ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

 إشكالية الإسلام والعلمانية

 سالم جلود

 

القسم الثاني

    

العلمانية :

            (تعبر الألفاظ الإفرنجية عن بعض أطياف التحققات التاريخية للعلمانية، فهناك عبارة secularism المستقاة من الكلمة اللاتينية saeculum التي تعني لغوياً الجيل من الناس والتي اتخذت بعد ذلك معنى خاصاً في اللاتينية الكنيسة، يشير الى العالم الزمني في تميزه عن العالم الروحي) 7 ص 18.وهنا نشير الى عدة نقاط:

            1-أن المعنى الحالي لاي كلمة بصورة عامة لا ينطبق شرطاً على المعنى اللغوي لأصل الاشتقاق، أذ قد تكفي المناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المتحقق وهذا هو الشائع في المصطلحات .

            2-أن المعنى الذي يدور حول صيغة العلمانية بفتح العين وتعني العالم والمقصود العالم الزمني  ومقاييسه الإنسانية من علم وعمل دون تحكيم الأديان التي تستند الى معطيات روحية غيبية وجعلها أي الأديان شأن وحق شخصي لا دخل له بالمجتمع وتوجياته السياسية الاجتماعية والاقتصادية وهنا ان نلاحظ ان الصيغة اللاتينية متناسية مع جذرها ولكن في المصطلح العربي فان العلمانية لا تناسب مفردة العالم -بفتح اللام- في الاشتقاق اذ كان يجب ان تكون العالمية او العالموية بناء على التناسب اللفظي أما التناسب على أساس المعنى فكان يمكن ان تسمى الزمنية او الدنيوية .

            3-اما المعنى الذي يرتكز على صيغة العلمانية -بكسر العين- فبرغم انه لا يوافق معنى الجذر اللاتيني الأصلي للكلمة، إلا أنه يوافق المعنى اللازم لها وهو تحكيم العلم البشري المستند الى أسس وضوابط إنسانية لا دخل للدين والغيب فيها

            4-ونحن هنا نختار العلمانية -بكسر العين- لانه المعنى الأقرب المتبادر الى الذهن الآن عند التعامل مع هذا المصطلح أولاً ويحل مشكلة التناسب اللغوي في الصيغة العربية ثانياً، إضافة الى ما قدمنا من وجود تناسب معين مع مفهوم العالم الزمني والدنيوية باعتباره علم دنيوي وهذه هي صفته.

            5-وقد ارتبط هذا المصطلح تدريجياً بمعاني ومصطلحات أخرى اصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة كلية تطرح كحل لإزمات المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والسعي نحو التطور العلمي والتكنلوجي .

          

عرض وتحليل لبعض اساليب نقد الفكر العلماني:

            (أن رسالة الشباب والعلماء الملتزمين في المجتمع الآن في نبذ المفاهيم الخاوية المستاعرة من الغرب والاعتماد على الصيد الهائل الذي يكمن في العقيدة والثقافة الإسلاميتن) (ليس الـ"جليباي كازينو" ولا"السوبر ماركت" او "الكولاك"ولا"قصر الكرملين" هي المحطات الأخيرة في رحيل البشر، بل أنها كانت تجربة مرة ذات عمر قصير  لا مفر لها من إعطاء مكانها لحضارة أخرى، وتعد الثورة الإسلامية في إيران من أوائل اثار تفتح براعم هذه الحضارة التي ظهرت من جديد) . ص22 .

 

 الشكلية في النقد والعموم في المدح بل المفروض ان يتم تقويم السلبيات والايجابيات وصولا الى نتائج مجدية.

            (وقد انحسرت شيئاً فشيئاً أمواج الاتجاه العربي والتأثر بالغرب بعد أن بلغت ذروتها القرن الماضي والربع الأول من القرن العشرين وحل محلها في أرجاء العالم الإسلامي وبشكل واضح تأكيد أصالة الثقافة الوطنية والنظام الإسلامي وشمل ذلك المجالات العلمية أيضا كالطب اذ بذلت الجهود لاحياء الطب التقليدي)4 ص 25 .

