ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

التغيير في العراق

كيف يمكن الانتقال من ثقافة القتال إلى ثقافة الحوار

الفصل الثاني: التغيير في العراق

(كيف يمكن الانتقال من القتال إلى الحوار)

أولاً: معرقلات العملية التغييرية في العراق الآن

قلنا سابقاً أن السلوك الاجتماعي المنحرف هو موضوع عملية التغيير، وتوصلنا بعد ذلك للكشف عن البنى الفكرية التي ينطلق منها ويتأسس عليها السلوك الاجتماعي، حيث أننا اعتبرنا أن ثقافة المجتمع هي المعين الذي يرفد الأطر المرجعية بمجموعة المفاهيم التي تتحكم بسلوك اجتماعي ما، وقد تبين لنا في المثالين السابقين كيف أن عملية التغيير كانت بمواجهة آليات الدفاع الاجتماعية، وأن هذه الآليات كانت عصية على الاختراق بسبب من اختفائها خلف دوافع غير واضحة أو غير مكشوف عنها، الأمر الذي يوقع نفس عملية التغيير الاجتماعي بالإرباك والفوضى، إذ أنها ستعمل على توجيه آلياتها في التغيير لغير الهدف الحقيقي. كما حصل في مكة، حيث أن التغيير كان يستهدف القيم المعنوية الدينية، غير أن آليات المقاومة الاجتماعية كانت تنطلق من القيم الاقتصادية المادية، وهذا ـ وكما قلنا سابقاً ـ ما دفع الرسول محمد(ص) للبحث عن مجتمع آخر لا تتحكم فيه هذه الإشكالية، فمن الواضح أن تغيير القيم الاقتصادية التي كانت تتحكم بالمجتمع المكي آنذاك، كان يحتاج للمساومة، وهذا ما لا يمكن لعملية تغيير (اجتماعية/دينية) أن تقوم به ((والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في ساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه)). إن نفس ملامح هذه الإشكالية نستطيع أن نجدها في المجتمع العراقي الآن، فنحن بصدد إجراء عملية تغيير يكون الهدف من ورائها نقل هذا المجتمع من ثقافة القتال إلى ثقافة الحوار، من الاستبداد إلى الديمقراطية، ونحن نعمل جاهدين ومنذ ما يقارب السنتين على هذا الهدف، غير أن المؤشرات لا تشير لبوادر نجاح واضحة، فما زال الحوار هو العامل الأكثر غياباً من على ساحة الفعل (السياسي/الاجتماعي). وكل النجاحات التي يعتقد أنها تم تحقيقها على صعيد بناء دولة ديمقراطية، هي في الحقيقة نجاحات غير حقيقية، لأنها اتجهت نحو إنشاء مثل تلك الدولة وسط بيئة استبدادية تسلطية عنيفة، أي أنها تجاهلت البعد الاجتماعي لعملية التغيير نحو الديمقراطية، بعبارة أخرى فهي لم تنطلق من أسس يمكن لها أن تنتج الحوار على الصعيد الاجتماعي، بين أفراد المجتمع، ومن ثم فإن مارد الاستبداد والعنف ـ وفي حال أننا سيطرنا عليه ـ سيضل يتحين الفرصة لكسر قمقمه والخروج علينا بكل دخانه وشرره.

إن تشكيل سلطة تتقاسمها مجموعة من القوى السياسة ذات القواعد العريضة وسط الشعب العراقي من شأنه أن يوفر الرضا والاستقرار لدى الشريحة الأكبر من هذا الشعب، ولكنه من جهة أخرى لا يكفي لزرع الإمكانية على قبول الآخر ومحاورته، لا في نفس هذه الشريحة ولا في باقي الشرائح الأخرى. بعبارة أخرى نحن نقيم دولة ديمقراطية وسط بيئة استبدادية تحكمية تسلطية، ومن ثم فستواجه سلطة هذه الدولة إشكالية معقدة جداً على الصعيد العملي، وهذا ما حصل بالنسبة للحكومة المؤقتة، التي حاولت أن تتلافى الأزمات التي تعرضت لها عن طريق الحوار، إلا أنها عجزت عن ذلك، عندما وجدت أن الجهات التي جلست معها على طاولت التفاوض لا تنطلق من الخيارات المتعددة، بل من الاختيار الواحد المحدد، الأمر الذي أسقط تلك الحكومة بمأزق التناقض عندما نجحت قوى المعارضة بجرها من منطق الحوار إلى منطق القتال، ومن ثم فإن عملية التغيير تعرضت للإجهاض وهي بعد لم تبدأ، والسبب في ذلك أن عملية التغيير لم تتجه للآن الوجهة الصحيحة، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فستقع الحكومات اللاحقة بنفس مأزق الحكومة المؤقتة.

إن هناك نوعين من المعرقلات التي أرى أنها واجهت الحكومة المؤقتة خلال محاولاتها لاستيعاب التعدد العراقي في بودقة الحوار:

النوع الأول من المعرقلات هو ما يمكن تسميته بـ(خديعة الدافع): وهي نفس إشكالية المجتمع المكي، حيث أن الخيارات التي كانت تطرحها الحكومة على أطراف المعارضة  هي خيارات سياسية، بينما أن أطراف المعارضة نفسها ليست معنية في الحقيقة بهذه الخيارات، وهي من ثم غير مدفوعة بها، أي أن سلوك هذه الأطراف ـ المعارض للحكومة وللحالة العراقية العامة ـ لم يكن مدفوعاً بدوافع سياسية، بل بدوافع دينية، فهذه الأطراف جاءت لطاولة التفاوض محملة باختيار ديني محدد، وليس بخيارات سياسية متعددة، وهكذا رأينا كيف اجتمع على هذه الطاولة طرفان لا يمكن لهما أن يتوافقا على أي شيء.

ولكن هل كان يمكن للحكومة أن تقبل باختيارات المعارضة الدينية، طبعاً لا، ومع أننا لسنا معنيين وربما غير متمكنين من تحديد ما كان يمكن للحكومة أن تنجزه مع هذه المعارضة تلافياً للقتال، غير أننا نستطيع أن نقول: بأنها نعم، كانت مضطرة للاكتفاء بالأطراف التي تقبل بالخيارات السياسية في سعيها لتحشيد الرأي الداعم للانتخابات، غير أنها من جهة أخرى لم تفعل أي شيء من شأنه أن يعالج أزمة الاختيار الديني، وبالتالي فإنها عجزت عن إنجاز التأسيس الحقيقي لعملية تغيير من شأنها الانتقال بالشعب من القتال إلى الحوار، ومن ثم فإنها سلمت للحكومات التي بعدها ساحة قتال لا ساحة حوار، وهذا ما يكشفه واقع الأحداث في العراق.

إن تتبع الأزمة التي تسببت بها إشكالية (خديعة الدافع) تاريخيا من شأنه أن يفتح علينا باب الإحباط والتشاؤم، فالذين تُرِكوا في مكة، على دوافعهم وميولهم لم تفعل فيهم عملية التغيير شيئاً، أي أنهم ظلوا على ما هم عليه، وبالتالي فقد تحولوا إلى قنابل موقوتة، ظلت تتربص بالحالة الإسلامية إلى أن واتتها الفرصة بعد انهيار الخلافة الراشدة، حيث قفزت الطبقة أو الفئة التي تتحكم بها هذه الدوافع الاقتصادية من جديد للسطح، وهكذا تمكنت من تحويل المسار الإسلامي لغير وجهته الأصلية، عندما تحول من قيادة دينية تغييرية تسعى لنشر الدعوة الإسلامية، إلى سلطة فردانية تسلطية تسعى لتحقيق مأربها الخاصة في الهيمنة على مقدرات الأمة. وهذا ما نخشى أن يحصل في العراق لو تم تجاهل هذه المفردات، ولو أن الزمن أمهل الرسول قليلاً من الوقت لتمكن من اختراق جبهة الدوافع الاقتصادية، ولتمكن بالتالي من إنتاج عملية تغيير متكاملة يكون نتاجها مجتمع منسجم مع نفسه ولا يحمل تناقضات مسيرته في رحمه، مجتمع تتحكم به قيم ودوافع من سنخ واحد(34). إذاً فعلى الحكومات اللاحقة أن تعمل بجهد مكثف لتلافي أخطاء الحكومة المؤقتة، بحيث تتوجه للقضاء على نقائض ثقافة الحوار في الشعب العراقي، من أجل أن يتحول هذا الشعب من الاختيار الواحد إلى الخيارات المتعددة، ومن ثم يكون مهيئاً لأن يتحول من قتال الآخرين إلى حوارهم.

النوع الثاني من المعرقلات(35)، هو الجذر الثقافي لعملية التمرد التي يقوم بها المجتمع إزاء عملية التغيير، فكما قرأنا في قضية الكرسي الذهبي، فإن الجذر الحقيقي الذي كان يختفي خلف عملية إصرار الاشانتي على القتال هو أن الكرسي يمثل بالنسبة لهم قيمة معنوية عالية، ومن ثم فلم يكن بإمكانهم أن يساوموا عليه، أي أنهم كانوا عرضة للقسر الاجتماعي، ولم يكن أمام الحاكم البريطاني إلا أن يترك لهم الكرسي عندما أُحيط علماً بأهمية هذا الرمز الثقافي بالنسبة لهم، وبالتالي فقد أدرك بأنه كان بصدد سلبهم كل ما لديهم.

