ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

الخلل المضمر

في محاولة التحول من الشخصانية الى المواطنة  

 

مزهر جاسم السعدي

مقدمة
ثمة خلل خفي وغير مشخص (لعله نتاج خليط غير متجانس من الأيدلوجيات والثقافات والرؤى التأويلية للخطاب الإلهي) يستوطن المنظومة المرجعية للفرد العراقي لا يمكن اكتشافه من دون عناء وتعب، والأرجح انه لم يكتشف إلى الآن على الرغم من المحاولات السوسيولوجية والانثربولوجية والسايكلوجية الخجولة في فك شفرته ومعرفة مسببات تكوينه ودواعي استيطانه، ليس ذلك الخلل هلاميا أو خرافيا يستعصى على الجميع تتبعه أواقتفاء أثره والاقتراب منه، بل عدم توافر المنهجية المناسبة والقدرة على ملاحقته والمضي في تتبعه بجدية وإصرار قطع بعض الخيوط التي يمكن إن تقود إلى مسببات استفحاله وبالتالي انتشاره كفايروس مجتمعي يصيب الفرد كما يصيب الجماعة.
تمتد جذور ذلك الخلل إلى بدايات تشكل الدولة العراقية في مطلع القرن العشرين وربما إلى ماهو ابعد من ذلك لا سيما بعد وفادة الكثير من المفاهيم الحداثوية وانبثاثها في أوساط النخب ومن ثم انتقالها إلى أفراد المجتمع عامة

