيام أبناء العم في الحالتين السابقتين بعملية التصفية الجسدية مع أنهم لا يملكون النساء أو البكارة (لأنهن ملك للزوج أو الأب أو الأخ) كما يقرر هذا الفرض، كما أنه لا يفسر اشتراك النساء بالقتل، وعليه فهو لا يكفينا للتفسير أيضاً.

 النزعة التسلطية: التسلط نزعة يتصف بها الرجل دوناً عن المرأة، وهي التي جعلته منذ أن وجد على ظهر البسيطة محارباً يبحث عن مدىً آخر يفرض سيطرته عليه، وجعلته بالتالي يحتكر أنثاه لنفسه بشكل يتلاءم مع نزوعه المريض للسيطرة، تلك السيطرة الناشئة عن الضعف والخشية من انتفاض الآخر (الذي قد يكون عدو مفترض أو حالة مؤذية) وتمرده، والتي يعرفها (بيير داكو) بقوله مفرقاً بينها وبين السلطة الطبيعية «ثمة فرق كبير بين السلطة  والسلطوية فالسلطة تعتبر قيادة بمثابة وسيلة، وتبحث عن تحقيق مدى واقعي، وأنها تحترم الأشخاص الذين تحكمهم، احتراماً كلياً، إنها إذا شئنا القيادة الديمقراطية في صورتها النقية، هذه السلطة الأصلية معطاءة لأنها غنى وقوة. وماذا عن السلطوي؟ إنه على العكس من ذلك تماماً ... القيادة في نظر السلطوي غاية في ذاتها، وهي تمثل أمناً داخلياً بالنسبة إليه، فهو يرفض إذن أي نقاش لسيطرته ويطالب الآخرين بكل شيء،  ولكنه لا يعطي شيئاً، السلطوي عدواني فهو ضعيف بالتالي، قيادته هجوم مستتر، إنه يهاجم خوفاً من أن يهاجم وأن ينال منه ويذل فالسلطوي والسيطرة هما بالنسبة للضعفاء تعويض عن النقص، ذلك أن إذلال الآخرين يمنحهم وهم السمو والقوة»([5]). قد يكون تفسير العمليات العدوانية التي يقوم بها الرجل تجاه المرأة خاصة في المجتمع الذي نقوم على دراسته بالنزوع للسيطرة على الآخرين الذي جبل عليه الرجل، أبعد ما أوردناه لحد الآن من حلول للإشكالية التي نحن بصددها، إلا أنه برأيي يفسر القتل كفعل يبتعد عن الطبيعة الإنسانية وهو بالتالي بحاجة إلى دافع قوي، خاصة عمليات القتل التي تتعلق بالاختراق غير المباشر للحدود الفردية من مثل ما يحصل عندما يقوم أبن العم بقتل ابنة عمه غسلاً للعار، ذلك أن نزعة السيطرة إذا تجذرت وترسخت بالشكل الكافي ولدت بالضرورة نزوعاً لا إرادياً للعدوان.

لكنه مع ذلك ـ التفسير بالنزعة للسيطرة ـ يبقى قاصراً عن تفسير، اشتراك المرأتين في الحالة الأولى في جريمة القتل كما أنه لا يفسر أيضاً ترك الشريك الآخر بالجريمة (الرجل) بدون عقاب مع أن ذلك مناقض لافتراض العدوانية، وقد يتنافى أيضاً بشكل ما مع ما حصل في الحالة الثانية من لجوء الأب والأخ إلى رئيس العشيرة جالبين معهم كف المقتولة كتعبير عن الاعتذار عما حصل من مساس بشرف العشيرة، وهذا التصرف يؤشر لحالة انقياد أكثر مما يؤشر لحالة قيادة.

عقدة أوديب: التي وأن كان اتجاه العداء فيها (بحسب رأي فرويد) منصباً على الأب باعتباره السّارق، لأول أنثى في حياة الطفل، إلا أنها يمكن أن تفيدنا في التفسير، إذا قلنا بأن عاطفة العداء من الممكن أن تنصب على الأم بدلاً من الأب على اعتبار أنها هي التي تركته، حيث أن مفهوم الترك الذي يفسر الطفل به غياب الأم، أقرب إلى ذهنه البسيط من مفهوم السلب الذي يفسر غياب الأم على أنه سلب لها من قبل الأب، لأنه يقتضي ربطاً واعياً ما بين الأسباب والنتائج أكثر مما يقتضيه المفهوم الثاني، فيكون العداء متوجها بحسب هذه العقدة للأم دوناً عن الأب، وبالتالي نحصل على الفرض الذي يبرر فعل القتل إذ يتوجه إلى الأنثى دوناً عن الذكر، لكنه ( الفرض) وبوضوح لا يصمد أيضاً أمام الملاحظة الرابعة من الحالة الأولى، (اشتراك المرأة بعملية القتل).

