ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

من تشييد الجوامع إلى بناء المصانع

الجزء الثاني: الهيمنة والمجتمع المدني في المنظور الغرامشوي

حيدر علي

كيف ينظر غرامشي الى المجتمع المدني؟ هل يختلف عن سابقيه؟

وهل بقى غرامشي وفياً لمنطق القطع الابستمولوجي الذي اسس كل فكره الفلسفي والسياسي، والثقافي على هذا القطع؟

يقول الحبيب الجنحاني عن معنى المجتمع المدني عند غرامشي: »حمل المفكر الأيطالي انطونيو غرامشي (1891-1937)، مشعل التيار الماركسي بعد ماركس في التبشير بالمفهوم واستعماله سلاحاً في مقاومة السلطة الشمولية (الكلية)، ولكنه بعد بالمفهوم عن التعقيد وبسطه، فالمجتمع المدني لديه "هو مجموعة من البنى الفوقية مثل النقابات والاحزاب، والصحافة، والمدارس، والاداب، والكنيسة، بل هو يرى في الفاتيكان اكبر منظمة خاصة في العالم ويفصل مهماته عن وظائف الدولة او قل بعبارة ادق يضعه مقابلاً لمفهوم (المجتمع السياسي)، ويقول المفكر الألماني المعاصر يورغن هابر ماز ان وظائف المجتمع المدني تعني لدى غرامشي "الرأي العام غير الرسمي (أي الذي لا يخضع لسلطة الدولة)، ويبقى في نهاية المطاف متأثراً بماركس في مقاربته للمفهوم، فقد تحدث ماركس الكهل عن هذا الرأي العام عندما وصفه قائلاً :- ((ان النظام البرلماني يعيش من النقاش، فكيف يطالب بمنع النقاش؟ ان كل مصلحة، وكل مؤسسة مجتمعية تتحول مع الزمن الى افكار، ويجب ان تعالج بهذه الصفة فكيف يسمح لمصلحة ما أو مؤسسة ما ان تعتبر نفسها فوق التفكير وتفرض نفسها عقيدة غير قابلة للنقاش؟ فالخطيب المناضل من فوق المنصة تتجاوب معه بالضرورة الصحافة المناضلة، وحلقات النقاش في البرلمان تكملها حتماً حلقات النقاش في الصالونات، والمقاهي ان النواب الذين يتوجهون بأستمرار الى الرأي العام، فأنهم يعبرون عن رأيهم حين يؤكدون رأي الشعب فيما يجمعونه من عرائض، ان الأغلبية هي صاحبة القرار في النظام البرلماني، فكيف تحرم الأغلبيات الكبرى على الرصيف المقابل من اتخاذ القرار«(27). من هنا يحدد الجنحاني صفات المجتمع المدني عند غرامشي:

»1.  تأثره بالماركسي الايطالي الاول انطونيو لابريولا (1834-1904)، فضلاً عن تأثره قبل ذلك بماركس)، فهو مثله يعطي للنخبة المثقفة رسالة خطيرة الشأن في الذود عن المجتمع المدني.

2.  لا يذهب الى ان نمط المجتمع المدني هو افراز للنمط الانتاجي، او بنية فوقية لقاعدة اقتصادية، بل هو في نظره يتموقع بين القاعدة الاقتصادية وبين الدولة بقوة قوانينها، وجهازها القمعي، ويصبح له دور بعيد الشأن في المجتمع البرجوازي الصناعي الحديث، ويلقي أيام الأزمات بقوى مؤثرة، قادرة على مواجهة الاجهزة القمعية للدولة، والحد من مفعولها، ويتضح من سياق تفكيره ان القاعدة الاقتصادية التي يتموقع المجتمع المدني بينها وبين الدولة تتمتع بأستقلال كبير عنها«(28) هذا ما حاول ان يحلله جوزيف فيميا، تحليلاً سوسيو-سياسي، حيث يقول: »وظف غرامشي تقسيماً ثنائياً آخر متمتعاً قداسة القدم في الفكر السياسي، عند التأسيس لتحليله، للمجتمع المدني، والمجتمع السياسي هذا التمييز مصحوباً بفلسفة الحق لهيغل، غير انه من الممكن ان نجد اصوله في كتابات الفلاسفة الفرنسيين، والأنجليزالسياسيين، وكذلك الاقتصاديين الفرنسيين السابع عشر والثامن عشر وهم أول من اكتشفوا ـ وبحثوا في المجتمع ((المجاميع)) كعلم للمعرفة والنشاط خاصاً ومستقلاً.

من هنا عرف غرامشي المجتمع المدني بأنه البنية الفوقية، الايديولوجية، المؤسسات والآليات التقنية التي تبدع وتنشر اساليب الفكر لذلك ان تقسيم غرامشي للبنية الفوقية الى عالمين، وتمييزه المصاحب بين الهيمنة، والسيطرة، هو محاولة لبناء نظرية "البنية الفوقية (والتي شكلت قبل غرامشي، ثغرة فاضحة في الفكر الماركسي، فهذه الثغرة كانت متجذرة في الخصوصية التاريخية للنظرية وقد ركز ماركس نفسه معظم جهوده الناضجة في دراسة العمليات الاقتصادية«(29).

اما الباحث الجزائري عمار بلحسن، فيحلل الموضوع تحليلاً، سوسيو ـ ثقافي يقول: »يعرف غرامشي المجتمع المدني:ـ تلك البنية التي تسمح بأنتاج واعادة انتاج وتوزيع، واذاعة الايديولوجيا الخاصة بالطبقة المسيطرة، هذه البنية تتكون او تحتوي على انساق التفكير والمؤسسات والمنظمات والوسائل المادية الخاصة، بخلق ونشر وتوزيع ((المنتوجات)) الايديولوجية، بتعبير آخر.. المجتمع المدني هو ذلك (المجتمع الفكري) الاجتماعي المادي الذي تتجسد فيه الايديولوجيا مع وصلاتها التنظيمية ووسائل اذاعتها الهادفة الى تحديد السلوكات والممارسات الاجتماعية من اجل تحقيق (اجماع) الجماهير وقبولها بالهيمنة الطبقية للطبقة المسيطرة«. ويتشكل المجتمع المدني والمنظمات والاجهزة المسماة عادة "بالمؤسسات الداخلية والخاصة"، التي تنتج وتوزع الايديولوجيا المسيطرة لتحقيق وظيفة "الهيمنة" على الطبقات الاخرى وايديولوجياتها، هذه المنظمات يحصيها غرامشي كالتالي:- المنظمات والمؤسسات الدينية (الكنيسة) المنظمات المدرسية (المدرسة والجامعة... الخ).

