ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

المشروع الديمقراطي في العراق

(في سياق المجتمع المدني)

أ. د. قيس النوري

 اولاً: المقدمة:

مازالت الديقراطية تحظي بتأييد كل العالم ولكنها في الواقع لاتمارس إلا في عدد محدود من دوله المعاصرة. ولايخفى ان دول اسيا وافريقيا التي تمثل الأكثرية السكانية تتصدر دكتاتوريات هذا العصر، ومن الأشكاليات التي تواجه الديمقراطية في الدول النامية عجز كثير من سكانها خصوصاً الساكنين في الأرياف والقرى عن فهمها واستيعاب دلالاتها. في ضوء هذه الحقيقة يكون المجتمع المدني في بلادنا المحيط الطبيعي لازدهار الديمقراطية وتغلغلها في مفاصل الحياة العامة. فالديمقراطية كما نفهمها هي مركب حضاري وانساني يتفاعل مع كل عناصر وأنساق الواقع المعاش ويكفل حماية حريات وحقوق الأنسان. وهي بتعبير آخر تشكيلة من القيم والمعايير والرؤى التي ترسم طريق التقدم والسلام وتمنح كل فئات المجتمع فرصاً متكافئة. ولعل ابرز ما تؤديه الديمقراطية من خدمات اشاعتها العدالة والمساواة وتدعيم سلطة القانون ومنع ظهور الديكتاتورية وتعزيز مبدأ الانتخابات كوسيلة لاختيار الكوادر القيادية. وقد برهنت الديمقراطية على انها الصيغة المثلى لتحقيق التعايش السلمي بين فئات المجتمع المتنوعة وتنشيط الحراك الاجتماعي امام كل المواطنين دون النظر لانتمائاتهم المتعددة.

ثانياً:ارتباط الديمقراطية بالمجتمع المدني

من نافل القول ان الحديث عن الديمقراطية الحديثة يكاد يتعذر بدون ربطها بالمجتمع المدني، خصوصا عند توظيف الرؤية التزامنية الى المجتمع المعاصر الذي تغلب عليه التعددية الاجتماعية  social pluralism .

 ويتضح الارتباط العضوي بين الديمقراطية والمجتمع المدني من المؤشرات الاتية:

1. ان نخب ورموز النظام السياسي الديمقراطي ومعالمه الحقيقية تتواجد عادة في العاصمة التي تمثل قلب المجتمع المدني.

2. من جهة اخرى يضم المجتمع المدني معظم المنظمات والمؤسسات الثقافية والفكرية والسياسية والفنية والتجارية والصناعية التي تتبلور مضامينها واهدافها في الاطار الديمقراطي التعددي.

3. تتكرر اهمية المجتمع المدني في تدعيمه للتضامن العضوي organic integration الذي يحتضن التخصصات المهنية والعلمية والخدمية ويحقق توافقها وتكاملها في اطار البنية الديمقراطية الشاملة لهذا المجتمع.

4. يحتضن المجتمع المدني التعددية الثقافية والاجتماعية التي تعبر عن جوهر حياته العامة التي تنظم علاقتها على اساس تكافؤ الفرص والحرية والمساواة لجميع الفئات الداخلة في لعبة التفاعل الديمقراطي.

5. لا ننسى ان المجتمع المدني هو الانموذج المصغرmicrocosm للوطن ما دام يعبر رمزياً وواقعياً عن وحدته الثقافية بكل اجزائها ومشتركاتها واهدافها.

6. يقود المجتمع المدني حركة التجديد والابتكار بعكس المجتمع القروي المحلي الذي يدعم عملية الاحتفاظ .وهكذا  لابد للديمقراطية ان تنمو وتتطور من خلال تفاعلها المتواصل مع الطاقات الابداعية في المجتمع المدني.

7. تستفيد الديمقراطية من قنوات الاتصال المتنوعة المتاحة في المجتمع المدني والتي تنفتح على العالم الخارجي وتؤدي الى تسريع المعاصرة والعولمة.

8. في المجتمع المدني تتعزز مكانة الديمقراطية على صعيد حرية التعبير وتنوع الاراء والاتجاهات الفكرية التي تجسدها الاحزاب والتنظيمات المختلفة وما يصدر من صحف ومجلات ويبث من برامج تلفازية .

