ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

الازدواجية في سلوك الأحزاب السياسية

(العلاقة بين الديمقراطية والدكتاتورية)

د. خليل مخيف الربيعي

المقدمة

تواجه ظاهرة الحزبية بصورة عامة اراء تقف بالضد منها منطلقة من تصورات دينية او ثقافية، مدعومة بحجج تستند الى اصل الظاهرة من جانب. واحيانا الى السلوك العملي لقادة الاحزاب من ناحية ثانية وما يرتبط بالممارسة، تواجه الحزبية في دول العالم النامية انتقادات كثيرة لحداثة هذه التجربة او لعدم نضجها.

ومن بين هذه الانتقادات ازدواجية السلوك، او التعارض بين النظرية التي تقوم على مرتكز الديمقراطية، وبين الممارسة العملية التي تستند الى الدكتاتورية او الفردية في اتخاذ القرار وهذا البحث يحاول ان يسلّط الضوء على هذه الظاهرة، من خلال عدة محاور منها ما يرتبط بوجود الظاهرة ومظاهرها، وكذلك بالعوامل التي خلقتها، فضلاً عن النتائج المترتبة عليها.

ويجدر الاشارة الى ان البحث يحاول اعطاء سمات عامة لهذه الظاهرة التي تتواجد في الاحزاب السياسية العراقية، مثلما تتواجد في باقي الاحزاب في العالم النامي، فهي ظاهرة ليست لها طبيعة خاصة بالحياة السياسية العراقية الاّ في بعض اسبابها.

 

المحور الاول: الازدواجية في الاحزاب السياسية.

يمكن القول ان الاحزاب ذات الطبيعة الايديولوجية لابد لها من ان تتمسك بها لأنها منبع الاهداف التي يتطلع الحزب الى تحقيقها، فضلا عن ان الهدف يمثل الدافع وراء الترابط الاجتماعي المنظم الذي يدفع باتجاه تشكيل الحزب، ومثلما تشكل الاهداف الوحدة الخاصة التي يرتكز اليها الحزب في وجوده، فانها تمثل عنصر الاستمرار والدوام(1) اذ ان الاختلاف حول ماهيتها او آليات تحقيقها يدفع بالجماعة الموحدة الى الاختلاف وربما الى فض الحزب او انقسامه الى احزاب اصغر منه، وكذلك الحال فان تحقيق اهداف الحزب عند توليه السلطة يجعل من امر وجوده محل اشكال، ولهذا نجد ان الاحزاب تصنع لها اهدافا ستراتيجية تحتاج الى عمر اجتماعي طويل من اجل التحقيق.

والاحزاب السياسية بوصفها ظاهرة اجتماعية فيها جانب متغير وهو مجموعة الافراد المنتمية اليها، فانها قد تصاب بامراض معينة، لعل من ابرزها ما يعبر عنه بالازدواجية السياسية وهي ظاهرة تكاد تخلو منها الاحزاب، اذ هي تقابل المبدئية وان العلاقة بينهما عكسية، اذ كلما ارتفعت المبدئية في سلوك قيادة وجماهير حزب ما، كلما قلت ظاهرة الازدواجية السياسية والعكس صحيح.

وطبقا لهذه فان منظومة الروابط التي تحكم علاقة قيادة الحزب بالاهداف تأخذ في هذه الحالة صفة المعيارية.

وتنبع هذه الظاهرة في بعض جوانبها من:

اولا: التباين بين النظرية والتطبيق.

ثانيا: التباين في النظام الداخلي لا سيما ما يرتبط بالوسائل.

ولكي تتضح حقيقة الازدواجية التي تعاني منها هذه الاحزاب ـ على الاقل ـ ما يرتبط بالديمقراطية وما يقابلها من ديكتاتورية، اجد لزاما عليّ ان اشير ولو باختصار الى هذين الآمرين.

 

اولا: التباين بين النظرية والتطبيق.

ان اغلب الاحزاب السياسية ـ لا سيما التي تنهج الاسلوب السلمي للوصول الى السلطة ـ في ظل التعددية والانتخابات ـ تؤمن في نظامها الداخلي بالديمقراطية أسلوباً للوصول إلى الحكم والمشاركة ضمن اطار التعددية الحزبية، واحيانا حتى عندما لا توجد احزاب منافسة لها في الساحة السياسية فانها تتبنى الديمقراطية.

وانطلاقا من تصور هذه الاحزاب للعلاقة مع الجماهير عند تولي السلطة او عند المعارضة، فانها تتبنى في اطار العلاقة التنظيمية داخل الحزب معايير ديمقراطية كاعتماد مبدأ الاكثرية في اتخاذ القرارات داخل الحزب، والمشاركة الفعّالة للقاعدة في هذه العملية تحت مسميات متعددة منها (النسخ النازل والنسخ الصاعد) واعتماد مبدأ القيادة الجماعية في بعض الاحزاب، او اعتماد مبدأ الاكثرية داخل مؤسسات صنع القراركالمكتب السياسي وغيرها، وبغض النظر عن التباين في المفردات ذات الدلالة على المشاركة وعدم التفرد في العمل الحزبي كالشورى والديمقراطية واللامركزية وغيرها(2) فان الممارسة العملية تنتهي الى الدكتاتورية من خلال شخصنة القرار في أغلب الآحزاب.

