|
الديمقراطية داخل الحزاب السياسية العراقية
(حوارات مع ذوي الشأن)
أجرى الحوارات وعلق عليها
عمار الكعبي
تأتي هذه
الحوارات في سياق محاولة الكشف عن الممارسة الديمقراطية
داخل الاحزاب والكيانات السياسية العراقية، واهدافها
السياسية والاجتماعية وخلفياتها الايديولوجية في سعي
لتفعيل الدور (الرقابي/ النقدي) للمثقف العراقي، من اجل
انتظام الجهود الساعية لتحويل الشعار الديمقراطي الى
ممارسة فعلية ميدانية شاملة، ليس داخل المؤسسات الحكومية
فقط بل لتشمل جميع المؤسسات السياسية والدينية والمدنية
المكونة للدولة العراقية.
اجريت هذه
الحوارات مع ممثلي ثلاث احزاب سياسية هي (الحزب الشيوعي
العراقي، حزب الدعوة الإسلامية، الحزب الوطني الديمقراطي)
بعدها انتقلت الى مناقشة حصيلة هذه الحوارات مع مراقب
سياسي معروف بتجربته السياسية الطويلة، لفسح المجال امام
التعليقات الحيادية قدر الامكان. كان لابد من ادراج وجهات
النظر الخاصة حول المحاور التي دار النقاش حولها على شكل
هامش اسفل متن كل حوار من هذه الحوارات حتى تكتمل الغاية
التي من اجلها اجريت هذه الحوارات.
الحوار الأول: حميد مجيد موسى/ الحزب الشيوعي العراقي
مقدمة:
الحزب الشيوعي تأسس عام 1935 وكان معارضا عتيا للحكم
الملكي، يعد أكثر الأحزاب جماهيرية في تلك الحقبة، دعمه
عبد الكريم قاسم في بداية حكمه، دخل في صراع مرير مع حزب
البعث لكنه وقع ضحية خديعة نظام البعث في السبعينات عندما
دخل في إطار ما سمي بالجبهة الوطنية الأمر الذي كشف جميع
خيوطه التنظيمية وسهل عملية الانقضاض على كوادره.
الحزب
الشيوعي غاب عن العمل السياسي في العراق منذ السبعينات، هل
تعلّم الحزب من التجارب القاسية والقرارات الارتجالية التي
صدرت عن بعض نخبه السياسية او قياداته المركزية؟ وهل تمكن
الان من وضع نظام داخلي اكثر ديمقراطية من الحقب السابقة
التي دفعت بالحزب الى محطات ساهمت في تراجع ادائه؟ وهل أن
الديمقراطية تتحكم فعلا بالقرار السياسي الصادر عنه؟
الحزب
الشيوعي[1]
يعتمد الديمقراطية كاساس لتحديد الياته، فهو يعقد مؤتمراته
بانتظام منذ عام 1993، فقد عقد في ذلك العام مؤتمره الخامس
ومن ثم السادس والسابع وفي الصيف القادم يفترض ان ينعقد
المؤتمر الثامن. المؤتمر اعلى سلطة في الحزب ففيه يتقرر
الخط السياسي العام ومن خلاله تنتخب القيادة. قبل عام 1993
لم تكن هناك مؤتمرات دورية بسبب الظروف التي مر بها الحزب.
القيادة
السياسية للحزب جرى عليها تبدل بحدود 50% منذ العام 1987
وبالتحديد منذ المؤتمر الرابع. حيث ان القيادة المتمثلة
باللجنة المركزية يجري انتخابها بالاقتراع السري، فكل عضو
له حق الترشيح خلال المؤتمر، الذي يعقد كل اربع سنوات،
وعند ترشيحه يخضع للمساءلة من قبل اعضاء المؤتمر، عندئذ
سيكون هناك عدد من المرشحين لعضوية اللجنة المركزية في
الحزب فاذا ما حصل المرشح على اغلبية بسيطة من المقترعين
يتمكن من العضوية. بعد تحديد اسماء المنتخبين للقيادة
تتشكل اللجنة المركزية التي تجتمع لانتخاب سكرتيرا عليها
بالاغلبية البسيطة. وكذلك تنتخب مكتبا سياسيا لها مكون من
عدد من الاعضاء. اللجنة المركزية تستمر الى حين انعقاد
المؤتمر الجديد غير ان المكتب السياسي والسكرتير يمكن
تغييرهما خلال مدة اقصر. من السمات الاساسية التي تحكم
الحزب بعد عام 1993 القيادة الجماعية حيث ان الجميع يشترك
في القرار السياسي للحزب، هذه الجهود بدأت عندما قام عدد
من اعضاء الحزب بجهود حثيثة لانقاذ الحزب بعد ان كان يعاني
من التفرق والضعف. فاليوم لا توجد حلقة من حلقات الحزب لا
تساهم في تقييم العمل، فالخلايا تعقد اجتماعات مستمرة
والمنظمات الحزبية تعقد كونفرنسات من اجل تحديد رؤية
جماعية واضحة لها.
منذ
متى والاستاذ حميد على راس الحزب؟
منذ تشرين
الاول عام 1993 واخر انتخاب لي تم في حزيران عام 2005،
ولاضيف لك ان تكرار الوجه في رئاسة الحزب ليس شيئا جديدا
على الاعراف العالمية[2]
فهناك من الاحزاب العديد ممن بقوا على رئاسة الحزب طويلا.
لاسيما اني لست مهتما ان اكون رئيسا لكن اجد في عملي واجبا
يكلفني به الاخرون.
لننتقل الى ايدلوجيا الحزب الشيوعي، هل اجريت تعديلات من
قبلكم على التصورات الشيوعية والماركسية سواء في عالم
السياسة او الاقتصاد او المجتمع، وهل هناك خصوصية للشيوعي
العراقي في هذا؟
الماركسية
ليست نظريات قيلت مرة وللابد، منهج الماركسية قائم على
الجدل المادي والتغيير، من هنا فان المنهج اساسا يرفض
الجمود والوقوف عند فكرة محددة فالماركسية هي منهج واي
مخالفة لهذا المنهج هو خلاف للفكر الماركسي[3].
وعليه فان الركود مرفوض منهجيا لدينا. على الشيوعيين
مواكبة الحياة[4]،
وعندما قررت بعض الاحزاب الشيوعية عدم التجديد عانت من
فترة ركود وجمود عقائدي على كل الأصعدة. هذه الأخطاء على
الشيوعيين التخلي عنها والتجديد في فكرهم ونظرتهم مع
الجديد الذي يفرضه العصر والا سيكونون بعيدين عن التطور،
والاهم لابد ان تخضع السياسة الى تغيير لكي تكون فعالة.