9. يعمل المجتمع المدني على تطوير مفهوم الديمقراطية باتجاه المسؤوليات الوطنية والاخلاقية بدلا من حصرها في حقوق الانسان وهو يعمم مشروع الديمقراطية على جميع الفئات المجتمعية بضمنها القرى غير المتعلمة.

 

ثالثاً: منظورات المشروع الديمقراطي

يتجلى تعقيد المشروع الديمقراطي في تعدد منظوراته ورؤاه التي نستطيع تلخيصها في الاتي:

1. منظور الشعارات.

في المرحلة الراهنة السابقة لتاسيس الديمقراطية يتركز الحديث والتفكير على مزاياها وما تنطوي عليه من مبادئ مثالية. ويعني هذا التركيز والتشديد على المثل الديمقراطية جملة امور لعل اهمها الاعداد الذهني والنفسي لجماهير الشعب لتقبل هذه الحركة. ويبدو ذلك واضحا حينما تتكرر الاشارات الاعلامية لما تتضمنه الديمقراطية من حرية وعدل ومساواة وضمان لكرامة وامن المواطنين وتوفير الفرص الحياتية للجميع. لا شك ان ذلك الترويج سيعزز استعداد الجماهير لقبول هذه الحركة. ومع ان هذه المبادئ تمارس بدرجات لافتة في المجتمعات الغربية التي تتبنى الديمقراطية في فلسفتها وسياساتها العامة الا ان معظم دول العالم الثالث تكتفي بترديد هذه الشعارات بشكل دعائي ممل. ويبدو ان غياب الديمقراطية يدفع الحكومات المستبدة الى التعويض الاعلامي وذلك بالتشديد على بعض مفاهيمها المصادرة لايهام الناس بوجودها. ولعل هذا التضخم الاعلامي المكرس لنشر الوهم الديمقراطي لا يخلو من تاثير على عقول اصحاب الميول الرومانسية الذين تسحرهم الكلمات قبل الافعال. غير ان هذا لا يعني تخلي الديمقراطية عن الشعارات في المراحل المتقدمة من تاسيسها .لكن ذلك يتم في اطار ذكر الحقائق السلبية والايجابية وما تنطوي عليه من انجازات واخفاقات بدلا من الاكتفاء بالمبادئ المجردة العصية على التقويم والنقد. ويبدو ان نجاح الديمقراطية في الدول الغربية قد تضاعف من خلال تقليص حجم الاعلام المثالي النابع من الشعارات الجوفاء وتكثيف العمل من اجل نشر الرفاه الاقتصادي والاجتماعي(frankel, 1985,p 307) وهكذا يعني تحول الديمقراطية من مرحلة الشعارات الى مرحلة التطبيقات والانجاز ازدياد قربها من مرحلة الرفاه. وعلى هذا ليس غريبا ان تدعي الدول الغربية بدول الرفاه welfare states

نتيجة لتحولها الى التوجه الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة.

2. المنظور الأيديولوجي.

يختلف هذا المنظور عن سابقه لكونه يحاول ربط الديمقراطية بأيديولوجية معينة مؤكدا ضرورة ذلك الارتباط لنجاح المشروع الديمقراطي. ونظرا لكثرة وتعددية الايديولوجيات السياسية والدينية والثقافية المحلية والمستوردة في المجتمع فان التعصب لاحداها كشرط للديمقراطية من شانه عرقلتها ومن ثم تعثر تنفيذها.

وعلى النقيض من التعصب الايديولوجي الانفرادي الذي يصادر بقية الاتجاهات العقائدية، فان الديمقراطية توفر المناخ لكل هذه الاتجاهات وللفئات التي تتبناها، لكنها تظهر موقفا محايدا منها شريطة ان يتحقق تعايشها السلمي الداعم لاستقرار البلاد وتقدمها. وقد افادت الديمقراطية من تجارب وعثرات كل الايديولوجيات التي مارستها النظم السياسية في المراحل التاريخية المتعاقبة وتوصلت الى صيغة التوافق الديمقراطي الذي يحترم كل الايديولوجيات المجتمعية ويدعم مشاركتها في بناء وتطوير الدولة.

3. المنظور التاريخي.

