|
جدلية الشكل
والقيمة في إطروحة الإسلام المجتمعية
(الجزء الأول)
سالم العطواني
مقدمة
الإنسان
كائن تلفه الثنائيات من كل جانب بين أشواق الروح وهموم
الجسد، بين طموحات الفرد ومحددات المجتمع، بين دنيا لا
يعرف غيرها ولكنها محدودة بنهاية قادمة حتماً يطل منها على
عالم مجهول تعددت الرؤى حول حقيقته.
ومن جهة
اخرى فان حياة هذا الإنسان بدأت بسيطة رتيبة ثم تطورت
مظاهر الحياة ونشات التجمعات السكانية وتكثرت المشاكل
نتيجة لذلك ، واستدعى الامر ان يتدخل الانسان بقدراتة
الذاتية من اجل بناء حلول لمعضلات طفت على السطح ضاغطة على
اهتمام الانسان بحثاًعن انقاذ.
وغرفت
البشرية بحلول متنوعة بسيطة واكثر عمقاً روحية ومادية بين
الخرافة والاسطورة ، بين الانغماس في الملذات والتطرف في
التجرد عنها ، وبدوافع مختلفة بين صدق التوجه نحو الحل وبن
استغلال الآخر للاغراض المادية وغير المادية من قبل اشخاص
وفئات حاكمة او متسلطة راهنت على بساطة الانسان وسجذاتة
وجهله في احيان كثيرة.
وقد تلاحم
الدين بمفهومه العام والتجرية الخاصة للانسان لحل ازمته
منذ البدء وتطورا تدريجياً ، اما التجرية البشرية فواضحة
في مسار تطورها ودوافع وآليات هذا التطور، واما التجربة
الدينية فقد سارت في منهج ماثل في التدرج من خلال مسار
الاديان التي ابتكرها الانسان نفسه وحاول ان يفسر بها
تساؤلاته حول الروح والحياة والموت والعالم الآخر والجزاء
فيه او من خلال مسيرة الاديان السماوية التي رافقت الانسان
وسايرت تطوره برسالات وشرائع متتابعة تنسخ اللاحقة سابقتها
حتى وصلت الى الاسلام.
اتى
الاسلام عن طريق البشر واستخدم لغة البشر ورد على من طالب
بمجئ ملك لتبيغ الرسالة بـ ( لو جعلناه ملكاً لجعلناه
رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون )(1) واقرالعرف الصالح بين
الناس ((خذ العفو وآمر بالعرف واعرض عن الجاهلين))(2) واتى
منسجماً مع فطرة الانسان ((فطرة الله التي فطر الناس عليها
لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيِم ولكن اكثر الناس
لايعلمون))(3) ومتوافقاً مع رسالات النبياء السابقين ((شرع
لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما
وصيّنا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين..))(4)
ومراعياً تدرج النسان في تقبل الافكار وامتثالها ((اياايها
الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه))(5).
ان مشكلة
البحث الرئيسية هي في علاج الاسلام لامر الانسان في جانبين
يبدو بينهما شى من التناقض وهما الشان الدنيوي بكل ما
يكتنفه من علاقات شكلية ظاهرية والشان الآخروي بصفاته
الروحية الغيبية القيمية ولذلك يعترض المعترضون عليها بان
الدين لاشان له بالبرنامج الدنيوي المجتمعي وانما يختص
بالشان الروحي الفردي الخاص ، ونحن بهذا البحث نشير الى
اطروحة الاسلام المجتمعية بثنائية دائرة الشكل ودائرة
القيمة اللتين تجاوز بهما هذه الاشكالية التي تطرح عليه،
والتي اسميناها جدلية الشكل والقيمة على اعتبار انك لاتكاد
تفصل الشكل عن القيمة حتى يبرز احدهما بالآخر او يتطلب
احدهما الآخر وقد اخترنا لفظي الشكل والقيمة مع اعتقادنا
بان هناك الفاظاً اخرى قد تكون بديلة مثل الظاهر والباطن
والعرض والجوهر والشكل والمعنى ولكننا وجنا هذين اللفظين
هما الاقرب
وقد تضمن
البحث عدة فقرات تناولت الاولى مجموعة من التعاليم
والاحكام تؤسس لدائرة الشكل بصوره رئيسية والثانية هي
المداليل التي تركز على جانب القيمة ثم نمارس عملية تحليل
واستخلاص نتائج المقارنة بين المجموعتين لكي نؤكد على
البرزخ الذي بناه الاسلام في اطروحته المجتمعية القائمة
على الفصل بين دائرة الشكل والقيمة في منهج تعامله مع
المجتمع وفي احتضانه للفرد وتربيته لكي ياخذ كل منهما دوره
في حياة الانسان على تفرعها وتعدد جوانبها .
