ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

فكر اركوان

الواقع والتطلعات

ياسر جاسم قاسم

اراكون بقراءاته الفكرية لا يحبذ التقليد الاعمى للمناهج الغربية وهذه خاصية مميزة له ومنها انه لا يريد ان نطبق منهجية النقد التاريخي على التراث الاسلامي على غرار ما فعلته اوربا وانما ينبغي النظر الى حالة المعرفة السائدة اليوم في العالم والاستفادة منها.

يحيل المفكر اراكون الواقع المجتمعي الى مهمة عاجلة لمعالجة الواقع المتأزم في اروقة الفكر العربي وتتمثل المهمة العاجلة باعادة قراءة كل التراث الاسلامي على ضوء احدث المناهج اللغوية والتاريخية والسيسولوجية والانتربولوجية ((اي المقارنة مع بقية التراثات الدينية وبخاصة ما حصل في الغرب المسيحي)) ومن ثم القيام بتقييم فلسفي شامل لهذا التراث لكي نخلصه مما يشكل معرقلا لحركة التطور ويبقي على العناصر الصالحة من اجل ان تستعمل في البنيان الجديد وهكذا فمحمد اراكون يَرى أن المسلمين يريدون ان ينهضوا والعرب يريدو ان يتحركوا ويعدّ اراكون أن هذا الشيء هو حقيقة واقعه ولكنهم في كل مرة يجدون انفسهم مشدودين الى الخلف بقوة قاهرة ولوضع منهج عام لهذه النهضة يجب الاشارة الى العراقيل الداخلية التي تمنع المسلمين من الانطلاق وماهية العقد المزمنة التي تحول بينهم وبين التصالح مع انفسهم ومع العصر كما ويعتقد محمد اراكون.
ان تطبيق المنهج التاريخي على التراث الاسلامي كان

دائما يؤجل في الماضي وكانت الاولوية تعطى لحركات التحرر الوطني والصراع ضد الخارج وهذا شيء مهم في نظر اراكون ولكنه اخر من عملية التحرير الداخلي لان الانسان لا يستطيع ان يقوم بالعمليتين دفعة واحدة ولا يستطيع ان يخضع التراث للنقد التاريخي في الوقت الذي تتخذه كوسيلة عليا او مقدسة للجهاد والكفاح وبالتالي فان تطبيق هذه المناهج الحديثة على القران والحديث والفقه والتفسير وعلم الكلام والادبيات البدعوية كما يسميها اراكون والشريعة والسيرة النبوية ظل مؤجلا الى الآن وهنا يشير اراكون الى ان عملية التحرير الداخلي مرتبط بهذه العملية ارتباطا لازما وهنا يقول ما نصه : ((لأنك لا تستطيع ان تنطلق الا اذا صفيت حساباتك مع ماضيك الا اذا قمت بعملية تهوية في احشاء الماضي)) وبالانتقال الى رؤية اراكونية اخرى حول سؤال وجه اليه عن سبب الازدهار للحركات الاصولية في الوقت الحالي وان السبب عائد الى الاسلام الذي يعدّه البعض متزمتا بجوهره ؟ فيجيب اراكون بان هذا غير صحيح وان سبب التزمت والتطرف هو ليس من الاسلام ولكنه يعود الى عوامل ديموغرافية واقتصادية وسياسية وضغوط خارجية وهنا يشير اراكون الى ضرورة النظر الى حالة المجتمع قبل التحدث عن الدين فالمجتمع هو الذي يحسم الامور وليس الدين، وان حالة المجتمع هي التي تحسم كيفية التدين او التمسك بالدين فاذا كان المجتمع فقيرا مكتظا بالسكان مليئا بالمشاكل فانه سوف يتطرف في تدينه وهذا الامر ينطبق على المسيحية كما على الاسلام ـ على حد تعبير اراكون ـ حيث يرى أنّ التعصب والتطرف ليس حكرا على احد والعنف ظاهرة انتربولوجية مخزونة في احشاء كل فرد وكل مجتمع وانتربولوجية ـ انسانية ـ من انتربوس اي الانسان وعندما تتراكم المشاكل في مجتمع معين ولا تجد لها حلا او املا بالحل وعندما تحتقن امور المجتمع الى اقصى حدّ ويزيد فيه الكبت السياسي فانه ينفجر وهذا المصطلح ان ينفجر المجتمع شبيه بمصطلح تناوله نصر حامد ابو زيد اسماه بانفجار الافكار في المجتمعات