كمفردات دخيلة لم يألف سماعها ويجهل ماهيتها، وتحديدا منها التي تبشر بقيام الدولة غير العابرة للحدود الوطنية وما يتبعها من استحقاقات (المواطنة) والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام الأفراد طالما امتثلوا إلى القانون واحتكموا إليه كشرط لبناء الدولة الحديثة، في وقت كان (الشخص) قد اعتاد العيش في كنف الدولة المترامية الأطراف وأتمر بأوامر السلطان (ظل الله على الأرض) وأدى التزاماته اتجاهها باعتبارها الراعية لشؤونه ومصالحه من دون المعرفة الحقيقية أو الإجمالية لنمطية هذه الممارسة التي استغرقته حتى بات واحدا من فصيل لا يعرف منتهاه، وبمعنى آخران بدايات الخلل بدأت تستفحل وتتراكم في الذاكرة المرجعية للفرد بعد إن تم استبدال مفردة الخطاب من" الشخص" إلى "المواطن" والواضح أن (هناك فرق بين مفهوم المواطن (le citoyen) ومفهوم الشخص البشري (le personne) فمفهوم المواطنة يدل على الفرد العائش في المجتمع والذي يساهم في حياته السياسية، انه ذو صبغة قانونية ودستورية، أما مفهوم الشخص فذو طابع روحي وأخلاقي بالدرجة الأولى، انه مستقل عن مفهوم المواطن من حيث كونه يحمل رسالة روحية بين جوانـحه)(1)، انه باختصار انتقال من ماهية محددة وصورة نمطية إلى وجود مغاير وصورة جديدة تلتصق في الذاكرة وتتحكم بوجوده وأفعاله.
وبغض النظر عن التمايزات البنيوية لشكلي الدولة (العابرة للحدود ـ غير العابرة) وما يلحق بها من مؤسسات يقتضي التعامل معها على وفق آلياتها المنضبطة بالنسبة إلى (الشخص-المواطن).
كان لدعاتها ومهندسيها أخطاؤهما التاريخية التي تجلت، في التوجه إلى بناء الدولة الفوقي (الشكلاني) بدلا من بناء المجتمع وما تمخض عن ذلك البناء من القسر الذي روج له كيما يتم تمثله عقيدة وشعارات مستدامة انصرفت باتجاه تقدم الدولة بدلا من بناء الدولة المتقدمة، أفضت فيما بعد إلى بروز فاعلية زيادة طلب الأفراد إلى العصبيات الجزئية كبديل تنظيمي للتبادل والتواصل الثقافي والمادي بعيدا عن شبكة الدولة، الأمر الذي يفسر الشروع القائم إلى انـحلال النسيج الوطني والانصراف إلى الهوية الفرعية وصورها الخاصة بدلا من الهوية الأم التي ينبغي توحد الصور عندها(2).وكنتيجة طبيعية لهذا التدفق غير المقنن للمفاهيم التي صعق الفرد بتواليها علية، وفساد الطرق الموصلة لتلك المفاهيم من النخب وثباتها في مرجعياتهم من دون الالتفات إلى أنها (كالكائنات الحية قد تحيى وقد تموت، أنها معرضة إلى قانون الاصطفاء الطبيعي)(3)، أدت مجتمعة إلى إن
تبرز تمظهرات (للخلل) وتتجلى بالارتباك والإرباك الذي يصاحب في الغالب سلوك الفرد العراقي بصورة استقلالية (فردية) أو مجتمعية (عامة) وما ينتج عنه من أفعال وردود الأفعال غير المحسوبة وغير المبررة وغير المفسرة. التي يعكسها في تعامله مع مفردات يومية وجد نفسه إزاءها قسريا (الدولة، الحكومة، المواطن، المؤسسات، الآخر) قد حلت بديلا عن (الأمة، الوالي،السلطان، الرعية، الطائفة)، منطلقا في فعله ذاك من الصور المتعددة والمفاهيم غير الواضحة الراكدة في مخزونه المرجعي والتي تحتم عليه سلوكا منـحرفا ليس له مدخليه في صناعته وإنتاجه سوى انه أداة الآخرين للقيام بما يملى عليه وكأنه قد وقع تحت التخدير العام.
لذلك فان الفرد العراقي يعلن دوما براءته من مسؤولية تصييره(التخزين) واستوائه في ذاكرته على هذا النـحو، أو بمعنى أدق انه يجهل الكيفية التي جعلت هذه الصورة تتشكل ومن ثم تجتر في لحظات قد تبدو غير مناسبة ما ينتج عنها سلوكا لا يروق للأخر،
ولا أدل على ذلك من الفعل الصارخ والمحموم الذي مورس بعد 9/4/2003 وخلالها من خروج المارد المخنوق من قمقمه وعدم وضوح الرؤية لدى ممارسي الأفعال التدميرية لبنى الدولة، وهذا ما يبرر مناشدة الأفراد إلى الذين تولوا صناعة هذا التراكم الصوري على استبداله أو محو الجزء المترهل منه خشية الوقوع في دوامة تكرار الفعل والعبثية وبالتالي فقدانه العيش بشكل سوي مع الأخر الذي لن ينفصل عنه مختارا أو مجبرا، ولا يمكن القول إن هذه المناشدة تأتي على الدوام وفي أزمان متكررة بل أنها تبرز في لحظات الانعتاق النادرة للأفراد والتي لا تأتي إلا بعد استراحة المحارب كما يعبر .
ولعل ما يزيد من استفحال الخلل وتفاقم خطورته وإطالة أمد بقائه اشتراك النخب في صناعته عمديا لا سيما إذا كانت النخب مصابة بالخلل ذاته على مستوى الأداء الفعلي والنظري، وهي التي تحاول إن تبرهن على نفي وجوده في المستوى النظري، والحال أن الفرد العراقي ينظر دوما إلى الفعل وانعكاساته على الأخر من دون التمعن في الأطر النظرية وان كانت تحمل في طياتها جوانب العافية والصحة ومقدمات النبل والخير والعدالة. ولعل هذه الجزئية هي التي حملت البعض على إن ينظر إلى مجريات الإحداث التي نعيشها الآن وما تمخض عنها بمنظار كلي التقاطع، ويشرعن لسلوكه العملي على وفق مرجعيته، فالذي رأى مفهوم الاحتلال هو الأقرب إلى ما تحول إليه الوضع العراقي أسس بناءاته الفعلية على وفق ما يراه، والذي نظر إلى التحول من زاوية أخرى (تحرير) أسس فعله ومنهجيته في التعامل على وفق ما يراه، وهي ذات الجزئية التي اختلف عليها العراقيون في مطلع هذا القرن ولكن بادوار معاكسة، وكلا المرجعيتين المغذية لهذا الانقسام تتسابقان في كسب القلوب لتظم العدد الأكبر إليها ومن ثم الإطباق على الصورة التي تمركزت في الذاكرة وتسخيرها فيما بعد لأداء دورها في التشضي والانقسام.والمثير هنا إن كلا المرجعيتين تنظران إلى القضايا المفصلية في بناء الدولة الحديثة بمنظار متقاطع ومختلف إلى حيث يراق الدم من جراء ذلك الاختلاف، ما يكشف عن لحظات اللا اقتراب في التعاطي مع مفهوم واحد أو الوقوف ألعقلائي على مسافة واحدة من ذات المفهوم، واكتناز بذل المستطاع للمقاربة إلى اجل غير مسمى. ليس لشيء سوى أنها تريد المضي في الإيحاء الى الآخر أن ينابيع المعرفة تتفجر من بين ثناياها وما بين أيدي الآخرين ما هو إلا سقط المتاع .
ومن هنا تحديدا تنطلق إشكالية الاشتراك، أي اشتراك النخب مع الأفراد والجماعات في الالتباس ذاته وفي الخلل ذاته، منتجة فيما بعد تواصلا وإدامة للحفاظ على ماهو كائن وعلى ما سوف يكون مستقبلا من إثراء للمخزون الصوري المشوه واستدامة انعكاساته على وقائع الحياة التي توافر عليها مع وجود الكم الهائل من الصور النمطية .
ربما يأخذ البعض على هذا الكلام بكونه من قبيل التحليل النظري الذي يفتقر إلى الدليل أو بمعنى آخر يعد الكلام اطلاقيا يضع الكل في سلة واحدة (الأفراد، النخب، الجماعات)، وما يدفعنا إلى قول ما تقدم والذي نظن بأننا لا نـحتاج معه إلى برهان، إن الاستثناء الحاصل هنا وهناك لم يغير من ارتباك الفرد العراقي اتجاه المفردات التي سبقت الإشارة إليها وطرائق تعاطيه معها أو يحد منها في لحظات السلوك العملي الذي لا يمكن تأويله أو تبريره (الفرهود، الحوسمه، الفوضى) وما ينطبق على الفرد ينطبق على النخب بمقدار متفاوت ولكن بصورة أكثر عصرية ولياقة تراعي المراسيم البرتوكولية وان دفعت هذه التهمة عنها مرارا، باعتبار انطلاقها من ذات الصورة المرتسمة في ذاكراتهم الجمعية، وهذا العيب تحديدا كان له الأثر الواضح في صناعة الصور التي تمرر إلى الفرد العراقي وتشكل سلوكه.