وربما يكمن وراء هذه الحالة ما تتصف به طبيعة التنظيم الحزبي في الدول النامية من السرية التي تكون في جانب منها ثمرة العلاقة السلبية بين المعارضة والسلطة، بحيث تبقى هذه السرية تعمل حتى تستلم السلطة، خلافاً للأحزاب في الدول الأوربية التي يسلط الأعلام الأضواء على أي قضية خلاف تحصل داخل الحزب(3).

 

ثانياً. التناقض في الوسائل:

تعتمد الأحزاب اساليب معينة للوصول الى اهدافها، وهذه الأساليب فيها من المرونة لكي تستوعب الظروف المتغيرة، ولكن كثيراً ما يحصل التخلي عن هذه الأساليب واستبدالها باساليب اخرى ذات صفة فردية او شخصية، تلغى المبادئ الديمقراطية في التعامل مع القضايا الداخلية(4).

 

وتنتهي الأحزاب السياسية في ممارستها هذه الى الدكتاتورية، التي تكون عاملاً من عوامل هدم الحزب واختزاله بالقائد او القيادة واحياناً تتحول هذه القيادة الى قيادة عشائرية او طائفية واحياناً عائلية تبعاً لقوة شخصية الزعيم، مما يفقد الحزب صفة التنظيم ويدفع بآلية الربط بين القيادة والقواعد الى الأختزال واحياناً الضمور والتحول الى أداة تنفيذ، بدلاً من ان تشارك في العملية الحزبية والحركة التنظيمية للحزب.

وفي ظل هذين المنبعين للأزدواجية تبرز مظاهر للتعارض على المستويين المذكورين تمثل علامات بارزة على الدكتاتورية الحزبية او ما يعبر عنها بالأوتوقراطية.

1.  استمرارية القيادة مدى الحياة

ان المدقق للأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية يجدان اغلبها يتبنى المنهج الديمقراطي في اختيار القيادة، اذ يتم ذلك عن طريق المؤتمر العام الذي يضم الأعضاء في الحزب على وفق شروط ومواصفات محددة، ولكن عند التعمق في البحث حول هذه الضاهرة يجد انها تنتهي الى ما اسماه احد الباحثين(5) بالأوتوقراطية الخفية.

ومن بين الظواهر التي تدلل على الأبتعاد عن المنهج الديمقراطي هو دوام القيادة واستمرارها مدى الحياة، وتعطى التبريرات لمثل هذا الأستمرار عن طريق ابراز شخصية القائد على انها كارزمية، اواخفاء الصبغة الديمقراطية الشكلية في عملية الأختيار، في حين ان الواقع يثبت ان الأساليب غير الديمقراطية كانت وراء دوام هذا القائد، فالديمقراطية تفترض الأختيار على اساس الأرادة الحرة للمختار، ولكن الواقع يثبت ان عملية الأختيار المستمر للقائد تتم وفق صيغ واساليب تتعارض مع الجو الديمقراطي الذي يؤمن به هذا الحزب او ذاك(6).

ان الطريقة المعتمدة تقوم إما على أساس اكراه الشخص على ابداء رأي يتعارض مع قناعته، او تقليل مساحة العناصر الرافضة لوجود الزعيم، او اعتماد صيغ الترغيب لكسب قناعات الاخرين وتكوين اغلبية مزيفة تسهل عملية بقاء القائد على رأس القيادة.

ان منطق العمل الحزبي يقتضي ان يكون هناك مراجعة لمواقف وربما لافكار اتخذت في الماضي طالما ان العمل يتحرك وسط بيئة اجتماعية محكومة بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية واحيانا للبيئة الخارجية تأثير على تكوين الشخصية القيادية مما يتطلب تفعيل دور القيادة البديلة التي لها القدرة على النهوض بواقع العمل الحزبي وربما من اسباب التداول في الإفادة من الامكانات الذاتية للاحزاب في تحقيق مصالح الشعب وهذا الامر ينطبق على تبني المنهج الجماعي في القيادة.

ان هذه الظاهرة تختزل الديمقراطية بالعلاقة مع الاخر الخارجي (اي خارج الحزب) وقد توّلد فيما بعد ارضية صالحة للديكتاتورية الخارجية (اي في التعاطي مع الاطراف الاخرى عندالوصول الى السلطة بل وحتى في اطار العمل المشترك في مرحلة المعارضة.

كما ان هذه الظاهرة قد تؤول في ما بعد الى شخصنة القيادة واختزال القيادة الجماعية بالقائد وان اخذت عناوين متحركة ومسميات متعددة مثل المكتب السياسي او شورى الحزب والمؤتمر العام وغيرها.

2. شخصنة القيادة.

تدور اغلب الاحزاب ذات الطبيعة الدكتاتورية في القيادة حول مفهوم (الرمز) الذي يشكل عمودا مهما من اعمدة الدكتاتورية حتى وان انتخب بالطريقة الديمقراطية.

ان الرمزية في العمل الحزبي تنبع من ادراك احد الاشخاص بانه يتمتع بمؤهلات تجعله قادرا على تحريك الحزب فكرا وسلوكا بما يحقق اهدافه ولكن اذا كانت القضية تصلح في المرحلة الاولى من الرمزية فانها ستقود فيما بعد الى قناعة الشخص القائد بانه الحزب وهكذا فان الشخصيات تختزل الجماعة في الفرد وهو امر يشكل خطورة كبيرة على مفهوم الحزب الذي يفترض ان الفكر والهدف هما محور الوحدة وليس شخص القائد(7).