ونلاحظ هنا الفرح بالطابع الشخصي للتوجه نحو التراث العلمي للوطن والشرق عموماً اكثر من كون الأمر يسير مع المنهج العلمي الذي يتحرى الحقيقة العلمية اني وجدت شرقاً او غرباً، وقد وصف الأمر بأنه انحسار وهو وصف ينم عن مشاعر عدائية نفسية تجاه امور علمية وثقافية .

( ان الاتجاه الغربي او التحولات الخاضعة لهذا الأتجاه والتي حصلت في المجتمعات الشرقية لم تكن كلها تحولات طبيعية بل ان كثيراً منها فرضته الامبرالية والنظام الرأسمالي الغربي حيث لعب "الدين خسروا أنفسهم من المثقفين" "دور عملاء الاستعمار وخدمه في هذه القضية) . 4 ص 28 .

هنا يلعب وصف  أصحاب الرأي الفكري المخالف بصفات تؤدي الى الاغتيال المعنوي بعيداً عن تحري أسباب الاختيار العلمي لمناقشته او  النفسي لمعالجة اسبابه .

(ولكن المسحيين أدركوا فشيئاً ان أسلوب الاعتماد على الأوربيين هذا- يقصد الحل العسكري- أدى الى غضب معظم المسلمين وحقدهم وامتعاضهم ولا يعد حلاً بعيد المدى لمشكلتهم، فاتبعوا أسلوباً آخر وبدلاً من استدعاء الجيوش الغربية جاء بالاتجاه الغربي الثقافي الى الميدان وآثاروا المشاعر القومية العربية، ذلك لأن التغرب يؤدي الى أضعاف عقيدة المسلمين وإقبالهم على أوربا، وبذلك يحصل المسيحيون على موقع افضل لمعرفتهم بأساليب الاوربين اكثر من غيرهم . 4 ص 81.

وهنا نلاحظ اضفاء طابع المعركة على التأثير الثقافي بعيداً عن مقياس العلمي واعتباره بديلاً عن الأسلوب العسكري المباشر مما يؤجج الرفض النفسي له ، أضافه الى تحميل الاقليات جريمة خيانة وغدر اتجاه ابناء وطنهم  من الطوائف الأخرى مما يؤدي ذلك الى اثارة النعرات الطائفية والتأكيد على  الهدف هو أضعاف عقيدة المسلمين وزيادة إقبالهم على أوربا، مع الإشارة الى هدف غير منسجم مع ما تقدم فهو ان يكون المسحيين الأفضلية لمعرفتهم اكثر للأساليب الأوربيين، وكأن جريمة التأثير الغربي تعطى للمسلمين بمقدار معين يضعف عقيدتهم ولا يساويهم مع المسيحيين .

(وكان صناع المشروطة- الحركة الدستورية في إيران عام 1905 م - كلهم من المتغربين والمرتبطين بالمحافل الغربية… وقد قام هؤلاء بتدوين اللائحة المذكورة مستندين الى الدستورين البلجيكي والفرنسي وكذلك دساتير بلدان البلقان، مما ثبت ان أفكار حركة الدستور ونماذجها ومحتواها متغربة كلها. ان كلمة المشروطة اختيرت لكونها أشبه ما تكون بكلمة "جارتر" (الإنكليزية). 4 ص 110

 فالقضية ليست قضية فرز فكري بين الصواب والخطأ بين المناسب وغير المناسب بين صحة النظرية واخطاء التطبيق وأنما إثبات العمالة والارتباط بالمحافل والاقتباس من الغرب المستعمر ولا بديل جاهر عن ذلك، خاصة في تلك الفترة التي لم يجد المفكرون ذوي السمعة الحسنة بديلاً عن طروحات غيرهم من المتهمين بالعمالة، وهكذا يسقط الكاتب في أنواع من أنواع النعوت من قبيل (المحافل الاستعمارية الغربية) (الإلحادي المرتبط بروسيا) (المثقف الماسوني العميل) ( كان يعد نفسه من الوطنين) (كان عملهم الوحيد نقل افكار الغربيين) .

