ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر

 (الجزء الثاني)

د. خليل مخيف الربيعي

 

المساواة بين الرجال:

تشير بعض الايات القرانية الى المساواة في موضوع ((المشاركة في النظام السياسي)) من خلال سريان الولاية بصورة متساوية بين المؤمنين وحتى المؤمنات(22). وهذا يعتبر الاصل في علاقة الفرد بالدولة ما لم يرد نص يمثل الاستثناء في القاعدة العامة ،كما هو الحال مع قوله تعالى ((النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم))(23) وكذلك قول الامام علي (ع) في واقعة الغدير، وعند التدقيق في استخدام لفظة (النبي) في القرآن الكريم نجدها لا تتعدى شخص الرسول (ص) الى من يتولى هذا الامر لان الاسلام لايؤمن بوجود نبي بعد الرسول (ص)، خلافا لمنصب الرسالة الذي يمكن ان يتولى بعض وظائفه شخصيات غير الرسول(ص) كما ان الاستدلال بالروايات الدالة على حصر الخلافة بقريش لا ينهض دليلا على منع الرجال من تولي منصب الرئاسة او الترشيح لمثل هذا المنصب،لان التمعن في نصوص الروايات لا سيما ((الائمة من قريش)) او ((خلفاء امتي اثنا عشر كلهم من قريش)) لا تدل على اشتراط القرشية في الحاكم ،بل هي في مجال بيان الاشارة الى المؤهلين لتولي المنصب، (اي انها في مجال الاخبار عمن تتوفر فيه صفات الحاكم).

ولو تنزلنا وقلنا ان القرشية شرط في منصب الرئاسة ، فان لسان الروايات يشير الى انها محصورة بجهة معينة وتحديدا بالامامة او الخلافة ولا علاقة لها بالمناصب السياسية، يضاف الى هذا، ان العالم الاسلامي الان مقسم من الناحية العملية الى عدة دول قد لايوجد في بعضها من هو قرشي، فضلا عن صعوبة التحقق من دعوى الانتساب الى قريش الان.

وربما يمكن ان نستوصي من سيرة الرسول (ص) العملية عندما كان حاكما سياسيا للدولة الاسلامية اذ لم تقتصر عملية اختيار الولاة في بعض المناطق المسلمة على قريش كما هو الحال مع العلاء بن الحضرمي الذي كان واليا على البحرين. يضاف الى كل هذا، ان مهمات اساسية في الدولة اوكلت الى عناصر من خارج قريش، ولا يمكن التشبث بالخلافة الراشدة، لانها لا تتمتع بالالتزام للاخرين ،مع ان هناك روايات تشير الى رغبة الخليفة الثاني تولية صهيب الرومي الخلافة لو كان حياً، مما يعني ان المسلمين الاوائل لم يفهموا من هذه النصوص مافهمه دعاة القرشية في الحكم.

إن الاهتمام بعناوين فرعية تصطدم في واقع الحال مع معايير الاسلام للتفاضل والتمايز بين الناس، اذ وردت آيات قرآنية واحاديث نبوية تشير الى ان الأفضلية لا ترتبط بالقومية او العشائرية وانما تعود الى العمل الصالح والتقوى والعلم والجهاد،وهي صفات يمكن ان توجد في غير العربي فضلاً عن غير القرشي ، كما يمكن اعتبارها عناصر المواطنة الجيدة، لا سيما في الامور التي لاتحتاج الى صبغة دينية كالجيش والصناعات وفنون الادارة والزراعة وغيرها من الامور.

وربما يمكن ان ندل على ذلك،اشتراط الاسلام صفات في الشخص غير الألتزام الديني في بعض ان لم تكن في كل الوظائف ، فهو لايقدم المسلم لكونه مسلماً وأنما لأنه يفترض إلتزامه بما يؤدي الى خدمة المجتمع .