ومن الاثار السلبية لهذه الظاهرة تحّول الشخص (الرمز) من وصف المسؤول الى وصف المعيار بحيث يصبح الولاء له ولاءّ للحزب والابتعاد عنه ابتعاداًعن الحزب في حين ان القضية معكوسة يصبح فيها القائد خاضعاً لمبادئ الحزب وقيمه وليس حاكماً عليها.

ومن الأثار السلبية الأخرى في هذه الظاهرة بما يعود بالضرر على الأسلوب الديمقراطي  تهميش القيادة عند صنع القرار، وعندها تصبح امام ثلاثة خيارات اما الرضا بالتبعية للرمزاو الثورة عليه واقصائه او الأنفصال عن الحزب، وعادة ما تكون الخيارات منحصرة من الناحية الواقعية بالأول والثالث، لان الخيار الثاني وان كان من الناحية النظرية ممكناً إلا ان الرمز وبحكم تاثيره سيكوّن حاشية لها القدرة على الوقوف بوجه اية حالة تهدف الى الخروج من التبعية للرمز.

وربما يبرز في الوسط الحزبي لاسيما في الكادر المتقدم مَنْ يرفض رمزية شخص ما، وعندها تبدأ حملة تصفيات في الوسط المتقدم للحزب بدعوى الخيانة للمبادئ والمؤآمرة والعمالة لجهة ما اذا كان الحزب في السلطة، او تعمد الى حملة تشهير أعلامية ضده اذا ما حاول ان يتخذ موقف من الرمز المفروض(8).

وفي هذه الحالة يتحول الحزب من اداة للوحدة والتنظيم الى مؤسسة أمنية تعمل لصالح الرمز، وهي في هذا المجال تعمل على تأليه الرمز وتسطيح وعي القاعدة وربما الكادر المتقدم ضمن خطة مدروسة لتأكيد صحة نظرية الرمز، وصحة توجهاته الفكرية والسلوكية وخلق حالة التبعية عن قناعة واقتدار.

ان الحلقات الرئيسة في الحزب يمكن عدها ثلاثاً، الأولى حلقة القيادة والثانية الحلقة الوسطى بين القيادة والقاعدة، في حين ان الحلقة الثالثة هي حلقة القاعدة، وفي الحالة الرمزية يتم تكثيف العمل على الحلقة الوسطى، على اعتبار ان حلقة القيادة تمتاز بالضعف والتبعية، والحلقة الثالثة تمتاز بقلة الوعي السياسي وربما الفكري وهي ليست طموحه ـ على الأقل ـ للوصول الى مراكز القيادة في المرحلة التي تتحرك فيها.

وفي اطار حركة الرمز على الحلقة الوسطى يمكن ان نرصد انها تمر بمرحلتين الأولى السيطرة الجزئية على الانتخابات من خلال تبني مبادئ الحزب الخاصة بالديمقراطية في اختيار قيادات الحزب العليا والوسطى والدنيا ولكنها تحوّل هذه الانتخابات الى حالة صورية من خلال اساليب الترهيب والترغيب وكذا حالة التزوير التي تحصل فضلاً عن خلق حالة الاستقطاب والمرحلة الثانية الغاء الانتخابات واعتماد صيغة التعيين وعلى كافة المستويات.

3. تعدد القيادات.

ان العلاقة التنظيمية تقوم على ظوابط يحددها النظام الداخلي للحزب وتفترض وجود آلية تواصل بين القيادة الحقيقية للحزب وباقي المستويات الحزبية وتساهم هذه المستويات في اختيار القيادة عن طريق الانتخابات الذي يحصل عادة في المؤتمرات الخاصة بالحزب.

ولكن تظهر في بعض الاحزاب السياسية النزوع نحو هيمنة الاقلية على الاكثرية وتجاوز المبدأ الديمقراطي والتحول باتجاه الدكتاتورية والتي لا تأخذ صورة الفرد وانما صورة تضخيم دور الاقلية في القيادة على حساب الاكثرية(9).

وهذه الحالة تعتمد الصيغ الديمقراطية في الوصول الى القيادة (اي الانتخابات) ولكنها عند الممارسة تحاول تجاوز المبدأ الجماعي في اتخاذ القرار او التوجه من خلال سيطرة الاقلية على الاكثرية وهذ السيطرة ناجحة من ما يتمتع به هؤلاء الاعضاء الذين يشكلون الاقلية من نفوذ على بقية الاعضاء  او ما يملكونه من كفائة ودراية في الامور السياسية وعندها تكون سياسة الحزب وبرامجه وتصاغ من قبل الاقلية وان تعلن على اساس انها اراء القيادة الجماعية.

ولعوامل معينة وظروف خاصة أثر في بروز هذه الظاهرة منها الرغبة الانسانية في السيطرة والهيمنة على الاخر والتي لم يستطع الحزب ان يخفض منها في نفس بعض اعضاء القيادة اذ ان نمو الذاتية سمة الانسان في المراحل الحضارية كافة وعندما لا يكون للقيم الحزبية التي تنزع نحو الجماعة تاثير كبير كما ان تاريخ الانتماء هو الاخر يوفر خبرة متراكمة تجعل له سطوة وهيمنة تفرض حضورها على الاعضاء الجدد إذ شاع في الادبيات الحزبية مصطلح القادة التاريخيون واحيانا تتيح الفرص لبعض الاعضاء ان يتزودوا بالخبرة والكفاءة نتيجة الممارسة مما يسهل خلق عملية التبعية داخل القيادة مما يعطل الاداء الديمقراطي للحزب ويخلق حالة وسطية بين ديكتاتورية الفرد والديمقراطية تتمثل بالدكتاتورية الاقلية داخل القيادة الحزبية.