دائرة الشكل
حرية الاعتقاد
يستند
الاسلام الى حرية العقيدة وبربط هذه الحرية باصل الخلق
وبنهج الله تعالى ((ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم
جميعاً افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين))(6) والتاكيد
على ذلك بلفظي توكيد هما “كلهم جميعاً” يهدف الى كونها ـ
اي الحرية ـ امراً الهياً لا يمكن تجاوزه وان بوابة اي
عقيدة للولوج الى وجدان الانسان هي الاختيار الحر الناشئ
عن قناعة اذ ((لاكراه في الدين قد تبين الرشد من
الغي))(7).
التدرج في التطبيق
ان ايمان
الاسلام بحرية الانسان وسعيه الى تحريره حتى من العبوديات
المعنوية يجعل امر تحريره من عبودية الجسد وعبودية الانسان
اقوى واشد والمفروض ان سعيه اليها اسرع ولكنه راعى الوضع
الاجتماعي السائد والوضع الاقتصادي الذي يتطلب حل قضية
العبودية حلاً تدريجياً لا يحدث شرخاً في النسيج الاجتماعي
والاقتصادي ، معوضاً ذلك ببناء وضع نفسي عميق رافض
للعبودية ثم ممارسة حث هائل على استئصالها من المجتمع
بجعلها اعظم العبادات الاجتماعية الطابع اذ يعبر عن عتق
العبيد بـ(( فلا اقتحم العقبة وما ادراك ما العقبة فك
رقبة..))(8) وجعل ذلك العتق كفارة لكثير من الذنوب
والتقصيرات التي يرتكبها المسلم مثل الحنث باليمين ،
والظهار، والقتل الخطا ، الافطار العمد في رمضان .
مشورة الرسول (ص) واصحابه
ان مرتبة
الرسول (ص) في القرآن الكريم لاتدانيها مرتبة “ثم دنا
فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى”(9) ومع ذلك (لم يكن احد
اكثر مشوره لاصحابه من رسول الله)(10) وسواء كانت تلك
الاستشارة حاجه فعلية بالنظر للجانب البشري في شخص الرسول
(ص) او وسيلة لتربية المسلمين على ذلك فان في ذلك توافق مع
النهج العام الذي يمارسه البشر في الحاجه الى مستشارين او
هيئات استشارية من اجل الوصول الى ادق تشخيص واحسن تطبيق
للمشاكل التي يواجهها المجتمع واحسن تطبيق للحلول المقرة
حولها.
الشهادتين هما شرط الانتماء الوحيد
لم يفرض
الاسلام اي شروط على دخول الفرد الى رحابه سوى النطق
بشهاجة ان (لااله الا الله وان محمداً رسول الله ) واعتبر
(كل من اعلن الشهادتين في عرف الدولة مسلماً في الحقوق
والواجبات لسائر المسلمين) نقلاً عن شبلي الملاط في معرض
سرده لاصول الدستور الاسلامي الذي وضعه السيد محمد باقر
الصدر(11).
اسلام الطلقاء
لقد قُبِل
اسلام الطلقاء من اهل مكه حين الفتح والذين خافوا من بطش
المسلمين، وقد قال لهم الرسول(ص) (ماذا تظنون اني فاعلٌ
بكم ، قالوا اخٍٍ وابن اخٍٍ كريم، قال: اذهبوا فانتم
الطلقاء)(12) وقبل اسلامهم رغم الدلائل القوية على ان
اسلام الاكثرية منهم هو سير مع التيار الغالب واستسلام
للامر الواقع ان لم يكن محاولة للالتفاف على الاسلام نفسه
عند الكثيرين منهم مع غياب دلالات التبني والاقناع.