الحزب
الشيوعي العراقي سعى لإعادة النظر في منظومته الفكرية لا
من اجل التبرأ من هويته الطبقية الاجتماعية،او انتمائه
لفكرة التغيير وبناء الاشتراكية، ولكن عليه أن يعي توازنات
الطبقات، وذلك كي يحدد موقعه بشكل صحيح ويتعرف بشكل أفضل
على الواقع العراقي، أي الأفكار شاخت في العراق. تلك
الأفكار ليست خاطئة إذا وجدت في سياقاتها الخاصة وظروفها
الموضوعية. هذا هو منهج الحزب الشيوعي العراقي. وعلى هذا
الأساس أجرينا مجموعة من التغييرات في رؤانا وأفكارنا
وعلاقاتنا وخطابنا السياسي، وانعكس ذلك التغيير على
برنامجنا السياسي ونظامنا الداخلي.
التاريخ يثير العديد من التساؤلات حول الديمقراطية في عدد
من الاحزاب، ومن ضمنها الحزب الشيوعي، أن تاريخ الشيوعية
السياسي في العالم مليئ بالعديد من المجازر والاكراهات
والاستبداد، هناك العديد من الامثلة على ذلك تبدأ باوربا
الشرقية ولا تنتهي بكوبا؟
اعتقد ان
هناك تجن في اعتبار ما حصل في اوربا الشرقية ابشع مما حصل
في مناطق اخرى من العالم[5].
علي ان اوضح اولا ان المنظور الماركسي يدين هذه الممارسات
قبل غيره، فلهذا نحن ندين الستالينية وهي حالة واحدة في
تاريخنا[6].
وثانيا ان التجربة في شرق اوربا اثبتت ان مستوى التغيير
اقل دموية مما جرى في العديد من بلدان العالم بما في ذلك
التغييرات التي حدثت في بعض دول اوربا الغربية. نحن نقول
ان ماحدث في اوربا الشرقية هو مناقض لروح الفكر الماركسي
وهو خروج عن الشيوعية، ولهذا عندما انهارت التجربة لم يحصل
ذلك بدموية، بل حصل بكل هدوء اذا ما استثنينا التجربة
الرومانية. ولكن عندما حدث التغيير من قبل انظمة اجتماعية
اخرى في العديد من دول العالم فانه حدث بدموية كبيرة[7].
ماذا عن الحرية الفردية؟ الشيوعية تؤمن بالنظام الاجتماعي
القائم على اساس اشتراكي مما يعني تقويض الحرية الفردية
وهذا ينتاقض مع واحدة من الاسس الديمقراطية، حيث ان
الديمقراطية ترتكز على اسس اهمها حرية الفرد الاقتصادية؟
حرية
الانسان مصانة ولابد من صيانتها، ولكن ان تمتلك حريتك فان
هذا لا يعني التجاوز على حرية الاخرين[8].
فالذي يمتلك المليارات لا يمكن مشابهة حريته بمن لا يمتلك
قوت يومه. لندع هذه الاسطورة، الفرد وحريته، الانسان الذي
لا يستطيع ان يجد قوت يومه لا يتساوى بمن يمتلك المليارات.
اي حرية هذه التي تساوي بين الاثنين، الاشتراكية لا تسمح
بذلك.
الحوار
الثاني: جواد المالكي / حزب الدعوة الاسلامية
مقدمة: حزب
الدعوة[9]
اقدم الاحزاب الاسلامية الشيعية في العراق، تاسس اواخر
الخمسينات، لم يبرز الا في السبعينات من القرن الماضي
الامر الذي جعل عناصره عرضة لاكبر عمليات ملاحقة وقتل في
تاريخ العراق الحديث. فر اغلب اعضائه الموجودين الان في
قيادته خارج العراق.
الوجوه ذاتها تتكرر في حزب الدعوة منذ سنوات المعارضة، كيف
تفسرون ذلك؟ هل الانتخابات داخل الحزب عاجزة عن تجديد
الوجوه؟
تكرار
الوجوه ليس له علاقة بالديمقراطية، حيث ان عملية تنمية
الكادر تحتاج عمل ميداني يستلزم سنوات[10].
لكن اؤكد لك انه لو ظهر كادر نشيط في عمر حركي قليل وتمكن
من اثبت جدارة ونزاهة كافية واستطاع كسب ثقة اعضاء الحزب
فانه لا يوجد اي موانع من بروزه وحصوله على مراكز متقدمة
في القيادة.
نحن نؤمن
بالعمل الانتخابي داخل الحزب ونؤمن باهمية الانتخابات التي
يقوم بها المؤتمر العام الذي يعقده الحزب من فترة لاخرى.
مم
يتكون المؤتمر؟ وماذا ينبثق عنه بالتحديد؟ والى اي حد تسود
الديمقراطية عملية الاقتراع فيه؟
المؤتمر حلقة
موسعة لمن يستطيعوا ان يثروا المسيرة تحددهم لجنة منتخبة
من قبل مؤتمر سابق تسمى لجنة الانضباط[11].
وهي لجنة تقوم بواجبين الاول متابعة جميع اعضاء الحزب
ومحاسبة المقصرين وفق عملية ديمقراطية وشفافة يسمح للشخص
بالدفاع عن نفسه بكل حرية. والثاني متابعة المرشحين لحضور
المؤتمر العام.
المؤتمر
ينتخب اعضاء القيادة، وهنا نختلف عن اغلب الاحزاب، فان
القيادة هي التي تحدد قرارات الحزب الرئاسية في حين ان من
يحدد السياسات في بقية الاحزاب هو المكتب السياسي الذي
تنتخبه لجنة مركزية منتخبة. القيادة لدينا تنتخب مكتبا
سياسيا ينفذ قرارات القيادة وليس له صلاحية القرارات، وفي
الغالب يكون المكتب السياسي مكونا من قياديين واعضاء اخرين،
فنحن مقتنعون ان من الضروري ان يندمج القياديون بالباقين
لاثراء المسيرة. وعدد القياديين واعضاء المكتب السياسي
يختلف بحسب الاحتياجات، فالان مثلا لدينا 22 قياديا و11
عضوا في المكتب السياسي.