من طبيعة المقدس أنه لا يقبل التزاحم ولا الشركة، وعليه فهو ينزع للقتال في أغلب الأحيان، عندما تفرض عليه الخيارات، ونحن إذا أردنا أن ننجز عملية زحزحة للموقف الرافض للحوار، علينا قبل ذلك أن نعرف الهوية الحقيقية لهذا المقدس، من أجل أن نحيط علماً بطبيعة فعل التمرد على الحوار، ومن أين يأتي القسر الذي يعانيه أفراد الجماعة التي ترفض الحوار. فعنوان مقاتلة المحتل الكافر، هو في الحقيقة عنوان عام يمكن أن تندرج تحته الكثير من الغايات، وتختفي بظله الكثير من التوجهات والدوافع، وليس أدل على ذلك من اجتماع المعارضتين (الشيعية والسنية) وكذلك التنظيمات البعثية تحت ظل هذا العنوان. على هذا الأساس فنحن لا يمكن لنا أن نقول وببساطة: أن السبب الكامن وراء فعل العنف هو الدافع الديني وحسب.

عندما ندرس اتجاهي مقاومة المحتل في العراق (الشيعي والسني)، نجد أنهما امتازا بأمرين، الأول هو أنهما لم يحددا سلفاً أهدافاً محددة للقتال تنطلق عن رؤية (سياسية/دينية) واضحة. والثاني أنهما كلاهما رفضا ـ عملياً أو نظرياً ـ مبدأ الحوار مع الطرف الآخر (العراقي)، وبالتالي فقد نزع كلاهما للقتال. وهذا الأمر بحد ذاته يكشف عن أن مشتركاً ما يقف خلف هذا التعاطي المتشابه في إطار الجماعتين المرجعي، ولابد أنه المشترك الإسلامي الذي يُعدُّ الحاضر المهم في الثقافة العراقية بصورة عامة، ومن الواضح أن هذا العامل من شأنه أن يدفع لقتال المحتل، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن هذا المحتل هو في حقيقة أمره يمثل المختلف الكافر (الضد)، عليه فإن الثقافة الإسلامية العراقية، شعرت أن عدوها الأكبر (الشيطان الأكبر) حضر في ميدانها وعلى أرضها وبات يهددها بالموت، إذن فثمة مشترك (ديني/ثقافي) بين الطرفين. وهكذا يصبح أمر النزوع نحو قتال المحتل مفهوماً إلى حد ما. لكن لماذا اشتركت أطراف المقاومة في عدم وضوح الرؤية السياسية؟

إن الجواب على هذا السؤال يضعنا على أبواب حل إشكالية الحضور المقدس في الإطار المرجعي، ولذلك سنترك تفصيله للفقرات اللاحقة، غير أننا سنكتفي بالإشارة إلى أن هذا الاشتراك، أو تحديداً موضوع المقاومة المسلحة وعدم الاشتراك بالعملية السياسية، حصل وكما هو واضح لدى الجماعات المستقلة من الشعب العراقي، وبعبارة أكثر صراحة لدى الشرائح التي لا يرقى وعيها السياسي والاجتماعي لمستوى النخبة، الأمر الذي يضعنا أمام مشترك آخر يبرر التشابه في السلوك، وهو المشترك (الاجتماعي/الثقافي) (مستوى الوعي).

لو أننا رسمنا سهماً ينطلق من نوعي المعرقلات اللذان ذكرناهما، لوجدنا أن هذين السهمين سيلتقيان عند نقطة المقدسات في الثقافة الاجتماعية، ففي النوع الأول كانت هذه المقدسات تلبس خيارها الديني رداءاً سياسياً، وتمنع من ثم الجماعة من القبول بأي خيارات سياسية أخرى. أما في النوع الثاني فقد كان المقدس يضبب الرؤية ويجعل الأهداف غير مفهومة حتى من قبل الجماعات التي تعتقد أنها تسعى لتحقيقها. وعلى هذا الأساس فالمفروض أن يتم النزول لهذا المقدس ومحاولة التعامل معه إما تغييراً أو إرضاء. أما التفاوض مع الجماعة التي يتحكم بها، أو مقاتلتها فلن يجدي نفعاً، ولذلك وجدنا أن الحل في قضية الكرسي انكشف عندما استشير الانثروبولوجي بالموضوع حيث أنه نزل للعمق، للجذر الثقافي المتحكم بسلوك الجماعة، وعندما وجد أن هذا الجذر أعقد من أن يمكن القفز عليه أو تجاهله صار القرار بأن يترك الرمز المقدس وشأنه.

أما بالنسبة لإشكالية التمرد المكي فقد كان الحل ـ برأيي ـ متروكاً للزمن، فبعد خطوة التحرك نحو أهل المدينة، كانت هناك خطوة يسعى لها الرسول وهي الوصول بالتغيير للكامن الحقيقي وراء سلوك التمرد، غير أن الزمن وكما قلنا سابقاً قاطع عملية التغيير هذه.

لقد تحدثنا لحد الآن عن عملية تغيير(36) اجتماعية في العراق، وقد آن لنا أن نذكِّر بأن هذه العملية في حقيقتها هي عملية تغيير سياسية وليست اجتماعية، فنشر النظام الديمقراطي هو عملية سياسية من جهة المنطلقات والأهداف. غير أن عملية التغيير السياسية هذه لا يمكن لها أن تنطلق من منطلقات غير اجتماعية. فقد رأينا سابقاً كيف أن ثقافة المجتمع كانت حاضرة في الدفاع عن نفسها وانتهجت في سبيل ذلك آليات عنف وتدمير خطيرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الديمقراطية تستند على مفردات اجتماعية كثيرة، منها مفردة قبول الآخر، وهي مفردة للثقافة الاجتماعية القول الفصل فيها، ومنها مفردة نوع السلطة، وهي أيضاً مفردة تتحكم بها ثقافة المجتمع، خاصة المجتمع الإسلامي. والغريب في الأمر أن القوى المعنية بعملية التغيير ـ السلطة المؤقتة وقوات الاحتلال ـ والتي تجاهلت البعد الاجتماعي لهذه العملية، استمرت بعملية التجاهل عندما قامت بمعالجة الموضوع عسكرياً، دون أن تستنفذ المعالجات الأخرى. نعم لقد كانت هناك محاولات كثيرة للوصول إلى نقاط اتفاق مع الجهات المعارضة، إلا أن المؤسف في الأمر أن هذه المحاولات كانت أيضاً سياسية المنطلقات والأهداف. ولم يكن هناك أي التفات للكوامن الاجتماعية الثقافية التي كانت تحرك سلوك المعارضة، وكان خير مثال على إهمال البعد الاجتماعي لهذه المعارضة هو أن السلطة وقوات الاحتلال تعاملتا مع طرفي المعارضة ـ التي انطلقت من مناطق شيعية وتلك التي انطلقت من مناطق سنية ـ بنفس الكيفية، مع أن الدوافع التي كانت تختفي خلف سلوك كل من هاتين المعارضتين مختلفة جداً. فقد كانت المعارضة الشيعية تغمرها فرحة الخلاص من صدام، ومن ثم فهي تنطلق بدافع الحصول على مكاسب أكثر، أي أنها لم تكن تشعر بأي نوع من أنواع التهديد على صعيد الوجود، على خلاف المعارضة السنية، فقد كانت خاسرة على جميع المستويات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المعارضة الشيعية التي كانت حصلت على مكسب الخلاص من صدام قبل تحولها للعمل المسلح لم تكن مستعدة للقتال تحت جميع الظروف، فهي بالتالي لا تريد العودة لنقطة الصفر المطلق، أما المعارضة السنية فقد كانت كذلك، فليس لديها ما تخسره، وبالإضافة لكل ذلك فإن طبيعة الأطر المرجعية التي انطلقت منها كلتا المعارضتين كانت مختلفة جداً. ومع كل الفوارق السالفة فقد وجدنا أن قوات الاحتلال أو السلطة قد انتهجت نفس النهج في التعامل مع المعارضتين، وهذا الأمر بحد ذاته كفيل بأن يكشف عن خلوا هذه السلطة من أي رؤية اجتماعية تستطيع من خلالها تدارك المأزق العراقي.