وضع المنافقين
المنافقون
هم من اخطر فئات المجتمع وصفهم القرآن الكريم بابشع النعوت
((اذا جائك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله
يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون))(13)
فاسلامهم كذب واي منهم وسيله خبيثه لاذى المجتمع والكيد له
((اتخذوا ايمانهم جُنه ليصدوا عن سبيل الله انهم ساء ما
كانوا يعملون))(14) بل ان تصنيفهم في سلم الارتقاء
والتسافل احيل الى ادنى درجه ((ان المنافقون في الدرك
الاسفل من النار)) وان خطورتهم على المجتمع بمستوى ((هم
العدو فاحذرهم))(15) ومع ذلك فان التعامل معهم شكلاً
لايختلف عن الآخرين ولم يحدث لا من النبي ولا من اصحابه ان
تجاوزوا هذا الحد الذي وضعه الاسلام لاطروحته في حياة
الفرد والمجتمع فالكل سواسية في احكام الزواج والطهارة
وحرمة المال والنفس والعرض وعطاء بيت المال، لايخرجهم عن
ذلك الا ما يخرج الآخرين من المسلمين وذلك ان حدث وانكروا
ضرورياً من ضروريات الدين، وحتى في هذا الحال فان مجرد
اعلان التوبه لفظاً والبراءة من ذلك الانكار يعيدهم الى
حضيرة الاسلام والمسلمين دون اي مؤاخذه ولا تدقيق وهذه قمة
الظاهريه والشكلية في التعامل المجتمعي.
اثبات
ارتكاب
خطيئة
الزنا
ان قضية
اثبات الزنا تنحصر بالزام المدعي باربع شهود رغم ان الواقع
ثبت باقل من ذلك العدد وفي حالة ادعاء الزوج لوحده يشترط
عليه اربع شهادات بالله انه من الصادقين ، والخامسه ان غضب
الله عليه ان كان من الكاذبين ، ويمكن للمراة ان تدفع عن
نفسها العقاب عند ذلك بان تقسم اربعاً انه من الكاذبين
والخامسه ان غضب الله عليها ان كان من الصادقين(16) ، وهو
ترتيب شكلي مشدد غير قابل للخرق لمنع الاتهام الجزاف يجعل
نهاية القضية بيد المراة نفسها .
واقعة التحكيم في صفين وموقف الخوارج
اثر واقعة
صفين بين الإمام علي(ع) ومعاويه جرى التحكيم ومارس معاويه
الخداع لينفرد بالحكم فقال جمع من اتباع الامام هم من اطلق
عليهم اسم الخوارج (لا حكم الا لله) وكان جواب (كلمة حق
يراد بها باطل انما يريدون لاامارة ولابد من امارة برة او
فاجرة)(17) فالامارة حسب راي الامام شان بشري يخضع لامور
عديدة من بينها راي الاتباع ووضعهم وفهمهم وطبيعة الظروف
الخارجية الحاكمة المؤثرة وليست القيمة وحدها هي الحكم ،
وعدم فهم الخوارج لهذا الاشكال هو الذي ادى بهم الى تلك
الوقفة فقال الامام في وصفهم (ليس من طلب الحق فاخطاه كمن
طلب الباطل فاصابه)(18).
اقرار التعدد
إن طبيعة
المجتمع المتنوعة التي يدركها القرآن ويقرها في بيان حقيقة
اعتزاز اهل كل مله بملتهم واعتقادهم وانهم الاصوب وذلك
يقول تعالى ((ما انت بتابع قبلتهم وما بضعهم بتابعي قبلة
بعض))(19) فان وبناء على ذلك فان الاسلام قد التزم الارصية
المشتركة لحوار كل مله ولم يتعامل مع الآخرين بقناعاته
الخاصه ((قل يااهل الكتاب تعلوا الى كلمة سواء بيننا
وبينكم ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً ةلايتخذ
بعضنا بعضاً ارباباً من دون الله))(20)
التعامل مع الواقع
ان منهج
الاسلام في التعامل مع باقي قوى المجتمع تحكمه المصلحة
الاسلامية العليا دون اسقاط لقداسة الاسلام على بقية القوى
التي لاتؤمن بتلك القداسة والاتفاق على مشتركات تُحترم من
الجميع كما حدث في دستور المدينة مع اليهود ، وما اشار له
محمد حسين فضل الله كتابه (الحكمة الاسلاميه هموم وقضابا)
(ولعلنا نستوحي ذلك من تقييم النبي لحلف الفضول او دخوله
في اتفاقات ومعاهدات مع المشركين من قريش وغيرهم من خلال
المصلحه الاسلاميه على صعيد المرحه الزمنيه المعنيه، وان
المساله ليست بصدد صيغه طارئه بل هي خصوصية المبدا الذي
يحكم الحوادث المماثله)(21). وما قد يرد عليه ذلك بقوله
تعالى “ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار(22)، يجاب
عليه بان تعبير الركون يشير الى الواقع النفسي واختراق
منظومة الظلم لوجدان الانسان وليس العمل بواقع المصلحه
الدينيه والدنيوية للمسلمين.