كنتم في السابق تؤمنون بدولة اسلامية، والى وقت قريب لم
تؤمنوا بدولة ديمقراطية، هل تغير الان كل شئ؟ ام انكم
ارجأتم طموح الدولة الاسلامية الى وقت اخر؟
الحزب مازال
عند الاستراتيجية نفسها، طبعا في حدود الفهم الذي نفهم به
الدين بالمعنى الحضاري والعصري[12]،
فما نفهمه هو ضرورة احترام الهوية الاسلامية مع احترام
الاخر غير المتفق معه. لكن نحن بالاساس ليس غرضنا اقامة
دولة اسلامية، هدفنا الاساس هو تطبيق حكم الله سواء عن
طريق الدولة او عن طريق المجتمع. لذلك نحن نؤيد فكرة
مؤسسات المجتمع المدني[13]
التي يمكن ان تصنع لنا مجتمعا اسلاميا يؤمن بالقيم
والثوابت الاسلامية حتى من دون دولة اسلامية. طبعا نحن نرى
ان وجود الدولة خير وطريق اسهل للوصول الى غرض. نحن الان
كتبنا في الدستور ان الاسلام مصدر اساسي في التشريع وانه
لا يجوز سن اي قانون يخالف ثوابت الشريعة، هذه الحدود هي
التي نريد وجودها في الدولة العراقية الحالية.لا شك ان هذا
لا يتحقق بالاكراه الذي نرفضه بشكل قاطع، بل عن طريق
الديمقراطية، فنحن نعتقد ان الديمقراطية توصلنا لما نريد[14]
على مستوى البناء والتغيير وعلى مستوى التشريع. ومن لا
يريد فهو حر ولكن عليه ان يلتزم بنتائج الديمقراطية.
ماذا
لو اقر الناس ان يتغير الدستور الحالي بشكل اكثر علمانية؟
كيف ستواجهون الامر؟
قرار الناس
حاكم، نحن نرفض ان يكون هناك املاءات على الناس لانها لن
تصمد كثيرا. فاذا رفضونا فليس المشكلة في الاسلام بل فينا
او في المجتمع، لهذا علينا ان نعيد تقييم الاداء الخاص
بنا، وندرس اليات اصلاح المجتمع، ونعمل من خلالها من دون
اكراه او عنف. فلا نقتل الامة التي تختار خيارا خاطئا بل
نصلحها.
هل
انتم ضد العلمانية؟
العلمانية
بالمعنى الذي تريد ان تعزل الدين عن الحياة السياسية نعم
نحن ضدها، ولكن العلمانية "بالفتح"[15]
اي التي تريد ان تخضع الحياة للاطر العلمية فنحن نرى
اهميتها. اؤكد لك نحن نرفض ان يحجم الدين في المساجد كما
حجمت المسيحية في الكنائس.
كيف
تنظرون الى الحريات المدنية؟ وكيف تتعاملون مع السفور؟
نحن مع
الحريات، انا حر اذن انا انتخب، ولكن نحن كأسلاميين فان
الحرية من وجهة نظرنا لها حدود. ما يقيد الحرية هو عدم
الاضرار بالاخرين[16].
تفسيرنا للاخر لا يقتصر على الاخر الفرد، بل الاخر هو
الجماعة، والاخر الاجيال والاخر هوية الامة. الشعب العراقي
هويته الاسلام ونحن ضد ما يمسخ هذه الهوية.
اما السفور
فانه مادام لا يمسخ هذه الهوية بمحافظته على الحياء العام
فنحن لسنا ضده. في بعض الولايات الامريكية هناك منع لبيع
الصور الخلاعية في حين ان هذا مباح في ولايات اخرى.
الديمقراطية بالمعنى الذي نؤمن به ليست ليبرالية صرفة بشكل
يزاح سلطان القيم عن الاشياء.
سيد قطب، كان لاطروحاته وكتاباته دور في تربية اجيال من
حزب الدعوة، اليوم يدين الكثيرون افكار قطب باثارة التطرف
والعدائية اتجاه الاخر، بماذا تعلق؟
نحن نتواصل
مع الاخر حتى غير الديني فكيف بالاخر الذي يشترك معنا في
الدين. "الاخوان المسلمون" لم نأخذ منهم كل شئ[17]
بدليل اننا اليوم حزب منظم لديه خلايا وهيكلية خاصة تختلف
عن الاخوان الذين لم يكونوا بتاتا اي حزب. اضافة الى ان
الانتماء التاريخي والفكري لنا مرجعه للسيد الشهيد محمد
باقر الصدر، وهو لا يعتاش على فكر الاخرين.
مادمت ذكرت الصدر، هل افكاره ثابت غير قابل للتبدل من
وجهة نظركم؟
كيف يكون
ذلك وهو من طالب بمراجعة افكاره ومتبنياته، فافكاره عطاءات
مرحلة يمكن ان تتغير اذا ما تغيرت ظروف المرحلة. ولكن نحن
نعتقد ان افكاره غير الحركية والسياسية ليس من شأننا ان
نغيرها بل هذا شغل ذوي الاختصاص.
تجربة
ايران، وتجربة تركيا اهم التجارب الاسلامية غير المتشابهة،
ايران اقامت دولة تطبق فيها الشريعة، واسلاميو تركيا قبلوا
التعامل السياسي في بلد لا يسمح باية مظاهر دينية في عالم
السياسة ، كيف يقيم الحزب التجربتين؟
نحن نؤمن ان
النظام السياسي لا يمكن ان يستنسخ عن تجربة اخرى، فالشعب
العراقي يختلف عن الشعب الايراني، فلا نلزم انفسنا بتجربة
اخرى، بل نريد صناعة تجربة وفق المقاسات العراقية،
وتكويناته.
وفيما يخص
تركيا فاني ارى ان الواقعية السياسية فرضت على حزب الرفاه
وحزب العدالة طريقة بالتعاطي السياسي، فلو كانت هذه
الاحزاب في مثل حالة العراق لما تصرفت كما تتصرف في تركيا،
فهم الان في مرحلة اتمنى ان يتجاوزوها.
الحوار
الثالث: هاشم الشبلي / الحزب الوطني الديمقراطي.
مقدمة:
الحزب الوطني الديمقراطي تأسس في الاربعينات من القرن
الماضي، وعمل في الساحة السياسية في العهد الملكي، الى
درجة انه كان يمثل رقما صعبا في احزاب المعارضة السلمية.
وفي العهد الجمهوري بعد ثورة تموز عام 1958 دخل الحزب
السلطة عبر وزيرين احدهما هديب الحاج حمود الذي اسس بعد
سقوط النظام حزب اسماه بالحزب الوطني الديمقراطي الاول.