انياً: حقيقة المأزق

قلنا أن التغيير الذي يجب أن يمر به المجتمع العراقي هو تغيير اجتماعي، أي أنه عملية يجب أن تنطلق من القاعدة (الشعب) باتجاه القمة (السلطة) حيث يتم فيها تغيير ثقافة هذا الشعب باتجاه القبول بالحوار ثم الانسجام مع التعددية ثم القبول بالديمقراطية. غير أن طبيعة الظروف السياسية الدولية والإقليمية، قلبت معادلة التغيير هذه وجعلتها سياسية تبدأ من الرأس، على أمل أن تنتهي بالقاعدة. والخطير في هذا الأمر أن الضمانات على استمرار هذه العملية وسريانها من الرأس إلى القاعدة قليلة. خاصة إذا تذكرنا أن جميع القوى التي تمكنت من الوصول إلى قمة الهرم السياسي وأصبحت هي المتحكمة بالعملية السياسية، هي في حقيقتها قوى سياسية استبدادية غير ديمقراطية، فهي إما أحزاب لم يصل بها مستوى التطور التنظيمي حد إنتاج آليات في القيادة تحميها من تسلط وعبث فرد محدد أو مجموعة أفراد، أو أنها عبارة عن تجمعات أو تنظيمات دينية لا تؤمن بخيار الديمقراطية على مستوى السلطة، بل هي تميل للتفرد فيها، على مستوى المتبنى الفكري، الأمر الذي يجعل كلا هذين الشكلين أبعد ما يكونا عن حماية عملية التحول نحو الديمقراطية (اجتماعياً). فليس من المعقول أن يعمل حزب إسلامي أو علماني، تكون القيادة فيه أحدية صمدية دائمة أبدية، على إنتاج وحماية النظام الديمقراطي في الحكم. وحتى لو أن طبيعة الظروف المتحكمة بالوضع العراقي دفعت نحو هذا النظام وساعدت على حمايته، فإن أداء هذه الأحزاب سيعمل ولا شك على عمل كل ما من شأنه عرقلة عملية التحول نحو هذا النظام. وبما أن عملية تحويل الشعب من ثقافة القتال إلى ثقافة الحوار تستغرق عقوداً من السنين إذا يجب أن تقوم عليها سلطة متمكنة من قيادة عملية التحول هذه بشكل نزيه وشفاف، غير أن المعطيات السالفة تشير إلى أن هذه السلطة غير موجودة الآن، بل أن الموجود من القوى المؤهلة لتسنم السلطة خلال العقود القليلة القادمة هي نفسها تحتاج لعملية تأهيل تمكنها من الوصول لعملية قبول الآخر باتجاه التحاور معه. إنه فعلاً مأزق حقيقي، أن تكون القوى التي ترفع شعار الديمقراطية والتعددية وتتولى من ثم عملية التغيير بهذا الاتجاه، هي ذاتها قوى أو تشكيلات تفتقر لهذه الثقافة، فكما نعرف أن الديمقراطية عبارة عن سلوك اجتماعي وليست شعار أو معرفة، والسلوك وكما هو واضح ينطلق من بيئة الدوافع، وهي بيئة تتحكم بها الثقافة التي يتشكل منها الإطار المرجعي الذي يناسب السلوك، إذن فالعجز عن الحوار ـ على مستوى القواعد والقيادات ـ ناشئ من الثقافة ومنطلق منها، وبالتالي فإن ثقافة المجتمع العراقي تملي السلوك الاستبدادي وتقتضيه. ومما يؤكد هذا الموضوع أن القواعد الجماهيرية التي تستند إليها القوى السياسية لم يصدر منها أي اعتراض ملموس على نوع الاستبداد الذي يسود تلك القوى، مما يؤشر لأمر غاية في الخطورة، وهو أن المجتمع العراقي عاجز لحد الآن ليس عن تبني الحوار على مستوى السلوك، بل أيضاً حتى عن المطالبة به بشكل دقيق وواعي، والعجز عن المطالبة هذا إما أن يكون ناشئاً عن قبول بالاستبداد أو عن جهل به.

عادة المارد لقمقمه من جديد

إن الفاجعة الحقيقة لا تكمن بعجز النخب السياسية عن تبني الديمقراطية على مستوى السلوك، ولا تكمن من جهة أخرى بعجز المجتمع عن قبول الحوار والعمل به، بل عن تحول الاستبداد الفكري لآلية قمع حقيقية تنتهج التصفية الجسدية في عملية تعاطيها مع الآخر المختلف. إن عمليات الذبح والنسف والتفخيخ التي يتوجه بها مكون من مكونات المجتمع باتجاه باقي مكوناته، يبعدنا ليس عن ساحل الديمقراطية فقط، بل حتى عن أي محطة من محطات الاستقرار والطمأنينة. لقد قفزت لسطح الممارسة الاجتماعية فعّاليات اجتماعية منحرفة إلى درجة تنذر بفاجعة (اجتماعية/سياسية) حقيقية، وإلا فأين كانت هذه الفعاليات كامنة، وما الذي كان يقمعها ويمنعها من البروز على السطح، وإذا كانت السلطة المستبدة السابقة هي سبب كمونها تحت السطح، فهل يمكن لنا بعد ذلك أن نعيدها بسبب أو بآخر لتحت السطح من جديد ونقبل بتحويلها لمارد محبوس الأنفاس داخل قمقم القوة، مما يعني استعدادها للظهور من الجديد ما أن تواتيها الفرصة.

إن الانسجام أو التواطؤ ـ غير المدرك ـ على الاستبداد والفردانية ونبذ ثقافة الاختلاف، بين المجتمع وبين (جميع) قواه ونخبه السياسية، هو في حقيقته كاشف مهم يؤشر لعمق هذا الموضوع في الثقافة الاجتماعية، أي أننا من المحتمل أن نفاجأ بما يبرر هذا الاستبداد ويمليه إذ لا يوجد سلوك اجتماعي لا يتأسس على قاعدة من المفاهيم والمدركات والدوافع. ومن ثم فعلينا أن ننزل للثقافة الاجتماعية لنكشف النقاب عما يحول بيننا وبين الحصول على مجتمع يتقبل الحوار ويعمل على وفقه.

الثاً: تفكيك الإطار المرجعي المتحكم بموضوع الاختلاف

لسنا بصدد وضع كشف حقيقي لطبيعة المكونات التي يمكن لها أن تتحكم ـ مرجعياً ـ بسلوك أفراد المجتمع العراقي، آخذين بنظر الاعتبار أن مجتمعاً مثل المجتمع العراقي بكل مكوناته وأجزاءه لا يمكن أن يتحكم به إطار مرجعي واحد، فالشعب العراقي مكون من مجموعة ثقافات وليس من ثقافة واحدة، الأمر الذي يقتضي بالضرورة تكونه من مجموعة أطر مرجعية مختلفة، وليس أسهل من التمثيل لهذا الأمر، فقد تعاملت أطياف الشعب العراقي مع موضوعة الاحتلال بصور مختلفة، فشمال العراق تعامل بطريقة تختلف عن تلك التي تعامل بها جنوبه، التي اختلفت بدورها عن تلك التي تعامل وفقها غربه، كما أن المسلمين اشتركوا بسمات في هذا التعامل اختلفوا فيها عن المكونات الأخرى غير الإسلامية.

لقد كان لكل مكون من هذه المكونات ظروفه وتاريخه ومصالحه(الدينية/ الاجتماعية/ السياسية) التي امتزجت بثقافة ذلك المكون مشكِّلة الإطار المرجعي الذي تحكم بسلوك الجماعة إزاء موضوعة الاحتلال. لكننا مع ذلك نستطيع أن ننجز تعرّفاً أولياً لطبيعة العلاقة بين مفردات الإطار المرجعي وبين السلوك الاجتماعي ـ الرافض للحوار مثلاً ـ فقط من أجل أن نتعرف على حجم الصراع الذي يدور داخل الثقافة وينتج سلوك المجتمع الذي يتبناها، وحتى نكون في النهاية مدركين تمام الإدراك للعمق الذي يجب على عملية التغيير الاجتماعي أن تنزل له في معالجة الخلل (المفاهيمي/ القيمي/ المعياري) داخل ثقافة المجتمع المراد تغييره.

إذن فنحن لن نضع مخطط نفكك من خلال المفردات الثقافية التي تنتج لنا السلوك الاستبدادي على الصعيد الاجتماعي، ذلك أن هذا الأمر ليس من السهل إنجازه، وهو حتماً يحتاج لتظافر جهود كثيرة، لكننا سنعمل على تكوين نظرة شمولية، تكشف لنا عن طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه مفهوم ما أو قيمة أو فكرة أو آيديولوجيا داخل الإطار المرجعي الذي تمليه المشتركات الثقافية للمجتمع العراقي، فمهما كان هذا المجتمع مليء بالمكونات المختلفة، غير أنه من جهة أخرى يمتلك مشتركات كافية لتحديد ملامح ثقافة عامة واحدة تجمع داخل إطارها جميع مكوناته.

الإطار المرجعي العراقي

(بين مفردة الدين والتغيير لقبول المختلف)

لا شك أننا ونحن نحاول الكشف عن ثقافة الشعب العراقي العامة، من خلال تحديد جملة المفردات التي تتشكل منها، سنواجه أول ما نواجه مفردة الدين، التي يعرف جميعنا أهمية الدور الذي تعلبه في صياغة الملامح العامة لشخصية الفرد العراقي، وكذلك شخصية المجتمع العراقي.

ولكن وقبل الخوض في ماهية الدور الذي تلعبه هذه المفردة، لنحاول قبل ذلك أن نجمع المعطيات التي توفرت عندنا لحد الآن، من أجل أن يكون تحليلنا أكثر دقة وشمولية.

لقد أنجزنا تحت العنوان السابق حصراً أولياً لجملة من المعرقلات التي نعتقد ـ بحدود هذا البحث ـ أنها تقف بوجه عملية التغيير الاجتماعي في العراق، وهذه المعرقلات نعتقد أنها تستطيع أن تكشف لنا عن بعض المفردات التي يمكن لها أن تتحكم بموضوعة التغيير نحو الحوار في الإطار المرجعي العراقي. سنعيد إذا صياغة هذه المعرقلات من خلال شرح المزيد مما له شأن بها:

أولاً: خديعة الدافع:

(الحالة السنية) (37) بين الخيارات السياسية والاختيار الديني.