المنظمات العلمية (الجامعات ومراكز البحوث... الخ) تنظيمات الطبع والنشر (المطابع، الكتب المكتبات).. الخ.

اما المجتمع السياسي فتجسد في الدولة واجهزة الأكراه، والقمع، والضبط القسري المباشر والمنظم الذي يحقق وظيفة ((السيطرة)) الخاصة بالطبقة المسيطرة(30). اذن فالمجتمع ومؤسساته وتنظيماته هو منتج وموزع وناشر الأيديولوجيا. طبعاً الأيديولوجيا المسيطرة الخاصة بالطبقة المسيطرة بهدف تحقيق وظيفة الهيمنة والحصول على قبول الطبقات المسودة بسيادة الطبقة المسيطرة، وتصليب ((انسجامية)) و((استقلالية))، وعيها الطبقي داخل الحركة التاريخية العامة لصراعاتها مع الآخرين.

ان هذه الاجهزة تشبه قليلاً ((اجهزة الحقن الطبية)) فهي تحقن الطبقة المسيطرة بالمصل الذي يكفل التصدي لهجومات ((ميكروبات)) الايديولوجيات المضادة، ويسمح بأفراز الوعي الذاتي المستقل داخل الجسم الاجتماعي الذي يحتضنها ويكونها، عن طريق اقتناء هذه الطبقة التدريجي للوعي الطبقي تتحدد شخصيتها التاريخية الخاصة وتدفع الى اذاعة خصائصها ومبادئها وتصوراتها وسط الطبقات الاخرى المسودة من اجل اخضاع ايديولوجيا وربحها والحصول على ثقتها وقبولها، والوصول بالتالي الى حالة، لأجماع على شرعية سيادتها وحكمها في المجتمع«(31). لكن جان مارك بيوتي له رأي ثان، في هذه العملية السياسية، حيث انه يعتبرها بمثابة خواء بدون حضور المثقف العضوي عند غرامشي، الذي يعتبره بيوتي المركز الذي يربط بين الدولة، والمجتمع المدني، والهيمنة، وهذا ما عناه عندما قال: »الدولة بمعناها الموسع، هي الأتحاد الجدلي للمجتمع المدني، والمجتمع السياسي للهيمنة والأكراه، ويرتبط هذا المفهوم على غرار سائر مفاهيم غرامشي السياسية بمفهوم المثقف، فالمجتمع المدني يتميز عن الدولة الأكراهية (المعنى الضيق).

بواسطة التفريق بين وظيفتي المثقف الرئيسيتين: وظيفة القيادة، ووظيفة السيطرة، ولكن يبقى المجتمع السياسي والمجتمع المدني على حد سواء يقومان كلاهما على اكتاف أولئك الذين يعرفون، بالمعنى الحرفي بأسم المثقفين.

من هنا يتميز المجتمع المدني السياسي احدهما عن الآخر أولاً بوظائفهما: فللأول وظيفة الهيمنة، وللثاني وظيفة السيطرة.

تتصف وظيفة السيطرة بفرض معايير وضوابط بأستخدام القوة أو بأمكانية استخدام وسائل الأكراه، ويتمثل فرض المعايير والضوابط في منظومة من القوانين التي يتوجب على الفرد الأنصياع لها، ووسائل الاكراه المتاحة هي الجيش والشرطة، والسجن..الخ.

اما وظيفة الهيمنة (المجتمع المدني)، فتجري ممارستها اساساً على مستوى الثقافة والأيديولوجيا، انها الوظيفة التي تحصل عن طريقها طبقة من الطبقات على قبول الطبقات التابعة او انتمائها او مساندتها.

انها الوظيفة التي تطرح بواسطتها طبقة من الطبقات نفسها على انها طليعة المجتمع وقائدته بموافقة الطبقات الاجتماعية الاخرى. وحتى تصير طبقة من الطبقات قائدة وحاكمة، فلا بد من ان تقنع مجمل الطبقات الاخرى بأنها الاقدر على تولي زمام تطوير المجتمع، عليها ان تذيع، وتنشر تصورها للحياة، قيمها... الخ بحيث تتبناها سائر الفئات الأجتماعية، او على الاقل لا تنبذها بمجملها، عليها ان تقنع: فهي لا تستطيع ان تفرض على طبقة اجتماعية اخرى ان تفكر مثلما تفكر هي. ان الايدلوجيا لا تدخل في باب القوة، وانما في باب القبول والموافقة. بيد ان ذلك لا ينفي حقيقة ان الطبقة السائدة اذا ما نظمت نفسها كي تسيطر على جميع وسائل النشر وكي تحول دون أي معارضة او مناقضة، فانما تفرض بالفعل ذاته ايديولوجيتها: وهذه نقطة سوف نعود اليها، لكن الايديولوجيا كأيديولوجيا هي موضع اختبار.

اذا كان التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي يرتد الى التمييز الذي يفصل وظيفة الهيمنة عن وظيفة السيطرة فليس لنا ان نرى الفائدة من استعمال المصطلحين الأولين : فالتفريق بين الوظيفتين سيكون كافياً في هذه الحال لدراسة كيفيات ارتباطهما المختلفة في هذا الجهاز او ذاك. ولكن لذينك المفهومين معنى، لانهما يشيران الى واقع ان تينك الوظيفتين تتجسدان في نمطين من البنى المختلفة في ظل النظام الليبرالي.