كما ان هناك صورة اخرى تعطل العمل الديمقراطي في الحزب ولكنها لا تكون من التأثير الداخلي لبعض اعضاء القيادة وانما من تأثير عوامل خارجية (اي خارج القيادة) وقد تكون مرتبطة بالحزب او من خارجه اذ ان من الواضح ان الاحزاب الشعبية تحتاج في حركتها الى القاعدة الشعبية والدعم المالي ولذا نجد ان اصحاب رؤوس الاموال وكذا النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني لها تأير على قرارات قيادة الحزب المعين مما يسلب اعضاء القيادة الارادة الحرة في اتخاذ القرارات وهو امر يتنافى مع الطابع الديمقراطي لعملية اتخاذ القرار.

وقد يكون للجانب المالي اثر كبير في خلق او دعم نزعة التفرد لدى عضو معين او اعضاء داخل القيادة لان عنصر الديمومة للحزب خاضع لحركة هذا الطرف او ذاك في الجانب المالي.

وقد يكون للموقع الاجتماعي اثر في بروز عنصر معين في القيادة اما بالتعيين وهذا يناقض الخيار الديمقراطي في اختيار القيادة او له الهيمنة لاسيما في ظل سعي الاحزاب لاستقطاب اوسع قاعدة جماهيرية في الانتخابات مما يعني تجاوز الظوابط التنظيمية والمواصفات المطلوبة في العضو القيادي وهذا يدفع في المستقبل الى صعود عناصر لا يتوفر لديها الوعي التام بمبادئ او لاتتوفر لديها الحصانة الفكرية والممارسة العملية اللتان تمنعان الشخص من التوجه في الفكر والسلوك نحو الديكتاتورية في المستقبل.

 

4. الغاء او ضعف مشاركة القاعدة في صنع القرار:ـ

هناك اطر تنظيمية داخل الاحزاب الجماهيرية تجعل من القاعدة تساهم في عملية صنع القرار وتعطي للقرار قابلية للتنفيذ اكثر مما لو صدر من القيادة وهذه الاحزاب وان كانت تؤمن بضعف وعي القاعدة ولكنها مدركة ان الاخيرة يمكن ان تساهم فيما يسمى بمدخلات القرار اي المواد الاولية التي تدخل في صناعته ثم ان المخرجات تعود امر التحكم فيها واخراجها الى القيادة(10).

ولكن عند التحليل المعمق لمسيرة الاحزاب وارتباط القيادة  بالنظام الداخلي نادرا ما نجد ان هذه الاطر التنظيمية تكون فاعلة اذ غالبا ما يتم تجاوزها بدعوى الضرورة الزمنية (اي الحاجة الى سرعة اتخاذ القرار) او السرية واحيانا قلة المعرفة بمجريات الحدث ولكن في حقيقة الامر ان عملية التجاوز هذه تصب في خانة الاستبداد والتهميش للقاعدة وتنحو باتجاه الدكتاتورية وفي بعض الاحزاب يتم التشديد على (الانظباط الحزبي) اكثر مما يتم التعامل مع ظاهرة مشاركة القاعدة في توجيه مسار الحزب وحركته الجماهيرية بل ان بعضها يتحدث في ادبياته الحزبية صراحة عن هذا الالغاء المتعمد من خلال اعتماد اسلوب (نفذ ثم ناقش) اي ان عملية الاعتراض والمناقشة تأتي بعد مرحلة التنفيذ وهو مبدأ يحمل في ذاته بعض الامراض الحزبية التي سوف تدفع باتجاه الانشقاق منها خلق حالة من الازدواجية لدى عضو الحزب من خلال عدم قناعته بالامر الصادر إليه من جهة وسعيه للتنفيذ من جهة اخرى.

كما انها تحول اعضاء الحزب فيما بعد الى اجهزة تنفيذية تساهم في عزلة الحزب عن الشعب واحيانا عن جماهيره كما ان هذه الظاهرة تساهم ايضا في النزوح الى الدكتاتورية من قبل الأعضاء عند تولي القيادة فيما بعد.

والغريب في حركة بعض الاحزاب انها بدلا من أن تلجأ الى تصحيح هذا الخلل تعمد الى عدِّه معيارا للانتقال في السلم الهرمي للحزب اذ كلما كان العضو اكثر انصياعا لمبدأ (نفذ ثم ناقش) كلما كان اكثر اخلاصا وولاءً للحزب بنظر القيادة في حين ان الواقع يثبت انه اكثر ضررا على مسيرة الحزب من غيره.

وزيادة على هذا فان هذه الظاهرة تساهم في خلق القيادة المتفردة فيما بعد من زاوية اخرى اذ تعمل هذه المجاميع على ايجاد التبريرات لاخطاء القيادة بدعوى الوعي بالموضوع مما يضفي فيما بعد صفة الايجابية على حركاتها ومواقفها وهذا بحد ذاته يساهم في خلق ظاهرة التعالي الفكري التي يمتاز بها بعض اعضاء القيادة لينتهي فيما بعد الى الرمزية او الشخصية في القرار.

