ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

التوجهات القيمية السائدة

في الخطاب التربوي

تحليل مُحتوى كُتُب القراة العربية

للمرحلة الابتدائية في المدارس العراقية

د.محمود شمال حسن

المقدمة:

ينطلق البحث الحالي من راي مفاده : ان انظمة القهر والاستبداد ، تنشغل كثيرا في الاليات المتبعة لحمل الافراد على الطاعة واسكات الاصوات المعارضة . اذ تولي للبعض هذه الاليات اهميةبالغة ، وتاتي قنوات الاتصال في مقدمة الاليات التي توليها اهتماما بالغا انطلاقا من القول القائل ، ان فاعلية القنوات الاتصالية ، ستفضي الى تشكيل اتجاهات الافراد بطريقة تتناسب مع ايديولوجية النظام السياسي ، والمقررات الدراسية ، هي احد القنوات الاتصالية التي يعول عليها كثيرا من ايصال الخطاب التربوي المؤدلج الى المتعلمين . وعلى ذلك ، نقول ، ان المقررات الدراسية تعد وسيلة فعالة للتاثير في اتجاهات المتعلمين ومن ثم تشكيلها بطريقة تتناسب مع توجهات هذا الخطاب ، ولكي تكون المقررات الدراسية وسيلة فعالة في تشكيل اتجاهات  ، المتعلمين ينبغي ان  يكون الخطاب التربوي السائد فيها على درجة كبيرة من الاتساق في الرسائل التي يرسلها الى عموم المتعلمين ، ذلك ان التناقض وعدم الاتساق في ايصال الرسائل الاقناعية ، ستجعل الخطاب التربوي غير مؤثر في تشكيل الاتجاهات المرغوب فيها من جانب الفلسفة التربوية ، ومن ثم سيصرف انتباه المتعلمين عن متابعة رسائله ، وعلى  ذلك فان فاعلية المقررات الدراسية تعتمد بالدرجة الاساس على فاعلية خطابها التربوي. اذ كلما كان الخطاب التربوي فاعلا في ايصال الرسائل الاقناعية الى المتعلمين كان اميل الى تنمية توجهات قيمية تنسجم مع طروحات الفلسفة التربوية وكلما كان الخطاب التربوي ضعيفا في ايصال رسائله ، غدا ضعيفا في تشكيل الاتجاهات المرغوب فيها.

ومن هذا المنطلق ، يتخذ  البحث الحالي الخطاب التربوي موضوعا له ، لما له من تاثير في تشكيل التوجهات القيمية لدى الناشئة .

ان ثمة مسوغات تبرز الحاجة الى البحث الحالي ، وفي هذا السياق نشير الى اهمها:

1 - ان المجتمع العراقي ، شهد حروبا مدمرة في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، ولقد حاول النظام السابق طرح بعض المسوغات التي دفعته الى خوضها وكان من بينها ، الدفاع عن حرمة الوطن ومقدساته والحفاظ على كرامة الانسان العراقي ، ولكي تترسخ هذه المسوغات في اذهان المتعلمين ، ومنهم الصغار ، عمد الى تضمينها في الخطاب التربوي الموجه الى هولاء الصغار ، في محاولة لاقناعهم بالمبادئ التي امن بها الشعب العراقي ، تلك المبادئ التي استثارت  حقد الحاقدين من الاعداء .

وهنا عمد الخطاب التربوي الى اجراء عملية تزييف للوقائع او الاحداث المرتبطة بالحروب وتصويرها على انها دفاع عن الحق وكان الخيار المتخذ في هذه المسالة التصدي للاعداء دفاعا عن مستقبل الوطن .

2 - ومما ترتب على تضمين الخطاب التربوي بوقائع او احداث مزيفة ، حصول تزييف واضح في الوعي الاجتماعي لعموم المتعلمين . بدليل ان جمهور المتعلمين ومنهم الصغار ، وعلى وجه التحديد اخذوا يرددون مقولات اشتمل عليها الخطاب التربوي بطريقة مخالفة للسياق الذي حدثت فيه الاحداث او الوقائع وهذا ان دل على شيء انما يدل على الخطاب التربوي كان مزيفا للوعي الاجتماعي.

3- ومن المسوغات التي تبرز الحاجة الى البحث الحالي ، غياب التخطيط في توزيع الاصناف القيمية المطلوب تضمينها في الكتب الدراسية .مما ترتب على ذلك ضعف تاكيد الاصناف القيمية الايجابية وزيادة تاكيد الاصناف القيمية السلبية ، فضلا عن وجود خلل في توزيع هذه الاصناف عبر المراحل الدراسية ، بمعنى ان صنفا قيميا معينا قد يشيع  في مرحلة دراسية معينة ، ولا يشيع في كل المراحل الدراسية الاخرى، وصنفا اخر قد يشيع في كل المراحل الدراسية ولعل السبب يعود ان لجان التاليف كانت منشغلة بالخطاب الايديولوجي للنظام السياسي اكثر من انشغالها بنوعية التوجيهات القيمية الواجب تضمينها في المقررات الدراسية وبسبب انشغال لجان التاليف بالخطاب الايديولوجي افضى الحال بهذه اللجان ان تقع في جملة من التناقضات ويكفينا في هذا السياق ان نستعرض انموذجا من التناقضات التي وقعت به لجان التاليف.

ان المتتبع للبعد الزمني الذي طرح في المواد الدراسية ولاسيما في المواد الانسانية يجد ان ثمة عدم اتفاق على البعد المفضل بدليل ان بعض لجان التاليف ركزت على الماضي بوصفه بعدا زمنيا مفضلا ، بسبب ان النظام السابق ، كان يركز على الماضي اكثر من تركيزه على الحاضر والمستقبل ، ولا ادل من دليل على ذلك سوى الرموز المستعملة في الخطاب الموجه الى المواطنين واذا ما تفحصنا خطاب الوعظ  والارشاد للنظام السابق نجد انه ينطوي على السيف والرمح والجواد والفارس الذي يمتطي صهوة جواده لنجدة الملهوف وغيرها من الرموز التراثية ، ولجان اخرى مالت الى التوجه في التاليف نحو الحاضر والمستقبل ، ولكن بدرجة اقل من الماضي ، وحتى هذه الدرجة التي سجلت انخفاضا ملحوظا عن  درجة الماضي استاثرت مخاوف الخبراء في هذه اللجان من ان هذا التوجه ربما يفضي الى استثارة ريبة النظام في نواياهم وتوجهاتهم ، لذا كانت الموضوعات التي تطرح في المواد الدراسية انما تطرح بطريقة حذرة بمعنى ان بعض الخبراء الذين اجبروا على الدخول في هذه اللجان لاسباب معينة عملوا بطريقة التقية ، ايثارا للسلامة.

الخلفية النظرية للتوجهات القيمية .

 

مفهوم التوجهات القيمية :

من المفيد الاشارة هنا ،باننا  سنعرف التوجهات اولا ، ثم بعد ذلك نعرف القيم ثانيا ، بقصد تكوين فكرة واضحة عن المصطلح .

يشير التوجه(orientation)  من الناحية اللغوية الى الوجهة التي يسلكها الفرد او انه  يشير الى المكان (1) الذي يقصده ، وبذلك ينحصر التوجه بالمكان او الوجهة . واذا كان هذا المقصود بالتوجه من الناحية اللغوية فما المقصود بالتوجه من الناحية النفسية ؟

نقول بقصد الاجابة عن هذا السؤال ان المقصود بالتوجه من الناحية النفسية ، وجهة النظر التي يتبناها الفرد او الاطار المرجعي (2) الذي يلتزم به عند الحكم على الاشياء المحيطة به او الاحداث الاجتماعية التي يتعرض لها او العلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها مع الاخرين.

واما القيم (values) تعرف بانها ( هدف او معيار حكم يكون بالنسبة لثقافة معينة ، شيئا مرغوبا فيه او غير مرغوب فيه )(3) .وطبقا لهذا التعريف تصبح القيم اما هدف يسعى الفرد للوصول اليه او انها معيار (norm)  اي قاعدة او مقياس يتم الحكم بموجبه على الاشياء المفضلة وغير المفضلة وبذلك نقول ان النمط السلوكي (س) هو نمط سلوكي مفضل استنادا الى المعيار السائد والنمط السلوكي (ص) هو نمط سلوكي غير مفضل ، استنادا الى المعيار السائد ايضا وفي  تعريف ثان يرى ان القيم عبارة عن ( محكاة يتم من خلالها اصدار الحكم على اشياء معيينة بانها اكثر مرغوبية من اشياء (اخرى )(4). وهذا التعريف في الواقع يقترب من التعريف السابق ، اذ اكد ، ان الغاية من القيم هي كونها معيار للحكم ، وفي الوقت نفسه ، تنطوي على المرغوبية وعدم المرغوبية بشيء  ما . وفي تعريف ثالث ، يرى انها ( المعتقدات حول الامور والغايات واشكال السلوك المفضلة لدى الناس توجه مشاعرهم وتفكيرهم ومواقفهم وتصرفهم واختياراتهم وتنظيم علاقاتهم بالواقع والمؤسسات والاخرين وانفسهم والمكان والزمان وتسوغ مواقعهم وتحدد هويتهم ومعنى وجودهم)(5). ان هذا التعريف ينظر الى القيم انها تفضيلات مرغوب فيها يتم من خلالها تنظيم العلاقات الحادثة بين الافراد بطريقة مقبولة ومرضية فضلا عن اضفاء معنى لوجودهم . وان ثمة تعريفات اخرى تكاد تقترب من المعاني التي اوردناها.