عاد الحزب بعد عام 2003 الى العمل السياسي بعد ان جمد عمله
من قبل السلطة عام 1962، وذلك على يد نصير الجادرجي ابن
مؤسس الحزب.
غاب الحزب عن الحياة السياسية منذ بداية الستينات من
القرن الماضي، ولكن الاستاذ نصير الجادرجي نجل مؤسس الحزب
كامل الجادرجي اعاد تأسيسه، ما هي الحدود الديمقراطية في
هذا السلوك؟
بعد التغيير
بادر الاستاذ نصير الجادرجي الى جانب عدد من الشخصيات التي
تؤمن بالفكر الليبرالي[18]
قريبة من الجادرجي الى اجتماع مصغر في اواخر نيسان من عام
2003، وذلك لغرض استئناف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي بعد
توقف دام 41 سنة. تكررت الاجتماعات، تشاورنا حول الموضوع
مع شخصيات سياسية كبيرة في العراق كالسادة الطالباني
والبارزاني والجلبي والباججي. قررنا بعد ذلك عقد مؤتمر
مصغر بحضور 60 شخصية، وتدارسنا موضوع اعادة العمل بالحزب
وعودة جريدة الاهالي للصدور. بعد ذلك عقد مؤتمر موسع بحضور
ما يقارت 600 شخصية ضمنهم شخصيات من احزاب اخرى اواخر 2003
وتقرر عندئذ اسئناف العمل الحزبي من خلال الوطني
الديمقراطي. انتخب اعضاء المؤتمر 22 شخص للجنة المركزية
وانتخبت اللجنة من داخلها مكتبا سياسيا من 11 عضوا
وانتخبنا الامين العام من قبل اللجنة المركزية، هذا فيما
يخص الهيكلية التي نؤمن بانها تمثل بداية ديمقراطية.
وبخصوص
القرارات السياسية فان الحزب لديه اجتماع اسبوعي لعدد من
اعضائه من داخل وخارج اللجنة المركزية، وذلك بغرض تدارس
التطورات التي يشهدها العراق خلال فترة اسبوع. هذا
الاجتماع مهم لانه يسهم في معرفة تصورات لعدد من الاعضاء
من خارج اللجنة المركزية. وفي كل نصف شهر يعقد المكتب
السياسي اجتماعه. هذه الاجتماعات تسهم بشكل كبير في عرض
التصورات العامة امام اللجنة المركزية لاتخاذ قرارات
اسياسية وحساسة.
ابن مؤسس الحزب الان على رأس الحزب، وهو طبعا الممول
الاساس لاحتياجات الحزب، هل يعني ذلك انه سيحجم تصورات
بقية الاعضاء وقراراتهم وفق ارادته؟
الاستاذ
نصير طلب عدة مرات ان يستقيل من الحزب[19]،
لاسباب صحية لكننا رفضنا ذلك، بما الحزب بحاجة اليه
لعلاقاته لواسعة ووجهه المقبول لدى جميع التيارات، فهو
ضمانة للحزب. ولكني اؤكد على عدم وجود طموحات شخصية لديه.
ماذا عن الحزب الديمقراطي الاول الذي يتزعمه هديب الحاج
حمود وهو من الرعيل الاول في حزب الخمسينات، البعض يقول
انكم تعاملتم معه بشكل اقصائي؟
اولا ان
السيد هديب اسس حزبه بعد تأسيس حزبنا. وثانيا انه كان
حاضرا في الاجتماعات التحضيرية لتأسيس الحزب، غير ان
الخلاف حول مسألة الموقف من التغيير كان النقطة التي فرقت
بين الاطراف السياسية اذ انه كان رافضا للتغيير الذي شهده
العراق بعد دخول القوات الامريكية على اعتبار انه احتلال،
ونحن نختلف معه. ثالثا ان هناك جهود ناجحة للتوحيد بين
الحزبين. حيث ان مجيد الحاج حمود شقيق الاستاذ حل محل اخيه
بسبب تطاول عمر الاستاذ هديب. وهناك اجتماعات مستمرة بين
الاستاذ نصير والاستاذ مجيد.
اين
تكمن الديمقراطية الليبرالية في اهدافكم والياتكم بالتعاطي
مع الواقع السياسي العراقي؟
اهم هدف
بالنسبة لنا هو الانسان الفرد، حريته وارادته الكاملة
استقلاله في قراره. الانظمة الشمولية ترتكز على الاطروحات
الاجتماعية دون مراعاة الفرد، هذه الانظمة افلست وخرجت من
الساحة السياسية الدولية. الفرد العراقي عانى ماعانى من
الظلم والاضطهاد والاقصاء والفقر، فهدفنا هو تحقيق العدالة
والمساواة التي تصب في صالح هذا الفرد. نعتقد ان شعور
الانسان العراقي بذاته يصب في صالح الديمقراطية
الليبرالية، وهذا هو هدفنا. والحزب سجل موقفا في اتجاه
الديمقراطية الليبرالية عندما رفض تسلم وزارة العدل على
اساس طائفي، ومن ثم رفض الدخول في لجنة كتابة الدستور على
الاساس نفسه، هذا موقف سجلناه[20].
قاعدتكم ضيقة، هذا ما اثبتته الانتخابات الانتقالية بداية
عام 2005، هل لديكم تفسير حول ذلك؟ وهل في اجندتكم تغيير
الخطاب لصناعة قاعدة شعبية اوسع؟
الحزب
الديمقراطي يستند في شعبيته الى الطبقة الوسطى كأي حزب
برجوازي ليبرالي ديمقراطي، فهو لا يتمكن من الحركة خارج
هذه الطبقة. الطبقة الوسطى، التي نعني بها الشرائح
المثقفة، غير قادرة على التأثير في العملية السياسية.
التغيير الذي حصل في العراق كان سريعا ومفاجئا الى حد لم
تكن هناك فرصة لان تأخذ هذه الطبقة مداها في العملية
السياسية. من هنا فان عدم اتساع القاعدة يعود الى تقلص
تأثير هذه الشرائح في العملية السياسية، خصوصا وان الكثير
من المكونات الاساسية لهذه الطبقة لم تعد تنمتي لها بسبب
الاستقطابات السياسية. نحن نعمل من اجل ان يكون لهذه
الشرائح الاجتماعية تأثيرها في الساحة السياسية. خطابنا
يجب ان لا يأخذ منحى نازلا[21]،
لابد ان نرفع الوعي ليتعاطى بايجابية مع التيارات
الليبرالية الديمقراطية. وذلك يكون عبر تفعيل لجهود مؤسسات
المجتمع المدني.