بسبب الاحتقانات والضغوط والمشاكل فكلا المفكرين اتفقا على هذه المسالة وعندما ينفجر المجتمع يستعمل اللغة الدينية كتسويغ لانفجاره وهذه هي حالة المجتمعات الاسلامية ولكن في المجتمعات الاوربية عندما يظلم العمال من قبل ارباب العمل يحتجون وينفجرون ولكن ليس بلغة مسيحية وانما باستعمال لغة الاحتجاجات والاضرابات والمطالب الاجتماعية والسبب في ذلك هو ان المسيحية لم تعد هي المرجعية الاساسية في مجتمع معلمن منذ زمن طويل وبالتالي فاستعمال الإسلام من قبل الحركات الاصولية ايدولوجي وليس ديني او روحي اما في مسالة العوامل الديموغرافية ودورها في انفجار الحركات المتطرفة الحالية ومنها عدد سكان مصر عام 1960م عشرون مليونا والان اصبح اكثر من 60 مليون وكم كان عدد سكان القاهرة انذاك مليونا نسمة والان اصبح اكثر من عشرة ملايين، وهكذا جاءت هذه الحركات المتطرفة لكي تسد النقص ولكي تقدم الخدمات الاجتماعية في المناطق الشعبية وهنا ظهر ما يسمى بالاسلام الشعبوي المعبأ كل التعبئة، ويصرخ بالانتقام.
ويحدد اراكون لحظة انتصار التيار الاصولي التقليدي زمنيا منذ السلجوقيين في القرن 11 الميلادي وحتى ذلك الوقت كان الاسلام الكلاسيكي اسلام المجد والازدهار لا يزال يتمتع بالحيوية ويسمح بالمناظرات الخلافية والتعددية العقائدية والفكرية ثم جاؤوا وقضوا على كل ذلك واسسوا المدرسة واشاعوا فيها التعلم التقليدي المدرساني وشيئا فشيئا راح الفكر العربي الاسلامي يضمر ويفقد حيويته التي انجبت مفكرين كبار امثال الفارابي وابن سينا والجاحظ والتوحيدي ويثير الدكتور هاشم صالح سؤالا مع اراكون وهو ؛ هل إن الغزالي هو الذي قضى على التعددية بمحاربته للفكر الفلسفي العقلاني ؟، ولكن يحدد هنا ان الغزالي ليس هو فقط قضى على التعددية على الرغم من اسهاماته في هذا المجال ولكن الغزالي هو جزء من جملة عوامل اخرىوهنا لا ينبغي ان تفسر ظواهر التاريخ الكبرى عن طريق الافراد فقط وانما عن طريق الحركات الاجتماعة او البنيات الاجتماعية العميقة وينبغي الا يسقط في منهجية تاريخ الافكار المثالي والتقليدي الذي كان سائدا في الجامعه قبل ظهور العلوم الاجتماعية والانسانية وهنا يثير د. هاشم بان المناقشة الكبرى التي جرت بين ابن رشد والغزالي حول الفلسفة انتهت الى انتصار الغزالي وهزيمة ابن رشد وهذه الهزيمة هي تاريخية بالطبع والى الان لم نقم منها ويؤرخ اراكون بموت ابن رشد في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي وهنا يبدا تاريخ الجمود والدخول في عصور الانـحطاط الطويلة منذ بداية القرن الثالث عشر وصحيح ان ابن رشد حاول ان يدافع عن الفلسفة عندما الف كتاب تهافت التهافت كردٍّعلى كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة وهنا يتبين ان سبب فشل محاولة ابن رشد في الردّ بأنها ليست بسبب ان الغزالي اقوى من ابن رشد من الناحية الفكرية ولكن لان حركة التاريخ كانت قد اخذت تمشي في اتجاه الغزالي وهنا فخسارة ابن رشد انما انعكست،ويعدّ اراكون أن المجتمعات ما زالت تدفع ثمن هزيمة الفكر فيها حتى هذه اللحظة ومع ذلك فلا يمكن القول ان الغزالي هو وحده المسؤول عن الكارثة العقلية التي حلت بالعالم الاسلامي والعربي بشكل عام فالواقع ان حركة التدهور قد ابتدت قبله ولم يفعل هو الا ان ركب الموجه ونظر للعملية بكل ذكاء وبتكليف رسمي من السلجوقيين وظاهرة معاداة الاتجاه الفلسفي والعقلاني سابقة على الغزالي انها تعود الى ابن بطة والى