ألمحنا الى عدم اغفال الديمقراطية لاحداث التاريخ وما وفرته من دروس وعبر خصوصا عن اخطار التناحر الايديولوجي وعن الاهمية القصوى للتعايش السلمي بين تياراته المتعددة. لكن تقدير وتثمين الديمقراطية ينبع ـ بين امور اخرى ـ من نضال الشعوب التاريخي الطويل وما تخلله من تضحيات جسام للتحرر من كابوس الظلم والبطش والاستعباد(Malinowski,1960,pp.3-15.). ولا يستثنى العراق من هذا النضال الذي خاضه شعبه عبر عهود الطغيان والاستغلال، وما صاحبه من تراكم القناعات الوطنية بضرورة تبني الديمقراطية فلسفة ومنهجا وتطبيقا.

     في هذا السياق ياتي المنظور التاريخي عاملا رئيسا في تقوية التطلعات الديمقراطية الى الحياة الحرة الكريمة التي حرم منها الشعب العراقي على الرغم من الغنى الاستثنائي للوطن. وهكذا تسهم الرؤيا التاريخية في انارة احداث الماضي ليستفيد منها في استخلاص العبر وتجنب مواضع الزلل في مسيرتنا الراهنة والقادمة.

4. المنظور الثقافي.

لعل اول ما يطالعنا في المشهد الثقافي العراقي ما يتسم به من تعددية الثقافات الفرعية التي تعبر عن الاثنيات المتنوعة. وتعد بغداد أنموذجاً رائعا لهذه التعددية لكونها ساحة حضارية واسعة تستقطب انشطة هذه الاثنيات الفكرية والفنية والادبية والاجتماعية في ظل الاجواء الديمقراطية الداعمة لها.

ومع تحسن وعي المواطنين في المجتمع المدني بمزايا هذه التعددية تغيرت نظرتهم لها بوصفها مصدر قوة واثراء وانعاش لحركة التقدم الثقافي. ولا نغفل مدى الفوائد التي تتولد من التنوع الثقافي العراقي في المجالات التاريخية والفنية والادبية والفلكلورية والسياحية.

وتنبع رعاية الديمقراطية للتعددية من دور الاخيرة في توسيع القاعدة الوطنية للخيارات الفكرية والمعرفية والعملية. بعيدا عما يفرضه التجانس الثقافي من لقانة التقليد وعقم العادات وغياب تحديات المنافسة. ومن الواضح ان معظم المجتمعات الحديثة تبني خططها الديمقراطية الاجتماعية والثقافية بهدي ووحي من التعددية والتنوع،مستلهمة اهدافها من اعادة تركيب كل ثقافاتها الوطنية المتنوعة.

ومما يعزز غنى التعددية الثقافية العراقية أصالة وعراقة الثقافات الفرعية وكثافة مضامينها المعرفية التي تجعلها مصدرا لاستقراء خطط التنمية والتطوير المستقبلي.

5. المنظور الحضري.

من البديهي ان المجتمع المدني بطبيعته يكون مجتمعا حضريا. ومن المتعذر ان تتقدم فيه الديمقراطية اذا سادته الروح القبلية. وقد يغالي البعض بتبسيط عملية التحضر مكتفيا بعناصرها الاولية التي لا تتعدى اسلوب السكن واللباس والعمل دون العناية بدلالاتها الفكرية والانسانية والذوقية والقانونية والسياسية المتطورة. فاذا وظفنا الرؤية المتكاملة للتحضر بجوانبها المادية والفكرية والنفسية يتضح لنا عمق الارتباط بينه وبين العملية الديمقراطية.

ولا يغفل المثقف العراقي العقبات الكبيرة التي تعترض سبيل الصيرورة الحضرية المتوائمة مع الديمقراطية. اذ لابد ان تؤدي هذه الصيرورة ابتداء الى الانعتاق من التوجه القبلي الرافض للديمقراطية بصورة واعية او غير واعية. ولعل ابسط ما يوصف به هذا التوجه العشائري معاداته للدولة والقانون وتآخي وتعايش الاديان والمذاهب والقوميات، وحرية المرأةومساواتها بالرجل، واحترام الاخر والاعتراف بحقوقه المدنية وغيرها من المواقف.