واضح ان القيم طبقا لما ذكرناه تعني :

1 - معيار او قاعدة او حكم .

2 - تفضيل لمفاهيم او معاني مرغوب  فيها .

3 - مفهوم او دلالة يتم من خلالها تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الافراد وبالعالم المحيط بهم .

4 - اضفاء معنى لوجود الافراد .

وتاسيسا على ما سبق تصبح القيم معيارا او قاعدة للحكم على اشياء معينة بالتفضيل او عدم التفضيل اذ تنتظم  حولها خيارات الافراد وعلاقاتهم مع الغير ومع العالم المحيط بهم فضلا عن انها تمنحهم شعورا بوجودهم هذا ما يخص القيم اما التوجهات القيمية فنعني بها ، وجهة النظر  او الاطار المرجعي الذي يلتزم به الافراد عند الحكم على الاشياء المحيطة بهم او الاحداث الاجتماعية التي يتعرضون لها او العلاقات التي يرتبطون بها مع الاخرين . وبموجب وجهة النظر التي يتبنونها او الاطار المرجعي الذي يلتزمون به ، يتم انتقاء الاسلوب الحياتي المناسب من بين عدد من الاساليب المتاحة .ولما كان البحث الحالي يعتمد على تصنيف كلاكهون في عملية تحليل محتوى الخطاب التربوي ، فان التوجهات القيمية تعني استنادا الى التصنيف المعتمد وجهة نظر او الاطار المرجعي الذي يلتزم به الافراد ، بهدف تحديد موقفهم من طبيعة الانسان وكذلك تحديد موقفهم من الطبيعة ومن البعد الزمني المفضل ومن نمط الشخصية المفضل واخيرا ، تحديد موقفهم من العلاقة المفضلة بين الانسان والانسان .

 

أهمية التوجهات القيمية :

لقد اصبحت التوجهات القيمية الشغل الشاغل للافراد سواء في المجالس الاجتماعية ام في قاعات الدرس ام على مستوى الدراسات وقد خلص هولاء الى نتيجة ان ضعف التوجهات القيمية السائدة سيفضي الى افساد الحياة الاجتماعية برمتها . وحتى لا نبتعد كثيرا عن الموضوع الذي اثرناه ، نستعرض هنا الوظيفة النفسية والاجتماعية للتوجهات القيمية ، تلك الوظيفة التي تبين اهمية التوجهات القيمية على مستوى الفرد والمجتمع .

 

 1 - تستهدف التوجيهات القيمية بين ما تستهدف المحافظة على التماسك الاجتماعي ، ففي اشاعة قيم تؤكد التعاون والمساواة والتعاطف والتراحم ومساعد الاخرين في وقت الازمات ، فمن المؤكد ان اشاعة مثل هذه القيم بين افراد المجتمع ، سيزيد من التماسك بين فئاته الاجتماعية ، وعلى النقيض من ذلك يزداد المجتمع تفككا وانحلالا، عندما تشيع بين افراده قيم تؤكد قطع صلة الرحم والتمييز والتفرقة والمنفعة الشخصية وغياب العدالة وعدم مساعدة الاخر الذي يقع في محنة او طارئ.

2 - ان النسق القيمي يضفي على الحياة صفة الانسانية ، انطلاقا من القول القائل ان القيم صفة يتميز بها الانسان عن سائر المخلوقات الاخرى ، اذ ان العلاقة بين الانسان والانسان هي علاقة انسانية تستند الى التعاطف والمودة والتراحم والتقدير والاحترام ، اكثر من كونها علاقة تراتبية كما يشيع في ذلك بين الحيوانات . وبذلك فان النسق القيمي يعمد الى انسنة العلاقات بين الافراد .

3 - ان النسق القيمي يحدد طبيعة العلاقات السائدة بين الافراد ، وهذا يعني ان شيوع قيم تؤكد وحدة الجماعة والتسامح ومجاراة النمط الاجتماعي الشائع والعدالة والمساواة والعمل سيساعد على ان تكون العلاقات بين الافراد علاقات تعاونية وعلى العكس حين تكون العلاقات السائدة بين الافراد تنافسية عدائية في حالة شيوع قيم تؤكد الكراهية والحقد والعداء وعدم الاهتمام بالاخرين .

4 - من الضروري للفرد الذي يصل الى مستوى النضج العقلي والاجتماعي والانفعالي والبدني ، ان تكون له فلسفة عن الحياة بهدف تحسس الوجود (6). ومحاولة اضفاء معنى عليه بمعنى اخر: ان تكوين فلسفة عن الحياة تجعلها اكثر معنى فضلا عن ان الفرد يتخذ من الفلسفة التي كونها عن مسيرة حياته الموجه والمتحكم بنشاطاته وحياته وفي توجيه سلوكه ووفقا لهذا الراي تصبح التوجهات القيمية تعبيرا عن الفلسفة التي يتخذها الفرد في حياته .

5 - تعد التوجهات القيمية بمثابة الاحكام او المعايير لتقويم سلوك او بعبارة اخرى ان التوجهات القيمية تعد قاعدة يتم من خلالها تفضيل الاشياء والمفاهيم والعلاقات المرتبطة بالحياة الاجتماعية وهي بذلك تسهم في عملية انتقاء السلوك المقبول اجتماعيا (7). ورفض السلوك الذي لا يحظ بالقبول الاجتماعي .

 

أكتساب التوجهات القيمية :

لابد من التسليم ابتداء بان التوجهات القيمية هي نتاج ثقافي - اجتماعي ، وعندما نقول انها نتاج ثقافي - اجتماعي انما نعني بذلك ان القوى الثقافية والاجتماعية هي المسؤولة عن الصيغة التي تشكل بها .

والسؤال الذي نطرحه هنا ، كيف تتشكل هذه التوجهات ؟

نقول ، بهدف الاجابة عن هذا السؤال ان التوجهات القيمية تتشكل بطريقتين اثنتين ، هما :

1 - آليات التنشئة الاجتماعية .

2 -قنوات التنشئة الاجتماعية .

 

1- آليات التنشئة الاجتماعية :

نعني باليات  التنشئة الاجتماعية العمليات النفسية التي تشتمل على اسلوبين اثنين هما : التوحد والنمذجة .فاما الاسلوب الاول فان التوجهات القيمية تتشكل عن طريق استدخال الطفل التوجهات القيمية للشخص الذي يتوحد معه (8). شريطة ان يكون من الجنس نفسه ، بمعنى ان الطفل يعد هذه التوجهات توجهاته ولا تخص شخصا اخرا وبذلك فان ذات الاخر الذي توحد معه هي ذاته واستنادا الى ذلك فهو يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر بها الاخر.

واما الاسلوب الثاني الذي يتم به تشكيل التوجهات القيمية فهو اسلوب النمذجة (Modeling)  ونعني به ملاحظة سلوك الاخرومعتقداته وافكاره ثم تقليدها فيما بعد (9)ولكي تمنذج  التوجهات القيمية للاخر فان المطلوب انتباه الطفل اليها ، لكي يتمثلها فيما بعد ومن ثم الاعجاب بها والدفاع عنها شريطة ان تتسم افكار النموذج ومعتقداته وتوجهاته القيمية بقدر من العقلانية وان تشبع حاجاته الى المعلومات وان تزيل الغموض الذي يكتنف الموقف كما يجب ان تبتعد المعلومات التي يطرحها النموذج عن التناقض لكي تصبح سهلة التمثل ومن ثم نمذجتها فضلا عن تمتع النموذج ببعض الخصائص الشخصية التي تساعد على تسهيل عملية الاقناع ومنها على سبيل المثال : جاذبية النموذج وجنسه ومكانته الاجتماعية وعمره والحالة النفسية التي يتمتع بها لحظة الظهور ولقد كان لهذه الخصائص الاثر البالغ في تشكيل التوجهات القيمية استنادا الى عملية النمذجة فالنموذج الذي يتمتع بقدر عال من الجاذبية سواء كانت جاذبية بدنية او جاذبية فكرية سيجذب انتباه الاخر الى الافكار التي يروج لها لجعله في النهاية يتصرف ويفكر بالطريقة التي يرغب فيها كما ان المكانة الاجتماعية التي يحتلها النموذج في المجتمع لها الاثر الفعال في اكتساب التوجهات القيمية فعلى سبيل المثال ناخذ التحليلات السياسية الصادرة عن شخصية صحفية او شخصية سياسية تتمتع بمكانة مرموقة في الوسط الاجتماعي بصدد مشكلة سياسية معينة غير اننا لاناخذ بهذه التحليلات عندما تصدر عن شخصية اعتيادية وكذا الحال مع الحالة النفسية التي يتمتع بها النموذج لحظة الظهور اذ تعد من المتغيرات المؤثرة في عملية النمذجة ولكي تنمذج التوجهات القيمية للنموذج فان الامر يقتضي ان يكون النموذج بحالة انفعالية مستقرة في لحظة الظهور لان الاتزان الانفعالي للنموذج سيتيح المجال للفرد ان يكون انطباعاته عن النموذج وهو في حالة استرخاء دون ان يعرضه الى التوتر والانفعال كما ان استقرار الحلة الانفعالية للنموذج يقلل من معوقات الاتصال بدرجة ملحوظة وعلى ذلك فان النموذج سيتمكن من نمذجة توجهات الاخر بطرق مماثلة للتوجهات وهكذا الامر مع بقية المتغيرات الاخرى .