تحت هذا العنوان كنا قد كشفنا ـ ومن خلال إيراد المثال المكي في التمرد على التغيير ـ عن بعد مهم من أبعاد الآلية التي يمكن أن تحاول من خلالها الثقافة الاجتماعية مقاومة التغيير. من المعروف أن سلوكاً ما يمكن أن ينشأ عن تضافر دوافع كثيرة، وأن هذه الدوافع منها ما يكون شعورياً ومنها ما لا يكون كذلك، ونريد أن نقول هنا بأن اختفاء الدافع الاقتصادي خلف الديني في سلوك أهل مكة الرافض للتغيير، من شأنه أن يكشف لنا عن أن المجتمعات شأنها شأن الأفراد، قد تريد أمراً لغاية ولكنها لا تستطيع الكشف عن هذه الغاية، لنفسها أو لسواها من المجتمعات الأخرى، ولأسباب مختلفة، وفي هذه الحالة قد يجنح هذا المجتمع إلى إخفاء الدوافع الحقيقية التي يراد إخفائها خلف دوافع أخرى تكون مقبولة أكثر من تلك. هذا ما قلنا أنه حصل بالنسبة لأهل مكة، وهذا ما نعتقد أنه حصل بالنسبة للمقاومة السنية، فمما لا شك فيه أن أي مجتمع يضم في أحضانه جملة من الطوائف، أو الأعراق، لا بد أن يعيش قلقاً مصيرياً في داخله، خاصة إذا كانت إحدى هذه الطوائف أو الأعراق هي في الحقيقة أقلية، ففي هذه الحالة سيكون قلق المصير أشد تأثيراً. في المجتمع العراقي يعرف السنة أنهم أقلية، ويعرفون أيضاً أن طبيعة المرحلة السابقة قد وفرت للمكونات الأخرى من مكونات الشعب ـ بصورة خاصة الشيعة والكورد ـ استحقاقات كثيرة، وهذه الاستحقاقات قد يتبادر إلى الثقافة السنية أنها يمكن أن تشكل خطراً عليها، على الأقل الخطر الذي يمثله التغيير الذي يمكن أن يجلبه تمكن الشيعة من زمام الأمور. وهنا تنزع الثقافة نحو حماية مكوناتها الدينية المهددة بخطر التغيير، والخطر الذي يجلبه تمكن الكورد من زمام الأمور، وهنا تنزع الثقافة نحو حماية مكونها العرقي (العربي). لكن المهم في هذا الموضوع أن هذه الثقافة لا يمكن لها أن تصرح بأنها خائفة أو حتى غير راضية عن مشاركة باقي الأجزاء المكونة لشعبها في الحكم، إذا أن هذا الموضوع بحد ذاته لا يمكن التصريح به. وهذا ما جعل هذه الثقافة تنزع إلى العنف غير المفهوم، فهي ترفع شعار مقاومة الاحتلال، بينما نجد أنها تعمل ذبحاً بباقي مكونات الشعب الأخرى، مما أوقع عمليات التعامل معها ومحاولات احتوائها بالحيرة والارتباك. ولا أضن أن هذه الحيرة يمكن لها أن تزول فيما لو لم يتم التوجه لحقيقة الدوافع الكامنة خلف السلوك الجمعي في هذه المقاومة، وبالتالي توفير كل ما من شأنه أن يطمئن جماعات السنة، ويزيل من داخلهم الشعور بالقلق إزاء المصير، ومن ثم يحولهم عن منطق الخيار الواحد، هذا الخيار الذي يجدون أنه وحده يطمئنهم بخصوص مصيرهم.

ثانياً: الجذر الحقيقي للتمرد على الاختلاف (الحالة الشيعية).

قلنا أن ثمة فرق في المنطلقات والأهداف بين الحالة الشيعية والحالة السنية بالنسبة لطبيعة التعامل مع موضوعة الاحتلال، وأن هذا الفرق أملته طبيعة الظروف السياسية والتاريخية والاجتماعية للحالتين، هذا بالنسبة لعملية المقاومة المسلحة الموجهة ضد الاحتلال. أما في موضوع التمرد على عملية التغيير باتجاه قبول المختلف، فنعتقد أيضاً أن ثمة اختلاف واضح بين الحالتين، ففي حين تطرفت الحالة السنية بعملية رفض الحوار، من خلال تخبطها بيأس وهي تذبح المختلف. نجد أن المقاومة في الحالة الشيعية التي وإن لم يصل بها المطاف في قمع الآخر حد قتله(38). إلا أنها من جهة أخرى لم تختلف كثيراً في عملية التعاطي مع المختلف، فقد حاولت إقصاءه بجميع الوسائل الممكنة ـ باستثناء وسيلة السلاح ـ. ومع أن هذه المقاومة ليس لديها قلق على المصير أو الوجود، الأمر الذي يجب أن يدفعها نحو السلوك المتوازن، إلا أن تطرفاً واضحاً بدا ظاهراً على سلوكها السياسي والديني، ويمكن إرجاع هذا التطرف، إلى الحالة التي يمكن تسميتها بـ(تضخم المقدس)، فهذه المقاومة ورثت تاريخياً نضالياً مشرفاً، بل هي ورثت تجربة القيادة التغييرية الإصلاحية التي قادها السيد الشهيد محمد الصدر، تلك التجربة التي شكلت انعطافاً واضحاً في أداء الشعب العراقي مع النظام السابق، وتم من خلالها الانتقال بهذا الشعب من ميدان الانفعال السلبي إلى ميدان الفاعلية الإيجابية، عندما تمكن محمد الصدر من قيادة الجماهير نحو الوقوف بوجه التعسف والقمع الصدّامي، وكانت الميزة التي ميزت التيار الذي تمكن السيد الشهيد من صناعته، أنه تيار جماهيري بحت، فليس ثمة آيديولوجيا، أو ملامح مشروع تغييري واضحة، ولا حتى أهداف معلنة، وذلك بسبب الاضطرار للعمل المكشوف، الذي يمنع من إبراز أي من هذه الأشياء خوفاً من مقاطعه الحكومة. وهكذا اضطر لدفع الجماهير للارتباط الشديد بالحوزة التي قسّمها لمعسكرين أو حوزتين، الساكتة والناطقة، وكان طبعاً يراهن على وجوده بين الجماهير وقيادته لها، خاصة وهو يقدر تماماً خلوا الساحة الثورية من أي رمز قادر على التعامل مع تلك السلطة المستبدة غيره. وفعلا تمكن ومن خلال خطبه الحماسية الدينية من إنجاز نوع من الارتباط الشديد بين الحوزة والجماهير، والتفت عليه بالتالي الملايين من الشباب المندفعين. غير أن المعضلة كانت بعد وفاته، عندما وجد هؤلاء الشباب الثوري أنهم بمواجهة أزمة قيادة حقيقية، تتمثل بخلوا ساحة العراق من أي قائد يسد الفراغ الذي أحدثه استشهاده.

في المحصلة النهائية فإن هذا التيار الجماهيري وجد نفسه بمواجهة القوات المحتلة من جهة، والقوى السياسية القادمة من الخارج من جهة أخرى. ولأن هذا التيار كان يتوجه عاطفياً باتجاه (كارزما) قيادته المفقودة، فقد صار عليه أن يحول هذه الكارزما لمعيار راح يبحث من خلاله عن القائد، ولأن الكارزما قيادة غير واقعية، ولأن الكارزما صورة مشكلة من تضافر تاريخ الرمز الواقعي، مضافاً له ما تم تشكيله بمخيلة الجمهور التابع له، الأمر الذي ينتج صورة مضخمة للرمز، فلم يعد بالإمكان الحصول على مطابق له. هكذا قام هذا التيار بوضع حاجز بينه وبين جميع القوى المحركة للساحة السياسية والدينية. بعد كل ذلك ونتيجة التطورات السياسية/الاجتماعية السريعة في العراق، صار على هذا التيار أن يشارك في العملية السياسية، وكانت المشكلة تكمن في أن أجندت هذا التيار دينية ثورية فقط، وليست سياسية. وهكذا تمكنت الأزمة منه، عندما أملت عليه الساحة أن يخوض صراعاً سياسياً مع أنه لم يرث من قائده ـ بحكم الظروف السابقة ـ أي ملامح فكرية سياسية تمكنه من صياغة رؤية خاصة به عن مستقبل العراق.

إن تضافر كل هذه المفردات جعلت هذا التيار ممثلاً بنخبه يخوض عملية انعزال عن جميع القوى (السياسية/الدينية) الشيعية، ويمارس بالتالي سلوكاً إقصائياً يواجه به جميع من أراد التقرب إليه من هذه القوى.

ثالثاً: لمشتركات(الدينية/الاجتماعية/الثقافية).

بين المقاومة في الحالة الشيعية وتلك التي في الحالة السنية، مشتركين اثنين، أولهما المشترك الديني، فكلاهما إسلاميين، وثانيهما الاجتماعي، فكلاهما ينبثق من الجماهير البسيطة (التلقائية) التي ترى أنها معنية بالواقع العراقي وهي لذلك تتحرك من أجل هذا الواقع، دون أن تكون حركتها هذه مستندة أو مبنية على تقييم حقيقي ومدروس لما تتطلبه طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كلا هاتين المعارضتين لم تجدا أي قيادة تتمكن من كبح جماحها، أو ضبط مسيرتها بما يتناسب وصالح الشعب العراقي. وفقدان القيادة هذا ناشئ إما من خلوا الساحة فعلاً من تلك القيادة، أو من وقوع تلك الجماهير تحت ضغوط خاصة (اجتماعية/ سياسية/ دينية) جعلتها ترفض أي نوع من أنواع القيادة، وكما وضحنا سابقاً. إن هذه المشتركات جعلت المقاومتين تحاولان الاقتراب من بعضهما، وقد حصل مثل هذا الاقتراب فعلاً من خلال اشتراكهما بالعمل المسلح. إن هذا الاقتراب أو التماهي بين قوى المقاومة في هذين المعسكرين، أدخل الحالة العراقية في اتزان واضح مكنها من الخروج من أزمة الحرب الطائفية بسلام، رغم أن الكثير من القوى الخارجية حاولت اللعب بهذه الورقة بمواجهتها مع أمريكا. وبالمقابل فإن هذا الاقتراب وفر غطاء كبيراً لحالة العنف الموجهة ضد عملية الحوار المتكافئ بين كتل الشعب العراقي.

رابعاً: ثقافة المجتمع تملي الاستبداد.