كما لابد من الاشارة الى ان التبريرات التي يقدمها فقهاء الاسلام لمنع غير المسلم من تولي بعض الوظائف تنطلق من فكرة ان غير المسلم لايمتلك الانتماء الى الدين ومن ثم لا يمكن ان يكون ولآءهُ له، في حين ان المطلوب في الدولة، الانتماء الى البلد ومن ثم الولآء له، صحيح ان الولآء والأنتماء لدين الدولة يمثل عنصر ردع في بعض الاحيان، ولكن ليس على طول الخط، اذ كثيراً ما نجد ان الحكام المسلمين خرجوا عن قواعد الشرع لخدمة مصالحهم، خلافا لإخرين من غير المسلمين(24).

كما ان تقليص الفجوة بين الدين والمواطنة، يمكن عن طريق ايجاد ثقافة دينية تصب في صالح المواطنة ،بالاضافة الى الثقافة الوطنية كما ان تقديم الخدمات الاساسية والضرورية للمواطن تعزز من درجة ولائه للوطن، ولعل ما نشرته احدى الصحف الاوربية حول ولاء المسلمين المتواجدين في دول اوربية، والذي اظهر انحياز الغالبية منهم بلد المهجر على حساب البلد الاصل، يكشف صحة ما ذهبنا اليه من ان ما يعزز الارتباط بالوطن، وكذا التضحيةمن اجله هو خلق الشعور لدى الفرد بان ما يضحي لاجله ، هو مصالحه ومصالح ابنائه واقاربه، اي خلق الشعور النفسي والوجداني بان الوطن له، وهو امر عمل الاسلام على اضفاء صفة الواجب الشرعي عليه، مع خلق حالة جذب بين الفرد والارض التي يقطن فيها،يضاف الى هذا،ان خلق عملية التواصل الحضاري مع الاجيال السابقة يعزز من شعور الفرد بالمواطنة.

اما ما يرتبط بالمرأة وحقوق المواطنة فيمكن البحث عنها من زاويتين الاولى تتعلق بحقوق المرأة السياسية (لاسيما الترشيح والانتخاب) فضلا عن الحقوق الاخرى، والثانية ترتبط ببتولي المراة بعض المناصب التي يمنع الفقه التقليدي منها.

وبقدر تعلق الامر بالحقوق العامة للمرأة ومساواتها الرجل في ذلك فأن ما تشبث به الرافضون لا يستند الى نص قرآني ظاهر في المنع من تمتع المراة بحقوقها كما يتمتع الرجل، بل القرآن في ظاهره وروحه عن خلاف هذا الاستنتاج، فضلا عن تمسك المانعين باحاديث لا تثبت عند التحقيق في سندها، فضلا عن معارضة متنها لنصوص قرآنية واضحة، مع وجود نماذج تاريخية كانت للمرأة دورا في قيادة قومها نحو الامن والسلام كما هو الحال مع ملكة سبأ التي ذكر القرآن الكريم حكمتها في معالجة التهديد الخارجي، من خلال مشاورة رؤوساء القوم واعيانهم في الامر، واعتماد اسلوب الحكمة في التعامل مع الموقف ان اقصى ما استدل به المانعون مبدأ لاولاية للمرأة على الرجل وهو امر قابل للمناقشة من زوايا متعددة منها:

1- ان هذا المبدأ لايستند الى نص قرآني واضح وصريح، بل يعتمد مبدا قوامة الرجل على المرأة، وهو امر خارج عن موضوع بحثنا، لان القوامة لم تعلل بعدم قدرة المرأة، وانما لان الرجل هو الذي ينفق على البيت ومن الطبيعي ان تكون له الرئاسة والتدابير لشؤون الاسرة.

2- ان هذا المبدأ يتعارض مع نص قرآني يشير الى سريان الولاية بين المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية، كما مر سابقاً، وعلى فرض صحة هذا المبدأ، فانه يحتاج الى ممارسة عملية حل التعارض مع مبدأ الولاية العام، وهو اما ان يكون بالتخصص (اي ان ولاية الرجل على المرأة) تكون حصة من حصص متعددة يتساوى فيها الرجل والمراة او عن طريق التقييد.

3- ان القرآن الكريم اشار في موارد معينة الى ولاية المرأة على الرجل كما ذكرنا في موضوع ملكة سبأ، دون ان يرد في القرآن الى ما يشير الى رفض هذه الولاية.