5. انعدام او ضعف المراقبة الذاتية:ـ

ان العمل الحزبي شأنه شأن اي نشاط انساني عرضة للاخطاء المتعمدة وغير المتعمدة وفي الوقت الذي يعدُّ العقل ان الاخطاء تمثل احد جوانب التجربة التي ينبغي للحزب ان يتعامل معها في اطار الإفادة منها في المرحلة القادمة فان الواقع العملي يشيرالى تجاوز المبادئ التي تنظم عملية الاصلاح الداخلي كمبدأ الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الاحزاب الاسلامية والنقد الذاتي في الاحزاب العلمانية.

وتتم عملية القفز على هذه المبادئ من خلال عدة وسائل منها اشاعة ثقافة حزبية تعمل على تعزيز العلاقة البينية باتجاه تعالي القيادة فكريا عن القاعدة واحيانا تعمدالى تبني هذا المبدأ في الحلقات الدنيا ولاتجرؤ الحلقات الوسطى على التعامل بايجابية مع القضايا التي تشكل نقاط خلاف واخيرا تعمد الى تكميم الافواه تحت دعاوى مختلفة.

وتستغل الاحزاب في السلطة ام في المعارضة الظروف غير الاعتيادية التي تحكم علاقتها مع الاخر لتبرير تعطيل هذا المبدأ (بحكم الظغوط السياسية وهذه الحجة ـ وان كانت صحيحة في بعض الاحيان ـ الا انها تتحول كأنها حالة طوارئ تحكم حركة الحزب باستمرار من ناحية ومن ناحية اخرى وان كانت فيها منافع مؤقتة الا ان اثارها السلبية تظهر في المستقبل بحيث تكون اكثر من المنافع الانية.

ويمكن ان نلاحظ من زاوية اخرى ان تفعيل هذا المبدأ يؤدي الى جوانب سلبية في حركة الحزب، لاسيما اذا كان الأهتمام منصباً على اخطاء طرف معين في القيادة، وغض النظر عن اخطاء الطرف الآخر مما يدفع باتجاه هيمنة احدهما على الآخر أو إزاحته من مواقع القيادة بما يؤمن لأحد الأطراف فرض آرائه وتوجهاته على بقية الأعضاء، بما يعزز النهج الدكتاتوري او التسلطي داخل القيادة.

ومن الواضح ان هذه الأزدواجية التي تظهر في هذه النقاط لها اسبابها، والتي يمكن ان نتحدث عنها بأيجاز ضمن المحور الآتي.

 

المحور الثاني: اسباب الظاهرة

ان تحليل هذه الظاهرة اجتماعياً يكشف عن وجود اسباب وراء ظهورها، وان تشخيص هذه الأسباب يساعد في التقليل من مخاطرها ويساهم في احتوائها، والأنتقال بالعمل الحزبي في العراق الى مرحلة العمل الطوعي الذي يتحرك على ضوابط ديمقراطية حقيقية، وهذه الأسباب يمكن الأشارة اليها بأيجاز وعل النحو الآتي:

 

اولاً.  طبيعة الأنسان

من الواضح ان الأنسان كائن ذو خصائص متناقضة،اقتضتها طبيعة المهمة المكلف بها والتي تستبطنها عملية الخلق، ومع هذا فأنَّ هذه الخصال قابلة للنمو والضمور طبقاً للنظم الأجتماعية والقيمية والفكرية السائدة في مجتمعٍ ما، وربما من بينها العمل الحزبي الذي يفترض تنازلاً من الذات لصالح المجموع من اجل تحقيق اهداف تعود بالنفع على الكل بما فيهم الذات.

ان الملاحظة العملية لسلوك الفرد تؤشر ان الطابع الفردي هو الذي يحكم سلوك الفرد منذ الطفولة، اذ يحاول ان يتمحور في شخصيته حول الذات، انطلاقاً من غريزة حب الذات التي تمثل الدافع الآول والأساس وراء حركة الفرد، ومن بين ما تتضمنه من غرائز فرعية حب الهيمنة والتسلط على الآخرين، ولذا نجد ان الأنسان في اطار العمل الحزبي الذي لم ينضج لديه الوعي بالآخر او لم يتحول هذا الوعي الى مثير باتجاه الفعل الجماعي(11)، يبقى مهما بلغ من المستويات القيادية يتحرك في دائرة (( الفردانية))  بل ويحاول اثبات الذات عبر سلسلة من الممارسات، وقد يكون عبر أيحاء موهوم للآخر بانه يمتلك مؤهلات القيادة الناجحة ومن هنا نجد ان الزعامة والرمز تظهر في المجتمعات ذات الطابع القبلي او التي لازالت تدور في إطار الثقافة الهابطة.

وتساهم عوامل اخرى في تعزيز هذا السعي نحو التفرد والزعامة منها حاجة الأمة الى قائد تلتف حوله لاسيما في الأزمات، فضلاً عن التاثير الأعلامي الذي يساهم في صنع البطل او الرمز، اذ لازالت مفردات الأبوة والقيادة والرعاية تتردد في الأعلام الرسمي والحزبي.