قضية السب والبراءة
اوصى
الامام علي اتباعه بقوله (انكم ستدعون الى سبي والبرائه
مني اما السب فسبوني فانه لي زكاة ولكم نجاة واما البرائه
فاني وُلدت على الفطره وسبقت إلى الايمان والهجره)(23) وهو
توجيه وسبب تفريق الامام بين السب والبرائه هو ان الاول
شكل ولفظ والبراءه حقيقه وحال فلا المعادي يطالب بها ولا
الموالي يستطيع التنازل منها ، ولذا نشير ان التبرئ باللفظ
جائز كالسب والبرائه المقصوده في الحديث فهي حقيقة البراءه
ولذلك قال الامام (فاني ولدت على الفطره وسبقت الى الايمان
والهجره) للدلاله على ارتباط الولاء له بالولاء لهذه
العناوين وهذا شبيه بقوله(ع) (لو ضربت خشوم المؤمنين بسيفي
هذا على ان يبغضني ما ابغضني ولو صبت الدنيا بجمتها على
منافق على ان يحبني ما احبني وذلك لانه قضى فانقضىعلى لسان
الرسول الامي انه قال: يا علي لايحبك الا مؤمن ولايبغضك
الامنافق)(24).
دائرة القيمة
المنافقون مرة ثانية
ان الآيات
الواردة في وصف المنافقين تصفهم بابشع النعوت واسفل
الدرحات في الدنيا والآخرة وتفرغهم من القيمة لاعمالهم
وتوجهاتهم رغم قبول اسلامهم شكلياً وتجعلهم في مقام اسفل
من الكافرين المجاهرين بكفرهم وذلك لانه اذا كان عند هؤلاء
كفر وصدق فالمنافقون جمعوا بين الكفر والكذب.
وهذا يعني
عدم الغفله عن حقيقتهم ولكن ذلك لم يؤدي الى سحب دائرة
القيمه على دائرة الشكل، فلكل وظيفتها ودورها.
النبي نوح وابنه
قال تعالى
لنبيه نوح عند الطوفان ومشهد محاولة ابنه النجاة من الغرق
((ربي انه ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين
قال يانوح انه ليس اهلك انه عندك غير صالح))(25) فهنا
نلاحظ ان هذة الايات تؤسس لجانب القيمه وتبنيه بناءاً
خاصاً يعمل في الدائرة المحدوده له ومن ضمنها سلوك
الانبياء الخاص وليس السلوك داخل المجتمع , فان ابن نوح هو
من اهله شكلاً وظاهراً ولكن التوجيه الالهي يشير ان الاهل
الحقيقيين هم اصحاب الاعمال الصالحة وان ابنه لكونه عمل
غير صالح فقد خرج عن اهل النبي واشار القرآن الى الفاظ
مشدده في بيان ذلك بقوله((اني اعظك ان تكون من الجاهلين)).
مفهوم اهل البيت
وفي نفس
الجو السابق لمفهوم الاهل نفهم قول النبي(ص) لسلمان
الفارسي“ سلمان منا آل البيت” متجاوزاً ليس القرابة
القريبة فحسب بل القرابة العرقية كلها من العرب الى الفرس،
فالمعروف ان اهل بيت الرجل هو عائلتة او قرابته على ابعد
تقدير ولكن دائرة القيمه تابى ذلك وتقرب سلماناً وتطرد ابا
لهب بل وحتى غيره من مسلمي بني هاشم العباس ابن عبد المطلب
وابنه بل يصل الامر الى اخوان الامام علي نفسه كعقيل وجعفر
رغم منزلتهم في الاسلام والقرابة معاً.