لقد تحدثنا فيما مضى عن الجهات التي تولت عمليات المقاومة المسلحة فقط، ليس لأنها استخدمت السلاح ضد قوات الاحتلال، بل فقط لأنها تصرفت بعدوانية ـ مختلفة المستويات ـ إزاء الآخر العراقي المختلف، وهكذا كان علينا أن ننجز تحليلاً أولياً لعلاقة جماعات المقاومة هذه بعرقلة العملية التغييرية. والآن يمكننا أن ننتقل للجهات (الكثيرة) الأخرى التي نعتقد أنها أيضاً ستعرقل هذه العملية، فقد أشرنا سابقاً إلى أن معظم القوى السياسية والدينية، تعاني من تفشي مرض الاستبداد داخل كياناتها. وكما أشرنا سابقاً فلا يوجد داخل العراق الآن أي حزب سياسي أو تكتل ديني يمتلك نظاماً داخلياً مرناً من جهة انتخاب القيادة، الأمر الذي جعل الأحزاب والكيانات تدور في فلك الفرد القائد وليس العكس، والأخطر من ذلك هو أن يتحول مركز القيادة إلى أرث تتوارثه عائلة واحدة فقط. إننا الآن بمواجهة مجموعة من النماذج في القيادات تشبه إلى حد خطير الحكام العرب، وأن هذه النماذج هي التي تعدنا برعاية العملية السياسية والاتجاه بها نحو الديمقراطية. إن هذا المؤشر خطير جداً على الصعيدين السياسي والاجتماعي. ولا بد لنا من أن نصل للسؤال المخيف الذي يقول: لماذا نحن مستبدين؟

بل لماذا لا نعترض كشعب، كنخب سياسية منتشرة داخل الأحزاب، على جنون الاستبداد هذا؟.

في الحقيقة إن الموضوع لا يحتاج لعملية تحليل بعيدة الغور، فمهما كانت الذرائع التي يتذرع بها هؤلاء القادة للتشبث بالمركز الأعلى فإن الموضوع يعود لطبيعة في النفس البشرية، في أنها ميالة للاستحواذ على كامل المنفعة، للاستبداد بها. وإذا كان لا بد من ضوابط تضبط عملية قيادة الأحزاب السياسية، فإن هذه الضوابط لا يمكن أن يمنحها قادة الأحزاب أنفسهم، فهذا الموضوع مخالف للطبيعة البشرية، بل يجب أن يتم المطالبة به من قبل الشعب، من قبل نفس التنظيمات، نفس قواعد الأحزاب الجماهيرية عليها أن تطالب بهذا المضمون. وإن ما يجب أن نقف عنده ملياً هو عدم تحقق مثل هذه المطالبة بشكل ملحوظ، أو جاد، الأمر الذي يفتح باب التساؤل أمامنا على مصراعيه لندخل من خلاله على الثقافة الاجتماعية التي نرى أنها هي التي تملي هذا السكون أمام حالات الاستبداد. والمشكلة في ثقافتنا أن مفهوم القيادة والرئاسة وغيرها من المفاهيم المتعلقة برأس السلطة كلها مرتبطة بالحالة الفردية، خاصة وأن تاريخنا الإسلامي ووفق جميع مذاهبه يكرس هذه الحالة؛ ابتداء من عملية الشرعنة التي قام بها الفقهاء بالنسبة للهيمنة الأموية والعباسية على الخلافة، في المعسكر السني، وانتهاء بالخلط الواضح بين منصب الإمام المنصوص عليه من قبل الله، وبين منصب المجتهد أو القائد السياسي أو الاجتماعي، بالنسبة للمعسكر الشيعي. ومن جهة أخرى فإن طبيعة المجتمع العربي العشائرية مكنت أيضاً من تعميم النموذج القيادي فيها، الذي هو أيضاً نمذج فرداني في القيادة.

إن تضافر هذه العوامل (الدينية/ الاجتماعية/ والسياسية) مكنت الحالة الاستبدادية، وجعلتها النموذج الوحيد الموجود في الثقافة العربية الإسلامية، وهكذا وجدت هذه الثقافة نفسها وفي أحسن الأحوال تطالب ليس بالتعددية، ولا بالديمقراطية، بل بالاستبداد العادل.

خامساً: إشكالية التغيير

 (السياسي/ الاجتماعي)

إذن وإزاء كل هذه المعطيات السالفة نعود لنؤكد بأن عملية التغيير باتجاه الديمقراطية، هي عملية اجتماعية وليست سياسية، أي أنها يجب أن تبدأ من القاعدة، وعن طريق التغيير باتجاه تبنّي ثقافة الحوار وقبول المختلف، والتعامل معه بندية خالية من أي عملية وصاية فوقية تسلطية. وإذا كانت طبيعة الظروف الخاصة بالعراق أو بالمنطقة أملت أن تبدأ هذه العملية من القمة، الرأس، فعلينا رغم ذلك أن نلتفت إلى أهمية تحويل اتجاهها، أو لا أقل من مراعاة القاعدة الجماهيرية وإعطائها من الأهمية ما تستحقه بهذا الخصوص، خاصة بعد أن رأينا كيف أن تجاهل هذا الموضوع يمكن له أن يجر علينا الكثير من المآسي، بل يمكن له أن يهدد عملية التغيير من الأساس من خلال التلويح بالحرب الطائفية، التي تمليها ثقافة الاستبداد المتمكنة من ثقافتنا الاجتماعية.

سادسا: الوصول للمقدس.

الإسلام في العراق هو دين الأغلبية الساحقة، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن الإسلام ليس فقط منظومة معارف تتناول الكون والوجود، كحال بعض الديانات، وخاصة الوضعية، نستطيع أن نقول: بأنه يشكل المميز الأكثر وضوحاً بالنسبة لثقافة الشعب العراقي، خاصة وأن هذا الدين يتعدى في إطار اهتماماته الحدود الفكرية العقائدية لجملة المؤمنين به، بل هو يستوعب كامل السلوك الاجتماعي من جهة التقنين، ويلون من ثم بلونه كامل منظومة القيم والمعايير والأعراف التي تتحكم بهذا السلوك، فليس من السهل أن نجد قيمة أو معيار أو عرف لم يتأثر بهذا الدين ويتلون بلونه. على هذا الأساس فلا يمكن لنا أن نقفز على مفردة الدين ونحن نحاول أن نحدِّد ملامح الإطار المرجعي للشعب العراقي. بالذات ونحن نرى أن أكثر القوى المتحكمة بالأداء الاجتماعي العراقي الآن هي قوى تستند للشرعية الدينية، عليه فلا بد أنها تستند للمؤثرات الدينية في أطرها المرجعية.

يمكن لنا أن نتصور التأثير الذي يمارسه الدين على سلوك المجتمع العراقي وتحديداً تأثيره في تشكيل آليات عرقلة عملية التغيير نحو ثقافة الاختلاف(39)، من خلال الفحص عن التأثير الذي يمارسه الدين الإسلامي على انتشار ثقافة الحوار.

إذا كان الاختلاف ينتج اجتماعياً قبول الآخر كشريك كامل الأهلية وعلى جميع الأصعدة، فإننا نستطيع أن نتلمس الطريق لاكتشاف التأثير الذي تسقطه الثقافة الإسلامية على عملية التغيير التي تسعى نحو تعميم ثقافة الحوار، إذ من الواضح أن العقيدة الإسلامية تكتسب شرعيتها من كونها منزلة من السماء، وهذا المعطى يكسب المنظومة الإدراكية التي تستند إليها الصفات التالية:

1.  أنها منظومة فوق مستوى النقد والتقييم.

2.  أنها بحضورها داخل الفكر الإنساني فإنها تقسمه قسمين، قسم الحق الذي من شأنه أن ينتج الخلاص، وقسم الباطل الذي من شأنه أن ينتج الهلاك.

3.  أنها تعطي نفسها الوصاية على الآخر باعتبارها مسئولة عن تعميم خلاصها على الجميع، ومن ثم فهي دائماً بصدد الدخول بعملية صراع مع المختلف.

ومن ملاحظة الصفات الثلاثة نستطيع أن نقرر أن مفردات(40) هذه العقيدة ومن خلال حضورها في الإطار المرجعي لأي مجموعة اجتماعية فإنها لا بد أن تنتج فيما تنتج دائرة تحكُّم في مختلف عمليات الحوار أو مطلق عمليات التعاطي مع المختلف. فمن كونها فوق مستوى التقييم ستنزع نحو غلق باب القبول من الآخر، ومن كونها الحد الفاصل بين الحق وما عداه ستنزع نحو الحكم على الآخر بالانحراف، ومن كونها المسئولة عن تلافي الباطل ستنزع نحو فرض وصايتها على المختلف ومن ثم التعاطي معه من فوقية غير واقعية، تؤهلها شرعياً وأخلاقيا وبالاستناد لمجموعة المعطيات التي تؤمن بها، أن تصل بدائرة الوصاية حد الحكم على المختلف بالموت، لجهة شعورها بأنها المسؤولة عن عملية القضاء على الانحراف.

وهكذا فإن إطاراً مرجعياً إسلامياً وسواء كان شيعياً أو سنياً(41)، عندما يتعاطى مع أي مختلف ما، بخصوص نوع السلطة التي يجب أن تقود البلاد، فإن تعاطيه لابد أن يكون محدداً بالنتائج الثلاث السالفة فهو مرغم على اعتبار أن شكل السلطة الذي يؤمن به لا يقبل البديل، لأنه يستند لشرعية السماء، إذاً فهو ينطلق في التعاطي من هذه المسلمة، ثم أنه لا يستطيع أن يعامل المختلف منطلقاً من كون المختلف على حق، إذ الحق واحد بالنسبة له، وبالتالي فما ثمة شراكة فيه، أي أن المختلف على باطل، وهكذا يكون باب القبول من هذا المختلف مغلقاً سلفاً.

إن عملية التحليل هذه تستطيع أن تنجز لنا تفسيراً أولياً لمعظم عمليات التصفية الجسدية التي حدثت في العراق، فمن الواضح أنها عمليات كان القسر الاجتماعي محركها الأقوى، ذلك أن حضور مفهوم الكفر، أو قضية الدفاع عن بيضة الإسلام، أو غيرهما من المتبنيات الإسلامية الأخرى ـ وخاصة بالنسبة لأتباع الخط السلفي التكفيري ـ كفيل بأن يحسم الصراع بهذا الشكل.