الاعتقاد القادري الذي قراه الخليفة على رؤوس الاشهاد والى نصوص اخرى ومن المعلوم ان الخليفة القادر اعلن حربا شعواء على فكر المعتزلة واستطاع ان يقضي عليه في نهاية المطاف حيث ان للمنطلقات العقلية التي تميز بها المعتزلة اثر هام في تحديد موقعهم من سلطة الحديث المؤسسة اذ لم يكن من السهل عندهم قبول المسلمات والسكوت عما تخفيه من اشكاليات بل هم في منهجهم العقلي يخضعون كل المسائل للتحليل متتبعين بكل جرأة المسار الذي يتخذوه وقد كانت هذه الصراحة الفكرية التي اقترنت بهم وراء حملات التكفير والاقصاء التي تعرضوا لها وبخاصة من قبل انصار النقل الذين يرفعون المدونه النصية المقررة فوق كل مراجعه او نظر عقلي وقد حفلت كتب التراجم باتهامات موجهه الى اعلام الاعتزال مفادها انهم يستخفون بالحديث وانهم لا يولونه القيمة التي يستحق بما هو مصدر ((مقدس)) من ذلك يرفض اكريسي الاشتغال بالاخبار لان له تهمة فيها(1) ولم يشرح البغدادي صاحب الترجمة هذه التهمة لكن يمكن ان نتبينها على ضوء المآخذ المتداولة في الوسط الفكري الاعتزالي عموما ولعل اهم علم معتزلي اشتهر بموقفه النقدي من سلطة الخبر هو استاذ الجاحظ ابراهيم بن سيار النظام فقد اخضع هذه السلطة لدراسة تاريخية تكشف عن ملابسات نشاتها وحقيقة الاشخاص التاريخيين الذين نزعت عنهم.عوارضهم البشرية ووضعوا فوق مستوى النقد والهام في التحليل الذي يقدمه (النظام) انه يثير الاشكاليات التي تعمد الخطاب الاصولي الرسمي اخفاءها والسكوت عنها وهي اشكاليات لا تعدو ان تكون اصداء لجملة من المعطيات التي شهدها الواقع التشريعي ماضيا وهكذا فالمعتزلة كنظام فكري قدم عطاءات كثيرة على المستويات النقدية والجدلية، وينبري اراكون لايجاد حل لافراز دور مجتمعي نهضوي يكمن هذا الحل في توليد فكر نقدي جديد عن التراث في الساحة العربية او الاسلامية فينبغي تغيير برامج التدريس في الثانويات والجامعات العربية لكي تولد اجيالا تفكر عن طريق العقل لا التكرار والنقل وينبغي ان تهتم برامج التدريس الجديدة بجانبين مهمين هما.
اولا : تعريف الطلاب بالجانب الانساني والعقلاني المضيء من التراث العربي الاسلامي وعدم تركهم فريسة للجانب الاصولي المغلق وينبغي ان يعرفوا انه قد وُجِدَ في التراث الاسلامي ـ وفي مرحلة ما من مراحله الاولى ـ مفكرون يشغلون عقولهم حقا وينتجون ادبا وعلما وفلسفة ويؤثرون حتى على اوربا وينبغي ان تنبش نصوصهم الاساسية، وان تشرح وتسهل قراءتها وتدخل في برامج التعلم منذ المرحلة الثانوية وهكذا يعرف الطلاب المسلمون والعرب ان اجدادهم قد ولدوا حركة انسانية ((هيومانيزم)) وعقلانية رائعه في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين اي قبل ان تولد اوربا حركتها الانسانية والنهضوية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولكن هنا يجب أن نتوقف عند فكر اراكون ونقول ؛ ان الجانب التنويري لو يقسم على البلاد لاصبح اكثر فاعلية اي لو يشتغل التنويري على الشعب الواحد فقط ضمن البلد الواحد ويترك العمل على الجانب التنظيري على المستوى العربي والاسلامي فكل شعب من الشعوب العربية والاسلامية له ثقافته الخاصة به وبالاحرى خصوصية ثقافية ينبغي ان تراعى في مسالك النهضة والمشكلة ان النهضويين اليوم ما زالوا ينظرون لنهضة المسلمين والعرب بعيون شمولية وما زالوا يريدون النهضة لكل العرب والمسلمين على الرغم من اختلاف البيئة والخصوصية الثقافية لكل شعب من الشعوب.