باختصار تصبح الصيرورة الحضرية المتوائمة مع الحداثة والتقدم اهم الشروط المطلوبة لاستيعاب تفصيلات الديمقراطية وانتشارها في المجتمع العراقي الواسع. فالعقل الحضري المتأثر بمؤسسات وقيم المجتمع المدني يزداد تعاطفا مع الخيار الديمقراطي. اما نمو هذا الانسجام فيتوقف بالدرجة الاولى على ادراك الافراد ما يتبع هذا الخيار من نتائج ايجابية تخدم الفرد والمجتمع. ومن المؤكد ان العراق ومعظم الاقطار النامية تختلط فيها المعايير القبلية (البدوية) والحضرية في صيغ وسياقات لا حصر لها، ما يجعل الطريق امام الديمقراطية صعبا ومليئا بالمطبات والمزالق. ولعل اكثر الصعوبات ظهورا هو تذبذب المواقف والولاءات التي تدل على تداخل المعايير القبلية والحضرية وجنوح السلوك تارة لليمين القبلي وتارة لليسار الحضري ( henry, 1965. pp, 30-37).

 

رابعا: ملامح الديمقراطية

على الرغم أن المضمون السياسي يغلب على مصطلح ديموقراطية، لكنه في الوقت نفسه يتضمن تشكيلة من الشروط التي تبيح للسلطة حقوقا لا تخلو من استخدام القسر والقوة في الحدود المشروعة لحماية الدستور. بمعنى ان الحرية الممنوحة تحت راية الديمقراطية تكون محددة بالتشريعات الصادرة عن ارادة الشعب وهيئاته المنتخبة. ومن هذه الملامح:

1. التاكيد على حرية الفرد.

يحتل الفرد في النظام الديمقراطي الشاغل المركزي الاول، من حيث ان هذا النظام يأتي من خلال ارادة الشعب وفي الوقت نفسه يكون هدفه خدمة الشعب. لذا قد تبدو الديمقراطية بأنها نوع من قلب التاريخ وذلك بانتشال جماهير الشعب من ماضيها الحافل بالظلم والاستعباد الى حاضر يقوم على مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص بالنسبة إلى الافراد والفئات والجماعات. لكن تحقيق هذه الاهداف يستغرق جهدا ووقتا يتفاوت بحسب درجات النضج السياسي للشعوب ومدى تحضرها وتعليمها. لذا لا تكون رحلة الديمقراطية سهلة حالمة بل تتخللها صعوبات وتحديات تجعل سبيلها بالغ الوعورة ( weber, 1958, pp, 15 .71.).

اما تأكيد الديمقراطية على الفرد وحرياته فيظهر في الآفاق والفرص المتنامية المتاحة للأفراد لكي يتنافسوا بصورة مشروعة لأقتناصها. في هذا السياق تختفي الأعتبارات القرابية والدينية والأثنية والعرقية من مسرح التقييم مما يجعل قدرات ولياقات الأفراد وحدها المعيار الذي يحدد حظوظهم في التألق والنجاح والحصول على ما يسعون أليه من أهداف. وهكذا تتعزز وتتسع أهمية الفرد على حساب الجماعة نتيجة للحراك الاجتماعي الديمقراطي الذي يزداد فيه هامش الإنجاز الفردي بينما تضيق رقعة التنسيب والتوارث التي تخنق المبادرات الفردية لأنحيازها للأنتماءات الجماعية المتخلفة.

2. الحداثة الديمقراطية.

من آثار الديمقراطية الليبرالية المعاصرة إحداث تخلخل (Disequilibrium) في بنى المجتمع التقليدية لتحل محلها تنظيمات جديدة تسمح وتعجل بالتغيير الأجتماعي والثقافي. وياتي ذلك نتيجة للتوتر القائم بين الثقافة التقليدية القائمة وبين الترتيبات الديمقراطية الصاعدة التي تضغط على تلك الثقافة. ولعل من المستبعد ان تتوطد الديمقراطية في المجتمع ما لم يسبقها احساس واع بصدمة الحداثة وتأثيراتها مما يمهد السبيل لرواج الديمقراطية بما فيها من توجهات ومبادئ بشكل تدريجي. ولاتفرض الديمقراطية قسراً في بدء دخولها أو تطرح عن طريق التلقين المثالي المجرد، بل لابد من امتصاصها وتمثيلها ذاتياً لكي تحكم فكر وشعور الناس وسلوكهم بصورة عفوية. لكن الديمقراطية لا يمكن ان تعقب الحداثة بشكل آلي. فضلا عن التاثير السلبي لضعف الحداثة على ازدهار حركة الديمقراطية وتعريضها للأزمات المعيقة.