يقول غرامشي: ليس هناك الحاح كافٍ على واقع ان وسائل التشريع والقمع في النظام الليبرالي هي بكليتها بين يدي الدولة بينما تتولى وظيفة الهيمنة هيئات واجهزة ((خاصة))، وعليه حين تؤكد ان الطبقة السائدة تنظم الدولة وتسيطر عليها بموافقة المحكومين لا ينبغي ان يغيب أبداً عن انظارنا ان هذه الموافقة يتم الحصول عليها لا عن طريق السيطرة على الدولة، وانما عن طريق الاجهزة الخاصة لتلك الطبقة: ((الحكم بموافقة المحكومين، ولكن بالموافقة المنظمة لا بالموافقة الشاملة والمبهمة كما يؤكدون ذلك ساعة الانتخابات، فالدولة تملك وتطلب الموافقة، لكنها ((تربي)) أيضاً هذه الموافقة بواسطة … اجهزة خاصة تتركها للمبادرة الخاصة للطبقة الحاكمة)). هذه المنظمات الخاصة عديدة بالأصل، وتتألف من مجموع الاجهزة غير الحكومية التي تنشئ او تنشر الايديولوجيات، يقول غرامشي: ((لقد لاحظت في مكان آخر انه لا وجود لأحد بلا تنظيم وبلا حزب في مجتمع محدد، شريطة ان نفهم التنظيم والحزب بمعنى واسع وغير شكلي، وفي هذه الكثرة من المجتمعات الخصوصية، ذات الطابع المزدوج-الطبيعي والتعاقدي، او الارادي-تكون الغلبة لمجتمع او اكثر بصورة نسبية او مطلقة من خلال تأسيس جهاز هيمنة فئة اجتماعية بعينها على باقي السكان (او المجتمع المدني) كأساس للدولة المفهومة بحصر المعنى بصفتها جهازاً حكومياً واكراهياً)). هكذا يميز غرامشي بين بنيتين موضوعيتين في داخل البنية الفوقية: ((يمكننا الآن ان نميز ((طابقين)) كبيرين في البنى الفوقية، الطابق الذي يسعنا ان نسميه طابق ((المجتمع المدني)) أي مجمل الهيئات والاجهزة التي جرت العادة على تسميتها بـ((الخاصة))، وطابق ((المجتمع السياسي)) او الدولة، وهما يناظران وظيفة ((الهيمنة)) التي تمارسها الفئة السائدة على المجتمع برمته ووظيفة ((السيطرة المباشرة)) او القيادة التي تمثل في الدولة وفي الحكم ((القانوني)). والمثقفون هم الذين يتولون ممارسة تينك الوظيفتين: ((ان المثقفين هم "وكلاء" الفئة السائدة في ممارسة الوظيفتين الفرعيتين في الهيمنة الاجتماعية والحكم السياسي، أي

1.  الموافقة (العفوية) من قبل جماهير السكان الواسعة على الاتجاه الذي تفرضه على الحياة الاجتماعية الفئة السائدة الأساسية، وهي الموافقة التي تولد ((تاريخياً)) من الحظوة التي تنعم بها الفئة السائدة ((ومن الثقة التي توحي بها)) بحكم وظيفتها في عالم الانتاج.

2.  جهاز اكراه الدولة الذي يتولى "شرعيا" تأمين انضباط الفئات التي ترفض ان تمنح "موافقتها" الايجابية او السلبية على حد سواء، بيد ان هذا الجهاز يجري تكوينه برسم المجتمع برمته تحسباً لأوقات التأزم في القيادة والتوجيه، حين تنعدم الموافقة العفوية)). ان تينك البنيتين متكاملتان، فبين القوة والقبول يقوم توازن قابل للتنوع ضمن حدود معلومة، فكلما كان القبول اضعف اضطرت الطبقة السائدة الى الاعتماد على الدولة اكثر، وكلما كانت الدولة اضعف توجب على الطبقة الحاكمة ان تفوز بتأييد الطبقات الاخرى، لكن تنوع هذا التوازن له حدوده، فمن المستحيل من جهة اولى، في مجتمع يتألف من طبقات متناحرة، ان تتمكن الطبقة الحاكمة من الفوز بقدر من التأييد يغنيها غناء تاماً عن القوة، فحتى يمكنها ان تستغني استغناء تاماً عن القوة فلابد للطبقة الحاكمة أولاً، من ان تسيطر على وسائل النشر كافة، ولابد ثانياً من ان تكون الطبقات الاجتماعية تأثرية وسلبية وعاجزة عن ان تبلغ بنفسها مستوى معلوماً من الوعي المستقل ذاتياً، ولئن كان في الأمكان ، من حيث المبدأ ان يتحقق الشرط الاول، فان الشرط الثاني لا يتطابق لا مع واقع البشر، ولا مع واقع الطبقات الاجتماعية، هذا من جهة، اما من الجهة الثانية فان البرجوازية اذا ما فقدت فقداناً تاماً هيمنتها على المجتمع المدني، فان ذلك سيؤدي اما الى الثورة وفقدانها سلطة الدولة واما الى نجاحها باللجوء الى الوسائل الدكتاتورية، في أبادة قادة الطبقة المناوئة وفي اعادة فرض هيمنتها تدريجياً بقضائها على (جميع المنظمات الايديولوجية المعارضة بسلطتها)؟!

وهذا الموقف الذي تؤول فيه السياسة الى القوة الصرف لا يقوم الا في فترات التأزم، ولا يمكن الا ان يكون انتقالياً وعابراً أياً يكن مخرجه. ويلجأ غرامشي، للتنويه بهذه التبادلية الضرورية بين البنيتين الى مصطلح "الدولة" (بالمعنى الواسع) كي يسمي به جهاز الهيمنة "الخاص" او المجتمع المدني وجهاز الدولة (بحصر المعنى) او المجتمع السياسي:

»الدولة= المجتمع السياسي+ المجتمع المدني، أي الهيمنة المحفوفة (المدرعة) بالأكراه«(32).