(نلاحظ ان طه حسين كان يصر على ربط مصر بالحضارة الغربية ويرى اتباعها ضرباً من ضروب العودة الى الذات، فياله من تغرب). 4 ص 129.

فثبت صاحبنا هنا ان طه حسين متهم بالتغرب وهذا غاية الادراك، اما نظرة طه حسين الى منهج اتباع الحضارة الغربية واسس ذلك فانه لا يتجاوز ذلك فحسب بل انه يقتبس عبارة طه حسين في قوله"الاستفادة من كل خصائص الأوربية في الثقافة الغربية" وضع بين قوسين عبارة (حسنها وقبيحها). 4 ص 129رغم ان كلمة خصائص تعني المزايا ولا تشمل القبيح .

(لقد كان يعقوب صنوع اليهودي وشبل شميل المسيحي وطه حسين وعبد الرازق من الوجوه البارزة لهذا التيار وقد شجع استيلاء إنكلترا على مصر اشباه المثقفين هؤلاء وجرأهم اكثر على مهاجمة القيم والثقافة الإسلامية، وتعرض علناً للعادات والتقاليد الفكرية والاجتماعية للشرق وكانت لهؤلاء علاقات ودية بالمستعمرين ايضا). 4 ص 121 .

يوضع اليهودي والمسيحي وطه حسين الازهري المتحول الى الاتجاه العلماني وعبد الرازق الأزهري الثابت على ازهريته لمجرد إنكاره لوجود نظام حكم إسلامي محدد في مرتبة واحدة. وهم يوصفون بانهم انصاف مثقفين  ليس على أساس نهج واضح وانما هو على اساس خيارات فكرية مختلفة، ثم المساواة بين المواضيع التي تناولها هؤلاء الكتاب رغم تنوعها بين الدينية واللادينية فهي القيم والثقافة الإسلاميتين وهي العادات والتقاليد الفكرية بل والاجتماعية ثم الدائرة المكانية لذلك فهي الشرق وليست البلدان الإسلامية ووصل اتساع الأمر الى إثبات تهمة ان لهؤلاء المفكرين علاقة ودية بالمستعمرين الذين قد يكونون مفكرين محايدين لا علاقة لهم بأفكار الاستعمار التي تتبناها حكوماتهم.

(لقد أثبتت التجارب التي مرت بها جميع الشعوب الإسلامي في تاريخها ان الاتجاه الغربي الثقافي والولع بالغرب حتى لو لم يكن غارقاً في التبعية فهو يؤدي في النهاية الى التعبية الاقتصادية والسياسية، وزوال اقتصاد البلدان وحريتها وتحويلها الى أقمار تدور في فلك القوى الكبرى). 4ص 130 .

هنا يبرز مقياس جديد لتجنب التأثر الثقافي بالغرب وهو التبعية الاقتصادية، وهو من غرائب الاستدلال لان التبعية الاقتصادية ناتجة عن التطور المالي والتكنلوجي للغرب وهو الذي ينتج التبعية الاقتصادية سواء تأثرنا بالغرب ثقافياً ام لا وان هذا التأثر  يخضع لمقاييس فكرية وعلمية وأخرى تطبيقية عملية .

( "الله" محور الفكر الشرقي بينما يدور الفكر الغربي حول "إشباع البطن" والفكر الشرقي يستند الى الاتجاه نحو الله والروح إلى جانب قيمة الإنسان والحياة الدينونية، اما الفكر الغربي فيطرح الانسان من دون الله وهذه الاختلافات الكبيرة بين نمطي التفكير والنظرة الكونية أدت الى عدم تقبل مذاهب الغرب الفكرية وقيمها) 4.ص207 .

هنا يتم اختيار الكلمات بين قمة السمو وقعر الهبوط، لا شيء يجابه المسلمين كل شيء جاهز فقدوا إنسانيتهم ومعاناتهم، لا تواجههم مشاكل سياسية فكرية وعملية ولا اقتصادية ولا مشاكل اجتماعية ناتجة عن فهم خاطئ للدين او خلط بينه وبين العرف التقاليد ولا مداخلات مؤقتة حان وقت تطوريها او تغيرها، ذابوا في الاله وانتهت انيتهم حسب تعبير المتصوفة أما الغرب فقد تحولت هموههم وعلومهم ومؤسساتهم وجامعاتهم الى احتراف فن الطبخ ومقبلات الطعام .