عمار الكعبي: ما هو تقييم الحزب لاداء الدكتور اياد علاوي
من الناحية الليبرالية والديمقراطية؟
الدكتور
علاوي له مميزات جيدة اهمها انه تكلم بلغة علمانية مفهومة.
لكنه اخطأ جدا في حملته الانتخابية عندما طرح موضوعا
حساسا، وهو البعث كأساس لهذه الحملة، الامر الذي ادى الى
رد فعل شديد ضده جعله بعيدا عن الحدود لتي نعتقد وجودها
لليبرالية في الساحة العراقية[22].
نحن لهذا السبب انسحبنا من القائمة[23]،
لانا نريد ان نحتفظ بتاريخنا بمسيرة بعيدة عن الشوائب[24].
الحوارالرابع: هاشم الحبوبي/المراقب والمحلل السياسي .
التاريخ العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عرف
عديدا من الاحزاب التي تعاقبت على السلطة سواء عن طريق
صناديق الاقتراع، او دعم المستعمرين او الانقلابات
العسكرية، ماهو رصيد هذه الاحزاب من الديمقراطية؟
هناك خطأ
شائع هو الادعاء بان العهد الملكي كان ديمقراطيا بالمطلق؛
المجالس النيابية التي تتالت في العهد الملكي حلت لعشر
مرات برغبة من رئيس الوزراء تحت ادعاء عدم الانسجام. وحدث
ان اعلنت الاحكام العرفية لاكثر من 16 مرة، والغيت الاحزاب
برغبة من السياسي المهم نوري سعيد. اغلب الاحزاب التي
هيمنت على الحياة السياسية انذاك كانت مشكلة قبل رئيس
الوزراء او من يرغب ان يكون رئيسا للحكومة، فهي مفصلة على
حجم مؤسسا. على الرغم من ان اغلب الاحزاب كانت ملونة من
الناحية الطائفية بخلاف اكثر الاحزاب في الوقت الحالي.
اعتقد ان
الحزب الشيوعي هو اول حزب بشر بقضايا جديدة، فهو اول حزب
عرف حضورا نسويا واسعا. لكن في لحظة من تاريخه انشطر
بطريقة مخالفة لمبادئه الاممية عندما وجد حزب شيوعي كردي
واخر عربي.
من هنا انا
لا اعتقد ان هناك حزبا ديمقراطيا حتى في حالة الحزب الوطني
الديمقراطي الذي اسسه كامل الجادرجي. فهذه الاحزاب اعتمدت
على كارزمات كانت تدور حولها، وهذا اكبر خطر على
الديمقراطية. وبعض الاحزاب اعتمدت السرية في عملها وهذا
يئد الديمقراطية. والبعض الاخر تمسك بالبندقية، فاذا ماحضر
السلاح غابت الديمقراطية.
ساحاول تجاوز الفترة الجمهورية التي لم تكن فيها احزاب
ديمقراطية باي معنى من المعاني، ساسأل عن احزاب العملية
السياسية الحالية عندما كانت في المعارضة، هل كانت في
الياتها الداخلية ديمقراطية؟
احزاب
المعارضة هي احزاب سرية، وبذلك هي ليست ديمقراطية في
محتواها الداخلي. حزب الدعوة مثلا كان تنظيم خيطي،
والاحزاب الكردية كانت تستند على البندقية في تعاطيها مع
القضايا السياسية عند تحالفها مع بقية احزاب المعارضة ضد
صدام.
المشكلة ان
كثير من كوادر الاحزاب السياسية كانوا في الغرب ولم
يتعلموا من الغرب الديمقراطي اي شئ مهم.
هل يعنى هذا ان الاحزاب الان غير مؤهلة لان تكون
ديمقراطية الان؟
اعتقد ان
المشكلة ان الاحزاب التي عانت في المعارضة من اقصاء الاخر،
عندما رجعت العراق بدأت من الصفر من الناحية الديمقراطية
وكأنها لم تتعلم شيئا[25].
السبب يعود في تصوري الى انها وجدت امامها عند دخول السلطة
مراحل محروقة لم يمروا بها. فمجلس الحكم والدستور وقانون
ادارة الدولة الانتقالية كلها حدثت في حدود زمنية قصيرة لم
تسمح برسم صورة واضحة ووعي كامل للديمقراطية في كل مرحلة.
الزمن في عمر الشعوب قصير دائما، فهي تحتاج الى تراكم.
والاحزاب، كونها انعكاس للواقع الاجتماعي، تحتاج الى تراكم
تجارب، كل تجربة تمر بها يجب ان تخضع للدراسة والتصور
والتدقيق والفهم، وهذا للاسف لم يحدث. فلم تتحول
الديمقراطية الى سلوك حياة لدى الكادر الحزبي فضلا عن
المواطن. ومهما كانت البرامج الداخلية للاحزاب ديمقراطية
فانها لا تؤثر مادام لم يكن هنالك تربية ديمقراطية.
هل تعتقد ان احد المشاكل هو ان يكون التمويل بيد الامين
العام في الغالب كما في حالات علاوي والطالباني والحكيم
والبارزاني والجادرجي والباججي؟
نعم هذه
تقتل الديمقراطية، الجانب المادي محرك اساسي. قادة الاحزاب
الان اصبحوا قادة لانهم تمكنوا من تمويل الاحزاب. في
الانتخابات كان الامر واضحا جدا من يمتلك المال اسس قائمة
غير منسجمة احيانا وقادها. الممول يقوم بتشييئ الامور وفق
ارادته تحت شعار مسكين هو الديمقراطية.
هناك تفريق بين الديمقراطية بشكل عام والديمقراطية
الليبرالية، الى اي حد هذا يلقي بضلاله على الحالة
العراقية؟
الديمقراطية
في ايران حقيقية كصندوق، لكن خيارات الناخب في الاساس
محدودة بارادة عليا هي ارادة مجلس تشخيص مصلحة النظام او
ولي الفقيه، هذه ديمقراطية ناقصة.
في العراق
اليوم هناك ديمقراطية حواس، فانت تسمع وترى وتقول ما تشاء
لكن الدولة والاحزاب لازالت فاقدة لذلك لان التوازن غير
موجود، والعنف يلقي بضلاله على الاشياء الامر الذي يجعل من
الديمقراطية معرضة للخلل في اي لحظة. الشرطة في البداية
كانوا امام ثقافة حقوق الانسان واحترام الحريات لكن للاسف
عندما بات الشرطي مهددا بشكل كبير بحيث لا يستطيع الا ان
يدوس على هذه الحقوق والحريات. هذه عثرات اتمنى ان
نتجاوزها.