ثانيا:ينبغي تعريف الطلاب العرب والمسلمين بكل مراحل الحداثة الفكرية التي توالت في اوربا منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم، وهنا نتوقف مع اراكون لنساءله عن ان عملية تعريف الطلاب المسلمون والعرب بمراحل الحداثة من الممكن ان نفعلها في الجامعات والمناهج في مصر مثلا او في تونس لوجود صلات مع الحضارات وخصائص ثقافية اثبتتها منهجية هذين الشعبين ولكن هل من الممكن ان نوجد مناهج الحداثة الفكرية لدى طلاب الشعب الصومالي مثلا الذي ما يزال يعاني من التطرف الديني على سبيل المثال، وهذا ليس انتقاصا من شعب من الشعوب ولكنّ الخصوصية التي يمتلكها الشعب التونسي تختلف عن الخصوصية التي يمتلكها الشعب العراقي وبالنتيجة فان هذه الخصوصية هي التي من خلالها يحصل الانفتاح الحضاري على العالم والشعوب والثقافات، أنا أقول : إن المفكر النهضوي اذا ظل يفكر بنهضة شاملة لكل العرب والمسلمين سوف ينصهر ولا يستطيع تقديم الشيء المطلوب لنهضة مجتمعه.
اراكون بقراءاته الفكرية لا يحبذ التقليد الاعمى للمناهج الغربية وهذه خاصية مميزة له ومنها انه لا يريد ان نطبق منهجية النقد التاريخي على التراث الاسلامي على غرار ما فعلته اوربا وانما ينبغي النظر الى حالة المعرفة السائدة اليوم في العالم والاستفادة منها وانه ينبغي ان ننظر الى الحالة الراهنة لاولئك الذين يطلبون المعرفة في مجتمعاتنا يقصد اراكون الجمهور العربي والاسلامي وبعدئذ نـحاول تلبية هذه الطلبات الشعبية في كل بلد حسب ظروفه وحاجاته ولكن هنا ايضا نتوقف مع اراكون فنـحن عندما نلبي حاجة المجتمع في مسالة نقد التراث لا نصل الى نتيجة نهضوية بل الى نتيجة الغاء النقد انا اقول ان على المثقف والتنويري ان يخلق خطابا نهضويا بارزا يقود به المجتمعات لا ان يكون منقادا لطلب المجتمع اي أنّ التنويري النهضوي هو الذي يحقق قيادة الثقافة الى برّ الأمان لا أن يقوده المجتمع لان يصنع خطابا يناغم المجتمع بل يصنع خطابا يناغم الثقافة لقيادة المجتمع وهذا له ارتباط بمسالة تحرير الفكر حيث أن احد أساليب تحرير الفكر تنطلق من مسالة تسليط النقد الابستمولوجي الى الفكر لتغييره ثم تسليط الفكر المغير على المجتمع لاحداث التغيير المطلوب لا أن نفسر الفكر بواسطة العلوم المجتمعية اي أن ننطلق لتفسيره من داخل واحتياجات المجتمع هذا مما يتناقض النقد الابستمولوجي بل يقف معرقلا بوجه هكذا نقد ؛ وبالانتقال إلى آراء أخرى للمفكر اراكون حول اهتماماته بالقرن الرابع الهجري دون سواه بالتركيز والبحث وهذا ما وجهه اليه احد الباحثين كسؤال طرحه عليه حيث يركز المفكر اراكون على هذه الفترة التاريخية على الجوانب المضيئة في تاريخ الامة العربية على حدِّ تعبيره والتي لا زالت مجهولة لدى الكثير من الاوربيين وهنا نتوقف مع اراكون بتعبيره الامة العربية حيث ما زالت هذه التركيزات على مفاهيم قومية ليس لها البعد الشاسع في التحليل ان مفهوم الامة العربية مفهوم بات لا يحقق نهضات كبيرة على المستوى الواقعي وذلك لاختلاف الدول المكونة لهذه الامة واختلاف عاداتها وتقاليدها وخصائص شعوبها وهذا ما تناولناه في هذا البحث ايضا وهذه المسالة قد يعلق عليها معلقا ويقول : إنّ اراكون يتناول تاريخ الامة بشكل عام وليس حاضرها ككل ولكن اراكون عندما يركز على تاريخ الامة في هذه الفترة انما يريد أن يستلهم النهضة على مستوى الامة ككل وهنا يعلل اراكون تركيزه على هذا التاريخ لسببين :
1- إنّ هذه الفترة تتسم بحرية فكر عظيمة.