 

2 - قنوات التنشئة الاجتماعية :

نعني بقنوات التنشئة الاجتماعية تلك القنوات التي تشتمل على الاسرة والمدرسة والاقران ووسائل الاتصال الجمعية والدين الذي يعتقد به الفرد والسؤال الذي نطرحه هنا ، كيف تشكل هذه القنوات التوجهات القيمية لدى الفرد؟

ان التوجهات القيمية تبدا بالتشكل في السنوات الاولى من عمر الطفل فهو ياتي الى الحياة لايعرف شيئا عما تعارف عليه الافراد في ثقافته وما ان يبدأ بالكلام والحوار مع الاخرين حتى ياخذ بالخطوات الاولى التي تؤهله للدخول الى فهم العالم المحيط به وما يحكمه من معايير واخلاق ومثل وتقاليد تجعل من الحياة في الثقافة التي يعيش في كنفها وديعة ومسالمة تساعده على النمو لكي يصبح عضوا فعالا في بناء حضارته في المستقبل القريب .

ان عملية فهم الثقافة وما يحكمها من قوانين ومعايير ومثل تقتضي منه ان يكون على اتصال مستمر معها ولعل القنوات المتعددة للتنشئة الاجتماعية تحقق له هذا الاتصال ، وما يدور في الثقافة السائدة .ففي السنوات الاولى تبدا الاسرة بتعليم الفرد الجماعة المرجعية التي يرجع اليها عادة عند تقويم سلوكه ومعرفة ما يدور في عالمه الاجتماعي . والواقع ان هذه العملية اي الرجوع الى الجماعة المرجعية تمكن الفرد من تصحيح مدركاته (10). ومحاولة النظر الى الاحداث والعلاقات والافراد بطريقة متطابقة مع توجهات جماعته  المرجعية ولعل ذلك يلزم الفرد ان يتصرف بموجب توجها تها وان يلتزم بالمعايير السائدة فيها و ما ان ينمو الطفل بدنيا واجتماعيا حتى يبدا بالبحث عن جماعة من الاقران يقضي معها اوقاتا معينة في اللعب وبما ان اللعب ينطوي على قواعد معينة ، ينبغي مراعاتها من المشاركين فان تلك القواعد في اللعب انما هي تهيئ الطفل بطريقة غير مباشرة لقبول معايير الجماعة (11). والاتفاق عليها . وعندما يبلغ السادسة من العمر يدخل المدرسة اذ تتسع شبكة علاقاته الاجتماعية فيجد ان ثمة اطفالا بعمره يشاركونه الصف الدراسي وهناك ايضا راشدون يعلمونه القراءة والكتابة وهناك ادارة مدرسية مما يجعله يراعي القواعد والاداب الموجودة ثم لا ننس الدور الذي تؤديه المقررات الدراسية في تنمية بعض الاتجاهات التي تساعده على تحقيق التوافق مع المحيط الاجتماعي(12).والدين الذي يدين به الفرد يعد من القنوات المهمة التي تسهم في تشكيل التوجهات القيمية واذا نحن امعنا النظر في رسائله الاتصالية الموجهة الى الافراد نجد انها تحض على الالتزام بالقواعد الخلقية العامة ، والدعوة الى التضامن بين الناس (13).وتقديم العون والمساعدة لاولئك الذين يتعرضون الى المحن او الكوارث وكذلك الدعوة الى الخير والتسامح ونبذ الخلافات واشاعة الاحسان الى جانب نشر الرفاهية في المجتمع ولعل تعرض الافراد الى رسائل من هذا النوع سيرسخ لديهم بعض التوجهات القيمة ، ولاسيما التوجهات التي ينسجم مضمونها مع تلك الرسائل شريطة ان يكون ثمة اتساق في المنبهات التي تشتمل على هذه الرسائل فضلا عن استمراريتها وهذا سيفضي الى ترسيخ التوجهات القيمية المطلوب تاكيدها .

ومن قنوات التنشئة التي تسهم بشكل فاعل في تشكيل التوجهات القيمية لدى الافراد : التلفزيون ، ولكي تسهم هذه الوسيلة في تشكيل التوجهات القيمية تقتضي الضرورة ان تحدد نوعية هذه التوجهات على وجه الدقة ليسهل بعد ذلك على المرسل تحويلها الى مجموعة من الصور التلفيزيونية كذلك تقتضي الضرورة ان يحدد المرسل الفئة الاجتماعية المستهدفة ليتسنى له بعد ذلك من مخاطبتها باللغة التي تفهمها فان كان هدفه الرئيس من الصورة التلفزيونية تنمية السلوك الايثاري لدى الاطفال على سبيل المثال فان المرسل سيعمد هنا الى ارسال مجموعة من التنبيهات التي تتناول هذا النوع من السلوك وذلك بالاعتماد على نموذج ايثاري ؟ بهدف  استثارة تعاطف الاطفال فلقد وجد ان تعرض الطفل الى نموذج ايثاري يفضي  الى نمذجة سلوكه الايثاري (14). وفي هذا الصدد ، نشير الى ان احدى الدراسات ، عرضت على الاطفال نموذجا ايثاريا ، يؤدي مهمات ايثارية من قبيل  المشاركة الوجدانية والتبرع الى المؤسسة الخيرية ، وقد تمكن هذا النموذج في النهاية من استثارة الاطفال وحملهم على مشاركة غيرهم من الناحية الوجدانية ، وكذلك من التبرع الى المؤسسات الخيرية (15). هذا يشير حقيقة ان للنموذج اثره في احداث هذا النمط من السلوك ، ولولاه ، لما تمكن الباحث من استثارة التعاطف لدى الاطفال ، وهكذا الامر بالنسبة للتوجهات القيمية الاخرى اذ ان تحديد نوعية هذه التوجهات ، ستمكن المرسل من تحويلها الى مجموعة من الصور التلفزيونية التي تستهدف بالدرجة الاساس ، تاكيد صنف معين من التوجهات القيمية واضعاف صنف اخر ، على ان تاكيد هذا الصنف او ذاك ، انما يخضع الى الايديولوجية التي يستند اليها .

 

الخطاب التربوي واثره في تشكيل التوجهات القيمية :

تعد المؤسسة التربوية من القوى الثقافية المهمة في تشكيل سلوك المتعلمين ولكي تكون هذه المؤسسة فاعلة في عملية التشكيل السلوكي فانها تعتمد على الخطاب الصادر عنها ، ذلك الخطاب الذي نطلق عليه بالخطاب التربوي EDUCATIONONL) (DISCOURSE وهو في حقيقة الامر نوع من اللغة ولما كان كذلك فهو يراد به تبليغ الاخر رسالة معينة بمضمون معين فاذا كان الخطاب النصي  يراد به ايصال فكرة معينة من المرسل (الكاتب ) الى الملتقي ( القارئ ) فان الخطاب التربوي عموما يراد به ايصال مجموعة من الافكار من المرسل ( المؤسسة التربوية ) الى المتلقي (المتعلم)(16).

من هنا يصبح الخطاب التربوي عملية يراد بها تبليغ جمهور المتعلمين رسائل معينة بقصد تشكيل اتجاهاتهم استنادا الى طروحات الفلسفة التربوية التي تنتجها المؤسسة التربوية في عملية صناعة خطابها وعلى ذلك نقول ان الخطاب التربوي هو  ارشادات ومعلومات ومعارف تصدر من المرسل بقصد تبليغ المتلقي بتوجيهات وارشادات معينة ومعلومات ومعارف علمية وانسانية يستهدف من وراءها تشكيل السلوك بطريقة تتناسب مع فلسفة مرسل الرسالة .