ان غاية ما يطرحه الفكر الغربي تحويل الدين ولتدين الى شأن شخصي لا علاقة له السياسة وتوجهات المجتمع وقد لا نوافقهم على ذلك ولكن هل يعني هذا ان نعتبر الانسان الغربي خالٍ من أي تدين او جوانب اخلاقية او معنوية وأننا لمجرد تبنينا لتلاحم الدين والسياسة وحمل اسم الدين قد امتثلنا ذلك حقيقة وواقعاً ان هذا فيه من الحدية الواهمة والعمومية الفضفاضة ما  يصعب على الباحث تبنيه.

(فمطالعة عميقة ودقيقة للتاريخ الإسلامي تدلنا على انه كانت الى جانب الأكثرية من المسلمين العادين الذين تحكمت القيم الإسلامية في عقليتهم وتفكيرهم أقلية من الاشراف واهل البلاط الذين حافظوا على القيم الجاهلية  غير الإسلامية).4 ص208 .

المطالعة هنا دقيقة وعميقة!!، الأكثرية ملتزمة عقلاً وفكراً بالقيم الإسلامية، الأقلية المتحكمة هي فقط المنحرفة، وكما اعتبر العلمانيون الحكام المسلمين ظاهراً مقياساً لقصور الفكر الإسلامي وتسلطه وفردانيته فإننا نجد النقيض هنا حيث يعتبر الحكام هم أساس الابتعاد عن الإسلام وان المسلمين هم المقياس، لاغين بجرة قلم كل انحرافات المسلمين وشكليات التزامهم التي عانى منها النبي والصالحين  بعده من الخلفاء والائمة، معاناة علي مع أصحابه وخذلان شيعة الحسين له وقول زين العابدين المشهور "ما اكثر الضجيج واقل الحجيج" خاصة وان الكاتب هنا شيعي المذهب .

-وتحت عنوان المثقفون الذيليون يشار إلى ان (وفي أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين أرسل حكام الشرق أبناء الأشراف الى العرب لتحصيل العلم… إلا أن معظم هؤلاء كما ظهر فيما بعد كانوا عملاء أجراء للمستعمرين وأعضاء في الماسونية وبقية المنظمات الإمبريالية وخدماً للإمبريالية العالمية). 4 ص214 .

وبدل النقد العلمي والفكري وطرح البدائل المقنعة تم  التركيز على العمالة والأجرة والعضوية الماسونية وخدمة الإمبريالية ولن يفلت أي كان من أحد هذه التهم واساس ذلك هو العزم على (تطبيق الأفكار والمفاهيم والحلول التي طرحتها أوربا في القرن الثامن عشر في العالم الإسلامي دون  الالتفاف الى ظروف اوربا الخاصة وطبيعة الكنيسة) .

ولم يلفت التكنوقراط من الهجوم عليهم فهم(وليدو عملية الاتجاه الغربي ومن قنوات تقليد الغرب، فقد لعب هؤلاء في انتشار ثقافة الغرب في القطاع الاداري والحكومي الدور نفسه الذي لعبه المثقفون الذيليون في المجال الثقافي… ومن جهة اخرى يعد التكنوقراط ايضا ممن يقلدون الغرب تقليداً اعمى، ويتصورون ان كل البرامج المطبقة في البلدان الغربية قابلة للتطبيق في بلدان العالم الثالث ايضاً ولابد من تطبيقها في هذه البلدان ).