2- ازدهار العلوم وظهور مفكرين وعلماء مشهورين جدا والذين برزوا في ميدان العلوم العقلية.
حيث إنّ الفكر العربي القديم فيه العلوم النقلية والعقلية والسمعية وإن هذا التقسيم له اتجاهات في الفكر والعلوم ويدل على تقسيم سوسيولجي للمجتمع العربي الاسلامي القديم وانه يدل على تكون طبقة ارستقراطية مثقفة تلقت العلوم والكتابة بحسب القواعد المعروفة وكانت هذه الطبقة ايضا تستولي على ثروة مادية وعلى سطوة سياسية ومقدرة ثقافية وعقلية ومن جهة اخرى يشير اراكون الى الطبقات الشعبية انذاك او طبقة العامة وكثيرا ما يطلق عليها اسماء الاحتقار في الكتب القديمة مثل الدهماء او الغوغاء وهذه الاسماء تدل على تكون طبقات اجتماعية مختلفة متضادة وهذا التضاد يظهر لنا المواقف المختلفة ازاء ممارسة العقل في الحركات العلمية إذ نرى الطبقة العامية مثلا تستمع الى أئمة الحنابلة الذين عرفوا بالمواقف المتشددة من حيث الدين ازاء المفكرين العقلانيين الذين كانوا يدعون الاعتماد على العقل للتوصل الى المعارف الحقيقية وقد وصل النزاع في زمن المامون مثلا الى أن اضطهد الحكم العباسي اولئك الذين لم يرضوا بنظرية خلق القران وهي نظرية روّج لها مفكروا المعتزلة وهذا التيار العقلاني قد ازداد قوة واتسعت افاقه في القرن الرابع الهجري حيث نجد التيار الفلسفي المعتمد على كتب اليونان قد اثر في جميع العلوم التي كان يعنى بها كعلم الكلام والنـحو والأخلاق والتاريخ كما نشاهد ذلك عند علماء كأبي حيان التوحيدي ومسكويه صاحب تجارب الامم وتهذيب الاخلاق وابن جني صاحب الكتب العامة في النـحو العربي وفي العصر نفسه ظهرت تلك الموسوعه العلمية المشهورة والمعروفة باسم رسائل اخوان الصفاء وهي موسوعه جمعت بين العلوم الفلسفية والعلوم الطبيعية والدينية وشاعت بين العوام لانها كانت رسائل موزعه بين الدعاة الاسماعيلية الذين كانوا ينتشرون في اقصى الاقطار الاسلامية حتى يعلموا من لم يسمع بعد بتلك العلوم العقلية التي ازدهرت من قبل في الامصار فقط.
وفي العصر نفسه أيضا ظهرت موسوعة علمية أخرى وهي ذلك الكتاب الهام للقاضي عبد الجبار المعتزلي الا ان هذا الكتاب لم يعثر عليه الا في الخمسينيات من القرن الحالي انه كتاب المغني الذي يسرد فيه المؤف اراء المعتزلة في جميع ما يتعلق بالمعرفة الانسانية معتمدا على النصوص القرانية والسنن الاسلامية ولحد القرن الحالي كان هذا النتاج العظيم في ذاكرة النسيان والى حد نشره في القاهرة عام 1955م.