 

2. طبيعة الثقافة السائدة

ان الثقافة السائدة في مجتمعاتنا تساعد على خلق الأستبداد والدكتاتورية، ولاتتفاعل مع مفاهيم المشاركة والتعددية، لاسيما في بعدها السياسي، وهي ذات عمق تاريخي تدفع ببعض الباحثين الى وصفها بالأصالة ويحاول جاهداً الى ايجاد المبررات لتبنيها والدفاع عنها، فهي ثقافة تدور حول الفرد، من خلال التركيز على((البطل)) الذي يمثل سمة اساسية من سمات الثقافة السياسية والتاريخية العربية، فالشخص الذي ينتصر لقضية ما، مهما تكن دوافع الأنتصار يمثل بطلاً في المنظور الشعبي والأعلامي والسياسي، بغض النظر عن آلآف الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب والأمة، فهناك من الأفراد الذين توجوا في المأثور العربي بالأبطال ولكن عند قرآءة سيرتهم تجدهم من أكثر الحكّام جرماً بحق الشعب والأمة، بل أساءُوا الى المبادئ التي يتحركون في ضوئها.

كما ان الثقافة السائدة تتمحور حول الراعي والأب، فالحاكم راعٍ للأمة حتى ان تعبيرات الرعية لازالت تتردد في أدبياتنا السياسية، ومن الواضح ان مثل هذا التعبير يؤشر ضعف وجود الأمة مقابل الحاكم، لان الراعي يمتلك العلم والحكمة في تدبير امور الرعية، يضاف الى هذا، ان هناك ثقافة تلغي المشاركة السياسية للأمة فالتاريخ العربي والأسلامي قام على اساس حكومات فردية مستبدة ّومتعفّنة، بل ان حكّامنا كان البعض منهم لم يبلغ الحُلـُم ومع هذا فهو حاكم ويتولى تدبير الأمة، وان الأمة لاحق لها بالتغيير حتى ولو كان سلمياً بل عليها الإذعان والطاعة، لان في الخروج على الحاكم الجائر فتنة، والفتنة اشد من القتل(12).

وزاد بعضنا على استبداد الحاكم وتسلطه بأن اوجد له التبرير الشرعي حتى ظهرت لنا شرعية امارة المتغلب، وصاحب الشوكة وغيرها من المصطلحات التي تلغي حق الأمة بالمشاركة في توجيه مصيرها.

وفي ذات السياق تأتي حداثة تجربة المشاركة الفردية أو الجماعية في صُنع القرار بالنسبة إلى السياسين او الحكومات، فاغلب الأنظمة الديمقريطية في العالم العربي والأسلامي ومنها بلدنا قامت على اساس الديمقراطية المشوهة التي تصادر في النهاية حق ابداء الرأي او حق الرفض والمعارضة بدعاوى الحفاظ على النظام ووجود تهديدات خارجية بل وقد تبادر الأنظمة الديمقراطية في عالمنا العربي والأسلامي الى اعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية عندما تجد انها في مأزق مع الجماهير.

 

3. وجود شخصية قوية

يتفاوت الافراد في الامكانات والمؤهلات. اذ قد يفرز هذا التفاوت شخصية قوية مقارنة بالشخصيات القيادية الاخرى مما قد تكون جذّابة للاخرين بحيث تتمحور حولها حركة الباقين، ويدفع من ثم الى تهميش الاخر او خلق تبعية في القرار وهذا سيلغي مبدأ الديمقراطية الذي تؤمن به الاحزاب في عملية صنع القرار.

وقد تكون لهذه الشخصية عوامل قوة متعددة فمنها ما يرتبط بنسبة الولاء له الناجم من الانتماء الى ذات المجموعة التي ينتمي اليها صاحب الشخصية القوية فكلما ازادت نسبة الولاء بالقياس الى الافراد الاخرين كلما كانت الحركة اقرب الى الفردية منها الى الديمقراطية.

وقد يكون للعامل المالي أثر كبير في خلق التأثير عندما تنحصر موارد الحزب المالية بهذا الشخص اذ من المعلوم ان المال فضلاً عن الفكر والجمهور عناصر ديمومة الحزب او ديمومة حركته الفاعلة، في حين يمكن ان يكون للمؤهلات العلمية أثر كبير في خلق الفردانية في صنع القرار(13).

وقد تعمل هذه الشخصية القوية على التأثير على الكوادر الوسطية والدنيا بحكم ما تتمتع به من مكانة اجتماعية على وفق المعايير الاجتماعية السائدة في البلد.

واذا ما اضفنا الى ذلك عوامل النفعية والوصولية التي تمتاز بها بعض مكونات الحزب فأنها ستكون عاملاً مساعداً على بناء النزعة الاستقلالية والفردية في عملية اتخاذ القرار. لاسيما في ظل التحشيد الاعلامي والسياسي للحزب وفي ظل انجذاب الشارع الى الشعارات الثورية والانقلابية وكذلك في ظل تدني مستوى الوعي السياسي للامة.

كما يمكن ان نؤشر فضلاً عن هذه الاسباب اسباب اخرى بعضها يرتبط بالوضع الداخلي للحزب، وبعضها الاخر بالبيئة الداخلية والاقليمية والدولية.

 

المحور الثالث: نتائج حالة الازدواجية.