هناك احزاب قومية اهمها الاحزاب الكردية، واحزاب اسلامية،
وعلمانيون غير قوميين، هل ترى ان هناك تمايز بين الجميع في
التعاطي مع الديمقراطية؟
للاسف
الاحزاب العلمانية كحركة الوفاق تتمحور حول شخص علاوي الى
درجة ان دعاية القائمة العراقية التي كان يقودها الدكتور
كتبت "رجل المرحلة والمستقبل" هذا المشروع خطر على
المستقبل الليبرالي في العراق. اما الاحزاب الدينية فاني
اعتقد ان حديثها عن الديمقراطية غير نابع عن قناعة حقيقية
لانها ترى ان الدين هو المنفذ الوحيد للحياة والسياسية من
ضمنها. وهي تستند الى مفهوم الطاعة وهذا مغاير
للديمقراطية.
الاحزاب
الكردية تعاني من الارث العائلي والشخصي والكارزمات
والعديد من عمليات الاقصاء التي تمارس ضد الاحزاب الاخرى
في كردستان.
كيف تنظر الى مستقبل الديمقراطية في العراق؟
هذا يحتاج
الى امور:
اولا: لابد
من توازن بين الحكومة والمعارضة.
ثانيا:
ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وإشاعة هذا المطلب على
مستويات واسعة.
ثالثا: إشاعة
ثقافة ديمقراطية ليس في السياسة فقط.
اتمنى ان
نعمل من اجل هذا في المرحلة المقبلة، وهو ليس بالأمر
المستحيل. بل أؤكد أن مستقبل الديمقراطية جيد إلى الدرجة
التي تجعلني اظن ان كل من سيواجه الديمقراطية في المستقبل
سيفشل[26].
التعليقات
[1]
يمكننا أن نلاحظ مايعاني منه الحزب الشيوعي هي المرجعية
السياسية كونه حزبا ذا طابع شمولي يؤمن بدولة ذات نمط
واحد، فالحزب الشيوعي من الناحية الايدلوجية نقيض لوجود
الفكر الرأسمالي وضد الفكر الديني، كون الاول يتناقض معه
اقتصاديا والثاني فكريا. فهل ان قبول الحزب الشيوعي
بالديمقراطية اضطرار فرضته ظروف العراق الحالية؟ ثم الى اي
حد يتبرأ الحزب من التاريخ الدموي للانظمة الشيوعية في
اوربا الشرقية وكوبا والصين وسواها من دول العالم الشيوعي
الحديث. الحزب الشيوعي الذي يؤمن بمزيد من الحريات المدنية
ليس كذلك في الشأن الاقتصادي والسياسي، فالشوعية تؤمن
بدولة ذات طابع واحد، وترفض اي مخالفة لهذا النمط،
باعتباره تخلفا عن المرحلة الضرورية الوجود، ولهذا نجدها
كلما وصلت الحكم تعاملت وفق هذا المنطق. والاشتراكية تضع
قيودا كبيرة على الملكية الفردية للحيولة دون نشوء
رأسمالية تتوسع في دولة ذات طابع اشتراكي. فهل تغير كل هذا
في برنامج الحزب الشيوعي العراقي اليوم؟ الى الان لم
يظهر شئ من هذا .
اهم
ما يمكن تسجيله للحزب على مستوى المواقف، هو تحديد مسارات
جديدة للتعاطي مع العالم الغربي حيث ان الحزب تعاطى بكل
جدية وايجابية مع عملية التغيير الأمريكي في العراق، ولكن
يبقى على الحزب ايجاد صيغة انسجام بين هذه المواقف
والأفكار التي يؤمن بها، وذلك عن طريق تغييرات جذرية
وجوهرية في ايدلوجيته.
[2]
ان تكرار الوجوه قد يكون حالة ممكنة الحدوث في اعرق
الديمقراطيات، لكن ان تكون هناك شخصية محورية بشكل مستمر
في بلدان الديمقراطية لحقب زمنية طويلة فهو غير مألوف.
التغييرات تطرأ على الاحزاب بشكل مستمر ومن دون انشقاقات
ولكن يبدو ان الاحزاب العراقية ستبقى تعاني من عدم القدرة
على ايجاد تبدلات حقيقية داخلها لسنوات طويلة مقبلة.
[3]
اعتقد ان السيد حميد مجيد لم يحاول ان يقدم توضيحا كافيا
بهذا الصدد، الماركسية لا تعني فقط الجدل المادي، بل هي
مذهب اجتماعي اقتصادي لديه منهج ولديه تصورات، والمنهج
لوحده لا يفسر الفكر الماركسي بل ما يفسرها هو تطبيقات
ماركس لهذا المنهج على ظواهر اجتماعية واقتصادية، والوصول
الى احكام محددة على كل الاصعدة. ولم نلاحظ نقدا حقيقيا من
قبل منضرين شيوعيين في الحزب الشيوعي للعديد من اطروحات
ماركس.
[4]
ان هذه الكلمة تعبر عن وجود هم حقيقي لمراجعة المواقف
والمفاهيم والخطاب السياسي من قبل الحزب الشيوعي، واتصور
ان موقف الحزب من التغيير في العراق هو نقلة مهمة في
التصورات السياسية اليوم عما كانت عليه في العقود الماضية.
[5]
ما حدث في اوربا الشرقية يفوق الكثير من السياسات التي
عاصرها الحزب الشيوعي في اوربا وامريكا، ان اقسى الانظمة
التي عرفتها اوربا في القرن الماضي هي الانظمة النازية
والشيوعية، فلم يكن هنالك دولة شيوعية واحدة ديمقراطية
في المواقف السياسية والاقتصادية بل كانت جميعها انظمة
استبدادية. وهذا لا يعني عدم قيام نظم اجتماعية اخرى
بمجازر خارج بلدانها، كما فعلت فرنسا بالجزائريين، لكن
المجازر والاستبداد قد تحولا الى منهج في جميع التجارب
الشيوعية.
[6]
الستالينية اهم حالة ولكنها ليست الوحيدة في التجارب
الشيوعية.
[7]
التغيير الذي حدث في اوربا الشرقية هو تغيير داخلي ازاح
الماركسية عن ذاته فلهذا لم تسفك الدماء، فالشيوعية عندما
غابت عن رؤية مجتمعها المؤمن سابقا بها، زالت من دون
مشاكل، فلم يكن للماركسية في هذه البلدان مدافعين دمويين
كثر مادام المدافعون هم من رفضها.