وما يمكننا الاستفادة منه لاثبات سريان الحقوق السياسية والمدنية للمرأة كما هو الحال مع الرجل في الاسلام وهو :

 اولا مبدأ الاستخلاف :

اكد الاسلام على ان الانسان ( كنوع ) اختير كخليفة لله تعالى، وهذه الخلافة سارية للرجل والمرأة،وهي ليست صفة، بل لها اثار عملية على الصعيد الواقعي والعملي، اذ ان الاستخلاف يعني في جانب منه تحمل المسؤلية امام المستخلف حول ما استخلفه فيه، وان هذه المسؤلية على قدم بين الرجل والمرأة، ولذا فان المبدأ العام الذي يحكم مبدأ الاستخلاف هو المساواة، ما لم يرد نص يقيده،وفي ظل غياب (الانبياء والرسل والائمة) يبقى المبدأ سارياً، وهو امر يمكنالاستفادة منه لتعزيز مفهوم المواطنة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

وعند البحث في جانب الجزاء الدنيوي للاقوام التي خرجت على خط الاستخلاف نجدها شملت المرأة على السواء، مما يعني ان المرأةتشارك الرجل في صياغة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلد والاّ لايعقل ان تشملها العقوبة حتى وان كانت غير مساهمة في الجرم بل عدم اداء دور التغيير والمراقبة يدفعها الى الاشتراك في الجزاء.

2- الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

يسعى القرآن الكريم الى ايجاد كوابح تمنع حركة الانسان والمجتمع من الاتجاه على الانحراف وتوفير اجواء مساعدة للسير في طريق الصلاح ، من خلال آلية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تمثل(( ضبط ودفع داخلي)) وعند التحليل لهذا الامر نجد انه يتضمن جانبين (اي كلّف الفرد رجل كان ام امرأة) لممارسة هذا الدور بصورة فردية، دون ان يوجد ما يمنع المرأة من ممارسة هذا الدور على الرجل وبالعكس والشواهد التاريخية دال على صدق هذا التحليل، اذ مارست النساء هذه المهمة على الرجال، ولعل موقف عائشة من عثمان في بداية الامر يدخل في هذا الاطار، كما ان موقف فاطمة (ع) من المهاجرين والانصار حول فدك يدخل في هذا المجال، ولا يفهم من هذا ان المرأة يمكن ان تمارس هذه المهمة دون وجود ضوابط شرعية.

اما الجانب الثاني فيرتبط بالجماعة كما جاء في قوله تعالى ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) (25) فلا دليل على اختصاص هذه المهمة بالرجال، لان لفظ الامة يشمل الرجال والنساء، فهو يشير الى جماعة متوحدين اما بالهدف او الاعتقاد او اي شيء اخر ، ومَن قال بحصرها بالرجال عليه الدليل ، وان هذه الاية تشير الى وجود ولاية للمرأة على الرجل بدليل استخدام لفظة (يامرون) والتي تعني السيطرة والولاية، والاّ لم يصح اطلاق لفظة الامر عليه .

3- البيعة:

تمثل البيعة عقدا سياسياً بين الرسول (ص) ومجموعة من الانصار في المدينة المنورة، وهي لم تكن اعلان الالتزام بالدين، لانهم كانوا مسلمين، وانما كان اعلان الولاء والنصرة لقائد الدولة ، والدفاع عنه تجاه محاولات الاحتواء او القتل التي كانت تستهدف حياة القائد الرسالي حتى ان احد النقباء الاثني عشر قال موضحا ما بايعوا الرسول (ص) (( بايعنا رسول الله(ص) بيعة الحرب على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا ومنشطنا ومكرهنا واثره علينا ، وان لاننازع الامر اهله، وان نقول الحق اينما كنا لانخاف في الله لومة لائم))(26).

ان المدقق لهذه الكلمات لايستطيع الاّ ان يقر بان بنود البيعة كانت سياسية ، فهي تتضمن الدفاع عن الدولة اولاً وعدم المنازعة في امر القيادة الشرعية واتخاذ اسلوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه هي ما تتضمنه الاقرار بالمواطنة او الالتزامات التي تفرضها صفة المواطنة على مَن يتمتع بها.