لكن وإذا كان الإسلام عائق أمام الحوار وقبول المختلف فهل يمكن لنا أن نحقق منجزاً ما على صعيد التغيير؟

إن الميل لتقديس محتوى الثقافة ليس منتجاً إسلامياً خالصاً، حتى يصل بنا الأمر حد التوصية بتغيير المحتوى الداخلي للإسلام بما يتلائم وقبول الآخر. إن النزوع لتقديس الذات بالحقيقة منتج إنساني، إذ إننا لا نستطيع أن نجد أي فكرة أو آيديولوجيا أو عقيدة لا تمنح نفسها الحق بمصادرة الآخر، بل إن من مقومات كون العقيدة توسعية، أي نزّاعة لضم الآخر (هدايته) هو انطلاقها من منطلق فوقيتها على متبنيات هذا الآخر موضوع (الهداية). ومن ثم فكل الأديان وسواء كانت وضعية أو سماوية، وأيضاً جميع الآيدولوجيات هي في حقيقة أمرها توسعية، تهدف لضم الآخر لساحة عزها وقدسها، ولو أنها لم تكن كذلك لبقيت حبيسة بفكر مبدعها ولما كان هناك من داع لإخراجها من ذلك المكمن البعيد. أي أن مجرد انطلاق الفكرة بهيئة تبشيرية يكشف عن كونها اختارت الوصاية على الآخر وإنقاذه من الخطأ. أما تبني مبدأ الحوار والمساواة مع الآخرين بالنسبة لبعض الأديان أو الآيدولوجيات فأعتقد أنها جاءت متأخرة عن التبشير بها.

وهذا ما نعتقد أنه حصل ويحصل في العراق، فكل المسببات التي استعرضناها، واعتقدنا أنها تسبب عرقلة العملية التغييرية، لا نرى أنها نابعة من صميم الإسلام، بقدر ما نعتقد أنها نزعات لا نقول أنها متأصلة في الذات البشرية لكنها على الأقل عامة بالنسبة لمعظم الثقافات، ما لم يتم تلافيها من خلال الإصلاح، لكننا نعتقد أن طبيعة الدين وسواء كان إسلامياً أم لا تملي هذه العملية، فقط لأن الأديان تنطلق من شرعية فوقية متعالية، الأمر الذي يجعل جملة المؤمنين بها يسحبون هذه الفوقية لجميع متبنياتهم الفكرية. أضف إلى ذلك خصوصية موجودة في الإسلام حصراً هي معالجته لجميع الأمور الإنسانية، بضمنها السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يجعله ويجعل الدعاة إليه على المحك من جميع الأمور التي تقترب من دائرة التغيير والإصلاح الاجتماعي.

بناء على ما تقدم فإننا يجب أن نعمل على تلافي هذا الميل النرجسي الإنساني، الذي وجد في الأديان غطاء سميكاً، والذي يدفع بالثقافات لأن تكون منغلقة على ذاتها لا تؤمن إلا بوجودها هي وحدها، ولا تستطيع التصديق إلا بحقيقتها التي ترى أنها مطلقة. وهذا لا يتم إلا من خلال تفكيك الإطار المرجعي العراقي لمجموعة أطر فكرية بحسب جماعات هذا الشعب، ومن ثم الخروج بجملة الأفكار والمفاهيم التي تملي سلوك القمع والاستبداد، والعمل على البحث عن سبل تلافيها، السبل التي يجب أن تنطلق من نفس الثقافة وبذات الآليات التي تتبناها، من أجل أن لا نقطع على أنفسنا طريق قبول الحلول التي سنخرج بها. ولنمثل لهذا الموضوع بمثال ينطلق من المعالجة الإسلامية، فنحن يمكن أن نجد الكثير من الأرث الديني الإسلامي (النقلي أو العقلي) الذي يدعم موضوعة قبول الآخر، فهذا العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، وعندما يشرع بتفسير قوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) يتوقف ملياً ويتأمل في هذه الآية ليخلص بنتيجة غاية في الأهمية، مفادها أن موضوع الإيمان موضوع ذاتي، ولا يمكن التحكم به، حتى من قبل نفس الشخص المؤمن، فمن الواضح أن الإيمان ليس قرار يتخذه أياً منا، بل هو عملية تصديق واعتقاد انتجتها ظروف وعوامل لا يمكن حصرها وتحديدها، ومن ثم فنحن لا نستطيع أن نغير إيمان أي شخص ومهما استخدمنا من أدوات الضغط والإكراه، نعم نحن نستطيع أن ننتزع اعترافاً ضاهرياً خارجياً خالياً من أي قيمة واقعية بالتغير من قبل الشخص الذي يقع تحت الإكراه، غير أن إيمانه الحقيقي لا نستطيع أن نستكشف أمره ونعرف بالتالي الواقع الذي هو عليه، وعلى هذا الأساس يخلص الطباطبائي لنتيجة مهمة تفيد بأن إكراه الآخر على تغيير معتقده تكليف فوق الطاقة ولا يمكن أن يكون الله قد كلفنا به.

إذن يجب علينا أن ندرس الأسباب التي تدفع بنا نحو القتال، ونعمل على إزالة هذه الأسباب عن طريق التغيير الاجتماعي، التغيير الذي يجب أن تسخر له جميع إمكانيات الدولة وطاقاتها، وخاصة الإعلامية والتعليمية والتربوية. طبعاً بعد أن توضع خطط ومناهج تكون قد اتكأت على نتائج الدراسات التي قامت بتحليل الثقافات وخرجت بالنتائج الدقيقة التي تكشف عن المسببات الحقيقية التي تقف خلف ميل الفرد العراقي نحو القمع والاستبداد.

النتائج والتوصيات

لعبت الثقافة الاجتماعية دوراً مهماً على صعيد التطور وبناء الحضارة الإنسانية، من خلال قيامها بنقل الموروث الإنساني عبر الأجيال، لمساعدتها على الاستمرار بعملية بناء الرقي الإنسان. إذن فالثقافة ومن خلال صناعتها للتراكم المعرفي الإنساني، هي حجر الزاوية في عملية بناء حضارة الإنسان. وهي كذلك لأنها استطاعت أن تنتقل عبر الزمان والمكان من خلال تضافر عاملين يوفران لها ما يلزم ذلك من مرونة، هما:

العامل الجماعي، الذي هو مجموعة أفراد الجماعة المؤمنين بثقافتهم، والذين يكونون جماعة اجتماعية إنسانية تؤمن بجملة قضايا، وتسعى نحو نقل هذه القضايا لوعي مجموعة أفرادها.

العامل الفردي الذي هو: استيعاب الفرد لعقيدة قومه وجماعته وإيمانه بها، ومن ثم تحوله لوعاء يحتفظ بهذا العقيدة ويسعى لنقلها إلى الآخر؛ أفقياً (خلال المكان) وعمودياً (خلال الزمان).

إن إرادة الانتقال ومن ثم البقاء التي تتميز بها الثقافة الاجتماعية، والمتمثلة بالعاملين (الفردي والجماعي) حقيقة وجادة إلى درجة أنها تمتلك ليس فقط آليات مختلفة ومتينة للبقاء، بل وأيضاً للدفاع ضد جميع عمليات التغيير، وإلا لم تستطع الصمود والبقاء. إن هذا الأمر بحد ذاته ومهما كان مهماً للصيرورة الإنسانية، إلا أنه من جهة أخرى يعدُّ أخطر عامل عرقلة يقف بوجه جميع عمليات التغيير والإصلاح الاجتماعي، وذلك من خلال إنتاجه لجملة من الضوابط الاجتماعية التي تضبط سلوك الأفراد داخل الجماعة وتجعل هؤلاء الأفراد ـ بصورة غير مباشرة ـ عرضة لعمليات قسر تجبرهم على أنماط محددة من السلوك، وبالتالي يكون سلوك الفرد داخل الجماعة أمراً خارجاً عن سيطرة نفس الفرد ومن ثم فهو غير قادر على التحكم به ببساطة ويسر، أي دون أن يحصل تغيير في الإطار المرجعي الذي أنتج هذا السلوك؛ الأمر الذي يجعلنا نوصي بأن تتجه عمليات التغيير الاجتماعي نحو الأطر المرجعة التي تتحكم بالفعاليات المراد تغييرها ـ أو حتى تلك التي يراد تكريسها ـ، تلك الأطر التي تولد داخل الثقافة وبتأثير مباشر منها.

لقد أكدنا سابقاً على ضرورة الآليات التي تقوم من خلالها الجماعة بحماية موروثها الثقافي، غير أننا بنفس الوقت أكدنا من جهة أخرى على ضرورة مراقبة هذه الآليات ودراستها بعمق من أجل الوصول لمعرفة الكيفية التي يتم من خلالها توجيه السلوك الفردي من قبل الجماعة. ومن ثم تكون عملية تغيير أي سلوك جماعي عملية أسهل.

إن جملة المعطيات التي استخلصناها توقف القائمين على عملية التغيير الاجتماعي أمام مهمة خطيرة وحساسة لا تقف عند محاولات زحزحة السلوك عن المسار الذي هو عليه، بل تتعدى ذلك لدراسة جميع الاحتمالات التي يمكن أن تكون قد أنتجت هذا السلوك، ثم الشروع في خطوة لاحقة إلى عملية رسم خطة تغييرية تأخذ بنظر الاعتبار نتائج تلك الدراسة.