هناك طبعاً وحدات معرفية أخرى يمكن أن تشترك بتأسيس الإطار المرجعي، لم أوردها لاشتراكها مع فرضياتنا السابقة في كونها تفسر بعض حيثيات الحالات الفردية، وما نحن بصدده في الحقيقة هو تقديم التفسير لجميع أو معظم حيثيات حالة عامة، وسلوك مطّرد.

وعليه نخلص للتفسير الوحيد، الذي يحيل الجواب إلى الحالة التي تجمع كل هذه الفرضيات، منصهرة ببودقة إدراكية سابقة على لحظة الفعل، قامت بالتأسيس له، لمجموع الأسباب التي أوردناها والتي في معظمها تتضمن حالة واحدة أو عدة حالات من المشاعر المكبوتة والتي تعبر بشكل أو بآخر عن الرغبات والميول المتأصلة بالنفس.

إن الروافد التي ترفد العقل الإنساني والتي تعمل على بناء ما يسمى بـ(اللاشعور) أو العقل الباطن هي التي تجعل من الإنسان منساقاً مع سيرورة مجتمعه ليتحول بالتالي إلى مصداق من مصاديق صيرورته الآنية المحدودة بزمان ومكان محددين، فالتلقين، وتأثير العائلة، وتأثير المدرسة، وعمليات غسيل الدماغ المباشرة وغير المباشرة، كل هذه العوامل تعمل على تكوين ذهنية الفرد وفق الأيدلوجية التي يكون عليها المجموع سواء كانت هذه الأيدلوجية مقترحه ومراده، أو مفروضة نتيجة لظروف قاهرة، وبيئة معينة، هذا بالإضافة إلى ما قررناه سابقاً من إن بعض الآليات التي يعتمدها العقل في عمله تجعل منه فريسة سهلة للتحكم والتأثير، ومنها قيامه بدفع مقدمات النتائج التي تحصل لديه، إلى المناطق الأعمق من الشعور وهكذا تتوالى عمليات الدفع بالأفكار، إلى أن تكون المحصلة عبارة عن مسلمات لم يدرس العقل مدى دقتها وصدقها، وكثيراً ما نقع على تبريرات مختلفة لفعل واحد يقوم به مجموعة من الأفراد بكيفيات متشابهة، إنهم يفعلون الفعل وكل منهم لديه تصور خاص عن السبب والدافع والغاية، لأننا بعملية سؤالنا لهم نكون قد استدرجنا المقدمات التي قلنا أنها باتت من المنسيات التي جعلت كذلك للاعتقاد بصدقها بحسب رؤية وذوق كل فرد، وهكذا يكوّن المجتمع الواحد نظرته إزاء الموضوع الخارجي، من خلال اعتماده على آليات اللاشعور في بناء عقليات أفراده، وبالتالي تكوين الأخلاقيات العامة والسلوكيات المشتركة بين أفراد التجمع الواحد. فالمرأتين في الحالة الأولى كانتا عرضة لعمليات غسيل الدماغ غير المباشرة مما جعلهن يقبلن حالة قتل الأنثى الزانية على أنها نتاج طبيعي للعمل الذي قامت به، لا بل وضروري أيضاً، وعلى هذا الأساس تقبل المرأة في مثل هذه المجتمعات الواقع المرير المفروض عليهن بدون تذمر ولا شكوى بالمستوى المطلوب. ثم إن المجتمع وكنتيجة حتمية لترسخ الأفكار وتجذرها يصبح ذا سلطة قهرية لا يمكن الفرار من قبضتها، وبهذا الشكل يمارس الضغط (كآلية تحفظ له الدوام والبقاء) على أفراده، ذلك أن تجمعاً كبيراً لأفراد لا يملكون رؤية متشابهة ونهجاً سلوكياً متقارباً وإحساسا متوافقاً بالأشياء، لا يكتب له البقاء حتماً، وما الإرهاب الذي تصبه بعض المفاهيم والمصطلحات التي ينشئها مجتمعاً معيناً من مثل مفهوم العيب والعار والعرض إلا مصداقاً لقهارية المجتمع تجاه أفراده وبالتالي قهارية اللاشعور الجمعي الذي هو النتيجة الحتمية والطبيعية لـ(اللاشعور) الفردي، وهذا ما يفسر لنا قيام أبناء العم بالقتل رغم تنصل الأخ أو الأب عنه، لأن فعل القتل ونتيجة لضغط اللاشعور الفردي والجمعي متعين ولا بد من تنفيذه من قبل أحد أصحاب الصلة. وبالمحصلة نستطيع القول أن كل الفرضيات التي تعرضنا لمناقشتها محتملة وواردة في تشكيل الإطار المرجعي (الجمعي/الفردي) الذي يتشكل كقاعدة يبني عليها الكل أخلاقه وسلوكه وبالتالي نظرته وفلسفته، بقي أن نفسر انشطار الرؤية الذي يتعرض له مثل هذا المجتمع بالنسبة لفعل الزنى، والذي يتعامل معه وفق نظرتين، هما فعل الزنى الذي يقوم به الرجل، وهو حتماً فعلاً سيئاً وبالتالي جنحة أخلاقية شرعية، إلا أنه مع ذلك يُعبِّر بحسب نظرة هذا المجتمع عن حاجة طبيعية، تقع بالتالي ضمن المساحة المعقولة للحدث، مما يؤدي إلى عدم تخلي القبيلة كشكل مصغر للمجتمع عن الزاني، فهي تحميه من احتمال القتل وتتحمل معه الدية في بعض الحالات، أما النظرة الثانية فهي فعل الزنى الذي تقوم به المرأة، والذي يتعامل معه المجتمع بشكل ملحوظ حيث لا يعتبره نتاجاً لحالة طبيعية، بل إفراز لحالة متطرفة من حالات الشذوذ الأخلاقي، فيبالغ بتشنيعه، والهجوم عليه، ليعبر مثلاً وبصورة لا إرادية عن عاطفة الغيرة، وليشبع أيضاً نزعة التسلط المتأصلة، وليحافظ من جهة أخرى على ملكيته الخاصة كذكر له الحق الكامل بجسد ومشاعر أنثاه، وسبب هذا الانشطار بالرؤية هو كون المجتمع ذكري وبالتالي فإن احتكار الذكر للسلطة تعني حتماً احتكاره لحق وضع القانون الذي يحكم المجتمع وبالتالي فإن هذا القانون لن يكون إلا مَعْبَراً تعبر من خلاله رغبات وميول هذا المتسلط. إن مجتمعاً يمسك الذكر فيه بكلا السلطتين (التشريعية والتنفيذية) لا بد أن تظلم فيه الأنثى وتضطهد.