والجدير بالذكر ان هذه البيعة،ليست خاصة بالرجال،بل ذكرت كتب التاريخ ان فيها أمرأتان هما ((نسيبة بنت كعب المازنية وأم قنيع من بني سلمة))  مما يعني ان الاسلام أعطى للمرأة حقوقها السياسية على قدم المساواة مع الرجل،وأن كانت دراسات الفكر الاسلامي المعاصر- لاسيما تلك التي تنظر بسلبية الى دَور المرأة - استفادت آرائها من تجارب المسلمين، وليست من تجربة الرسول(ص)، الرائدة في هذاالمجال.

أما مايرتبط بما يتفرع عن المواطنة من حقوق للمرأة، ومنها المساواة مع الرجل في تولي كل المناصب العامة في الدولة،ومعارضته مع ماتذهب اليه غالبية آراء المدارس الفقهية الاسلامية من منع المرأة المسلمة تولي منصب الرئاسة والقضاء، وعند الشيعة تولي منصب المرجعية،فيمكن التفكيك بين المواطنة وهذه الامور من زاويتين:

ألأولى: مع ان المواطنة تعني المساواة، الاّ ان هناك مناصب تقتضيها الحاجة ان تكون بيد الرجل لكفاءته في هذا المجال ، أذ لم يشير التاريخ المعاصر،تولي امرأة منصب رئيس أركان الجيش، لأسباب ترتبط بالطبيعة القتالية لهذا المنصب (أي بالمواصفات التي يجب ان يحملها صاحب المنصب) وهذة المواصفات قد تكون مكتسبة وقد تكون تكوينية فضلاً على ان كل الدول في العالم تشترط شروط معينة لتولي مناصب عُليا في الدولة، كالعمر، ومدة التمتع بالجنسية، ولذا - على فرض رفض الاسلام تولي المرأة هذه المناصب-فهو لم يعد بدعاً من القول، اذ ان اكثر الدول ديمقراطية تشترط بعض الشروط.

الثانية:لاتوجد أدلة شرعية تجزم بمنع المرأة تولي هذه المناصب سوى قرآءات لنصوص(على فرض صحتها)، مع الأستفادة من الممارسات العملية لمجتمعاتنا في الماضي والحاضر،وهي في اغلبها مزيج من ثقافة الذكر أزاء المرأة ، وأستجابة لقيم وعادات لم يعد لها سند شرعي ،والاعتماد على تفسير وجداني للمنع يرتبط بتكوين المرأة السايكلوجي والبيولوجي،وهو امر يقبل المناقشة من حيث وجود هذه الخصائص في بعض الرجال ، وكذلك وجود مايضاد هذه الصفات في النساء ،اذ نجد أحياناً من النساء أشد جراءة وأقداماً من الرجل، ولعل في واقعة أحد مايثبت ذلك، اذ ان صبرها وجَلَدها كان أكثر من الرجال الذين فرّوا من ساحة المعركة ، كما ان وقوف أم عبد اللة بن الزبير تحثة على القتال ، وكذلك أم وأخت الحسين بن على صاحب واقعة فخ،يثبت ان المرأة اذا ما توفرت الظروف الصحيحة للتربية والتوجية تقدم عطاءً في مجال الدفاع عن الحق يساوي ان لم يكن يفوق عطاء الرجل.

وبعيداً عن أيجاد المبررات لمساواة المرأة للرجل في بعض الوظائف والمناصب فان القاعدة العامة لدى كل العقلاء هي ((ان المنصب يُحدد على اساس الكفاءة والاداء ))  بغض النظر عن نوع الجنس الانساني ، وحتي لو كان الامر في السابق يقوم على اساس منع المرأة من تولي المناصب العليا في الدولة ، فان استمرار هذا المنع لايستند الى اي مبرر شرعي طالما ان القاعدة العامة هي سريان الولاية بين الرجل والمرأة في الاسلام بصورة متساوية من الناحية السياسية.