هذا النسيان وغيره يدل على ظاهرة مؤسفة جدا في تاريخ التراث العربي.
والحديث عن كتاب المغني هو الحديث نفسه عن كتاب الحروف للفارابي والذي لم ينشر الا في عام 1972م. مما يدل كل هذا أن العرب انفصلوا انفصالا تاما عن ذاك التيار العقلاني الذي اخرج العرب من اوضاعهم البدائية البسيطة الى ما هي عليه اليوم الا ان العمل العلمي المحقق المعني يبعث هذا التيار العقلاني العلمي لم يزل ضعيفا وناقصا بالنسبة الى الكتب الهامة والتي لم ندرسها بعد الدراسة اللائقة باستعمال المناهج التاريخية والسوسيولجية والالسنية والانثربولوجيا والتي يستعملها العلماءالمعاصرون في الغرب عندما يدرسون مظاهر الحضارات القديمة وهذا مما يؤكد اهتمام اراكون بهذه الفترة الزمنية من تاريخ المسلمين هو كثرة ما فيها من نهضة فكرية بحاجة الى تمحيص وتدقيق.
ويسال الكاتب كاظم المقدادي اراكون عن كتاب له بعنوان الاسلام ماض ومستقبل هل ان اراكون قد عكف على دراسة الاسلام فيه كدين او كحضارة ؟، وهنا أجاب اراكون على سؤل طرح كيف ندرس الاسلام اليوم؟ وهنا يشير اراكون الى ان المسلمين كيف تكلموا عن الاسلام بقدسية مفرطة ولا يرضون اي كلام عن دينهم الا اذا كان كلاما مقلدا لما قاله القدماء ولما قاله الائمة المعتبرون في كل بلد من البلدان الاسلامية وكذلك ان المسلمين ابتعدوا عن كل ما كان يدعوا اليه العلماء المجتهدون هؤلاء الذين وضعوا الاسس الفكرية القوية بالتساؤل العلمي المستمر... لا بالخضوع والاستسلام واتباع ما جاء به السلف الصالح الا انه وضع رسالة مشهورة حيث ابدع طرقا علمية في الاستنباط وحيث اظهر من النشاط الفكري ما لا نجده اليوم عند الكثير من المعاصرين الاسلاميين وهنا يشير اراكون الى اهمية الاجتهادات الفكرية والحاجة العصرية للتطوير الحضاري وحتى لا نبقى اسارى للاوهام والجهل والتخلف ومن ثم للقهر الحضاري والتلاشي المحتوم.
ولاراكون توضيح لموقف الاسلام من العلوم العصرية حيث يوضح هذا الموقف بان العلوم الانسانية المعاصرة دونما شك قد جاءت بنتائج طيبة وهائلة منذ الخمسينيات بحيث انها غيرت العقل البشري وجعلته ينظر الى الاشياء والى العالم نظرة جديدة تخالف النظرة التي الفناها عند القدماء ثم يشير اراكون الى مسالة الانفصال من التقليد وهذه مسالة هامة لتحرير الفكر وتوجيهه نـحو التنوير والانتقال الى الاجتهاد المثمر والمشاركة الحضارية الفعالة وهذا المصطلح يجعل من يعيش ضمن الواقع المتازم يفكر انه لم يعد يعيش وحده في هذا العالم بعد انفتاحه على كل الحضارات وعبر الاتصالات التي جعلت من هذا العالم قرية صغيرة فاشارة اراكون الى مصطلح المشاركة الحضارية انما يستلهم من خلاله ان يقف الانسان المسلم وينظر بعين ايجابية الى مناهج التفاعل الحضاري الذي اشرنا اليه انفا.
والاشكاليات الكبيرة التي وقع بها كل عربي اذا اخذنا النظرة الشاملة باستلهام معاني النهضة في اروقة الفكر العربي ككل موحد.