إن التجربة التي يمر بها المجتمع العراقي اليوم، توقفنا ملياً إزاء العملية التي يراد من خلالها تغييره اجتماعياً، ومع أننا قلنا بأن هذه العملية اتخذت طابعاً سياسياً أكثر منه اجتماعياً، إلا أننا بالضرورة نجد أن التغيير السياسي باتجاه الديمقراطية، لا يمكن له أن يقفز على عملية التغيير الاجتماعي باتجاه ثقافة الاختلاف والقبول بالمختلف. حيث أن الديمقراطية ليست معرفة، بل هي سلوك اجتماعي، وحتى نتمكن من الوصول بالمجتمع العراقي حد التعاطي الديمقراطي (سياسياً/اجتماعياً) فيجب علينا أن نجري عملية تغيير اجتماعي بهذا الاتجاه تأخذ بنظر الاعتبار جميع المعطيات التي أشرنا لها سابقاً. ومع ملاحظة كل هذا الذي يجري في العراق من عنف، خاصة منه ذلك الذي يكون موجها نحو المختلف في سياق عملية تصفية جسدية محمومة يراد من وراءها التخلص ـ انطلاقاً من أعذار كثيرة مختلفة ـ من جميع أشكال الاختلاف، يجب علينا النزول لعمق الثقافة العراقية للوقوف على جميع المفردات التي تنتج الاستبداد في الوعي الجمعي، ومن ثم تضطر الأفراد نحو مثل هذه الأفعال.

إن الفكر المقدس، ومهما كان منشأه، من شأنه وحده وبجدارة أن يجهض أي عملية تغيير باتجاه زرع ثقافة الاختلاف. وهذا لا يعني أننا مرغمين على القضاء على هكذا فكر، أبداً، إنما يجب علينا التعاطي مع النزعة نحو تقديس المحتوى الفكري التي يبدوا عليها أنها متأصلة في الطبيعة الإنسانية، نعم نحن لا نستطيع أن نقف بوجه المقدس، ونمنعه من أن يكون موجهاً مهماً من موجهات السلوك الاجتماعي، غير أننا نستطيع حتماً أن نزرع الكثير من المفاهيم والمفردات المعرفية في الإطار المرجعي العام والتي من شأنها،  إذا حضرت مع هذا المقدس أن تخفف من نزوعه بالسلوك نحو رفض الآخر وعدم قبوله.

ومما يجب ملاحظتة والتأكيد عليه هو أن داء الاستبداد، ليس حصراً على الأفراد المدفوعين بالقسر الاجتماعي، بل أيضاً هو عملية واعية تمارسها النخب السياسية وحتى الاجتماعية والاقتصادية المتصدية لعملية إنضاج التجربة الديمقراطية، الأمر الذي يجعل هذه العملية دائماً معرضة للإجهاض. خاصة وأننا كشفنا سابقاً عن أن نشر الديمقراطية من فوق، أي من السلطة على أمل أن تنتشر بالجمهور هو بحد ذاته أمر خطير، فكيف إذا اكتشفنا أن مرض الاستبداد متأصل بالنخب التي ستتصدى للسلطة.

نحن حقاً بحاجة لمراكز دراسات ولمؤسسات بحث تتكفل أمر الكشف عن أبعاد ثقافة الشعب العراقي، من أجل أن نقع على أهم المفردات التي يمكن لنا أن نسخرها في سياق عملية التغيير نحو الديمقراطية، التغيير الذي يهدف لبناء مجتمع منسجم مع نفسه وقادر على التعاطي مع الآخر بسلام وهدوء.

الهوامش والحواشي

 (1) الجماعة هي التي تلقن الفرد أو تزوده بالمتحكمات الأساسية بعملية الإدراك، والتي منها جملة المعايير والأعراف والمعتقدات. وهكذا نجد أن الأمريكي يقيم ويتعامل مع موضوع ما، بغير الكيفية التي يفعلها العراقي مثلاً، ذلك أن معايير الأمريكي التي تحكم المواضيع، مادية واقعية، بينما نجد أن معايير العراقي المسلم معنوية ميتافيزيقة، ولهذا وجد الأمريكي نفسه موشكاً على الفشل في العراق، ذلك أنهم يتعاملون مع موضوع احتلال العراق بالاستناد لمعاييرهم المصلحية التي يقتضيها الواقع الراهن للمجتمع الدولي، ومن هنا اعتقدوا أن العراقي يمكن له أن يسمح لأمريكا بتنفيذ مصالحها الخاصة بمقابل أن تمنحه الديمقراطية.  وغفلوا عن أن هذا المنطق سليم بحدود ثقافة مجتمعهم، أما داخل المجتمع العراقي ذا الأغلبية المسلمة، فإن المعايير تختلف، وعليه فهو لا يقيم موضوعة الاحتلال بالاستناد لنتائجها، بل بالاستناد لشرعية ولا شرعية نفس عملية الاحتلال، فهو لا يستطيع أن يقفز على جملة من المعايير المعنوية الميتافيزيقة التي يقيم من خلالها موضوعة الاحتلال والتي منها (الكفر، الحفاظ على بيضة الإسلام، حرمة الاحتكام للظالم، حرمة إعانة الكافر على المسلم وإن كان الأخير ظالماً... الخ) حيث أن هذه المعايير تمنعه ـ وهو يمارس عملية تقييم موضوعة الاحتلال ـ من الوصول إلى المستوى الذي يدخل فيه نتائج هذه العملية كمعيار فعّال في عملية التقييم. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول أن العراقي أدرك موضوعة الاحتلال وتعامل معها بالاستناد لثقافة مجتمعه ومن خلالها، ولم يتغير هذا التعامل إلا بعد زمن ليس بالقصير مرت هذه الثقافة من خلاله بمخاضات أدت إلى إدخال جملة من المتغيرات والمعايير التي ساهمت بزحزحت هذا التعامل عن وجهته الأولى.

(2) بعد أن تنجز الثقافة الاجتماعية ممارسة دورها في صياغة منظومة الفرد المعرفية، من خلال عملية رفد هذه المنظومة بجملة المفاهيم التي تحتوي عليها، فإنها تنتقل لخطوة أخرى من خطوات التأثير على هذه المنظومة، تلك هي خطوة فرض الوصاية عليها، من خلال آليات الجزاء التي تحكم من خلالها أداء هذه المنظومة الإدراكي. فمثلاً إن الفرد الذي ينشأ وسط ثقافة إسلامية، يتبنى ويرث جملة المفاهيم التي تمتلء بها هذه الثقافة بخصوص موضوع الخمر، وفوق ذلك فإن هذا الفرد يظل محكوماً بالرؤيا التي تحددها هذه المفاهيم لهذا الموضوع ولا يستطيع الخروج عنها، لأن آلية الجزاء السلبي، ستظل تهدده في حال أنه خالف ثقافة مجتمعه واعتبر أن سائل الخمر طاهر مثلاً، أو اعتبره مباح، فهذه الثقافة ستعتبره خارج عنها، ومن ثم سترتب عليه ما يترتب على الخارجين عن عقائدها ومعاييرها، من عقوبات مادية أو معنوية.

(3) راجح، د. أحمد عزت، أصول علم النفس، المكتب المصري الحديث، ص73.

(4) الحسن، د. إحسان محمد، موسوعة علم الاجتماع، الدار العربية للموسوعات، ط1، 1999، ص276.

(5) دَوْر (Role): تمتع الشخص بحقوق وتحمله مسؤوليات تحتم عليه أداء واجبات محدودة بحكم إشغاله منزلة معينة. لذا فالمنزلة مجموعة حقوق وواجبات والتمتع بالحقوق وأداء الواجبات هو الدور. كما أن الدور يمثل الجانب الحركي للمنزلة، أي هو مجموعة الأعمال التي يتوقع المجتمع من الشخص أن يقوم بها تجاه أشخاص آخرين، في الأحوال الاعتيادية، وفي حالات محددة، لأنه يحتل بالنسبة لهم منازل اجتماعية معينة. وللشخص في مجتمعه أكثر من دور واحد في الوقت عينه فقد يكون زوجاً، وأبا، إضافة إلى دوره في عمله وعضويته في ناد أو جمعية، [لوسي مير، مقدمة في الانثروبولوجيا الاجتماعية، ترجمة د. شاكر مصطفى سليم، دار الشؤون الثقافية، بغداد العراق ص356].

(6) لوسي مير، م، ن، ، ص416.

(7) عارف، د. مجيد حميد، الاثنولوجيا والفولكلور، جامعة بغداد، الآداب، 1990، ص13.

(8) مقدمة في الانثروبولوجيا، م. س، ص386.

(9) الإطار المرجعي هو: »خلاصة خبرات الإنسان المتجمعة على مر الأيام، والسنوات التي تم تمثلها واكتنازها بموجب الاستعدادات والقدرات الشخصية، الوراثية والمكتسبة معاً، ضمن ظروف البيئة الاجتماعية ومؤثراتها وعلاقاته« [الموسى، د. عصام سليمان، المدخل في الاتصال الجماهيري، ص59].

(10) موسوعة علم الاجتماع، م. س، ص270.

(11) فونتانا، ديفيد، الشخصية والتربية، ترجمة عبد الحميد يعقوب جبرائيل، جامعة صلاح الدين، 1989، ص24.

(12) عن، الشخصية والتربية، م. ن، ص24-25.

(13) عن، ناصر، د. إبراهيم، الانثروبولوجيا الثقافية، دار الكرمل، ط2، 1985، ص76-77.

(14) م. ن، ص77.

(15) دافيدوف، لندا، ل، مدخل علم النفس، ترجمة د. سيد الطواب، مكتبة التحرير،ط3، ص570.

(16) ب، ف، سكينر، تكنولوجيا السلوك الإنساني، سلسلة عالم المعرفة (32)، 1980، ص183.

(17) غامري، د. محمد حسين، الانثروبولوجيا العامة، المركز العربي للنشر، ص37.