ان الخطاب التربوي لكي يصل الى جمهور المتعلمين ومن ثم يحدث الاثر المطلوب يقتضي الحال ، ان تكون هناك وسيلة اتصال ووسيلة الاتصال في المؤسسة التربوية لاتقتصر على نوع واحد وانما هي انواع متعددة وهنا نشير الى اهمها :

1 - المقررات الدراسية .

2 - الملاك التدريسي من المعلمين بوصفهم نماذج تعمد الى نمذجة سلوك المتعلمين وفقا لتوجيهات الخطاب التربوي .

3 - انشطة التوعية الوطنية .

سيقتصر حديثنا على المقررات الدراسية واثرها في تشكيل التوجهات القيمية وذلك لصلتها بالمادة النصية الخاضعة للتحليل في هذه الدراسة .

تعد المقررات الدراسية وسيلة اتصال بين النظام التربوي والمتعلمين . اذ يتم من خلالها ايصال الرسائل التي يحث عليها الخطاب التربوي ، وهي في الوقت نفسه ، تمثل انعكاسا لتوجهات المجتمع في الحياة ، او بمعنى اخر ، ان المجتمع يسعى باستمرار الى ايصال فلسفته في الحياة الى ابناءه عبر عديد من الوسائل ، والكتب المدرسية ، هي احدى هذه الوسائل التي يتم من خلالها توضيح فلسفته بطريقة منظمة و منسقة مع طروحات القنوات الاخرى  من التنشئة الاجتماعية .فان كانت فلسفة المجتمع تدعو الى الاتجاه الفردي ، كما هو الحال في البلدان الراسمالية فقد يظهر هذا الاتجاه واضحا وجليا في الكتب الدراسية ، وذلك ببث الانساق القيمية التي تعزز هذا الاتجاه . وان كانت الفلسفة تدعو الى الاتجاه الجماعي كما هو الحال في البلدان التي تدين بالاشتراكية ، فان هذا الاتجاه يبرز واضحا في الكتب الدراسية ايضا ، وذلك ببث انساق قيمية تعززه لدى المتعلمين . وهكذا فان المؤسسة التربوية تسعى على الدوام الى تضمين الكتب المدرسية بطروحات الاتجاه الفلسفي السائد في المجتمع ، بهدف توضيحه للمتعلمين ، ليتسنى لهم بعد ذلك نمذجة طروحاته ، وذلك هو المطلوب . والسؤال الذي نطرحه هنا ، كيف تسهم الكتب المدرسية في تشكيل التوجهات القيمية لدى المتعلمين ؟

نقول ان عملية تشكيل التوجهات القيمية لدى المتعلمين انما يعتمد بالدرجة الاساس على مكونات الخطاب التربوي ،وتعد الكتب المدرسية ، احد هذه المكونات المهمة .

وعلى ذلك نقول ان الكتب المدرسية تسهم بصورة مباشرة في اكتساب التوجهات القيمية المطلوبة ، وذلك بفعل عملية التعليم ، تلك العملية التي تفضي الى تكوين استجابات مفضلة او تكوين انماطا معينة من السلوك المفضل في حال استلام المتعلمين تنبيهات تشير اليها صراحة .

وبهذا الصدد نشير ان التوجهات القيمية  تكتسب عن طريق الكتب المدرسية بطريقتين (17). هما :

اولا : طريقة الحذف .

ثانيا : طريقة التاكيد او التحريف .

وبقدر ما يتعلق الامر بالطريقة الاولى ، يمكن القول ان هذه الطريقة تعتمد على هدف المرسل من الرسائل التي يرسلها عبر الكتب المدرسية فان كان الهدف تنمية التعاون بين الاطفال فان تركيزه سينصب على ارسال رسائل تحتوي تنبيهات تتناول تقديم العون والمساعدة للافراد الذين يتعرفون الى محنة او طارئ او تقديم النصيحة لاولئك الذين يعانون من مشكلة معينة . وان كان الهدف تنمية الانجاز الدراسي ، فان تركيزه سينصب على بث رسائل تشتمل على تنبيهات تتناول المثابرة المتواصلة بين الاطفال لتحقيق الانجاز العالي ، وبذلك ، فان المرسل يستهدف من هذه الرسائل التي يبثها عبر الكتب المدرسية ، دعوة المتعلمين الى تفضيل استجابات معينة ونبذ استجابات اخرى بمعنى اخر اشراكهم بطريقة تتناسب مع توجيهاته الايديولوجية .

اما بصدد الطريقة الثانية المتعلقة بالتاكيد او التحريف فان المرسل هنا يرسل رسائلا محرفة او مبتورة عن سياقها الاصلي بمعنى اخر ، ان المرسل يقتطع عددا من الاحداث عن السياق الذي حدثت فيه ويدرجها ضمن سياق اخر لا تمت اليه بصلة سواء من حيث الزمن الذي حدثت فيه الاحداث او من حيث المكان الذي جرت فيه تلك الاحداث او التركيز على الزمان والمكان معا ، ان اقتضى الامر ذلك ، لذا ، فان هذه الطريقة تركز بين ما تركز على مسالة مهمة ، وهي ان ارسال رسالة تنطوي على تنبيهات مزيفة او محرفة الى الافراد المستهدفين بها ، انما يراد بها احداث حالة من النفور والكراهية لفئة معينة من الافراد ، او لصنف معين من العلاقات الاجتماعية او الانواع معينة من الانماط السلوكية .

وربما تتطور حالة النفور والكراهية هذه الى حالة اغتراب عن المجتمع تلك الحالة التي تتمثل بعدم الاكتراث بما يجري فيه من احداث الى جانب عدم متابعة النشاطات الحادثة فيه .

وهنا نصل الى مسالة لابد من الاشارة اليها وهي ان الكتب المدرسية تعد من الوسائل الفاعلة والمؤثرة في تشكيل التوجهات القيمية لدى المعلمين وحتى تكون هذه الكتب فاعلة ومؤثرة فيها شروطا معينة ومن بين هذه الشروط :

1- ان المقررات الدراسية ، لكي تكون فاعلة في تشكيل سلوك المتعلمين لابد من ان تحدث علاقة ارتباطية بين ما يعرض من تنبيهات على السطور والاستجابة الصادرة عنهم ، ولكي تحدث هذه العلاقة فان ذلك يقتضي ان تستجر المنبهات المزيد من الاستجابات عند ذلك نقول ان العلاقة قد حدثت وهذا يعني : ان الافراد قد اكتسبوا الانماط السلوكية التي يدعوا اليها النظام التربوي . على سبيل المثال ، اذا حدث ان فسر المتعلمون الظواهر الطبيعية استنادا الى ما تم تعلمه في الفيزياء والكيمياء بعيدا عن التفسيرات اللاعقلانية ، عند ذلك ، يمكننا القول ، ان ثمة تغييرا قد حصل في اتجاهاتهم وهو مايهدف اليه النظام التربوي . وتكون  الحالة معاكسة اي عدم حدوث علاقة ارتباطية عندما تكون التنبيهات الموجودة غير قادرة على ان تستجر استجابات معينة . وفي ذلك اشارة الى ان النظام التربوي لم يتمكن من احداث تغيير في الاتجاهات لدى المتعلمين .

2 - لابد من توخي الواقعية في تناول الموضوعات اذ ان اللجوء الى النموذج اليوتوبي ( المثالي او الخيالي ) سينفر الافراد منها ومن ثم عدم حصول العلاقة الشرطية ، وذلك يعود الى ان النموذج اليوتوبي  يتناقض مع معطيات الواقع اليومي ولما كان النموذج اليوتوبي  كذلك فان الفرد سيجد نفسه يعيش في محيط غير محيطه ووقائع لم يالفها بل ان الحديث عنها يغدو غريبا عنه . لذا سيصرف انتباهه عنها . ومن ثم عدم حصول تلك العلاقة الشرطية .

3 - لكي تحصل العلاقة الشرطية لابد للمقررا ت الدراسية الابتعاد عن التعبئة للخطاب السلطاني وهذا سيساعد على تقوية العلاقة حال تشكلها ، وعلى النقيض من ذلك ان مثل هذه العلاقة ستتنطفئ  عندما تتناول هذه المقررات نشاطات السلطان .

4 - من المفيد الاشارة الى ان المقررات الدراسية لابد لها من مراعاة البساطة والوضوح والدقة في عرض الموضوعات ومن ثم تسلسلها من الناحية المنطقية والابتعاد عن الحشو والاطالة . كما ينبغي لها ان تبتعد عن الاسلوب الخطابي فقد ينقلب وبالا عليها ، فبدلا من ان تتغير اتجاهات الناشئة بما يتناسب وتوجهات النظام التربوي ربما يحدث العكس ، فقد تشكل اتجاهات سلبية نحو هذه المقررات ومن ثم النفور منها والسخرية من موضوعاتها .

5 - من المفضل  ان يكون ثمة توازن في بث نماذج البشر في المقررات الدراسية ، وهذا معناه ان لايكون ثمة نموذج معين من البشر يشيع في مرحلة دراسية معينة وتخلو المراحل الدراسية الاخرى منه ، او ان يشيع في كل المقررات للمراحل الدراسية كافة وضعف تاكيد النماذج الاخرى من البشر(18).