 من كل ما سبق نرى ان غرامشي يسعى حثيثاً الى بناء مجتمع مدني يتحرك في فضاء الدولة دون ان تحتويه الدولة، او تسيطر عليه، على اعتبار ان المجتمع المدني، يتحرك بواسطة الهيمنة، والهيمنة تتشكل بالايديولوجي، والثقافي، والرضائي، على حد تعبير غرامشي، عكس السياسي (الدولة)، التي تقوم على الفرض، والقسر، والأرغام، لذلك جعل غرامشي نهاية الدولة تكمن في تضخيم الانظمة البيروقراطية، اما الهيمنة فهي تزدهر في ظل الديمقراطية، والليبرالية، لانها قائمة على فكرة العقد، والرضا، والطوعية، والأختيار... الخ، وهذا ما شخصه بدقة عالية بيوتي عندما قال: (كيف تتجلى وظيفة الهيمنة هذه؟

تتجسد وظيفة الهيمنة في المركزية الديمقراطية التي هي نقيض المركزية البيروقراطية - فالدولة التي تمركز ديمقراطياً تأخذ في حسابها حركة القاعدة والعفوية الشعبية، ولا يمكن للمركزية الديمقراطية ان تقوم الا على اساس القبول الفعال والمباشر من قبل القاعدة، وعلى اساس مشاركة الافراد وكل شكل من المركزية يكون بيروقراطياً اذا: ((قام على اساس الافتراض ـ وهو افتراض لا يصح الا في اوقات استثنائية حين تحمى الاهواء الشعبية الى اقصى درجة ـ بأن العلاقة بين الحكام والمحكومين تتجسد في كون الحكومات تعبر عن مصالح المحكومين، وبالتالي ينبغي ان تفوز بقبولهم، أي لابد ان يتحقق انصهار الفرد في المجموع، على اعتبار ان المجموع، كائناً ما كان، ممثل من قبل القادة، ولابد ان نرى هنا ان مثل ذلك المفهوم ليس نافعاً فحسب وانما هو أيضاً ضروري ولا غنى عنه بالنسبة الى الكنيسة الكاثوليكية على سبيل المثال: فكل شكل من اشكال تدخل القاعدة سيؤدي في الواقع الى انحلال الكنيسة (وهذه ظاهرة ملموسة أصلاً في الكنائس البروتستانتية اما بالنسبة الى الهيئات الاخرى حيث تمثل المركزية العضوية مسألة حيوية ـ فلا يمكن ان يكون القبول سلبياً وغير مباشر، وانما ينبغي ان يكون إيجابياً ومباشراً: أنه يستلزم اذن مشاركة الأفراد، حتى ولو تسبب ذلك في حدوث تحلل وبلبلة، ان الوعي الجماعي، الجسم الحي، لا يتكون قبل ان يتوحد التعدد بفعل احتكاك الأفراد. في المركزية الديمقراطية، تكون الشريحة المثقفة القائدة وثيقة العرى بالطبقة التي تمثلها: فهي التعبير العضوي عنها. اما في المركزية البيروقراطية فهي تأخذ، على العكس، شأن طائفة مغلقة على ذاتها، تذود عن مصالحها الأنانية، ولو كان ذلك على حساب مصالح الطبقة التي كان يفترض فيها ان تمثلها: ((حين تكون الغلبة في الدولة للمركزية البيروقراطية فتلك هي الأشارة الى ان الفئة الحاكمة قد سبعت وتحولت الى ضرب من طغمة ضيقة تنزع الى تأبيد امتيازاتها الخسيسة بتحكمها، بل بخنقها ولادة القوى المعارضة، حتى ولو كانت هذه القوى تمثل تجانساً مع المصالح الاساسية)) للطبقة السائدة. من دواعي الأسف ان المركزية الديمقراطية غير ممكنة في البلدان التي لا يوجد فيها (مجتمع مدني)، قوي ودينامي، ففي أشباه هذه البلدان(33). ينشأ ويتطور ما يسميه غرامشي بـ((الستاتولاتريا)) التي بها يقتصر كيان الدولة (بمعناها الواسع كأتحاد للمجتمع المدني والمجتمع السياسي او كتركيب بالفاعلية المباشرة لعلل محددة ليست هي في الحقيقة بفاعلة الا للهيمنة والألزام) على وجود العنصر الثاني:

»بالنسبة الى بعض الفئات الاجتماعية التي لم تمر قبل الاستيلاء على السلطة، بفترة طويلة من التطور الثقافي، والاخلاقي، فأن مرحلة (الستاتولاتريا)، (الدولنة)(34)، ضرورية، بل موائمة«(35). من هنا نرى ان غرامشي تعامل مع مفهوم المجتمع المدني، ومفهوم الهيمنة، والخطاب السياسي المعاصر معاملة ابستمولوجية جديدة، تحاول ان تقرأ هذه المفاهيم بمعزل عن خلفياتها التاريخية، وحمولاتها الأيديولوجية وأستعمالاتها التقليدية، ونحن نرى أن غرامشي لم يتعامل مع أي مفهوم سواء كان على الصعيد الفلسفي، أم السياسي، أم السيوسيولوجي تعاملاً تقليدياً، بمعنى انه ينطلق من الواقع التاريخي أولاً ومن ثم المفاهيم ثانياً هذا ما جعل المنظومة المفاهيمية عند غرامشي، لا يمكن فهمها، ولا قراءتها، ولا استيعابها، بدون ادخال مفهوم (القطيعة الابستمولوجية) حتى نرى الجدة، والحداثة، التي يقدمها غرامشي، للدرس الثقافي عامة، والفلسفي خاصة.

ومفاهيم الدولة، والمجتمع المدني، والهيمنة، والايديولوجيا، هي أيضاً خضعت بشكل أو بآخر لمنطق (القطع الابسنتمولوجي)، على اعتبار ان هذه المفاهيم تتأثر بالثورات العلمية السائدة في كل عصر، كما تأثرت الفلسفة التقليدية سابقاً بالثورة الكوبرنيكوسية، والثورة الفيزيائية حديثاً متمثلة بنظريات ماكس بلانك، بالكوانتيا)، والنظريات الكاوسية (الفوضوية)، عند فير بابد، والكوارثية، عند ثوم.