النتائج:

بعد استعراض الوان النقد الموجه الى الفكر الديني والعلماني معاً احدهما  اتجاه  الآخر بجلاء خاصة بالنظر الى التعليقات الموجزة بعد كل نص انها يمكن ان تصنف الى ما يلي:-

1-         الدافع النفسي او المظهر النفسي للنقد والناتج عن تركة تاريخية ثقيلة من الظلم والاستبداد والاستخدام السيء للدين وشعائره ورموزه لتحقيق مآرب منحرفة او استخدام وسائل منحرفة تخل بالقيم التي يراد تحقيقها نتيجة الجهل بحقيقة الدين .وهذه التركة غير ناشئة من تاريخنا فحسب بل من تاريخ التيار الديني في كل انحاء المعمورة وبالذات معاناة الحضارة الغربية الحالية منه والتي اتخذت شكل الصراع المرير الطويل الذي لم ينتهي الا بالفصل بين فكر ديني متزمت مضطهِد وبين تطلعات قوية نحو الرقي والتحضر والاكتشاف العلمي المتحرر بعيداً عن القوالب الجاهزة التي يراد سجن العقل البشري فيها باستغلال كهنوت رجال الدين وجهل اتباعهم. ومقابل ذلك فان التيار الدين في مجتمعاتنا يحول الحاجز النفسي بينه وبين القبول السهل لاطروحات الغرب وتجديده الحضاري نتيجة لمآسي الاستعمار المباشر وغير المباشر لنا، ففي الوقت الذي كانت فيه هذه الحضارة تؤسس في مجتمعاتها فيه الديمقراطية والتعددية واحترام الآخر المختلف وتطبيق حقوق الانسان فانها كانت تعمل عكس ذلك فيما يخص الشعوب الأخرى. وعندما تطرح هذه الافكار الآن ويراد الترويج لها فانها تقترن في الوجدان بتلك المظاهر السلبية خاصة وان الاطار السياسي الذي يطرح هذه الافكار الآن مرتبط بصورة مباشرة بالغرب سياسياً وعسكرياً . أضف الى ذلك الممارسات المقيتة للحكومات العربية باسم العلمانية والديمقراطية وفصل الدين عن السياسة زاد من الحاجز النفسي حتى تجاه الافكار المقبولة المؤطرة بأطار العلمانية مثل التعددية الفدرالية وغيرها .

2-         الجانب العرضي للاشكالية وهو  ما يأخذ حيزاً كبيراً في الدراسات التي تتناول هذا الموضوع والاحرى التركيز على القضايا الاساسية اختصاراً للوقت والجهد ومثال ذلك الجدل حول السبق الى فكرة معينة وادعاء ذلك من كلا  الاتجاهين .

3-         الجانب الشكلي ومثاله التركيز مثلاً على الزي الاسلامي مثلاً وعدم تناسبه مع تحرر المرأة فان هذا الامر اضافة لكونه التزاماً بالدين لا يمكن التنازل عنه فانه قد لا يعني شيئاً ازاء التأكيد على القضايا الجوهرية لتحرر المرأة وحقوقها.

4-         ان تأثير العوامل البعيدة عن اشكالية الدين والعلمانية ينقلنا الى اصل الازمة الحضارية التي نعيشها والتي ترجع الى عوامل عديدة واحدة منها هي اشكالية الدين والعلمانية وليست الاكثر تأثيراً خاصة اذا انتبهناالى التاثير الحاسم للعامل الخارجي في وضعنا الحاضر وكيف انتقل بالمجتمع الى حالة من الغليان الفكري والسياسي باتجاه التعددية والحوار املاً في تأسيس مجتمع ديمقراطي متحرر ملتزم بحقوق الانسان ، واذا رجعنا الى الوراء نجد العامل الداخلي وهو قيام ثورات شعاراتها الاستقلال والجمهورية ادت الى انتكاسة في التعددية والديمقراطية التي بدأت خطوات لا باس بها ابان العهد الملكي ، مما يجعلنا نتجه نحو تفسير لطبيعة التاثير الحاصل في المجتمع أي مجتمع وهو تأثير عوامل  القوة التي قد تكون مادية او معنوية فكرية او عقائدية بل وحتى شعاراتية ويحسم الامر للعامل المهيمن حسب قابلية المجتمع وتهيئه للاستجابة لذلك العامل والتفاعل معه .اذن هناك قطبان للعامل الناقد للمجتمع من وضع الى اخر وهما قوة العامل نفسه واستعداد المجتمع للتأثر بذلك العامل نتيجة ازمة ولّدت ذلك الاستعداد مع الاشارة الى ان السلبية قد تكون صفة العامل المؤثر والاستعداد للتأثر به وقد تكون الايجابية هي الصفة السائدة للامرين معاً .