القبله ومرتبة البر
في قضية
القبله وتحويلها فانه رغم اهمية ذلك في توحبد المسلمين
وتاكيد خصوصيتهم بالنسبه لاصحاب الملل الاخرى فان القرآن
يلفت نظر اتباعه الى ان الامر لايقف عند ذلك بل يؤكد ان
البر هو مرتبة روحيه ساميه من مراتب دائرة القيمه يعتمد
على اساس آخر ((ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق
والمغرب انما البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة
والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة
وآتي الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في
الباساء والضراء وحين الباس اولئك الذين صدقوا واولئك هم
المفلحون))(26) ورغم ان الاسلام حد الحدود وبين الواجبات
والمحرمات فان الامر لم يقتصر على ذلك في دائرة القيمة بل
يقرر ان ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون))(27) وفي
مجال العبادات ان صلاة الليل هي ((اشد وطئاُ واقوم
قيلاً))(28) وهي مستحبه بالمقارنة ممع اللوات الواجبه
الاخرى.
الضجيج والحجيج
قول
الامام الصادق(ع) في معرض رده على تعليق احد اتباعه وكانا
يطوفان في مكه ويشهدان كثرة رواد البيت الكريم “ما اكثر
الضجيج واقل الحجيج” وهذا تاكيد على اهمية دائرة القيمه
ودورها الفاعل في التنشئه الاسلاميه باتجاه تكامل الانسان
.
الاسلام والايمان
في الوقت
الذي يطلق فيه لفظ الاسلام للدلاله على الانقياد الظاهري
الشكلي للدين، فان لفظ الايمان من مختصات دائرة القيمه كما
في قوله تعالى ((فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك في ما شجر
بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا
تسليما))(30) ((وما كان لمؤمن ولامؤمنه الذا قضى الله
ورسوله امراً ان تكون لهم الخيره من امرهم))(36) ((وقالت
الاحزاب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل
الايمان في قلوبكم))(32).
الصحه والقبول
قال
الصادق(ع) (والله إنه ليأتي على الرجل خمسون عاماً لايقبل
له فيها صلاة واحدة فأي شيء اشد من هذا)(33) وذلك لان
للعبادات رصيد نفسي يمثل الاعتقاد الصحيح والنيه الصادقه
فان لم يحصلا فا العمل سيكون شكلاً دون قيمة حقيقية، وهذا
ما يطلق عليه في عرف الفقهاء لفظي الصحه والقبول فان العمل
قد يكون صحيحاً ولكنه غير مقبول، وتشير يعض الماثورات الى
ان العمل قد يتصف بعكس ذلك فيكون غير صحيح شكلاً ولكنه
مقبول وذلك اذا كان عدم الصحه ناشئاً عن قصور وليس تقصير
او عن جهل وليس عمد.
مقياس العمل الصالح
ان الكثير
من الاحاديث تعطي قاعة عامه لقبول او رفض اي عمل ظاهري
مهما كان وقعه وهو الرصيد النفسي او ما يعبر عنه بالنيه (انما
الاعمال بالنيات وانما لكل امرءٍ ما نوى)(34) وعلى اساس
ذلك تصبح بعض الوان المقارنه بين الاعمال مستغربه في العرف
السائد ، فقد يعد عمل بسيط مثل مساعدة اعمى لعبور الشارع
اوازالة اذى عن الطريق افضل في مقياس القيمه من بناء مدرسه
لاغراض غير نظيفه وغير وصادقه كما اشار الى ذلك السيد محمد
باقر الصدر في مقاله عن العمل الصالح في الاسلام.
ويذهب
المنهج الاسلامي في تاسيس دائرة القيمه الى ابعد من ذلك
فيجعل الجهاد الذي يضحي فيه المرء بنفسه خاضعاً لنفس
المقياس فمن خرج الى الجهاد من اجل مال يصيبه او امراه
ينكحها او اي عرض من اعراض الدنيا يبتغيه فهو وما سعى اليه
ام المجاهد الحقيقي فهو من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا.
القسم
الثاني
|