هذه الثورات تلقي بظلالها على مفاهيم العصر السائدة، ولا يمكن ان تبقى بمنأى عن هذه التطورات العلمية. وقد استطاع الباحث الجزائري عبد القادر الزغل ان يشخص هذه الرؤية بطريقة نقدية لمفهوم المجتمع المدني: »ان التحولات النوعية في مفهوم (المجتمع المدني) في تاريخ الفكر السياسي الغربي يساعدنا على التحرر من فخ الواقعية والوضعية السائدة في عملية التاريخ التقليدي للعلوم، اذ ان تاريخ المفاهيم المسجل في الكتب الكلاسيكية للعلوم الاجتماعية لا يسرد غالباً سوى جزء من الاعمال العلمية للماضي، والتي يمكن ببساطة اعتبارها مساهمة في الصياغة والحل للمشاكل النموذجية لهذه المؤلفات والنتيجة ان هذه الطريقة في كتابة تاريخ المفاهيم تخفي آلياً وجود ودلالة الثورات العلمية، فتاريخ مفهوم المجتمع المدني هو تاريخ تحولات دلالته منذ تشكله اللاتيني ((Societ as civilis)) ماراً بتشكيلات المعرفة التي تعبر عن ظرفية تاريخية متميزة جداً كالتي عاشها فيرجسون، وهيجل، وغرامشي، وفي كل تكون للمعرفة يأخذ مفهوم (المجتمع المدني) معنى جديداً يعبر عن قطيعة واضحة مع المعنى القديم. ففي معناه اللاتيني يعبر عن مجموعة سياسية تخضع للقوانين هذه الرؤية للسياسي التي تجدها في كتب أرسطو، لا تظهر التمييز الموجود اليوم والمتفق عليه بين الدولة والمجتمع المدني اذ يفهم التقليد الأوربي القديم السياسي والدولة على انها المقصودة بمجتمع مدني يمثل تجمعاً سياسياً، اعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقاً لها. ولقد فرضت أولى التحولات في معنى المجتمع المدني التمييز بل حتى المعارضة بين الدولة والمجتمع المدني، ولن تأخذ وضعها النهائي الا مع نهاية القرن الثامن عشر في ظرفية سياسية تتميز بالثورة والديمقراطية في انكلترا والولايات المتحدة وفرنسا، هذا التحول في التشكيل السياسي الذي أقتضى التمييز التحليلي بين المجتمع المدني والدولة لم يكن طارئاً بل هو نتاج وتعبير عن نوع من الثورة في التشكل المعرفي المتعلق بالمجال السياسي فمثل كل ثورة علمية فأن التغيير في المسلمات يكون دائماً مصحوباً باحتدام الجدل حول المفاهيم الأكثر اهمية في فترة الأنتقال التي تسبق نموذجاً جديداً يسعى المؤلفون الذين تشكلوا داخل منطق النموذج القديم الى طرح اسئلة جديدة بأستخدام المفاهيم القديمة، من المحتمل ان دراسة الفيلسوف الاسكتلندي آدم فيرجسون في كتابه مقال في تاريخ المجتمع المدني. هي اكثر الأعمال تمثيلاً للحظة التحول هذه بين النموذجين، فهو يحتفظ بالمعنى التقليدي الذي لا يفرق بين الدولة والمجتمع المدني، ولكن يطرح أسئلة حول تمركز السلطة السياسية معتقداً ان "الحركة الجمعياتية" هي النسق الأحسن للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي. ان الاطروحة المركزية لفرجسون تتلخص في الأعتقاد بوجود مسار حضاري طبيعي يتجلى في حركية الانتقال من الاشكال الخشنة للحياة الوحشية البربرية نحو مجتمع متحضر، هذه التحضرية أيضاً في انتشار المبادلات التجارية وفي تطبيق مبدأ تقسيم العمل في الحرفية والصناعات اليدوية كذلك فالتخصص العسكري هو مظهر آخر لهذه العملية التحضرية.

والسؤال المطروح من قبل فرجسون هو كيف يمكن ان نمنع تحول المسار التحضري، تقسيم العمل والتخصص العسكري، الى طغيان وجبروت؟ كيف يحمي المجتمع المدني نفسه من خطر عسكرة نظامه السياسي؟ ان جواب فيرجسون يدور حول حل وحيد يكمن في مضاعفة تجمعات المواطنين في كل مجالات الحياة الاجتماعية التي تتضمن العدالة - والجيش ويمثل تفكير فرجسون بالنسبة إلينا مثالاً من حيث انه شاهد على أزمة الأنماط الفكرية التقليدية وفي الوقت نفسه على المجهود للتفكير فيما بعد حدود النمط وكمقولات، ومخيال النماذج التقليدية، هذا دون ان ننسى ان فرجسون كتب (مقالة) سنة 1767 ولم تكن الثورة الديمقراطية قد تبلورت بعد، الا مع نهاية القرن بعد انتصار الثورة الفرنسية.

ان الثورة الديمقراطية تمثل في الواقع ثورة ثقافية حقيقية ضمن وجهة نظر فوكو عرف الغرب بالفعل "قطيعة كبرى في النظام المعرفي الحديث في منحى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ان الانسان كينونة مجردة، هو الاكتشاف العظيم لهذه الثورة الثقافية وهو يمثل الاساس لما نسميه الحداثة "فالنظام المعرفي الكلاسيكي يتمفصل وفقاً لخطوط لا تعزل بأي طريقة مجالاً خاصاً ومتميزاً للانسان (فوكو). فقبل نهاية القرن الثامن عشر لا يوجد الانسان بأعتباره حقيقة أولى او ذاتاً سائدة أسمى ((فانسانية)) النهضة والعقلانية الكلاسيكية اعطتا مكاناً مميزاً للبشر في نظام العالم دون ان يبلورا فكرة الانسان (فوكو)«(36).