كما لابد من التنويه في هذا المجال الى قضية المرأة والمرجعية، اذ يكاد يكون هناك اجماع بين متأخري فقهاء الامامية على منع المرأة من ان تكون مرجعاً ، اذ كثيراً ما نجد في رسائلهم العملية عند الحديث عن شروط المُقَلّد ان يكون ذكراً، ولكن منع المرأة من ان تكون مرجعاً لايعني منعها من ان تكون رئيسة الدولة او رئيسة البرلمان او رئيسة السلطة القضائية الاّ بلحاظ كون المرجع يتمتع بهذه المواصفات وهو امر يحتاج الى التفصيل ، اذ يمكن النظر الى المسألة من زوايا متعددة منها :

1-فيما لو كان المرجع لايتمتع بصفة المواطنة- كأن يكون من بلد غير البلد المقيم فيه - وهو لايحق له طبقاً لقوانين الدولة الوطنية التصويت فضلاً عن الترشيح لمنصب الرئيس، وفي هذه الحالة ينفي التعارض بين الرئاسة والمرجعية،فلا مانع عندئذ من ان تكون المرأة رئيسة للدولة او البرلمان.

2-في حالة كون المرجع لايؤمن بالعمل السياسي (اي لايؤمن بولاية الفقيه) وعندها لايكون الامر متعلقاً بالمرجعية ، طالما أعتقد هذا المرجع ان العمل السياسي اداءً ومعارضة ليست من اختصاصه، وهنا يمكن ان تخرج من مشكلة ولاية المرأة على مرجع التقليد ، اما اذا كان المرجع يتولى الاشراف على حركة الدولة (من باب كونه ولياً للفقيه) فلا أعتقد هناك تنافي بين تولي المرأة لمناصب مهمة وبين الاشراف والتوجية المرجعي.

3-ان القضية في السابق ينظر لها من زاوية التشريع عملاً بما كان يؤمن به الفكر الاسلامي بحصر الوظائف الثلاث للدولة (التشريع، التنفيذ، القضاء) بيد رئيس الجمهورية، أما في ظل نظام سياسي يؤمن بان السلطة العليا(رئاسة الدولة) تشريعية او تنفيذية، فلا أعتقد ان هناك تنافياً بين حق المرأة في تولي هذه المناصب وبين تقييدات الفقه الاسلامي وحصر هذه المناصب بالرجل،لأن المرأة مكلفة بالتنفيذ شأنها شأن الرجل،بل وحتى في ظل النظام الرئاسي المحكوم برقابة دستورية وشعبية على حركته، لامانع من الشرع يقف بوجه تولي المرأة منصب الرئاسة،طالما ان المنصب يدور مدار الكفاءة كما ذكرنا ذلك كثيراً، وهذه النقطة يمكن ان تدفع ما يتذرع به المانعين من الطبيعة الأنفعالية والعاطفية للمرأة في مجال القضاء والأدارة، لأن وجود الرقابة يمكن ان تصحح لها حركتها ، كما ان الاسلام أعطى للأمة حق مراقبة الحاكم وتسديده،فأذا ما طبقنا ذلك اصبح هذا ضابطاً لحركة الحاكم امرأة كان أم رجل.

وهناك قضية تتطلب التجديد في ما يرتبط بالموقف من المرأة،اذ ان الاسلام لايمنع المرأة ان تمارس مهمة التشريع، اذ ان المنع ان تكون مرجعاً (للتقليد) لدى غالبية الفقهاء، ومن قدرتها الاجتهادية، اذيمكن لها ان تبلغ رتبة الاجتهاد،ومن ثم تساهم في المجلس التشريعي الى جانب الرجل، ولاضير ان تتولى رئاسة المجلس التشريعي(البرلمان) او أي شيء آخر طالما تمتلك صفة الاجتهاد والكفاءة في الادارة، ولاتقتصر عملها وفق الاجتهاد الشرعي، اذ توجد مساحة متروكة للأمة تساهم في عملية سدها وهي دائرة المباحات التي يمكن ان تتقن ويمكن ان تساهم المرأة في ذلك.