ان الظاهرة الازدواجية في السلوك الحزبي لاسيما فيما يرتبط بالمسار الديمقراطي الداخلي انعكاسات خطيرة على مستقبل وحركة الحزب. اذ يمكن ان تؤشر بعضها على وفق الآتي:

اولا. موت الحزب او عجزه

ربما لاناتي بجديد عندما نقول ان الحزب الذي يتمحور وجوده حول شخص ما من خلال اعتماد دكتاتورية الفرد، او دكتاتورية القيادة، سينتهي عاجلا ام آجلا الى الفشل وربما الى الموت اذ ان موت القائد يعني موت الفكر في جانب منه، والفكر الحزبي لابد ان يتصف بصفة الحركة والتغيير لأنه يعالج ظروفاً متغيرة ضمن ثوابت محددة، بل ان بعض الأحزاب مارست عملية التأقلم مع الواقع حتى في اطار الثوابت كما هو الحال مع الأحزاب الشيوعية الأوربية التي آمنت بالديمقراطية وتخلت عن فكرة زوال الدولة وغيرها من الأمور الأساسية والضرورية في بناء المنظومة الفكرية للماركسية.

وزيادة على هذا فان المنهج الديكتاتوري لن يسمح اما بصورة قسرية او غير عمدية ببروز قيادات فكرية تستطيع ان تسد الفراغ الفكري الذي يتركه القائد، لأنها لاترغب في ذلك، بل عادة ما تخلق قيادة ضعيفة الأرادة، ولكنها قوية من ناحية التنفيذ، وهذا قد يسمح ببقاء الحزب يتحرك على وهج فكر الشخص القائد لحقبة معينة لكنه سرعان ما ينتهي اما الى التقوقع حول الذات او اجترار الفكر السابق رغم ايمانه بعدم قدرته على مواكبة الواقع.

وقد يؤسس النهج الدكتاتوري في القيادة الى اسلوب خاص في التعاطي مع المستجدات يقوم على اساس اعتماد الصيغ ذاتها التي تحرّك فيها القائد المسيطر لأحكام هيمنته على الحزب، ولنا في تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي ما بعد ستالين مثال على ما نذهب اليه.

ان استحضار اسماء الأحزاب التي كانت تدور حول شخصية معينة، وما آلت اليه من فشل في الأداء وتناقص في الشعبية، والعيش على امجاد الماضي يؤكد ان النهج الدكتاتوري والالتفاف حول رمزها، واختزال الحزب فكراً و ممارسة بهذا الرمز سيؤدي حتما الى ذات النتائج التي وصلت اليها تلك الاحزاب.

 

ثانيا: ظاهرة التشضي والانقسام.

ان ظاهرة الانقسام ظاهرة ملازمة للأحزب، اذ نادرا ما نجد حزبا ما ظل يحافظ على تماسكه ووحدته لاسيما في بلدان العالم الثالث التي لم ترتقِ في العمل الحزبي الداخلي الى ممارسة الديمقراطية وقبول الاخر كما هو الحال مع الاحزاب في الغرب.

وعلى الرغم من ان ظاهرة الانقسام الحزبي لها اسباب كثيرة، ولكن يبرز من بينها غياب المنهج الديمقراطي داخل الاطر التنظيمية الحزبية وعدم قبول الراي الأخر والغاء مبدأ النقد الذاتي، اذ ستدفع بعض الأعضاء الى الأنفصال الطوعي عن الحزب وتكوين حزب آخر، وعندها تبدأ المنافسة بينهما، وتستهلك طاقات الطرفين بما يؤدي الى ضعف الأداء الحزبي على الصعيد الشعبي والجماهيري، ولعل تجربة الحزب الشيوعي العراقي في هذا الأطار شاهد حي على هذا المسلك.

وربما تدخل في هذا الأطار رغبة بعض المشرفين على عمل الحزب، المحافظة على جماهير وكوادر الحزب، من خلال اعتماد صيغة الأنفصال عند الأختلاف بين القيادة كما هو الحال مع بعض الحركات الأسلامية التي تشظت الى اقسام وكلها تدفع باتجاه التمركز حول مرجع دين معين، اذ بدلاً من تفعيل المبادئ الخاصة بحل الخلافات الفكرية داخل الحزب واعتماد صيغة القرار الجماعي بانتهاج منهج الشورى في القرار، فانها تلجأ الى قبول انفصال المخالفين وتكوين حزب جديد، في حين ان قوة الحزب تكمن في وحدته وتماسكه وعمق تواجده الشعبي.

ومن الواضح ان عملية الأنقسام الحزبي تساهم في اضعاف الحزب واحياناً موته كما حصل لبعض التيارات الناصرية والقومية في العراق وباقي الدول العربية.

 

ثالثا:وجود فجوة بين الحزب والجماهير.

ان من دوافع انجذاب الجماهير لحزب ما، الاهداف التي يتحرك لتحقيقها وكذلك مقدار ترجمة هذه الاهداف الى سلوك عملي، والحزب الذي يتصف بالازدواجية في علاقة الممارسة بالنظرية سيؤدي فيما بعد الى اكتشاف الجماهير الى هذه الظاهرة، مما تفقد ثقتها به بحيث تحاول ايجاد البديل في احزاب اخرى، اذا كانت الساحة تضم غيره، او الى الانفصال النفسي عنه، بحيث تتركه واعداءه وحده، مما يؤدي فيما بعد الى السقوط نتيجة فقدان الطاقات في المعارك الداخلية اولا، وابتعاد المدافعين عنه جماهيريا من ناحية اخرى.