إنّ العرب والمسلمون يفكرون في أن الأمة والمجتمع منغمسين في حركتين متضادتين هما :الحركة الاقتصادية التي تعتمد على التكنلوجيا الغربية لمواجهة ضرورة الانتاج وهي حركة لا بد منها الا انها تعتمد في حقيقة امرها على علوم عصرية لم ندرسها بعد ولم نهضمها هضما جيدا انه بامكان كل واحد منا أن يتصل بهاتف الموبايل ولكن لم نسمع بهاتف موبايل من صناعة عربية لانه يحتاج للبحث الدؤوب في علوم هندسية عويصة...
اما الحركة الاخرى فهي الحركة الايدولوجية التي تبني عالمين من التصورات البعيدة عن الواقع والباعثة في نفوسنا تشوقا الى اعلى في ما يخص اتصالنا بالتراث وبعث الشخصية العربية وتفوق الاسلام كدين على سائر الاديان.
انها رغبات كثيرة تدور في خلد العربي لكن هذه الرغبات لا زالت بعيدة عن معطيات الواقع والعلوم الانسانية التي اشرنا اليها تقوم بدور التوفيق بين الحركة التكنلوجية المزدهرة في الغرب والناتجة عن الحركة التصنيعية من جهة وبين الحركة الايدولوجية...
إنّ العلوم الإنسانية وحدها التي تقوم بدور لازم حي ومحرر للعقول انه وحدها التي تنتقد التطورات الايدولوجية الفارغة وتمكن الانسان من التوصل الى حقائق اموره في حياته السياسية والثقافية والاقتصادية حيث كان المفكر الفيلسوف ابن رشد وهو قاضي القضاة بقرطبة قد فكر تفكيرا عميقا في هذه المسالة نفسها وقد ألف كُتُباً عالج فيها هذه النقطة بالذات.
ثم ينقل اراكون تجربة جميلة جدا عن تدريس الطلبة في جامعة السوربون حيث يشير الى اتجاهين في التدريس للطلبة داخل هذه الجامعه وهما : أن يلتزم الطالب الباحث في جميع المشاكل العصرية التي يواجهها المجتمع العربي وانطلاقا من هذه المشاكل يتم التدرج في البحث على حلها وفقا للعلوم الانسانية وهنا تكمن مسالة تجديد المناهج التي تعودنا عليها في المدارس والجامعات والحقيقة هي إن المسالة هذه تكاد تكون معكوسة تماما فنـحن عوضا من اللجوء الى التاريخ القديم انطلقنا من الواقع العربي لنـحيط بالمشاكل حديثها وقديمها حتى نصل الى ما نسميه اليوم دراسة التراث العربي.
اما الاتجاه الثاني فهو يتعلق وبشكل خاص بالتكوين العلمي والثقافي للباحثين إذ إن أكثر الذين يأتون إلى هذه الجامعة هم من الأقطار العربية على جانب كبير من النقص الثقافي والفهم العلمي المعاصر وبالتالي فان البحوث التي سيقدمونها الى الجامعه ستكون بحوثا قيمة ونافعه ولا بد للدراسات العربية ان تلتفت الى الثورة العلمية التي نضجت بفضل علم الالسنية وهو العلم الذي يعتمد على قراءة جيدة للنصوص القديمة ومشكلة قراءة النصوص تعد اليوم من اقوى المشاكل في البحث العلمي الجديد وعن طريق العلم الحديث يمكن أن نربط بين ماضي العرب وحاضرهم ربطا لا انفصام فيه ومشكلة التحديث هي من اهم مشاكل المجتمعات الصناعية المتقدمة وهي ايضا مشكلة الثقافة العربية المعاصرة وهناك بحوث علمية جدية مهمتها ايجاد روابط متينة بين انجازات الانسان في المدينة الحديثة وانجازات الحضارات القديمة والعالم العربي اليوم بحاجة ماسة الى هذه البحوث وبخاصة وهو يشهد اليوم انتكاسات حضارية كبيرة وهنا ما زلنا نتحفظ على مصطلح العالم العربي أو الأمة العربية فلا بد ان تتشكل الرؤية النهضوية على وفق النظرات التقسيمية لكل شعب من الشعوب وذلك لوجود الاختلافات بين كل الشعوب المتواجدة على ظهر البسيطة.



الهوامش
(1) تاريخ بغداد، ج7، ص57.