والاسلام يبيح للمرأة ان تمارس حق المعارضة للسلطة، وكذا عملية المراقبة، وتارة تكون المعارضة مؤطرة بصورة رسمية كما لو الحال في النظم الديمقراطية او تكون خارجها، ففي الحالة الأولى يسمح الاسلام لها ان تمارس هذا الدور عبر المجالس النيابية، ولايوجد ما يمنع من ذلك ، وفي الحالة الثانية يمكن لها ان تساهم في الاحزاب تشكيلاً وعملاً،ولايوجد ايضاً ما يمنع توليها رئاسة حزب ما،قد يؤدي بها الى الوصول الى قمة السلطة.

وفي ظل ما تقدم فان الاسلام لايقف حائلاً أمام تمتع المرأة بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية على قدم المساواة مع الرجل، مع وجود تحفظات على الالتزامات التي يفرضها مبدأ المواطنة على المرأة ينسجم مع طبيعة تكوين المرأة الجسمي والنفسي.

أما القضية الاخرى التي تشكل عائقاً امام تبني فكرة المواطنة بالمفهوم الحديث لها،فهي حقوق غير المسلم ومساواته مع المسلم داخل الدولة، وهي قضية تنحل الى مسألة الحقوق والألتزامات، اذ يمنع الفقه الاسلامي التقليدي غير المسلم بعض الحقوق الشخصية والسياسية استناداً الى ما فعله بعض قادة الدول الاسلامية في السابق وتحديداً عمر بن الخطاب فيما يرتبطبالمسيحيين ، وكذلك يفرض على غير المسلم من اهل الكتاب التزامات لاتفرض على المسلم كالجزية.وقبل الدخول في هذا الموضوع لابد من توضيح حقيقة أن مفهوم المواطنة في السابق كان قائماً على اساس الدين، فلا غرابة أن تبنى فكرة الولاء في الدولة الاسلامية على هذا المعيار ففي حين أن هذا المفهوم تم تجاوزه لصالح الولاء للوطن بدلا من الولاء للدين، ومن الطبيعي ان تتغير الحقوق والالتزامات تبعا لتغيير معيار الولاء، ولذا لم تعد نتاجات الفكر الاسلامي التقليدي قادرة على تلبية متطلبات المواطنة الحديثة هذا اولاً، وثانياً ان العلاقات الدولية(بالتعبير المعاصر) كانت قائمة على اساس التنافس الديني وليس المصلحي بحيث حاولت كل جهة اضعاف حركة الجهة المقابلة من الناحية الدينية عبر وسائل التبشير والدعوة والتنصير وغيرها،مما كان يطال ابناء الوطن الواحد الذين ينتمون الى ديانة اخرى تدخل في اطار التنافس مع الدولة التي ينتمي اليها هذا المواطن، ولذا فان التخوف من الطرف الاخر كان مشروعاً، اذ عادة ما ينظر اليهم على انهم عيون للدولة الاخرى، كما هو الحال مع الاجانب من بلد غير البلد الاصلي عندما يدخل بلدهم في صراع مع الدولة المضيفة.

ان فكرة الولاء للدين ولدّت هذه الاشكالية في السابق ، اما المواطنة فتفترض الولاء للوطن وهنا يتساوا فيه المسلم وغير المسلم ، ومن ثم يصبح من غير المقبول التفريق بين الاثنين لان ادعاء ان المسلم اكثر ولاء من غير المسلم يحتاج الى دليل، فضلا عن ان الواقع العملي لا ينسجم معه.

وفي ضوء فهم المواطنة على اساس الولاء للدين جرت تقييدات حول حرية العبادة وبناء دورها بالنسبة للطرف الاخر(لانها لا تدخل في اطار الولاء للوطن وانما للدين) ،شأنها شان التقييدات التي تفرضها النظم السياسية غير الدينية على الاحزاب التي تشكل تهديد لمصالح الوطن،اما اذا كان بناء الحزب السياسي او الانتماء الديني يتحرك في اطار المواطنة (اي ان الولاء من الناحية العملية للوطن ) عندها لايوجدمثل هذا المبرر لمنع الاخرين من ممارسة حق العبادة في دورها ، بل وزيادة هذه الدور .