5-         التعميم الذي يطبع كثيراً من جوانب النقد المتبادل بين الفكر الديني والعلماني والذي يؤدي الى عدم الفصل بين السلب الجزئي والايجاب الجزئي فيمدح كلا او يذم كلاً .

6-         الجوانب الحيادية بالنسبة لقطبي الاشكالية مثل صدق التبني للديمقراطية واحترام حق الاخر في الاختلاف وتحكّم صناديق الاقتراع في ذلك فان هذا امر مطلوب من الاثنين معاً .

7-         النظر الى كثير من جوانب اشكالية الدين على انها اشكالية فكر ديني وليست ديناً لا يقبل المساس اما  ما يدخل في صميم الدين فانه يعبر عن الخصوصية والاختلاف التي يراد تأسيسها في المجتمع. نعم  ان هناك الكثير مما يجب دراسته في الفكر الديني وهذا طبيعي لانه فكر وهذه الكلمة كافية لاثبات الجانب الانساني فيه لان الدين المقدس الالهي ليس فكراً فلا داعي لكلمة الاسلاموي الاستهزائية التي تحارب ولا تحاور وتستفز ولا تؤسس.

8-         ان بعض مظاهر طرح العلمانية في الوطن العربي يتجه نحو ادلجتها بحيث ليس من حق من لم يتبنى كل شكلياتها وبعض الجوانب العرضية المرتبطة بها ان يتبنى البعض الاخر من تلك الجوانب وكأنه ليس من حق من لايؤمن بفصل الدين عن السياسة ان يقول بالديمقراطية وان الاسلامية تتناقض مع التعددية ، وفي الوقت الذي ينتقد فيه الاسلاميون على تزمتهم بالنصوص فانهم -أي العلمانيين - يقدمون لنا نصوصاً لا تقل في طرحها القدسي عن النص الديني وعند تبني التيار الديني لبعض تلك الجوانب فانه مدعٍ ومشكوك في نواياه ، وان الوضع الضاغط هو الذي ادى الى ذلك!!.

9-         ان الخوف من استغلال الاسلاميين للديمقراطية كوسيلة للوصول ثم سد الطريق امام غيرهم ، يتم الحيلولة دونه بوضع اطار دستوري عام ملزم للجميع غير قابل للتجاوز يتم فيه الوصول للحكم عن طريق الانتخابات فقط والالتزام بشروطها مع قيام مؤسسة عسكرية مستقلة عن الانتماء العقائدي والحزبي تراقب وتطبق هذا الوضع .

10-       ان ما يعاب على التيار الاسلامي في تعويله على الماضي الزاهر كنموذج نجاح بعيداً عن تحديات الحاضر ، يمارسه العلمانيون العرب في طرحهم النموذج الغربي بعيداً عن ازمة مجتمعاتهم نفسها والتي هم طرف فيها فتجاوز الاسلاميون البعد الزماني وتجاوز العلمانيون البعد المكاني .

11-       ان المعالجة الواقعية القائمة على اساس معرفة صحيحة للوضع الاجتماعي الذي يحتضن اشكالية معينة تعتبر الخطوة الثانية بعد  التشخيص والتي ينبغي مراعاتها . فيجب ان تتبع الاسلوب الواقعي الذي يأخذ كل الاعتبارات النفسية والمستويات لحاملي الاشكالية ، وتوضع الخطط الصحيحة للمواجهة ولنأخذ مثلاً توضيحياً لذلك-واخترناه بناءً على هذه الواقعية التي نؤمن بها - وهو اعتقاد الانسان الريفي ان الزنا عار على البنت فقط وليس على الرجل فان ذلك يعتمد على مؤثرات نفسية واجتماعية يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار وليس المعالجة الفكرية هي المجدية فقط .