وما نريد قوله هنا ، ان التوازن في بث نماذج البشر المختلفة عبر المراحل الدراسية المختلفة ، امر لا مندوحة منه ، فذلك يساعد على اشاعة الاتجاهات التي يدعو اليها

 

النظام التربوي .

من ذلك يتضح ، ان هذه الشروط هي التي تجعل المقررات الدراسية فاعله  ومؤثرة في تشكيل التوجهات القيمية لدى المتعلمين ، وفي الوقت نفسه تسهم في تشكيل اتجاهاتهم نحو موضوعات اجتماعية مختلفة تنسجم مع اهداف الفلسفة التربوية السائدة .

 

اهداف البحث :

يستهدف البحث الحالي الاجابة عن السؤالين الاتيين :

1 - ما التوجهات القيمية السائدة في كتب القراءة العربية للمرحلة الابتدائية ؟

2 - ما التوجهات القيمية السائدة في كتاب القراءة العربية لكل صف دراسي ؟

 

طريقة البحث

المجتمع الاصلي : تعد كتب القراءة العربية للمرحلة الابتدائية بصفوفها كافة مجتمعا اصليا للبحث الحالي ولقد وجد الباحث ان هذا المجتمع من السهولة بمكان الالمام بالبيانات المتعلقة به ، ولاسيما ان الصفحات ا لخاضعة للتحليل في كل كتاب يمكن السيطرة عليها وانجازها في الوقت المحدد لذا فان الباحث ليس بحاجة الى انتقاء عينة من الصفحات من كل كتاب ، وعلى ذلك اخضعت جميع الكتب للتحليل وقد استبعد من التحليل كتاب الصف الاول الابتدائي ، وذلك بسبب تركيز الكتاب على تعليم الحروف الهجائية والاملاء اكثر من تركيزه على بث انساق قيمية من اصناف معينة . وبذلك بلغ عدد الموضوعات الخاضعة للتحليل (115) موضوعا موزعة على (388) صفحة .

ومما له دلالة في هذا الصدد ، ان الكتب التي اخضعت للتحليل كانت مقررة للتدريس للاعوام 2001 و 2002 .

 

ألاداة :

 تعد الاداة هنا ، النصوص الخاضعة للتحليل في كتب القراءة العربية ولغرض معالجة هذه النصوص فقد استخدمت طريقة تحليل المحتوى Content Analysis) ) بوصفها الطريقة المناسبة لمعالجة مثل هذه البيانات وبذلك تصبح المادة المكتوبة الاداة التي تستعمل في تحليل النتائج، ولقد استبعد من عملية التحليل ، النصوص الشعرية والآيات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة ، لكونها تنطوي على توجهات قيمية ايجابية ، كذلك استبعد من التحليل معاني الكلمات ، بسبب ان المؤلف يرمي من وراءها توضيح دلالات بعض الالفاظ ، فضلا عن زيادة المحصول اللفظي للمتعلم ، لذا فان التحليل اقتصر على المقالات والقصص وفي هذا السياق نستعرض خطوات طريقة تحليل المحتوى وعملية توظيفها في البحث الحالي .

 

1 - اختيار التصنيف القيمي المناسب للبيانات :

لقد اعتمد الباحث على تصنيف التوجهات القيمية لكلا كهون، بوصفه تصنيفا مناسبا لبيانات البحث الحالي وان ثمة مسوغات جعلت الباحث يعتمد على هذا التصنيف دون غيره ولعل من ابرزها:

أ - ان تصنيف كلاكهون يعد تصنيفا ملائما للبيانات التي تعتمد على طريقة تحليل المحتوى في استخلاص النتائج.

ب - ان هذا التصنيف يشتمل على خمسة توجهات قيمية رئيسة وهذه التوجهات تنقسم بدورها الى ثلاثة اصناف وشيوع احد الاصناف الثلاثة يحدد بطبيعة الحال، التوجه القيمي للمجتمع، فعلى سبيل المثال، يعد البعد الزمني المفضل، احد التوجهات القيمية الرئيسة في التصنيف، وهذا البعد يشتمل على ثلاثة اصناف تنحصر في الماضي والحاضر والمستقبل. فاذا كانت نتائج التحليل تشير الى ان الماضي اكثر تكرارا من الابعاد الزمنية الاخرى، فهذا يعني ان المجتمع لايعيش الحاضر، وليس لديه اية توجهات مستقبلية، وعلى ذلك فهو غير قادر على مجاراة الحضارة العالمية مما يعرضه الى مزيد من المشكلات. وهكذا الامر بالنسبة للتوجهات القيمية الاخرى اذ ان شيوع احد الاصناف ضمن التوجيه القيمي الواحد، يحدد وجه الدقة للتوجه القيمي السائد.

جـ - ولعل من الموسوغات التي دعت الباحث الى انتقاء تصنيف كلاكهون ان ثمة عددا من الدراسات استخدمت هذا التصنيف في عملية تحليل محتوى الكتب الدراسية. وتاتي هذه الدراسة مكملة للدراسات التي سبقتها في هذا الصدد، وذلك للاحاطة بالتغييرات الاجتماعية التي حدثت في عقد التسعينات التي انعكست بدورها في المقررات الدراسية الموجهة الى الناشئة.

تلك هي المسوغات التي جعلت الباحث ينتقي تصنيف كلاكهون، دون غيره من التصنيفات القيمية الاخرى، وبهدف معرفة طبيعة هذا التصنيف نستعرض في ادناه التفاصيل التي يشتمل عليها.

 

اولا: علاقة الانسان بالطبيعة

أ : الانسان خاضع للطبيعة وهذا الصنف يؤكد الفكرة التي مفادها ان الانسان يكيف نفسه للطبيعة، بدلا من ان يكيف الطبيعة لحاجاته.

ب - الانسان منسجم مع الطبيعة: هذا الصنف يؤكد الفكرة القائلة ان الانسان جزء من الطبيعة، وهذا معناه انه منسجم ومتجانس معها.

جـ - الانسان مسيطر على الطبيعة: هذا الصنف على النقيض من الصنف الاول تماما، اذ يؤكد ان الانسان يكيف الطبيعة لحاجاته.

 

ثانيا: البعد الزمني المفضل

أ : الماضي: ويعني هذا الصنف الانشغال بقضايا او باحداث حدثت في الماضي وتفضيل تقاليد الماضي والانماط السلوكية المرتبطة بها.

ب - الحاضر: ويشتمل هذا الصنف على تفضيل الحاضر والاهتمام به.

جـ - المستقبل: وهذا الصنف ينحصر في تفضيل المستقبل والتخطيط له.

 

ثالثا : نمط الشخصية المفضل .

ا- الوجود: ويمثل هذا الصنف الانسان الذي لايتمكن من التحكم برغباته او بمعنى اخر، يمثل الانسان الذي لايستطيع ضبط نفسه.

ب - الوجود نحو الصيرورة: وهذا الصنف على النقيض من الصنف الاول فاذا كان الانسان في الصنف الاول لايتحكم برغباته فانه في الصنف الثاني تكون له القدرة على التحكم برغباته والسيطرة على نفسه او مقاومة الاغراء في المواقف التي تستدعي اظهار هذه المقاومة.

جـ - الفعالية: ويمثل هذا الصنف الانسان في حالة الانجاز.

 

رابعا : العلاقة المفضلة بين الانسان والانسان .

أ - علاقة اسرية: ويمثل هذا الصنف التفاعل الحميمي الحادث بين افراد الاسرة الواحدة.

ب - علاقة تعاونية: وهذا الصنف يؤكد التعاون بين الافراد ونبذ التنافس.

جـ - علاقة تنافسية: ويشتمل هذا الصنف على التنافس الحادث بين الافراد وكذلك الاستقلالية والاعتماد على النفس .

خامسا : طبيعة الانسان

أ - خيّر : وهذا الصنف يؤكد الخير والسلام والوئام والاخوة ونبذ العدوان .

ب - شرير : ويؤكد هذا الصنف العدوان والشر ونبذ السلام .

جـ - مُحايد : وهذا الصنف يؤكد ان الانسان يكون خيرا في المواقف معينة وشريرا في مواقف اخرى .

 

2 - تحديد الوحدة المناسبة للتحليل :

من المفيد الاشارة هنا ، الى ان الفكرة (Theme) قد اعتمدت وحدة (19) في تحليل محتوى الكتب الدراسية والفكرة قد تكون صريحة او ضمنية فالفكرة الصريحة عادة ما ترد بشكل صريح او مباشر في حين ان الفكرة الضمنية لايعبر عنها صراحة اثناء السياق بل هي تشتق من الاحداث المتعاقبة وهنا يعمد المؤلف الى الاستعانة بالتلميح بدلا من التصريح والاشارة غير المباشرة بدلا من الاشارة الواضحة والصريحة في بث الفكرة المطلوبة .