ان اللجوء الى تقييد في النشاط الديني يثبت من الناحية الواقعية عدم ادراك صناع القرار في هذا الشان لطبيعة التنافس بين الافكار، التي يقوم على اساس الاقناع (الادلة والبراهين) وليس على اساس الاقصاء والتهميش ،فضلا عن ان الاسلام اعطى مساحة كبيرة جدا للنشاط السلمي في الدعوة الى الله ولم يمنع الاخر من ممارسة شعائره ودينه ، بل حتى الارتداد لم يذكر القرآن الكريم حكمه في الحياة الدنيوية ، وانما اشر الى حبط عمله في الحياة الاخروية وهي نتيجة طبيعية لارتباط العمل بالتوجه الى الله سبحانه وتعالى والالتزام باوامره، وما ورد من احكام للمرتد الفطري والمليّ كلها في اطار الاثار الاجتماعية المترتبة على اعلان حالة الارتداد، اذ من الطبيعي ان تكون الصفة الاسلامية مرتبطة بالاعلان عن الالتزام بالمبادئ والقيم الاسلامية، ولكن يبقى حكم المرتد الخاص بالرجم محل تامل، وقد يتعارض مع مبدا حرية الانسان في اعتقاده، بل وقد يصطدم مع الدعوة الى التغييربالطرق السلمية وربما يجد انصار هذه الفكرة الادلة الساندة لها، دون ان يدركوا حقيقة اتخاذ هذا الحكم وظرفية ودوافعه.

ومثلما تتكفل الدولة بالمنظور الاسلامي في امن المواطن المسيحي وضمان توفير فرص العمل وتوفير الضمان الاجتماعي وضمان محاكمة عادلة ومنصفة في القضاء الاسلامي ، والسماح لهم بالتقاضي طبقاً لاحكامهم الدينية في ظل الدولة الاسلامية (27) ، فمن الطبيعي ان تعطيهم الدولة حقوقهم السياسية والاجتماعية،فان من واجب المواطن غير المسلم في الدولة الاسلامية المساهمة بقسط من المال قدر الاستطاعة في تهيئة مستلزمات الدفاع عن الوطن ومن ثم عنه، مع ان هذه المساهمة (الجزية) تسقط عن الاطفال والنساء والشيوخ ،مما يعني ان المسألة ترتبط بالشباب وفي هذا ترجيح لحقوق غير المسلم على المسلم،اذ ان الدفاع عن الوطن يتكفله المسلم مع توفير الجانب المالي، في حين يتكفل غير المسلم بتوفير الجانب المالي.

ان ما ينبغي التاكيد عليه ان الاسلام كدين شيء وكمنهج للدولة شئ اخر لذا يجب عدم الخلط بين الجانبين،اذ ربما يستدعي الدين ممارسةوالدولة ممارسة اخرى،يضاف الى هذا،لابد من الاخذ بنظر الاعتبار ان هنال فارق بين مرحلة التاسيس والتاصيل ومرحلة البناء والتقدم وينبغي عدم الربط بين المتغير من الفكر والثابت منه ، او تحويل المتغير ،عندها يمكن لهذاالفكر ان يتصدى لحل مشاكل الدولة.

الخاتمة

مما سبق اتضح اهمية تجديد الفكر السياسي الديني،الذي كان ثمار مرحلة الامبراطوريات الاسلامية، اذ لم يعد يتماشى مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ومن بين اهم القضايا التي تواجهه في هذا المجال،تاسيس مفهوم جديد للولاء يقوم على اساس الولاء للوطن وليس للدين،دون ان يعني ذلك التقاطع مع الولاءات الفرقية والفرعية، بل لابد من ان يكون الولاء للوطن هو الحاكم عند التعارض، وهذا يتطلب اعادة النظر في نتاج الفقه الاسلامي التقليدي الذي يصطدم مع مسلمات مبدأ المواطنة ومنها الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات.