[8]
سنجد ان الجميع يكرر هذه الكلمة "حرية الاخرين تقف عند
حرية او حقوق الاخرين" من هنا فان لكل تفسيره لهذا الامر.
ما اظنه ان المنهج الماركسي الاشتراكي لا يكتفي بضمان حقوق
الفقراء كما يصور السيد حميد مجيد موسى بل هناك قيود
حقيقية تفرض على تطور رأس المال الفردي وملكية الفرد له،
وما يحدث في عدد من الدول الاشتراكية اليوم كالصين هو تحول
مغاير للرؤية الاشتراكية الام فرضته شروط السوق الدولية.
وللاسف ليس للحزب الشيوعي العراقي تصوراً للاشتراكية
مخالف لما هو سائد من اشتراكيات ماركسية.
[9]
ما تزال الاحزاب الاسلامية تؤمن بالدولة الاسلامية رغم
اختلاف تفسيراتها. هذا يعني ان ايمانها بالديمقراطية يأتي
بالمقدار الذي تسهم فيه هذه الديمقراطية في خدمة هذا
الغرض. ما يحدث في الجنوب العراقي من عمليات اقصاء وارغام
ديني ومنع اي مظاهر مخالفة تدل على ان التغيير لم يحدث حتى
الان في هذه الاحزاب فالحريات المدنية في المناطق الخاضعة
لسيطرة الاحزاب الاسلامية لم تعرف الا نمطا واحدا من
التصورات والافكار والسلوكيات. لا يوجد في المنطقة
الجنوبية اي مظهر من المظاهر غير الخاضعة لموافقة الجهات
الاسلامية سواء حزب الدعوة او حزب الفضيلة او المجلس
الاعلى، والا كيف نفسر انعدام السفور في المنطقة الجنوبية
هل كل الناس اقتنع هناك في الحجاب.
وفي المناطق السنية فان الامر اسوأ
بكثير خصوصا مع هيمنة التيار السلفي على المنطقة الغربية
في العراق دون اي يحرك اي من الاحزاب ساكنا، واذا كانت
الحريات مفقودة في الجنوب فان الحياة في الغرب هي
المفقودة.
رغم
هذا يمكن الاعتراف للاحزاب الاسلامية انها عرفت تغييرات
حقيقية وامنت بالمشاركة الان، لكنها حتى الان لم تمس
الجوهر. فعلى هذه الاحزاب ان لا تراجع مواقفها السابقة فقط
بل ان تنقد افكارها ومرجعياتها الايدلوجية بشكل جدي.
[10]
اتساءل كيف لا يكون تكرار الوجوه مخالف للديمقراطية، فمن
غير المعقول ان تتكرر الوجوه نفسها لعشر سنوات مثلا دون ان
يحدث تغيير كبير. لا يمكن ان يكون ذلك ابدا لان الحياة
السياسية ان كان فيها قرار جماعي ووجهات نظر متعددة تشهد
بالضرورة بزوغ وجوه جديدة وافول وجوه خرى.
[11]
هذه اللجنة حتى لو كانت منتخبة تجعل كل شخص من كوادر الحزب
غير قادر على الاختلاف او التصرف باستقلالية خوفا من مقصلة
الحساب، فمن يضمن ان لا تتحكم الاهواء والتوجهات في اليات
هذه اللجنة؟
[12]
لا يختلف فهم حزب الدعوة الاسلامية في العديد من الشعارات
والكتابات الصادرة عن كوادر وقادة الحزب عن الفهم السائد
للاسلام، فلا يوجد لدى الحزب فهم مختلف عن فهم المجلس
الاعلى للثورة الاسلامية للدين، او فهم الحزب الاسلامي
"السني" للاسلام عدا بعض القضايا المذهبية والفكرية،
فالايمان بدولة دينية كالخلافة لدى احزاب السنة او ولاية
الفقيه لدى المجلس الاعلى او دولة الشورى لدى حزب الدعوة
اختلافات ذات نتيجة واحدة هي ان يكون الاسلام اطار الدولة
بسلطاتها الثلاث.
[13]
من الغريب الحديث عن المجتمع المدني في مؤسسات دينية، من
المعروف ان المجتمع المدني لا يأتي عبر مؤسسات دينية لان
مثل هذه المؤسسات هي مؤسسات مجتمع ديني. السؤال الى هل
الاسلاميون قادرون على ان يجعلوا المجتمع الديني مدنيا
بالشكل الذي يسمح بالحريات ويحترم حقوق الانسان بشكل كاف؟
[14]
قد تصنع الديمقراطية لاي طرف ما يريد، لكن عليها ان تضع
اليات حقيقية ضد أي ممارسة تأتي عبرها وبعد ذلك تنقلب
عليها.
[15]
لا توجد علمانية لا تنادي بفصل الدين عن الدولة.
[16]
هنا اكرر ماقلته في حديث الاستاذ حميد مجيد موسى، الذي قيد
هو الاخر الحرية بنفس القيد، واعيد الكلام بان تفسير
القيود يختلف من جهة الى اخرى. واعتقد ان الاستاذ المالكي
كما في حديث الاستاذ موسى تجاوز مسألة مهمة هي ان الحرية
لابد ان تقرأ وفق احتياجات الانسان، لكنه للاسف فسر القضية
من منظار ايدلوجي.
[17]
الاخوان المسلمون كان لهم دور المحفز في تصورات مؤسسي حزب
الدعوة، قد لا يكون الصدر احدهم لكن هناك العديد من كوادر
الحزب متأثرين الى درجة ان اصبح كتاب سيد قطب "خطوات على
الطريق" منهجا يتداوله الدعاة الى وقت قريب.
[18]
رغم الاهداف الديمقراطية في اطروحات الحزب الوطني
الديمقراطي السياسية، لكن هناك اكثر من علامة استفهام على
المركزية فيه وهيمنة الامين العام نصير الجادرجي على الحزب
من الناحيتين المالية والسياسية. كما ان خطاب الحزب
البرجوازي يجعل من نجاحه امرا صعبا. ويبقى مثل هذا الخطاب
لا يسهم الا في تعميق الهوة بين الطبقى الوسطى والطبقات
الواطية اقتصاديا وثقافيا في المجتمع.
هنا لابد من القول ان هذا الافراط
في الخطاب البرجوازي فيه الكثير من المثالية التي لا
تتلاءم مع واقعنا الحالي، بل وحتى مع واقع العديد من دول
العالم المتحضر.