يقول الدكتور علي الوردي «الإنسان يحب الفتاة الجميلة، والضمان الاقتصادي والمنزلة الاجتماعية، لكنه لا يحب الحقيقة إلا إذا ساعدته في نوال شيء من هذه الأهداف اللذيذة والمرغضوبة»([6])


 


([1]) الصحاح، الجوهري ج 2  ص 764

([2])  المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها ، عبد الهادي عباس ص 131 ( بتصرف ) .

([3]) وقبائل أخرى تتصرف تصرفات مشابهة منها قبائل غينيا الجديدة وسكان تاهيتي وقبائل جنوب السودان وقبائل جزر سامواس الذين انفجروا ضاحكين عندما أخبرتهم الباحثة الاجتماعية مارجريت هيد[3]، بقصة روميو وجوليت حيث لم يجدوا مبررا لهذا التعقيد الذي تحيط به مجتمعاتنا علاقة الرجال بالنساء، فالأمر عندهم لا يعدوا عن إشباع لحاجة بسيطة لا تختلف في بساطتها عن حاجة الطعام والمنام، وبالتالي فلا ارتباط عندهم بين الجنس والخطيئة

([4])  عباس، عبد الهادي، المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها ص 132 ( بتصرف ) .

([5])  الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، ترجمة وجيه أسعد.

([6])  الوردي، علي، خوارق اللاشعور ص 52.