12-       ينبغي الاشارة الى ظاهرة موت الالفاظ بتشبعها نتيجة ظروف وملابسات خاصة بمعاني سلبية وبالتالي فقدان قابليتها على التاثير والتعبئة الاجتماعية وهذه الظاهرة موجوودة في كل المجتمعات وتنال الفاظاً ومصطلحاتٍ واسماءً ، فلا اعتقد على سبيل المثال ان في المانيا من يسمى هتلر وفي روسيا ستالين وفي العراق الان صدام .وقد اصبح اصطلاح العلمانية في البلدان العربية والاسلامية سيء السمعة نتيجة استخدامه من قبل الكثير من الكتاب في الاستهزاء  بالدين والنيل منه ومن رموزه وتجاوز هذا الامر ما يجب من مراعات الجانب النفسي في معالجة اشكالية الدين والعلمانية . فلا يمكن الان ان تطلب من الاسلاميين الالتزام بالعلمانية بينما من السهولة بمكان ان تخاطبهم بمفردات اخرى مثل الحداثة والالتزام بالتعددية والديمقراطية كأطار يحكم علاقتهم مع بقية التيارات الفكرية والحزبية . كيف يمكن للاتجاه الديني ان يقبل علمانية نصر حامد ابو زيد وهو يضع عنواناً لاحد كتبه " السيرة النبوية سيرة شعبية " وهو يعالج اكثر القضايا حساسية وهي التي تحتاج الى قدر كبير من الحكمة والدقة ليس في التحليل وعمق الفكرة فقط وانما في الاسلوب المناسب الذي تكون الحاجة اليه اهم واكبر . وبذلك وغيره ضيّع ابو زيد حتى افكاره الصحيحة الناقدة للفكر الديني وهو فكر فيه الكثير مما ينتقد لانه نشاط انساني يستوحي اطروحاته من مصادر الدين ، وازدادت نتيجة لذلك الصعوبات التي يواجهها الباحثون غيره الذين ينطلقون من نفس الاسس لمعالجة هذه الاشكالية وذلك بسبب التأثير النفسي .

13-كما نلاحظ مسألة الفصل التام بين ما هو ديني وبين ما هو علماني غير صحيحة دائماً وان هناك كثيراً من نقاط اللالتقاء ولكن تحت مسميات مختلفة فان الشورى وحرمة مال المسلم ودمه وعرضه وعدم الاكراه في الدين وحقوق اهل الذمة تتداخل في المعنى مع مفردات الديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية وذلك اذا تجاوزنا الحاجز اللفظي .

14-ان شمول الطرح الإسلامي ان لكل حادثة حكم وما قد يولده لأول وهلة بان لاشيء سيترك دون تدخل وسوف لا يدع مجالاً للآخر، بحاجة الى إيضاح ان هذا الشمول  صفته هي عقائدية اعتبارية ناشئة عن الاعتقاد الديني بان الكون والحياة والإنسان هو خلق الله تعالى وان الهيمنة التامة له في ما هو حلال وما هو حرام وما هو واجب وما هو مستحب وما هو مباح. وبالرجوع الى أصول الأحكام نجد ان دائرة الواجب والمحرم دائرة محدودة جداً. وان الأصل في مجال الأحكام هو أصالة الحلية والإباحة فضلاً عن الاستحباب والكراهة وهي مجالات سماحة كبيرة يتصرف خلالها المسلم بقدر كبير من الحرية والاختيار.

المصادر

 

1          د. حيدر ابراهيم علي- التيارات الاسلامية وقضية الديمقراطية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1996.

2          د. ابراهيم ناصر-الانثروبولوجيا الاجتماعية، عمان دار الكرمل، ط2، 1985.

3          د. احسان الحسن    موسوعة علم الاجتماع، بيروت، الدار العربية للموسوعات، ط1، 1999.

4          د. علي محمد النقوي الاتجاه الغربي، طهران، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ط1، 1997.

5          د. محمد الموصللي  موسوعة الحركات الاسلامية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2004.

6          مجموعة اقرأ فقط   أوراق الديمقراطية، بغداد، مطبعة النور، ط1، 2003.

7          د. عزيز العظمة العلمانية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1998