ان تحديث المجتمع يعني تعرضه لتحولات مادية ونفسية بصورة متزامنة. والمقصود بالتحول المادي نقل الاقتصاد الزراعي الهادف لسد الرمق الى اقتصاد تجاري وصناعي، او على الاقل جعله اقتصادا حرا مفتوحاً على مختلف امكانيات النمو. الى جانب ازدياد الدخل الفردي، وتقليص نسبة السكان العاملين في المجال الزراعي وتحويلهم الى القطاعات الانتاجية والخدمية الاخرى، وتحويل مركز الجذب السكاني من الريف الى المدن. وتقليل تحكم روابط مكان الولادة وتصعيد الرغبة في الحراك الجغرافي السكاني عبر البلاد. اضافة الى تنشيط حراكهم العمودي عبر الهرم الاجتماعي القائم على مهاراتهم وخبراتهم المكتسبة من التدريب والتأهل وليس من نفوذ الاهل والوسطاء. الى جانب انتشار التعليم وانكماش الامية واتساع الاتصال ووسائله بين جميع شرائح المجتمع دون ان يبقى اي منها يعاني من الانعزال او المقاطعة(jurdi, 1983, pp. 55-60.).

 

وفوق كل هذه الاثار والمؤشرات المرافقة للحداثة، فأنَّ تأثيرهاالاهم يتمثل في ظهور نماذج من الافراد يبدون مواقف غير تقليدية ازاء الماضي مع تحوير رؤاهم الى الحاضر والمستقبل الى جانب تغير مشاعرهم ازاء انفسهم. من الطبيعي ان تؤدي كل هذه العوامل الى احداث تغيير جوهري في الجغرافية الاخلاقية للمشهد الديمقراطي العراقي. بفضل هذه التعديلات والتحولات سيزداد الوعي بالديمقراطية ويتعمق الشعور بالانسجام والتلاؤم مع استحقاقاتها (Merriam, 1957, p. 207.).

مع كل ما تقدم تبقى الحداثة مفهوما غامضا ومعقدا، خصوصا وان الافراد العصريين في مجتمعنا ليسوا كذلك بصورة خالصة من حيث عدم خلوهم اللاشعوري من الارتباط بالماضي، وضعف حماسهم ازاء تيارات المدنية الجارفة. لكنهم يمتلكون احساسا اقوى بالتاريخ بحكم ثقافتهم الاعمق وآفاقهم الاوسع، ما يجعلهم اكثر ادراكا لتناقضات الماضي والحاضر ومرونة لتحقيق التكيف الذاتي لتيار التحديث.

ولا نغفل عمق الشعور بالمسؤولية ازاء التغيير الذي يطبع شخصية العصريين العراقيين. ولايكفي ان يكتسب هؤلاء المثل المبادئ الجديدة الاتية مع الديمقراطية بل وتنمو مع هذه المثل مواقفهم اواتجاهاتهم النقدية والتحليلية منها ومما يترتب عليها من نتائج ووظائف.

ويتسم هؤلاء المواكبون للتحديث بقوة الالتزام بمحاربة الجهل والامية والخرافة ونشر الوعي السياسي والوطني والمعرفي من خلال كتاباتهم والانشطة المتنوعة التي تنهض بها منظمات المجتمع المدني. والحداثة في بعض دلالاتها تعني تطور ادراك النفس من ناحية الاحساس بالتفرد وازدياد الطموح والاستقلالية الفردية. هذا الى جانب نمو الاستعداد لتحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات بوصفها الاختيار الحقيقي لمؤهلات الافراد، ولعل كل هذا يرتبط بالطبيعة البشرية وتحولها من الأنموذج المحافظ الذي كان مثقلا ومكبلا بقيود التقليد الغابر الى الأنموذج العصري الحديث الراهن بتحدياته وما يتطلبه من روح المغامرة. وهكذا اصبحت الطبيعة البشرية لهذا العصر تشير الى العقلية المجددة المبدعة التي تنأى عن التردد والخوف من المجهول وتبحث عن فرص الانجازات الطموحة التي تتيحها مؤسسات المجتمع المدني والصناعي. لا شك ان ذلك ينطبق على المجتمعات الصناعية الراقية، وقد لا نرى علاماته بغزارة تذكر في العراق اليوم للظروف الحالية الطارئة.