 

3 - تحديد الوحدة المناسبة للتعداد :

لقد اعتمد على التكرار في الكشف عن الاصناف القيمية وذلك باحصاء تكرارات كل صنف ليتسنى للباحث تحديد الاصناف القيمية السائدة .

 

4 - الخطوات المتبعة في تحليل النصوص :

ان تحليل النصوص (مقالة، قصة) جرى طبقا للخطوات الاتية :

أ - تنظيم استمارة تحتوي على نوع الفكرة (صريحة او ضمنية) ونوع الصنف الدال على التوجه القيمي.

ب - يلجا الباحث في العادة قبل تحليل النص الى قراءته بالكامل لغرض فهمه وما يهدف اليه .

جـ -  يعمد الباحث بعد ذلك الى اجراء قراءة ثانية على النص بهدف تحديد الفكرة الدالة على القيمة وفقا لتصنيف كلاكهون .

د - واخيرا، يعطي تكرارا واحدا عند ظهور الفكرة الدالة على القيمية وبذلك فان مجموع التكرارات الدالة على القيمة يمثل الصنف السائد ضمن التوجه القيمي الواحد .

5 - اتباع قواعد معينة عند تحليل النصوص:

من الضروري عند التحليل النصوص ان تتبع بعض القواعد التي يتم من خلالها تحديد نوع الافكار الواردة وتصنيفها طبقا للتصنيف المعتمد كما ان اتباع هذه القواعد تساعد الباحث على توخي الدقة اثناء عملية التحليل .

لقد استخلص الباحث مجموعة من القواعد يمكن ايجازها على النحو الاتي :

أ - في حالة ظهور فكرة تشتمل على اكثر من قيمة فان الباحث يعمد الى الاخذ بالقيمة التي يتم التركيز عليها اكثر من غيرها وذلك من خلال استنتاج مؤلف الكتاب عند طرحه للفكرة الذي ياتي في نهاية الموضوع او عند اكتمال الفكرة ، وربما يستدل من عنوان الموضوع على القيمة التي يراد التركيز عليها ، او من تكرار بعض الالفاظ او الجمل .

ب - ان الفكرة الرئيسية التي تشتمل على مجموعة من الافكار الفرعية تعامل كل فكرة فرعية منها على انها وحدة مستقلة في التحليل .

جـ - في حال احتواء الجملة الواحدة على فكرتين او اكثر ، وكانت احداهما سببا والاخرى نتيجة ، او احداهما وسيلة والاخرى غاية ، فالحكم هنا ان تعامل كل منهما معاملة الفكرة الواحدة .

د - كذلك في حال احتواء الجملة على معطوف فان الفكرة تجزأ طبقا لتكرار العطف الى اكثر من جملة ، اذ تعد كل جملة فكرة مستقلة ثم يحدد بعد ذلك الصنف القيمي الدال عليها .

هـ - احيانا يجد الباحث اثناء عملية التحليل ، ان الفكرة المستحصلة لا تشير الى صنف قيمي واضح ، وذلك لارتباط الفكرة التي قبلها او بالافكار التي بعدها ، وهنا يعمد الباحث الى اعادة  قراءة الفكرة السابقة او الفكرة اللاحقة لتحديد القيمة .

و - ربما لا يظهر في الصفحة الواحدة اي صنف قيمي ، وذلك لعدم اكتمال الفكرة وهنا يلجأ الباحث الى الاستمرار في القراءة الى الصفحة التي تليها حتى تكتمل الفكرة ، لغرض استخلاص الصنف القيمي الدال عليها .

ز- يلجا الباحث الى علامات التنقيط عندما تكون ثمة صعوبة في تحديد الفكرة .

 

6 - استخراج الخصائص السايكومترية للنصوص المحللة :

نعني بالخصائص السايكو مترية(Psychometric)  للنصوص الخاضعة لتحليل المحتوى : الصدق والثبات ولضمان صدق التحليل ودقته ومن ثم ضمان ثباته فان الامر يقتضي مراعاة المتغيرات التي تؤثر على دقة استخراج هذه الخصائص ولعل من اهمها :

أ - خبرة الباحث ومهارته في تحليل النصوص .

ب - وضوح الاصناف التي يشتمل عليها التصنيف المستعمل في تحليل النصوص.

ج - نوع وحدة التحليل .

د - وضوح قواعد التحليل .

هـ - نوع البيانات الخاضعة للتحليل (20).

في هذا السياق نشير الى ان هذه المتغيرات روعيت في البحث الحالي وذلك باتباع الاجراءات الاتية :

أ - فيما يتعلق بالمتغير الاول ، فان الباحث زود نفسه بمعلومات وافية عن اسلوب تحليل المحتوى ، ثم بعد ذلك اجرى تحليلا اوليا لبعض النصوص قبل البدء بعملية التحليل النهائية .

ب - وبالنسبة للمتغير الثاني ، تمكن الباحث من السيطرة عليه من خلال وضوح الاصناف التي اشتمل عليها التصنيف الذي استخدم في البحث الحالي ومما زاد من وضوح هذه الاصناف ان الباحث اعتمد على قائمة التصنيف والتفاصيل المتعلقة بها من الدراسات التي اعتمدت عليه في تحليل بياناتها .

ج - وفيما يخص المتغير الثالث، وهو نوع وحدة التحليل فان اهداف البحث هي التي تحدد وحدة التحليل وبما ان البحث الحالي يستهدف معرفة نوع التوجهات القيمية السائدة في المقررات الدراسية للمرحلة الابتدائية فان وحدة التحليل المعتمدة ستكون الفكرة بنوعيها الصريحة والضمنية .

د - والمتغير الرابع هو وضوح قواعد التحليل وقد تمكن الباحث من السيطرة عليه من خلال الالمام بقواعد التحليل التي اعتمدت عليها الدراسات السابقة ولا سيما الدراسات التي اجرت تحليلا لمحتوى الكتب الدراسية.

هـ - واخيرا فان البيانات الخاضعة للتحليل هي عبارة عن نصوص تشتمل على مقالات وقصص اي انها بيانات مكتوبة وهذا يسهل بطبيعة الحال ، عملية التعامل معها ومن ثم يسهل عملية اخضاعها للتحليل .

لقد استخرجت الخصائص السايكومترية لعملية تحليل النصوص عن طريق انتقاء عينة عشوائية من موضوعات الكتب الدراسية كافة اذ بلغت (20% ) من موضوعات كل كتاب فقد استخرجت صدق التحليل عن طريق الاتساق بين الباحث ومحللين اخرين في تسمية الفكرة وتصنيفها فان ثبت الاتساق في تسمية الفكرة وتصنيفها فان ذلك يعني ان التحليل يتمتع بالصدق والعكس صحيح ان ثبت عدم الاتساق في التسمية والتصنيف فهذا يعني ان التحليل غير دقيق ولا يتمتع بالصدق المطلوب ولاستخراج الصدق فقد درب الباحث اثنين من طلبة المرحلة المنتهية في قسم علم النفس على عملية تحليل المحتوى . ولقد اجرى هذان الطالبان تحليلا لمحتوى العينة العشوائية المستخرجة بعد تزويدهما بالتصنيف المستخدم في الدراسة واسلوب التعامل معه، كما اجرى الباحث تحليلا لمحتوى العينة نفسها ، وقد اسخدمت معادلة سكوت (21) في استخراج صدق التحليل .

فلقد بلغ معامل الاتفاق بين الباحث والمحلل الاول على تسمية الفكرة (0.71 )، بينما بلغ معامل الاتفاق بين الباحث والمحلل نفسه على تصنيف الفكرة (0.78).

كذلك بلغ معامل الاتفاق بين الباحث والمحلل الثاني على تسمية الفكرة (0.76) ، في حين بلغ معامل الاتفاق بين الباحث والمحلل نفسه على تصنيف الفكرة (0.67) وهذا يشير حقيقة الى ان النصوص الخاضعة للتحليل تتمتع بدرجة مقبولة من الصدق.

اما ثبات التحليل ، فقد استخرج عن طريق الاتساق عبر الزمن وذلك باجراء الباحث تحليلين لمحتوى العينة المستخرجة يفصل بيينهما (60) يوما ، وقد بلغ معامل الاتفاق باستخدام معادلة سكوت (0.79) على تسمية الفكرة بينما بلغ معامل الاتفاق على تصنيف الفكرة (0.84) . وبذلك فان النصوص الخاضعة للتحليل تتمتع بالثبات المقبول ، والحقيقة ان ذلك يسوغ الثقة بصحة التحليل وموضوعاته .

 

عرض النتائج ومناقشتها:

لقد شمل التحليل ( 115) موضوعا موزعة على (338) صفحة وقد بلغ عدد الافكار التي شاعت في هذه الكتب (1775) فكرة بين صريحة وضمنية ، اذ بلغ عدد الافكار الصريحة (997) فكرة وبنسبة بلغت ( 57.03%) فيما بلغ عدد الافكار الضمنية (387) فكرة وبنسبة بلغت (42.97%) وفيما يلي عرض للنتائج التي توصل اليها الباحث الحالي .