ولا يقتصر الامر عند موقف الجماهير، وانما يتعداه الى المؤمنين باهدافه ومبادئه من اعضائه، اذ ستبقى فيه العناصر النفعية والوصولية والتي تتحرك طبقا لمصالحها الشخصية مما سينعكس ايضا على رؤية الجماهير له.

يضاف الى هذا فأن التوجه نحو الديكتاتورية في الممارسة داخل الحزب يدفع الى ابعاد الجماهير في صنع القرار، مما يجعل من سياسة الحزب وقراراته ذات نفع خاص بدلا من ان تكون موجهة لمصالح الامة، وعندها يفقد الحزب الدعم الجماهيري له، وهذا يدفع في ظل التعددية السياسية الى ضعف مكانته في حالة المنافسة الانتخابية مع غيره، وقد يتحول في الهرم الترتيبي من ناحية حجمه الانتخابي الى اسفله وهذه مقدمة لابعاده من دائرة الاحزاب المؤثرة في عملية صنع القرار السياسي للبلد الى احزاب صغيرة تحاول الائتلاف مع اية كتلة لكي تحصل على مقعد لها في الحكومة المقبلة.   

 

الخاتمة

تبين من العرض السابق ان من الامراض التي تصيب العمل الحزبي في البلدان النامية (الازدواجية السياسية) والتي تكون لها مظاهر خارجية واخرى داخلية، والبحث سلّط الضوء على المظاهر الداخلية لها والتي تتمثل بالابتعاد عن المسار الديمقراطي الذي ينظم العلاقة التنظيمية لحلقات الحزب الدنيا والوسطى والقيادية، اذ تبين ان هذه الظاهرة لها ما يدلل على وجودها من خلال بروز ظاهرة القائد التاريخي الذي يأخذ صفة الزعيم مدى الحياة وما يترتب عليه من بروز فكرة الشخصية الملهمة (الكارزمية) وانعكاساتها على فكر وممارسة الحزب، وكذا هذه الرغبة تمثل عامل دفع باتجاه التمرد على الديمقراطية الداخلية للحزب، وتعمل على تعطيل الأطر الديمقراطية الداخلية كاعتماد الاكثرية في اتخاذ القرار، والانتخاب القيادي الذي يتحول الى انتخاب شكلي بفعل وجود عوامل ضغط تسلب الناخب الداخلي رأيه الشخصي المستقل، او تتحول الى تعيين بفعل الظروف الخاصة التي يمر بها الحزب، وتنتقل عدوى الطوارئ من الساحة الخارجية الى داخل الحزب، وينشط اتجاه الاختراق والمؤامرة داخل الحزب لكي تعطل الديمقراطية الداخلية، ويتحول النقد الذاتي الى مبدأ هدام في نظر القيادة التاريخية، ويُختزل الحزب بشخص القائد وتظهر دكتاتورية الشخص ليعيدنا بدلا من الحق الالهي الذي اختبأت وراءه دكتاتورية الملوك والحكام سابقا الى الحق التاريخي المتمثل بتأسيسه الحزب والارث المعلوماتي والبناء الفكري للقائد او تظهر دكتاتورية الاقلية (القيادة) مقابل الاكثرية التي تتحول الى اكثرية عددية لاقيمة لها من ناحية الصوت والتأثير ويتحول الحزب من عمل جماعي منظم الى عمل فردي تدور الجماعة حوله مما يدفع بالحزب اما الى الانقسام او التلاشي والموت الانتخابي في المستقبل.

 

الهوامش

1. الطعان، د. عبد الرضا،البعد الأجتماعي للاحزاب السياسية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة ،1991ص160.

2. تتبنى بعض الأحزاب الأسلامية مجلساً يسمى شورى الحزب كما هوالحال مع حزب الدعوة الأسلامية وحزب الفضيلة الأسلامي، في حين تشير احزاب علمانية صراحة الى الديمقراطية في برامجها السياسية وانظمتها الداخلية.

3. تعريف بحزب الدعوة الأسلامية، بغداد،2003، ص24.

4. كممارسات قيادات البعث في حقبة حكم صدام داخل المؤتمرات الحزبية.

5. حمادي، د.شمران، الأحزاب السياسية والنظم الحزبية، بغداد، مطبعة الأرشاد، 1975، ص116.

6. هذه ظاهرة قديمة اذ يموت القائد وهو على رأس القيادة في اغلب الدول ذات النظم الحزبية في العالم الثالث.

7. تعود هذه الفكرة في بعض جذورها الفكرية الى الفكر السياسي الأغريقي، فافلاطون طرح فكرة الفيلسوف، والفارابي أيضاًانظر جهاد تقي صادق، الفكر السياسي الأسلامي، بغداد، 1993، ص43.

8. حنّه آرندت، اسس التوتاليتاريه، ترجمة انطوان ابو زيد، بيروت دار الساقي، 1993، ص27.

9. شمران صحاري، م. س، ص118.

10. حزب الدعوة الأسلامية، ثقافة الدعوة، القسم التنظيمي، ص318.

11. إمام، د.امام عبد الفتاح، الطاغية، الكويت، 1994ص117.

12. حول هذه الثقافة والتوجه، انظر ابن تيميه، مجموع الفتاوى الكبرى.

13. يشهد على ذلك، احزاب عراقية حديثة التكوين لها تمويل من خارج البلاد.