ومن الواضح ان الحداثة في العراق واجهت وما تزال تواجه عقبات وصعوبات كبيرة تعرقل مسيرتها. لكنها واصلت تقدمها البطيء والشاق باتجاه تكوين الطبقة الوسطى والمجتمع المدني. فالعراقيون اليوم اكثر ميلاً للحراك الأجتماعي والجغرافي. وهم يظهرون طموحات إيجابية أعلى، ويبدون رغبة اقوى بعبور الحواجز الطبقية والمذهبية والقومية. ولايملّون من توكيد هويتهم الوطنية العراقية متحدين التلفيقات الخارجية المشككة بذلك. إضافة الى اتساع المجتمع المدني وانتشاره وازدياد منظماته وتغلل آثاره في الشخصية العراقية.

3-الإطار الأجتماعي والأقتصادي.

عندما ندقق في هذا الموضوع نستشف ازمة الديمقراطية النابعة من وعودها بالمساواة بين المواطنين. لكنها تحاول تحقيق ذلك الوعد من خلال الأساليب التقنية والأقتصادية التي تولد كيانات او هياكل عمودية يتجسد فيها التباين الأجتماعي والأقتصادي. قد يفسر ذلك بأنه ينمي الأختلاف في مستويات المعيشة ولكنه من ناحية أخرى يعيد بناء المجتمع على أساس تساوي الحقوق وتكافؤ الفرص امام المواطنين بشكل محايد يخلو من التفرقة بكل اشكالها، وهكذا يبقى الباب مفتوحاً امام الكفاءات الوطنية لكي تحتل مواقعها بدون محاباة اوغبن.

ولاتدعي الديمقراطية بانها تستطيع تحقيق المساواة في توزيع الثروة الوطنية.لكنها نجحت في الحد من التباين الأجتماعي والأقتصادي وجعله خاضعاً للضوابط بدلاً من تركه للعشوائية والأنفلات. علماً بان النظم الديمقراطية لاتترك المعوزين يموتون جوعاً أو ينامون على أرصفة الشوارع بل توفر لهم راتباً يسدون به رمقهم ويسترون انفسهم من التشرد (Sorokin.1957. Pp170-175. ).

4. الجانب الرمزي للديمقراطية.

لابد للديمقراطية من ركائز رمزية تستند إليها وهي تتجاوز إعادة توزيع الثروة والقوة والحقوق. فالمواطنون في اي مجتمع يهتمون برمزيات الكرامة والشرف، وهي وثيقة الأرتباط بقيم ومواقف المجتمع. ولا يقتصر الولاء للحكومة على كفاءتها حسب، بل و مدى سيطرتها وحسن استخدامها للموارد المادية والبشرية. وقد تتضمن منجزات السلطة السياسية تحييدها الشعارات الثورية وتحويلها الى مفاهيم وطنية ذات توجه ديمقراطي. وتزداد المبادئ الرمزية عمقا وتشعبا مع تجذر الديمقراطية في حياة الشعوب وتواصلها التاريخي.

5-التعددية والحرية المدنية.

تستند الديمقراطية بشكل عام الى منجزاتها الكبيرة التي تشكل معالم رئيسة عبر تاريخها الاجتماعي والسياسي. من هذه المعالم في مسيرة الديمقراطيات الغربية المجتمع التعدديpluralistic society والحريات المدنيةcivil liberty ويعد المجتمع التعددي صنفا جديدا من البناء الاجتماعي الذي لم تالفه المجتمعات القروية لعدم انسجامه مع انساقها القرابية التي ترفض استيعاب الاضافات السكانية المفتقرة لرابطة القرابة والنسب. وهكذا تكون الديمقراطية قد نجحت في اقامة مجتمعات تتعدد انتماءاتها ولكنها استطاعت اعادة تشكيلها في نطاق المؤسسات الديمقراطية.

الشيء الاخر الذي تفخر به الديمقراطية هو الحريات المدنية التي اصبحت اداة فاعلة في تدعيم ولاء الافراد للنظام السياسي. ويمتص النظام الديمقراطي بعض الاتجاهات المعارضة للحكومة من خلال توفير قنوات التعبير للجماعات التي تمثل تلك الاتجاهات، وبذلك تخف حدة الصراعات ويبطل مفعولها دون ان تتحول الى عنف مسلح. من هنا تنجح الديمقراطية في ضمان الولاء لها حتى من الجماعات التي ترفض بعض برامج الحكومة ما دامت الخلافات لا تصل الى درجة رفض مبدأ الديمقراطية الذي يحظى بتسليم الجميع.