اولا : النتائج المتعلقة بتحليل محتوى كتب القراءة العربية على مستوى المرحلة الابتدائية .

 

1 - علاقة الانسان بالطبيعة :

تشير نتائج تحليل المحتوى الكتب ان صنف الانسجام مع الطبيعة كان اكثر تكرارا من الاصناف الاخرى اذ حصل هذا الصنف على نسبة (40.87%) ثم جاء بعده بالترتيب الثاني صنف السيطرة على الطبيعة ثم حصل صنف الخضوع للطبيعة على الترتيب الثالث والجدول (1) يوضح ذلك.

 

2- البعد الزمني المفضل :

تشير النتائج ان الماضي كان اكثر الاصناف تكرارا اذ حصل على نسبة كبيرة بلغت (55.95%) ثم جاء الحاضر بالترتيب الثاني اذ حصل على نسبة بلغت (23.93%) في حين حصل المستقبل على الترتيب الثالث وبنسبة (20.11%) وهي في حقيقة الامر تكاد تكون هذه النسبة متقاربة مع النسب التي حصل عليها الحاضر والجدول (2) يوضح ذلك .

 

3- نمط الشخصية المفضلة :

لقد ظهر من نتائج تحليل المحتوى ان صنف الفعالية كان اكثر تكرارا من الاصناف الاخرى ، اذ حصل على نسبة كبيرة بلغت (69.65%) ثم جاء بعده صنف الوجود نحو الصيرورة اذ حصل على الترتيب الثاني فيما حصل صنف الوجود على الترتيب الثالث، وبنسبة تكاد تكون ضئيلة مقارنة بالنسب التي حصلت عليها الاصناف الاخرى والجدول (3) يوضح ذلك .

 

4 - العلاقة المفضلة بين الانسان والانسان :

تشير نتائج التحليل الى ان العلاقة التعاونية كانت اكثر الاصناف تكرارا اذ حصلت على نسبة كبيرة بلغت (56.65%) ثم جاءت العلاقة الاسرية بنسبة اقل اذ بلغت (33.62%) فيما حصلت العلاقة التنافسية على نسبة قليلة اذ بلغت (9.73%) والجدول (4) يوضح ذلك .

 

5 - طبيعة الانسان :

تشير النتائج الى ان الانسان الخير كان اكثر الاصناف تكرارا اذ حصل على نسبة كبيرة بلغت (65.46%) وحصل صنف الانسان الشرير على تكرارات اقل ، بلغت نسبتها (30.12%) في حين حظي صنف الانسان المحايد على نسبة تكاد تكون ضئيلة اذ بلغت (4.42%) والجدول (5) يوضح ذلك .

 

ثانيا : النتائج المتعلقة بتحليل محتوى كتاب القراءة العربية للصف الدراسي الواحد .

عند الرجوع الى الجداول المتضمنة نتائج تحليل محتوى الكتب للصفوف الدراسية كافة يتبين ان التوجهات القيمية السائدة في هذه الكتب قد اشتملت على اصناف ايجابية باستثناء البعد الزمني المفضل اذ احتوى على صنف سلبي ، واذ ما تفحصنا التوجهات القيمية في كل كتاب دراسي ، نجد ان ثمة تناقضا وعدم اتساق في بث الاصناف القيمية وبهدف معرفة نوعية هذه الاصناف التي بثت في كل كتاب دراسي ، نستعرض ادناه النتائج المتعلقة بتحليل محتوى كل كتاب دراسي .

 

1- علاقة الانسان بالطبيعة :

يلاحظ ان الاصناف القيمية المتعلقة بهذا التوجه توزعت على الكتب الدراسية بصورة غير عقلانية . فلقد ظهر الانسان مسيطرا على الطبيعة في كتب الصف الثاني والثالث والخامس الابتدائي في حين يظهر الانسان منسجما مع الطبيعة في كتاب الصف الرابع ثم خاضعا للطبيعة في كتاب الصف السادس وهو الصف الذي تنتهي فيه المرحلة الابتدائية وهذا يشير بطبيعة الحال الى غياب الاتفاق على الاصناف القيمية المطلوب تضمينها في هذه الكتب فضلا عن غياب الترتيب المنطقي في بث هذه الاصناف .

2 - البعد الزمني المفضل :

تشير النتائج ان صنف الماضي كان اكثر تكرارا في الكتب الدراسية كافة ولقد حصل هذا الصنف على نسبة كبيرة في كل صف دراسي فقد بلغت نسبة الافكار الدالة عليه في الصف الثاني (44%) ثم حظي المستقبل بنسبة اقل منه ، اذ سجل نسبة بلغت (36%) فيما سجل الحاضر نسبة بلغت (20%) . وفي الصف الثالث قل تاكيد الماضي اذ بلغت نسبته عن الصف الثاني (41.81%) وزاد تاكيد الحاضر اذ بلغت نسبته عن الصف السابق (25.78%) ثم بعد ذلك قل تاكيد المستقبل اذ بلغت نسبته عن الصف السابق (32.41%) وهذا يشير الى ان الاتساق لما يزل بعد غير منتظم في بث الصنف الدال على البعد الزمني المفضل في هذين الكتابين . واذا ما توجهنا نحو الكتب الدراسية الاخرى ، نجد ان ثمة تاكيدا للماضي بدرجة اكبر ، فالماضي زاد تاكيدا ابتداءً من كتاب الصف الرابع وحتى الصف السادس . فلقد بلغت نسبته في الصف الرابع (50%) ، وفي كتاب الصف الخامس بلغت (68.96%) ، وفي كتاب الصف السادس بلغت نسبته (75%) بيد ان تاكيد الحاضر والمستقبل قد اخذ بالتذبذب ، واذ ما عدنا الى الجدول (2) نجد ان الحاضر قد زاد تاكيده في كتاب الصف الرابع وفي كتاب الصف الخامس وغاب تاكيد المستقبل في كتاب الصف الخامس اذ بلغ صفرا ، ثم ينخفض تاكيد كل منهما في كتاب الصف السادس بدرجة ملحوظة .

ومن الواضح ان الماضي لما يزل بعدا زمنيا مفضلا . وهذا ان دل على شيء انما يدل على غياب الاتفاق في تضمين البعد الزمني المفضل فضلا عن ان مؤلفي هذه الكتب يعكسون البعد الزمني المفضل لديهم .

 

3 - نمط الشخصية المفضة :

تظهر نتائج تحليل المحتوى ، ان النمط الفعال كان اكثر تكرارا في كتب الصفوف الدراسية عدا كتاب الصف الثالث ، اذ كان ثمة تاكيد على نمط الوجود نحو الصيرورة يزيد بدرجة طفيفة عن النمط الفعال .

ويلاحظ ، ان النمط الفعال قد حصل على نسبة كبيرة اذ تراوحت بين (68,97%) في كتاب الصف الثاني الى (84.86%) في كتاب الصف الخامس واذ نحن تابعنا عملية طرح نمط الشخصية المفضلة في كتب الدراسية وجدنا ان هذا النمط من الشخصية غيرمنتظم من الناحية المنطقية ففي كتاب الصف الثاني ، اعطي للنمط الفعال تكرارات اعلى ، ثم اعطي لنمط الوجود نحو الصيرورة تكرارات اقل من ذلك ، واخيرا حصل نمط الوجود على تكرارات تكاد تكون قليلة ، بيد ان سوء التخطيط لهذا النمط من الشخصية المطلوب تضمينه بدأ واضحا في كتب الصف الرابع والخامس والسادس . ففي كتاب الصف الرابع اعطي لنمط الوجود نحو الصيرورة تكرارات قليلة بلغت نسبتها (17.42%) وتكاد تنعدم التكرارات التي اعطيت لنمط الوجود فلقد بلغت نسبة هذه التكرارات اقل من (1%) وفي كتاب الصف الخامس انخفضت التكرارات التي اعطيت لنمط الوجود نحو الصيرورة وزادت من التكرارات التي اعطيت لنمط الوجود مقارنة بكتاب الصف الرابع. بيد ان نمط الوجود نحو الصيرورة زاد تاكيده في الصف السادس. اذ بلغت نسبته (25.13%) في حين انخفض تاكيد نمط الوجود بدرجة كبيرة جدا، اذ بلغت نسبته (1.41%).

من ذلك يتضح ان نمط الشخصية المفضلة لم يتوزع في هذه الكتب بطريقة منطقية بمعنى ان الافضلية ينبغي ان تكون للنمط الفعال وبنسبة تصل الى (50%) ثم بعد ذلك تعطي نسبة (35%) لنمط الوجود نحو الصيرورة ، فيما تخصص النسبة المتبقية  لنمط الوجود .