ولي
كلمة هنا، الاحزاب السياسية الليبرالية عليها ان لا تتحول
الى التطرف من جراء الحالة التي يعيشها العراق، او لتحقيق
احلام كبيرة تراودهم، فالعراق لن يكون كاوربا مادام ان
التحول لم يكن اجتماعيا بل كان سياسيا فقط، ولم يكن من
الداخل بل كان من الخارج.
[19]
احتياج الحزب الى الجادرجي كممول وكوجه له علاقات تسمح له
بان يكون باستمرار لولب الحزب مما يدعو الى القول بإمكانية
تأطر الحزب باطار شخص امينه العام، وهو الأمر الذي تكرر من
خلال العديد من الشخصيات السياسية العراقية مثل (اياد
علاوي، أحمد الجلبي، مسعود البرزاني، عبد العزيز الحكيم).
[20]
هل هذا الموقف يسجل للحزب ام لشخص هاشم الشبلي؟ الوزارة
عرضت على الشبلي بسبب انتمائه لعائلة سنية ورفض، وعضوية
لجنة الدستور عرضت عليه كذلك ورفضها، في حين ان الاستاذ
نصير الجادرجي رئيس الحزب كان عضوا في مجلس الحكم كشخصية
سنية.
[21]
هناك ثلاث اصناف من القوى السياسية في اطار تعاملها من
الطبقات الاجتماعية الفقير وغير المثقفة: قوى سياسية تعمل
من اجل تدعيم نفوذها داخل هذه الطبقات من دون اي اهتمام
لايجاد تغييرات حقيقية في وضعها. وقوى تعمل من اجل ايجاد
تغييرات حقيقية في مستويات هذه الطبقات. وقوى تتعامل
بفوقية معها لدرجة انها غير قادرة على ايجاد اي نفوذ لها
في الاحياء الفقيرة والشعبية والتي تعد الاوسع في العالم
الثالث، ويبدو ان الحزب الوطني نموذج للصنف الثالث الذي لن
يجد له موطئ قدم في صفوف العراقيين على المستوى القريب.
[22]
تشير نتائج الانتخابات الاخيرة والانتخابات التي سبقتها
الى تراجع كبير في مستويات العلمانية في العراق، فبعد ان
كان لعلاوي اكثر من مليون ناخب في الانتخابات الانتقالية
التي جرت في بداية العام الماضي مع ما يقارب 400 الف ناخب
انتخبوا غازي الياور والحزب الشيوعي واخرين ممن انضووا
الان في القائمة العراقية ، اصبح لديه في انتخابات كانون
الاول الماضي اقل من تسعمائة الف ناخب، وهو مؤشر على تراجع
مستويات العلمانية في الشارع العراقي، قد يكون التراجع
وقتيا الا انه يبقى يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل
هذا التيار في البلاد خصوصا بعد ان ربط الدكتور علاوي نفسه
بقضية البعث التي تفتقد الى القبول في الساحة الشيعية على
اقل التقديرات.
[23]
البعض يرى ان انسحاب الحزب الوطني جاء بسبب التسلسل الذي
اعطي لهم في القائمة العراقية، غير اني اتذكر جيدا ماقاله
لي رؤوف ال ديبس الرجل الثالث في الحزب قبل اشهر من انهم
ينظرون بتحفظ وحذر الى اطروحات علاوي حول البعث.
[24]
استيراد الديمقراطية في العراق هو مركز المشكلة التي تعاني
منها العملية السياسية، الديمقراطية لم تأخذ مداها في
العراق على مستوى القناعات. ثم لا يوجد في العراق قانون
احزاب ينظم العمل الحزبي وفق المقاسات الديمقراطية
المقبولة، قانون الاحزاب الموجود ينظم العمل الحزبي من
ناحية الدخول = في الانتخابات فقط. كما ان الاحزاب اليوم
لا تستند الى مرجعية ديمقراطية، المرجعيات السياسية
والفكرية =للاحزاب في الغالب هي مرجعيات غير ديمقراطية
الامر الذي يجعل من القناعات الديمقراطية لدى اعضاء الحزب
السياسي في العراق امرا مشكوكا فيه ويحتاج الى مجئ جيل
جديد من السياسيين يتمكنون على الاقل من المزج بين
الديمقراطية ومرجعيات احزابهم الفكرية والسياسية.
وهناك الشفافية وهي الاخرى مفقودة
في العمل الحزبي العراقي، فلا يمكن معرفة التطورات داخل
الاحزاب الا عن طريق مصادر مطلعة تخاف من كشف هويتها. مثلا
لم نعرف في اطار جدل تشكيل الحكومة طبيعة المشاورات داخل
القوائم نفسها. النتائج التي يراد لها ان تظهر فقط هي التي
تعرف وسواها محجوب، كيف ينتخب رئيس الحزب ومتى يتغير امر
لم يتحول بعد الى قضية شعبية.
وهناك قضية التمويل في الأحزاب
ومالية أعضائه عندما يدخلوا السلطة ويتسلموا مناصب كبيرة
في الحكومة. تمويل جميع الأحزاب العراقية لا يزال مجهولا،
وحتى قانون الأحزاب الصادر عن المفوضية لم يجعل ضوابط
واليات لمعالجة عدم معرفة المصادر المالية للأحزاب
الإسلامية من كل الطوائف والعلمانية بكل أشكالها.
الاهم من ذلك كله ان على الاحزاب العراقية ان لا تجعل
النموذج الامريكي في الديمقراطية اساسا وحيدا في فهم
الديمقراطية والعمل بها.
[25]
ليست المشكلة فقط في الجانب السلوكي، المشكلة بالاساس ترجع
الى مستوى الايمان بالديمقراطية عندما كانت في المعارضة.
لم يكن هناك اي طرف يؤمن بدولة ديمقراطية في العراق، لانه
لم يتوقع احد طبيعة التغيير الذي سيحدث في العراق،
الاسلاميون وهم الطرف الاقوى في معارضة صدام كانوا يفكرون
بثورة شعبية تصنع لهم دولة اسلامية وغيرهم من الاحزاب في
المنطقة العربية من العراق اغلبهم كانوا يعملون باتجاه
صناعة انقلابات عسكرية تجعلهم في صنع القرار السياسي في
العراق. والاحزاب الكردية هي الاخرى لم تكن تفكر بغير
الانفصال عن العراق رغم انها قدمت العديد من التسهيلات
لاحزاب المعارضة في التسعينات من القرن الماضي.
[26]
لن تكون الديمقراطية كذلك الا عندما تتجذر في العراق،
والخوف من ان تتحول الديمقراطية ذات قيود وخيارات محدودة
في المستقبل
|