وكانت هذه الدراسة محاولة لتأصيل مفهوم المواطنة يتجاوز النظرات الضيقة تجاه المرأة المسلمة وغير المسلمة وتجاه غير المسلم من خلال اعادة قرأة النصوص بما ينسجم مع واقع الدولة الاسلامية مستندا في ذالك الى مبدأ مرونة النص القرآني واستجابته للظروف دون ان يعني ذلك القطع بكل ما جاءت به هذه الدراسة من ارأء اذ يمكن ان تكون محل نقاش وتأمل من قبل الاخرين ،ولكن ما كانت تهدف اليه الدراسة هو اثارة هذا الموضوع واثارة الباحثين والمفكرين الاسلاميين وغيرهم لكي يساهموا في صياغة تصور سياسي اسلامي يتلاءم مع المعطيات الوطنية والاقليمية والدولية ، وتقديم صورة اكثر واقعية وعملية للاسلام في ظل دعوات الكثير حول صلاحية الاسلام للاخذ بيد الانساني الى بر الامان

 

الهوامش

1-محمدباقر الصدر،رسالتنا،(دون مكتن،دار التوحيد،دون تأريخ)،ص52

2-اوستن رني 2 سياسة الحكم، ترجمة حسين علي الذنون ،بغداد،المكتبة الاهلية/1964 /ص221

3-رني،مصدرسابق،ص222.

4-انظر في هذا المجال ،انجمار كارلسون،الاسلام والغرب تعايش ام صراع،ستوكهولم،1995.

5-خليل مخيف، الاقليات المسلمة في اوربا الغربية، مجلة دراسات دولية،ع 17، 2000 ص98

6-انظر 2 حزب الدعوة الاسلامي،البرنامج السياسي(بغداد-دون ناشر)2004، ص28.

7- محمد مهدي شمس الدين،في الاجتماع السياس الاسلامي،ايران ،دار الثقافة،1994 ص 92.

8- انظرد-عبدالهادي الفضلي،الاسس الاسلامية،مجلة المنهاج،العدد17 ،2000 ص 314.    

9-ابو الاعلى المودودي،تدوين الدستور الاسلامي ،دمشق،دار الفكر،1969،ص56.

10-صدر الدين القبانجي، المذهب السياسي في الاسلام، ايران، بلا ناشر،1418هـ ص 221.

11-محمد باقر الصدر، الاسلام يقود الحياة، ص133.

12-انظر في هذا المجال اراء الاحزاب اليمنية في اوربا حول المهاجرين المسلمين في هذه الدول.

13-سورة البقرة اية 29.

14-مجتبى الموسوي، الاسلام والحضارة الغربية، ترجمة محمد هادي اليوسفي، ايران دار الهلالي ،1411هـ ،ص176.

15-سورة العنكبوت، الاية 22.

16-غالب حسن الشابندر، الاخر في القرآن، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين،2005، ص37.

17-سورة الحج ،اية 40.

18-عبد الكريم زيدان ، السنن الالهية في الامم والافراد في الشريعة الاسلامية ،بيروت،مؤسسة الرسالة ،1993نص46.

19-محمد مهدي شمس الدين،بين الجاهلية والاسلام،بيروت،(الكتاب اللبناني)1975،ص 182.

20-حسن حنفي ،مفاهيم العلم والعمل والتكافل الاجتماعي في الفكر العربي الاسلامي،نيويورك،منشورات الامم 1998،ص 55.

21-انظر على سبيل المثال ادبيات الحركات الاسلامية المتطرفة وكذا أدبيات حزب التحير الاسلامي.

22-محمد باقر الصدر، الاسلام يقود الحياة،مصدر سبق ذكره/ص171.

23-سورة الاحزاب،أية6.

24-فهمي هويدي،مواطنون لاذميون، القاهرة،دار الشروق 1999،ص125.

25-آل عمران،آية104.

26-نقلاً عن مؤسسة البلاغ،سيرة رسول الله وأهل البيت،ج1، 2001، ص94.

27-انظر حول حكومة الأمام علي (ع) د.مهدي محبوبه ، ملامح من عبقرية الأمام،بغداد،مطبعة الارشاد ،1967، ص91.