لكن السؤال الذي يطرح الآن، من خلال هذه الابستيمية، أي خطاب سياسي، او ثقافي سوف يتشكل، او يفرز من خلال الصراع بين هذه الخطابات الابستمولوجية؟

يقول الزغل: »ان المقولة الحديثة لحقوق الانسان هي احدى تعبيرات هذه الثورة الثقافية فالقطيعة الكبرى للنظام المعرفي الحديث وصدور مفهوم الانسان، يجب ان يحدث منطقياً تغيراً جذرياً في تعريف مفهوم المجتمع المدني فمن بالغ الدلالة ان يرتكز التعريف الجديد على فكرة التفريق بين الدولة والمجتمع المدني التي دافع عنها توماس بين سنة 1791 في كتابه: (حقوق الانسان) ((Rights of man)) وكان توماس بين مثقف انجلو امريكي، يعتقد بكل عمق في وجود ((حقوق طبيعية)) وفي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يجب ان يدير بنفسه اموره الذاتية وان لا يترك للحكومة الا القليل، فهو يدافع عن مبدأ حكومة بسيطة وغير مكلفة فالحكومة البسيطة هي المرادف للمجتمع الحر في حين ان الحكومة المعقدة تقتضي ضرائب كثيرة وقابلة دوماً لتفجير ثورات وحروب غير مجدية، فتوماس بين يدافع عن مبدأ حكومة محددة الوظائف ومجتمع مدني حر وسام، حكومة غير مكلفة وتحترم الحقوق الطبيعية للانسان والتي كان قد تم الدفاع عنها في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الا انها رؤية اكثر تجذراً في الثقافة السياسية الانغلو سكسونية منها في أوربا القارية وخاصة فرنسا اليعقوبية.

اما التحول الثاني الذي عرفه "مصطلح المجتمع المدني" فكان بالتحديد في بلد يعتبر نسبياً متأخراً بالنسبة لفرنسا وانجلترا وهو المانيا سنة 1821 فبعد اكثر من ثلاثة عقود من انتصار الثورة الفرنسية نشر هيجل كتابه الشهير المعنون ((بمبادئ فلسفة الحقوق))(37) وقد كان له مفهوم مختلف تماماً عن توماس بين الدولة والمجتمع. فهو لا يكون فكرة مثالية للمجتمع المدني ولا يبحث عن دولة "غير مكلفة" فألمانيا كانت محتاجة لتدارك تأخرها التاريخي مقارنة مع فرنسا وبريطانيا في تلك الظرفية التاريخية المتميزة بضعف البرجوازية الألمانية وبأمتيازات الارستقراطية البروسية وبالتالي كان للدولة الألمانية دور حاسم لابد ان تلعبه لغرض سياستها التنموية(38) على جميع السكان الألمان، لقد كان هيجل يطالب بدولة قوية مستقلة ومتموقعة فوق المجتمع المدني، فهو لا يعتقد بوجود ((حقوق طبيعية)) للانسان بل ان المجتمع المدني لديه ليس حقيقة (طبيعية) أو ما قبل تاريخية انما هو لحظة في التطور التاريخي متميزة بالتنافس في المصالح الفردية طبقاً لطبيعة الاقتصاد البرجوازي فالفردية هي اخلاقية المجتمع المدني في حين ان الحرف المتميزة باخلاقية قريبة من اخلاقية العائلة الابوية تقاوم بصعوبة الأثر التفكيكي للأقتصاد البرجوازي.

ان المجتمع المدني دائرة من الحياة الاخلاقية التي تقع بين العالم البسيط للعائلة الأبوية والدولة المتميزة بأخلاقية عالمية، فهو متكون واقعياً من فسيفساء من الأفراد غير المنتمين لطبقات اجتماعية ومن طوائف ومؤسسات تعمل طبقاً للقانون المدني، فهيجل لا يعتقد بوجود اتجاه لدى البرجوازيين الذين يكونون هيكل المجتمع المدني للتصرف عفوياً كمواطنين اذن المجتمع المدني يحتاج حسب هيجل لدولة متموقعة فوقه وتتحرك بطريقة مستقلة لغرض النظام وضمان التعددية. اما ماركس فهو قريب جداً من موقف هيجل في مستوى ان الاثنين يفكران في المجتمع المدني باعتباره فضاء مواجهات بين المصالح الاقتصادية طبقاً للاخلاقية البرجوازية. ان الاقتصاد السياسي بالنسبة لماركس يمثل علم تشريح (دراسة التركيب الداخلي)، للمجتمع المدني فهو يعيب على هيجل قلب الذات والموضوع، اذ بالنسبة لماركس الموضوع المحسوس والحقيقي، هو الانسان الحقيقي، انسان المجتمع المدني. ان التأويل الهيجلي للمجتمع المدني حسب ماركس يفضي الى نتيجة عقلية يصبح نقطة انطلاق صوفية »ولتلخيص فكرة ماركس في جملة واحدة، يمكن القول ان المجتمع المدني هو فضاء الصراع الطبقي اذن، فرضية الحتمية الاقتصادية لهذا الصراع تجرد مقولة المجتمع المدني من كل مصداقية تحليلية. كذلك فالماركسيون الارثوذكسيون لا يحبذون استعمال هذا المفهوم منظوراً اليه كغطاء لعدم الحديث صراحة وبكل وضوح عن صراع الطبقات«(39) من هنا نرى ان ماركس، وهيجل كانا يفكران من خلال "بردايم واحد" هذا البردايم يتحرك في فضاء اشكالية التأخر التاريخي لألمانيا، لذلك عمد الأثنان الى التفكير العميق بمفهوم المجتمع المدني، باعتباره هو المخلص لألمانيا من هذا التأخر لكن هذا لا يعني ان الاثنين ينطلقان من منطلق فكري واحد، فنحن نرى ان ماركس يختلف عن هيجل من حيث المذهب الفكري، والنسق الفلسفي، الذي يميزهما عن بعض، وان كانا يتحركان من الاشكالية نفسها، واعني بها تشكيل برجوازية صاعدة من اجل القضاء على التأخر الذي كانت تعاني منه المانيا آنذاك.