 

4 - العلاقة المفضلة بين الانسان والانسان :

تشير نتائج التحليل ، ان العلاقات الاسرية والتعاونية تشيع في كل الكتب الدراسية في حين ان العلاقة التنافسية  حصلت على تكرارات قليلة تراوحت نسبتها بين (4%) و(13.33%) بيد ان توزيع اصناف هذه العلاقات  لم يكن منتظما ففي بعض الكتب الدراسية تكون الغلبة للافكار الدالة على العلاقة الاسرية كما هو الحال في كتاب الصف الثاني وكتاب الصف الرابع وفي كتب اخرى ، تكون الغلبة للافكار الدالة على العلاقة التعاونية ، كما هو الحال في كتاب الصف الثالث وكتاب الصف الخامس وكتاب الصف السادس . ومن المفضل تربويا ان تبث الافكار الدالة على العلاقات الاسرية والتعاونية بصورة متقاربة في كل كتاب ، ثم تليها بعد ذلك العلاقة التنافسية بدرجة اقل .

 

5 - طبيعة الانسان :

تظهر نتائج التحليل ان الانسان يظهر خيرا في كل الكتب عدا كتاب الصف السادس ، اذ يظهر شريرا وهذا يؤشر بطبيعة الحال ، ان ثمة عدم توازن في بث الاصناف القيمية المتعلقة بطبيعة الانسان . واذا نحن تابعنا توزيع هذه الاصناف وجدنا ان الانسان الخير يظهر بنسبة كبيرة في كتاب الصف الثاني ثم تنخفض نسبته في كتاب الصف الثالث ، ثم يعود فتكون له الغلبة المطلقة في كتاب الصف الرابع ، في حين يخلو الكتاب في هذا الصف من الاشارات او الافكار الدالة على الانسان الشرير والانسان المحايد. وسرعان ما تنخفض هذه النسبة في كتاب الصف الخامس ، اذ تبلغ (56.57%) ثم يواصل هذا الصنف انخفاضه في كتاب الصف السادس اذ تبلغ نسبته (36.72%) وبذلك تكون الغلبة للانسان الشرير بنسبة كبيرة تبلغ (63.28%) ويتضح من ذلك ان ثمة تذبذبا في بث الاصناف المتعلقة بطبيعة الانسان .

 

المناقشة :

سنركز مناقشتنا للنتائج التي توصل اليها البحث الحالي على مسألتين اثنتين هما:

1. ان الماضي يعد بعدا زمنيا مفضلا في الكتب الدراسية .

2 . ان ثمة خللا وعدم انتظام في توزيع الاصناف القيمية في الكتب الدراسية .

وبقدر ما يتعلق الامر بالمسالة الاولى . نقول ان ثمة اسبابا جعلت من هذا البعد يشيع في الكتب الدراسية دون غيره من الابعاد الاخرى ، ولعل التوجهات القيمية المتعلقة بمؤلفي هذه الكتب ، تعد احدى الاسبا ب التي جعلت هذا البعد يذيع وينتصر في هذه الكتب . كما ان الاختصاصات التي يتمتع بها هؤلاء المؤلفين هي اقرب الى التاريخ، مما يضفي الى انتقاء نصوصا تؤكد الماضي وتتغنى به اكثر من انتقاء نصوص تؤكد الحاضر والمستقبل ، كذلك يعود السب الى غياب الاتفاق على البعد الزمني المطلوب تضمينه في هذه الكتب مما يترتب على ذلك ان كل مؤلف اخذ ينتقي نصوصا بطريقة تنسجم مع توجهاته الحياتية ونسقه القيمي والفلسفة التي يتبناها لذا لا غرابة ان نجد نصوص هذه الكتب تعكس توجهات قيمية مختلفة .

اما بصدد المسالة الثانية المتعلقة بوجود خلل وعدم انتظام في توزيع الاصناف القيمية عبر الكتب الدراسية فيمكن القول ان السبب يعود الى تعدد لجان التاليف وعدم وجود اتفاق مسبق على نوع التوجهات القيمية التي ينبغي تضمينها في كل كتاب دراسي ، وربما يعود السبب ايضا . الى غياب الخبير النفسي الذي يسهم بدوره في ارشاد لجان التاليف الى التوجهات القيمية المطلوب تضمينها ، تلك التوجهات التي تؤكدها  الفلسفة التربوية السائدة كما تتجلى مهمة الخبير النفسي في شرح طبيعة هذه التوجهات لكي تغدو واضحة لهذه اللجان ، فضلا عن تقديم الامثلة التي توضح لهم النصوص التي تعكس انساقا قيمية من نوع معين ، ومحاولة تدريبهم على عملية الانتقاء وعلى ذلك نقول ان غياب الخبير النفسي عن لجان التاليف قد افضى الى انتقاء النصوص التي لم تكن منسجمة تمام لانسجام مع خطاب الفلسفة التربوية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش :

1 - عاقل، فاخر، معجم العلوم النفسية ، ط1 .بيروت :دار الرائد العربي ، 1988، ص 270.

2 -م.س ، ص270.

 

R.k.white . Value analysis : the nature and use of method .(new jersey: libration press, 1951),p.13. 

4 - R.A. Kalish and K.W . Collier. Exploring human values .(california : brooks/co/e publishing company,1981)p.2.

5 - بركات، حليم . المجتمع العربي المعاصر : بحث استطلاعي اجتماعي ، ط5 .(بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996) ، ص 324.

6-ينظر: L.A.hjelle and D.J.ziegler . Personality theorise: basic assumptions, research and application , 2nded . ( auckland : mcgraw - hill book company , 1981),p.311.

7-ينظر: S.H.schwartz and M.ros .values in the west:atheoretical and empirical challenge to the individualism - collectivism cultural dimension.world psychology . Vol.1 , no.2,1995,p.94

8-ينظر: j.w.VANDER ZANDEN .SOCIOLOGY : the core 4th ed .( New york : mcgraw - hill , inc, 1996 ) , p.35r.l.atkinson and etal . Halyardsintroduction to psychology , 12th ed .  ( Fort worth : harcourt brace college publishers , 1996 ) p.652.

9-ينظر: P.Gray . Psycho ,4thed .(new york :worth publishers,2002 ),p.129

R.G sternberg . Path ways to psychology .(toronto : harcourt brace college publishers , 1979 ) , p.422.

R.S.feldman . Essentials of under standing psychology , 4thed (boston : mcgraw - hill higher education,2000),p.523.

10-ينظر: J.E mcgrath . Social psychology : abrief introduction .( New york : holt , rinehart and winston , 1964),p.105.

11-ينظر: A.L. Baldwin . Behavior development in childhood .(new york : holt , rinehart and winston , 1955 ) , p. 231.

12- حسن، محمود شمال . سايكولوجية الفرد في المجتمع   : مدخل ،ط1 ، ( القاهرة : دار الافاق العربية ، 2001) ص236.

13-ينظر: H.W. Bierhoff . Prosocial behavior . In : m.hewstone and etal . Introduction to social psychology , 2nded .( Ox ford : black well publishers , 2000), p.391.

14-ينظر:

 R. Vasta and etal . Child psychology : the modern science , 3rded .( New york : john wiley , 1999, )p.553.

 

15- ينظر:

 J.P. Rushton . Socialization and the altruistic behavior of children . Psychologyical bulletin , vol.83, no.5 , 1976 ,p.905 .

16 - حسن ، محمود شمال  ، سايكولوجية الخطاب في برامج البث الوافد من لفضاء . الحكمة ( بغداد ) ، السنة 2 ، العدد 9 ( ايار - مايو ، 1999) ،ص 93 - 49 .

17 - القزاز، اياد  ، صورة الوطن العربي في المدارس الثانوية الاميركية ، المستقبل العربي ، السنة 3 ، العدد 26 ( نيسان - ابريل ، 1981 ) ص 25 .اياد القزاز . صورة الصراع العربي - الاسرائيلي في كتب التاريخ الاميركي والعالمي المدرسية في الثانويات الامريكية .

المستقل العربي ، السنة 9 ، العدد 96 ( شباط - فبراير ، 1987) ص 73 .

18 -م.س، حسن، محمود شمال ، سايكولوجية الفرد في المجتمع :  ص 156 - 157 .

19- ينظر: B.Berelson > cotent analysis in communication research .( New york : hafner publishing company , 1971 ), p. 138 - 140 .

20- ينظر:

 J.W.Mcdaavid and h.harari . Psyology and social behavior .( New york : harper and row , publishers, 1974 ) ,p.42

 

O.R. Holsti . Content analysis for the scoial sciences and humaities .( California :addison - wesley publishing company , 1969 ), p.135.

B.Berelson . Content analysis . In : G. Lindzey handbook of social psychology : theory and method , vol . 1 , 3rded .( Massachusetts : addison - wesley publishing company , inc . 1959 ), p. 514

Holsti , content analysis for the social sciences and humanties , p. 140 .