وتشكل الحريات المدنية الاطار القانوني للنظام الاجتماعي. وتضمن هذه الحريات حق التعبير والكلام للأفراد بالطرق السلمية التي يختارونها ما يمنحهم فرصا للتنفيس عما يريدون وبالتالي يشعرون بالارتياح حتى لو كانوا وحيدين في آرائهم. والحريات المدنية تسمح بحرية اختيار الافراد للجماعات والتنظيمات المطروحة على الساحة السياسية دون خوف من العواقب. ولكون المجتمع الديمقراطي يتسم بالتعددية فانه يتمتع بدرجات عالية من اللامركزية بخصوص ما يتخذ فيه من قرارات. ان هذا النوع من المجتمعات يحمي حق الافراد في الاستقلالية وفي التفرد بأساليب التفكير مما يحفز فرص الابتكار والتجديد.

 

6. الاجماع الديمقراطي.

يتضمن الاجماع الاتفاق او الالتقاء في اعتقاد معين. ومن المؤكد ان الاتفاق لا يخضع للتشريع بل يترك لصيرورة النقاش والحوار وما يمكن ان يؤديا اليه من اشكال التوافق. وغالبا ما تكون التوافقات ذات طابع عملي في النظم الديمقراطية. ويعد مبدأ الاتفاق ركيزة مهمة من ركائز وديمومة الديمقراطية.

 

7. الضبط الديمقراطي.

ان آثار التكنولوجيا تتضاعف في ظل الديمقراطية، خصوصا حينما ننتبه الى علاقة الانسان بالماكنة والآلة التي تقيده وتنمط حركاته. وتزداد هذه الصلة وضوحا حينما تقوم بين الافراد والمنظمات الاجتماعية، وبين المنظمات أنفسها في المجتمعات ذات التصنيع العالي. ويبرز أثر خط الانتاج assembly line في المنظمات الصناعية الكبرى ومدى تحكمها في حركات العمال وتحولها الى عادات آلية لا ارادية.

لقد نجحت الصناعة التي ازدهرت في الدول الديمقراطية في انقاذ الانسان من ضراوة ظروف العمل البدائي وشبه البدائي في المجتمعات السابقة للتصنيع اذ نقلته الى نموذج انتاجي يحميه من الفيضانات وتهديد الحيوانات الضارية والخطرة والعواصف المدمرة. لكنها مع هذا التحول الرائع صادرت قسطا غير قليل من خياراته الحرة والزمته بالآلة التي لابد من التكيف لها والاذعان لاوامرها .وهكذا اصبح الانسان جزءاً فاعلا ومكملا للآلة الصناعية المتطورة وكان لابد له ان يقبل بهذا التقييد مقابل المزايا والمنافع التي وفرها له نظام المصنع الالي.

8. دولة الرفاه .

من سمات الديمقراطيات الليبرالية الغربية البارزة توفيرها مستلزمات الحياة الاساسية وذلك بتقديم الرعاية الصحية والنفسية والغذائية لمن يعجزون عن الحصول عليها لو لا تدخل الدولة. بهذا تكون الدولة قد وفرت خدمة مركبة وبالغة الاهمية بل لا يستغنى عنها آلاف المعوزين.

وتنبع فكرة الرفاه بالأساس من الاخلاقية الديمقراطية القائمة على مبدأ المساواة.ويمكن ان ينظر اليها على انها حصيلة الضغوط الديمقراطية الناتجة من التوكيد الجماهيري لتوسيع مدى الحقوق التي تمنح للمواطنين بخصوص توزيع الثروة وتوفير العيش الكريم لكل من يستحقها. اضافة الى بعدها الاخلاقي الذي ينبثق من كرامة الانسان وضرورة الحفاظ عليها من خلال توفير الرعاية له في صيغة الرفاه الممنوح

 

 

 

References

1-Frankel,chares.1962,the democratic Prospect.,harper&row,newyork

 2- Gerth. H. H.and mills, C. Wright, From Max   Weber, A Galaxy Book, Newyork

3-Henry,Jules,1963,Culture Against Man, Random House, Newyork

4-Jurdi,Nabeel A.1983 Readings In Mass Communication, The Book Shop ,AL-Ain,UAE

5- Malinowski, Bronislaw, 1963, Freedom & civilization, A Midland Book, Bloomington, Indiana

6-Merriam, Robert E..And Goetz, Rachel M.1957, Going Into Politics, Harper And Brothers Newyork

7- Sorokin, P.A.1957, The Crisis of Our Age. A Dutton, Everyman Paperbac