(18) نقلاً عن، الانثروبولوجيا الثقافية، م، س، ص77.

(19) الوردي، د. علي، شخصية الفرد العراقي، (بلا سنة طبع) ص31-32.

(20) عبد الملك، عبد المجيد، الإنسان والحضارة جدلية المادة والوعي، بيسان للنشر والتوزيع، ط1، 2003، ص10-11.

(21) م، ن، ص11.

(22) مدخل علم النفس، م. س، ص280-281.

(23) »تنشئة اجتماعية: (Socialization) من مصطلحات (علم النفس الاجتماعي). يعني عملية اجتماعية نفسية تتقوم بها نفسية الفرد وتتطور، بالتعليم في العائلة وخارجها، وبوسائل الضبط الاجتماعي، كي بتوائم الفرد مع حضارته، ويصبح قادراً على العيش في مجتمعه، وعلى تطبيق نظمه، والتفاعل مع أفراده وتتضمن عملية التنشئة غرس قيم الجماعة، ومثلها، وأهدافها، في نفس الفرد، وتعليمه كيفية التعبير عنها بمعايير اجتماعية، وبأطر من أدوار وفعاليات اجتماعية. وتستغرق عملية التنشئة الاجتماعية عمر الفرد كله، إذ تبدأ مع ولادته وتستمر طيلة حياته« [مقدمة في الانثروبولوجيا، م.س، ص418].

(24) م. ن، ص436.

(25) بالإضافة للتعريف الذي أوردناه سابقاً، »يمكننا، بعامة، أن نعرف الدور الاجتماعي على أنه نمط من السلوك الموروث (أو المفروض بالوراثة) يبني حول الحقوق والواجبات المرتبطة بموقع معين داخل رابطة اجتماعية أو اتحاد اجتماعي«[روبرت نيسبت، روبرت بيران، علم الاجتماع، ترجمة جريس خوري،دار النضال، ط1، 1990، ص159].

(26) »منزلة: (Status) مركز محدد المعالم يمنح المجتمع شاغله حقوقاً، ويفرض عليه واجبات. ويجسد المنزلة الدور الذي يصيرها فعاليات وعلائق اجتماعية. والمنزلة إما مكتسبة وهي التي يبلغها الفرد بسلوكه، وإنجازاته التي يحققها، أو منسوبة ويحصل عليها الفرد لانتسابه إلى عائلة أو عنصر أو فئة معينة. ويرد مصطلح منزلة في الكتابات الانثروبولوجية موصوفاً بـ(اجتماعية) فيدل على منزلة الفرد في النسق الاجتماعي كما يرد موصوفاً بـ(اقتصادية) فيشير إلى منزلته في النسق الاقتصادي. وللمنازل الاجتماعية طبيعة هرمية تدرجية، فمنها العليا، ومنها الدنيا« [ لوسي مير، م.س، ص356].

(27) فهمي، د. مصطفى، مجالات علم النفس، المجلد الأول، مكتبة مصر، (بدون سنة طبع) ص170.

(28) روبرت نيسبت، م. س، ص76.

(29) م. ن، ص62.

(30) مقدمة في الانثروبولوجيا، م. س، ص436.

(31) م. ن، ص468.

(32) لم يكن هناك جانب من جوانب حيات هذه الجماعة لم تشمله تلك العملية التغييرية، فمن خصوصية الدين الإسلامي، أنه يعالج مختلف تفاصيل حياة المسلم، ولذلك فقد وجد أهل مكة بأن حياتهم السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية معرضة للتغيير.

(33) مقدمة في الانثروبولوجيا، م. س، ص477- 478.

(34) طبعاً ليس المقصود هنا أن يكون مجتمع مكة عبارة عن تجمع نسخ متطابقة مع بعضها بالكامل، بقدر ما أن يكون المراد هو أن يتمكن الرسول محمد(ص) من اختراق واحدة من أهم مراكز القوى في الجزيرة العربية، فمن الواضح أن مجتمع الدعوة الإسلامية مجتمع قبلي، ويكون للنسق القرابي حضور مهم في هكذا مجتمع، وبالتالي فإن النجاح الذي حققته الدعوة الإسلامية كان من شأنه أن يزيد قريش قوة زائدة عن قوتها السابقة، بحكم كونها عشيرة الرسول وأهله، ومن ثم فإذا كانت هذه العشيرة تحمل في داخلها ما يناقض نفس عملية التغيير، فإن هذا الأمر لوحده يهدد بالفشل الذريع، والذي حصل فعلاً هو أن قريش ظلت تمسك بزمم الأمور، مع أنها ممثلة بالكثير من رجالها المتنفذين ظلت بمنأى عن يد التغيير الرسالية الإسلامية، أي أن الإسلام في نهاية الأمر ـ آبان الدولة الأموية ـ وقع بالتناقض الخطير، عندما ساسته عقول تعمل وفق منطق يتقاطع مع منطقه هو.

(35) ليس بين هذا النوع والنوع الذي سبقه اختلاف حقيقي، أي أن الداعي إلى القسمة هو داع توضيحي ليس إلا، وسنلاحظ أن كلا القسمين يرجعان لإطار واحد هو الإطار المفاهيمي الذي يتحكم بالسلوك من خلال انتاج الدوافع والاتجاهات.

(36) البحث غير معني بالهدف الحقيقي من وراء احتلال العراق، ومن ثم فلسنا بصدد شرعنة عملية التحول التي تجري في العراق اليوم، بقدر ما نحن بصدد دراسة عملية التغيير الاجتماعي، فما دمنا داخل أزمة لا يمكن الخروج منها إلا بالحوار، فعلينا أن نبحث عما من شأنه أن ينتقل بنا من القتال إلى الحوار، فمن الواضح أننا انتقلنا من الصراع مع أمريكا إلى الصراع مع أنفسنا، وهذا الصراع إذا لم يتم تلافيه من خلال تفعيل الحوار فهو كفيل بأن ينجز من حولنا وبسببنا عراقاً بائساً مفلساً وربما حتى ميتاً.

(37) ما سيرد تحت هذا العنوان لا يقصد منه الإساءة لسنة العراق، أو للمقاومة (المتزنة) التي انطلقت من بين صفوفهم، بقدر ما أنه محاولة للكشف عن مسببات العنف غير المبرر إزاء الشيعة، ومن الجدير بالذكر، أن نفس موضوع خديعة الدافع كان يقف خلف جزء كبير من المقاومة الشيعية للنظام السابق، إذ الكثير من أجزاء أو قوى تلك المقاومة كانت تتحرك بدافع من القلق على المصير، القلق الذي يثيره ارتداء السلطة العلمانية لرداء الإسلام السني، ونزوعها نحو قمع المذهب الشيعي، من خلال منع أفراده من تأدية الكثير من طقوسهم، أو التهجم على تلك الطقوس، لكن ما يجب أن يتم التأكيد عليه هو أن الشيعة لم يخلطوا بين ضرب الأجهزة الصدامية وبين ضرب السنة في العراق، وهذه الحيثية تؤكد ما سنذهب إليه لاحقاً من أن الدين الإسلامي بحد ذاته لا يملي النزوع نحو ذبح الآخر المختلف.

(38) يجب أن لا يفوتنا هنا أن نذكر بأن عمليات التصفية التي كانت موجهة لأفراد حزب البعث النشطين غير خارجة عن هذا الوصف، غير أننا لم نوردها لاعتقادنا بأنها عمليات غلب عليها الطابع الفردي الانتقامي، الثأري، وهي بالتالي لم تشكل ظاهرة تقع في سياق رفض الآخر من خلال تصفيته، فالبعثي كان يقتل ليس بسبب اختلافه، بل بسبب اعتباره مجرماً. ومع ذلك فإن عمليات التصفية التي تقع خارج نطاق القانون ومهما كان الهدف من ورائها، يجب أن تسجل على أنها مؤشرات واضحة على تبني ثقافة الاستبداد.

(39) ليس المقصود هنا أن ثمة تقاطع بين الفكر الإسلامي، أو بين السلوك المجتمعي الذي يجري بتأثير من الإسلام وبين ثقافة الحوار، إنما نريد فقط توضيح الانعكاس السلبي الذي يمارسه حضور بعض المعايير المقدسة التي ينتجها العقل الإسلامي على سلوك المجتمع، وبالتالي فإن مسؤولية الأثر السلبي الذي تحققه هذه المعايير يتحملها العقل المسلم بسبب اعتماده على آليات غير دقيقة في معالجة واقعه الاجتماعي والسياسي، وكما سيتم توضيحه لاحقاً.

(40) المقصود هنا بمفردات العقيدة الإسلامية: هي مجموعة متبنياتها، فمن الواضح أن لهذه العقيدة متبنى يخص السلطة السياسية، ومتبنى يخص السلطة الدينية، ومتبنى يخص المعاملات الاقتصادية في المجتمع، وكذلك المعاملات الاجتماعية، والسياسية... الخ. وكل من هذه المتبنيات تعتبر مفردة يمكن لها أن تدخل في تشكيل إطار بخصوص أي موضوع له علاقة بها، وكما سيتم توضيحه لاحقاً.

(41) بملاحظة أن كلا المذهبين يمتلك رؤيا محدد بخصوص شكل الحكم الشرعي، ويجب أن نميز هنا بين المسلم الذي يتبنى رأي الشريعة بهذا الخصوص، أي الذي ينطلق من الإسلام باتجاه الواقع، وبين مجموعة المثقفين ذوي الجذور الإسلامية الذين ينطلقون من الواقع باتجاه الإسلام. فبين الطرفين بون واسع، حيث أن الإسلام ـ الشيعي والسني ـ بالنسبة للمجموعة الثانية لا ينتج نفس النتائج التي افترضناها في المتن.