الخاتمة

في الخاتمة لا بد لنا من محاولة رسم الإطار المرجعي الذي افترضناه من أجل أن نكون قريبين من تحديد ملامح الحل لإشكالية اضطهاد المرأة. إن وحدات معرفية من قبيل (الشرف، العرض، العار، الغيرة، حب التملك، النزعة التسلطية عند الرجل، عقدت أوديب...)، كلها وحدات ستكون حاضرة في وعي الإنسان الذي يكون مستثاراً بمثير الخيانة الصادرة من قبل الأنثى، ومن الواضح أن فعل القتل التعسفي لا يمكن له إلا أن يكون ابناً شرعياً لمثل هذا الإطار، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن (الإطار المرجعي المجتمعي) المثار بنفس المثير، سيشكل عامل ضغط لا يقاوم على سلوك الفرد. كما يجب علينا أن لا ننسى أن المفردات المذكورة آنفاً لا تعتبر بالضرورة إطار حدي لمفردات تتكر في كل إطار مرجعي فردي بالنسبة لعملية اضطهاد المرأة، بل يمكننا أن نقول: أن لكل فرد إطاره المرجعي الخاص المطبوع بميزاته الخاصة ضمن التناسق العام وبالتالي فيمكن أن تحضر في إطار فردي ما، يمارس عملية اضطهاد المرأة مفردات غير تلك التي تدفع فرداً آخر لممارسة نفس الاضطهاد، وذلك حسب خصوصية كل من الإطارين. فالفرد الذي يغلب عليه الطابع التسلطي، سيكون هذا الطابع هو المفردة التي ستكون حاضرة بصورة أكبر في إطاره المرجعي أثناء ممارسة فعل الاضطهاد. على خلاف الفرد الذي يغلب عليه الطابع المسالم، فمثل هذا الفرد يجب أن تكون المفردات الحاضرة في إطاره المرجعي هي المفردات التي تمثل ضغط المجتمع وقسريته، من قبيل (العار، العيب) وما إلى ذلك.

وهكذا نستطيع أن نخلص إلى نتيجة غاية في الأهمية، هي أن فعل التغيير يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار كلا الإطارين المرجعيين، أي أن يكون الأداء ألتغييري موجهاً لكلا المستويين، حيث أن أي محاولة لإجراء عملية تغيير على الصعيد الفردي ستؤدي حتماً إلى استفزاز المجتمع، وتحريك اللاشعور المجتمعي باتجاه المقاومة والدفاع، وبالتالي يمكن أن تؤدي عملية التغيير هذه لمردود عكسي تماماً. ومن هنا يكون من الأفضل لو انطلقنا في التغيير من الإطار المرجعي المجتمعي، خاصة إذا التفتنا إلى أن بعض مفردات الإطار المرجعي لعملية الاضطهاد هي في حقيقتها مفردات مجتمعية لو صح التعبير، فالشرف مفهوم اجتماعي، بمعنى آخر هو ليس عاطفة فردية، وبالتالي يجب أن يصار لمحاولة تغيير أبعاد هذا المفهوم تدريجياً، وتحويل أنظار الآلة الإدراكية المجتمعية لأبعاد أوسع وأشمل من الأبعاد التي يعرفها لهذا المفهوم، خاصة تلك الأبعاد التي تتعارض مع فعل الاضطهاد، حيث أننا لو استطعنا أن نجعل دلالات مفهوم الشرف أوسع من دلالاته اللفظية، وبالتالي جعلناه كاشفاً ومؤدياً لـ(لصدق والشفافية والرفعة ورفض الظلم ومعارضة التعسف) أي لو أننا أقنعنا اللاشعور الجمعي بأن الشريف لا يظلم ولا يكذب ولا ينافق ولا ينشطر على نفسه عندما يكون مطالباً بتطبيق متبنياته، لو أننا فعلنا ذلك، ورسخناه في لاشعور الجماعة، لاستطعنا أن نخلق إرادة مضادة لإرادة الاضطهاد، وبالتالي سلوكاً ينساق مع الانصاف والعدالة. ونفس الأمر ينطبق على العرض والعار، ففي مجتمعاتنا الشرقية هناك إصرار غير مبرر على تغييب الكثير من أبعاد هذه المفاهيم، فالعار يجب أن ينشأ من ممارسة الظلم، ويجب أن تكون أولى الشخصيات استحقاقاً للعار هي الشخصية المتعسفة الظالمة التمييزية، ولو آمن المجتمع بهذه المتبنيات لما سمح بفعل التمييز بحق المرأة أبداً، غير أن حصر دلالة المفهوم بنطاق ضيق نتيجة لظروف اجتماعية أو سياسية أو غيرها هو الذي يستدعي الاجحاف بحق الآخر.. المختلف بالجنس أو حتى بالفكر.

إن عملية تحديد مفردات الإطار المرجعي الساكن وراء حركية عملية اضطهاد المرأة التي أجريناها، قد لا تكون دقيقة، وهي على كل حال ليست كافية، ولا بد من وجود مؤثرات أخرى تشترك في دفع المجتمع لمثل هذا الأداء الاضطهادي بحق المرأة. غير أننا أردنا على أقل التقادير أن نرسم منهجاً واضحاً يمكن له أن يساعدنا بتحديد خطوات الحل، وبالتالي التوجه للجهة الواقعية الحقيقية من جهات الداء.