لكن السؤال الذي يطرح الآن هل ان غرامشي كان يفكر بالمجتمع المدني من خلال اشكالية ماركس وهيجل، ام من خلال اشكالية التأخر التاريخي لأيطاليا؟

فهل استطاع غرامشي هنا ان يقرأ المجتمع المدني من خلال الواقع ام من خلال النصوص؟

للاجابة على هذا السؤال استعاد غرامشي، مثل فرجسون في نهاية القرن الثامن عشر، مفهوم المجتمع المدني، لقد وجد غرامشي نفسه في وضع من يطرح اسئلة غير مألوفة (لا مفكر فيها) مستعملاً مقولات تنتمي الى ((هيكلية معرفية معدة لنوعية اخرى من الأسئلة)). لقد بذل غرامشي كل شيء ليمنح نفسه الأنطباع بأنه كان يفكر من داخل النموذج الفكري (البرادايم) الماركسي، لقد كان ماركسياً غير تقليدي لانه ادخل قطيعة جديدة في المضمون الدلالي لمفهوم المجتمع المدني، ودون ان ينخرط غرامشي في جدل مع ماركس حول مفهوم البنية التحتية والفوقية غير جذرياً المعنى الماركسي لمفهوم المجتمع المدني، ان الفكرة المركزية لغرامشي هي ان المجتمع المدني ليس فضاء للتنافس الأقتصادي ـ مثلما يعتقد هيجل وماركس بل فضاء للتنافس الأيديولوجي، وحتى يتقدم بتفكيره النسبي حول استراتيجية الطبقة العاملة للمجتمعات الديمقراطية والليبرالية على عكس حالة المجتمع الروسي سيركز غرامشي كل انتباهه على ظاهرة (الهيمنة) الايديولوجية مميزاً بين مفهوم السيطرة بمعنى القصر عن طريق القوة او التهديد بالقوة ومفهوم الهيمنة بمعنى الاستبطان من قبل فئة اجتماعية للمعايير المنتجة من قبل فئة اجتماعية اخرى، المقولة الغرامشوية للمجتمع المدني لا تأخذ معناها الحقيقي الا في علاقتها مع مقولة المجتمع السياسي، فاذا كان الاول فضاء للهيمنة الايديولوجية فأن الثاني فضاء للسيطرة السياسية بواسطة القوة والتهديد بالقوة. فوظيفة الهيمنة هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية والتي تمارس »بوسائل التنظيمات التي تدعي انها خاصة مثل الكنيسة، النقابات، المدارس، انطلاقاً من هذه التفرقة بين الهيمنة الايديولوجية والسيطرة السياسية وصل غرامشي الى الملاحظة الآتية:

في الشرق كانت الدولة كل شي، اما المجتمع المدني فكان بدائياً وغير مكتمل في حين توجد بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب علاقة حقيقية  وولاء دولة مهتزة نكتشف ايضاً بنية صلبة للمجتمع المدني، فالدولة ليست الا واجهة تتخفى وراءها سلسلة كاملة صلبة للقوة والمناعة«(40). كيف استطاع غرامشي ان يقرا المجتمع المدني من خلال اشكاليات واقعه، وكيف فعل هذا ؟

ان المتتبع لمفاهيم غرامشي حول المجتمع المدني، والهيمنة، والمجتمع السياسي، والدولة، يجد انها نتاج لطفرات وقطائع معرفية مع الانظمة المعرفية اولا، وضد الانظمة السلطوية، الفاشية الحاكمة انذاك، التي كانت تبتلع المجتمع المدني، وتبتلع الفكر المعارض والمختلف، لذا عندما اكد غرامشي على مسالة الفرق بين الهيمنة والقوة، لا لشي، الا ليكشف الفرق الذي سوف يحصل في الخطاب السياسي الايطالي الذي يريده غرامشي ان ينتقل من مرحلة الحكم بالقوة (السلطوية). الى مرحلة الهيمنة (الرضائية)، أي يتحرك المجتمع تحت قيادة ايديولوجية، واجتماعية، وسياسية ،تقود المجتمع برضائه، وليس عنوة.

اذ ان الشكل السلطوي هو الذي كان يحرك الفكر الغرامشوي، والذي جعله يؤكد على استقلالية البنى-الفوقية عن البنى التحتية، لان هذا يعطي استقلالية للقيادة التي تتحرك من اجل نشر فكرها، وارائها، من خلال مؤسسات الاعلام، والاحزاب السياسية، والنقابات، والنوادي وغيرها. باستعمال منطق الهيمنة، الذي يتوجه الى وجدان، ونفوس الافراد. الناشدين الى حياة يسودها القانون، والتعددية الحزبية، وحق المواطنة، والاختلاف، من اجل ان يبقى ثمة امل. او بصيص من الامل، لولادة الدكتاتوريات حتى وان كانت كامنة بالقوة...

ختاماً نود ان نطرح سؤالا معرفياً، وسياسياً، سوسيولوجياً، وهو، ماهو الدرس الذي يمكن ان نستخلصه من خلال هذه الرحلة الفكرية والفلسفية والسياسية، لواقعنا، ولانظمتنا اليوم ؟

يختصرها الاستاذ زغل بالنقاط الاتية:ـ

1.  تحررنا من  نزعتنا الدولتية اللاواعية وتحول فضولنا، الذي يمثل الحقيقة نوعاً من الاغراء لمؤسسات دولتية ولاشخاص يتقبلون منع هذه المؤسسات بالاساس نحو الممارسات الاجتماعية للنساء والرجال العاديين الذين لم يشملهم تخطيط البيروقراطية الدولتية هذا الانتقال لمركز الاهتمام يبدو من الصعب تحقيقه نظراً للتضامن الثقافي بين قطاع الانتلجينسيا والحائزين لمراكز القرار السياسي.

2.  ان تاويل مفهوم المجتمع المدني باعتباره فضاء للنظام من اجل الهيمنة كانت به فائدة ابعادنا عن التوجه النظري الذي حول البنى الى متوازي اضلاع للقوى، ان التمييز التحليلي والشرعي مابين العلاقات الاجتماعية الموضوعية وبين التصور الذاتي لهذه العلاقات والتي لايمكن ان يكون الا لحظة خلال مسار بحث قد تم تاويلها، في هذا التوجه للبحث كحقيقتين متميزتين مرتبطتين بعلاقة سببية كما لو كانت بنية العلاقة معدة سلفاً في تصوير الماركسيين الموضوعيين الذين ينزعون الى نسيان دور المخيال ـ الفتشية حسب ماركس في تحول الاشياء والبضائع.

 

3.  ان التاويل  الغرامشي للمجتمع المدني، بامكانه في النهاية حثنا على اعادة النظر في مقولة الايديولوجيا لفهم افضل للصراع على الهيمنة الايديولوجية ضمن المجتمع المدني، فالماركسية الموضوعية تحول الايديولوجية، الى استعمال واعٍ وسيى النية للمحتوى الموضوعي لعلاقات التبعية من قبل الطبقات السائدة والى التعبير عن فهم مستلب ووعي زائف من جانب الطبقات المسودة. في هذا التوجه ينظر الى الايديولوجيا كظاهرة خارجية ولاحقة للعلاقات الاجتماعية.

هذا الفهم للايديولوجيا يجرد الواقع من بعدين بتأسس عليهما مسار تصور الظواهر الاجتماعية فالبعد الاول ذو طبيعة بسيكلولوجية ويتضمن الشعور بالانتماء الى والتماثل مع جماعة. هذا البعد التماثلي لمجموعة، لطبقة، لأمة، يترجم حتماً في تجليات المقدس، اذ لا توجد ايديولوجيا بدون مقدس، فهو يهيكل الجمع. ويضمن التمفصل المستقر بين ((الانا)) الفردي و((النحن)) الجماعي يقر التوترات النفسية المتولدة عند صراعات الهوية. ام البعد الثاني فهو ذو منحنى ثقافي بالمعنى الانثروبولوجي للكلمة.

فكل خطاب يستخدم بمعنى غاية في الاتساع يتضمن كل ممارسة دالة وليس فقط السلوك اللفظي، فكل مجتمع لديه ذاكرة، ومخيال، وتراث يمكن تعبئته في فترة ازمة وكلما تكون الهوية الجماعية مهددة، وكلما يكون معنى توجهات السلوك موضوع مناقشة، في أي بحث حول الهيمنة والصراع الايديولوجي لابد من الاخذ بعين الاعتبار كل الابعاد وليس فقط الخطاب الظاهر للسياسين(41)«(42).

 

الهوامش

(1)  ماركس، كارل، الثامن عشر من بروميرلويس بونابرت، ص10-11.

(2)  عبد الجبار فالح، فرضيات حول الاشتراكية، ص83-84.

(3)  للمزيد انظر للباحث: الخطاب الاستبدادي في العراق، جريدة بغداد، العدد 668، 2003م.

(4)  فرضيات حول الاشتراكية، م، س، ص87.

(5)  م، ن، ص89.

(6)  نقيض الكلية أي الاستقلالية المطلقة.

(7)  يقول المؤلف في الهامش: من ابراز معوقات تطور المجتمع المدني في العالم العربي طغيان العلاقات الرأسية من رأس الدولة الى رأس العشير، ورأس الحزب، ورأس الأسرة.

(8)  الجنحاني، الحبيب، المجتمع المدني وابعاده الفكرية، ص29-30.

(9)  الجباعي، جاد الكريم، مجلة أوراق الاردنية، العدد السادس، تشرين أول 1995، ص51.

(10) للمزيد انظر للباحث: الهيمنة والمجتمع المدني، غرامشي وعلى الوردي، صحيفة المدى، العدد 72، 13 آذار 2004.

(11) للمزيد انظر: الياس مرقص، نقد العقلانية العربية.

(12) حنا، عبد الله، المجتمعان الأهلي والمدني، ص5-6.

(13) للمزيد انظر:- طيب تيزيني، من ثلاثية الفساد الى قضايا المجتمع المدني.

(14)  فرضيات حول الاشتراكية، م، س، ص90.

(15) بيوتي، جان مارك، ص153.

(16) يعد كثير من الباحثين انه هو وسعد الدين ابراهيم افضل من نظر مفهوم المجتمع المدني في الوطن العربي.

(17) بشارة، د.عزمي، المجتمع المدني دراسة نقدية، ص29-30.

(18) م، ن، ص33.

(19) للمزيد انظر للباحث:- "العنف والايديولوجيا"، صحيفة النهضة، العدد 103، السنة الأولى، آذار 2004.

(20) الخنيزي، نجيب، مجلة النص الجديد السعودية، ع(9-10) يونيو 2000، ص30ـ 31.

(21) للمزيد انظر: الاعمال الكاملة لماركس (دار التقدم).

(22) الجنحاني، الحبيب، مصدر سبق ذكره، ص18.

(23) للمزيد أنظر: ميشيل متياس، هيغل والديمقراطية، ترجمة الدكتور امام عبد الفتاح امام.

(24) للمزيد انظر: عبد الله العروي ((مفهوم الدولة))، المركز الثقافي العربي.هربرت ماركوز (العقل والثورة)، ترجمة فؤاد زكريا.

(25) المغربي (د.محمد زاهي) ـ المجتمع المدني والدولة دلالات المفهوم واشكاليات العلاقة (نت).

(26) انظر، قراءات في المادية الجدلية، دار الطليعة: للمزيد أنظر:

أ.  توفيق المدني، المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي، منشورات اتحاد الكتاب السوري.

ب.  سعيد بنسعيد وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، 1997.

ج.  ثناء، فؤاد عبد الله، اليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.

(27) المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، م، س، ص18-19.

(28) م، ن، ص21.

(29) فيميا (جوزيف)، مصدر سبق ذكره، ص178.

(30) للمزيد أنظر: مهدي (عامل)، مقدمات نظرية لدراسة الفكر الأشتراكي، الجزء الاول.

(31) بلحسن، عمار، انتلجانسيا ام مثقفون، مصدر سبق ذكره، ص29-30.

(32) بيوتي، جان مارك، مصدر سبق ذكره، ص208-212.

(33) هذا ما يحدث في واقعنا اليوم الذي يتميز بسيادة الدولة على المجتمع المدني، وبشكل أخص أبان النظام السابق.

(34) من استعمالنا.

(35) بيوتي، جان مارك، مصدر سبق ذكره، ص228-229.

(36) الزغل، عبد القادر، مفهوم المجتمع المدني والتحول نحو التعددية الحزبية، ضمن كتاب غرامشي قضايا المجتمع المدني، م، س، ص146-148.

(37) ترجم الى العربية، من قبل تيسير شيخ الأرض.

(38) ما احوجنا اليوم الى مثل هذه السياسة للنهوض بواقعنا المتخلف.

(39) الزغل، عبد القادر، م، س، ص149-150.

(40) م، ن، ص150-151.

(41) الا يعتبر ذلك درساً ابستمولوجياً للخطاب السياسي العراقي الراهن؟.

(42) الزغل، عبد القادر، م، س، ص158-160.