دور النخب في صناعة المفاهيم واستبدالها
من هنا يبرز الدور الهام والخطير للنخب في صناعة المفاهيم المجتمعية والصور التراكمية الناتجة عن هذه المفاهيم وتسويقها معلبة(للشخص، المواطن) بغية تشكلها في ذاكرته على أنها صور يمكن له إن يسترجعها في أية لحظة كانت وفي كل الأماكن التي يتحرك فيها، باعتبارها كاملة الأهلية لا يتطرق إليها الخلل، يمكن تمثلها سلوكيا وينبغي الدفاع عنها كجزء من ديمومته وانتمائه وتبني آلياتها التي تؤهله إلى الانضمام للإطار المجتمعي العام ومن ثم الاحتكام إلى صوره المتقاربة.
وفي الحقيقة إن هي إلا لعبة الجذب التي تجر (المواطن) كما المجتمع إلى التدني والانـحطاط والافتقار بالنتيجة إلى البناءات التحتية السليمة التي لا يمكن معها الرهان على صياغة المشروع الوطني . إن الدفاعات التي يبنيها (الشخص، المواطن) اعتمادا على الرؤى الملوثة وغير المعافاة المصدرة إليه من النخب لا يمكن تطويقها أو التقليل من أثارها سيمااذا كانت هذه النخب تصر على تفشي الخلل كي ما تصيره واقعا حياتيا، وبعد ذلك تعمل على إحاطته بسرية تامة خشية افتضاح أمرها وتمرد القوى التي تستهدفها لاحقا في حال اكتشافها لهشاشة متبنياتها، لذلك نرى من الطبيعي أنها أنتجت فيما بعد من جراء عملها ذاك اللبنات التي تفصل المكونات العراقية وتقطع الطريق الموصل إلى المشتركات التي تفضي بدورها إلى تكوين الحد المقبول من إطارها المرجعي العام الذي تلوذ به وتحتكم إليه ويتوحد عنده الفعل.
ولوان هذا الاختلاف كان مقصورا على مسائل ذوقية أو اعرافية كطرق المأكل والملبس، والمبنى وعمارته، والطقوس المحلية في المناسبات الخاصة، لقلنا بهوان الأمر واعتباره من خصائص الفرد التي ينبغي عدم الاعتداء عليها والمساس بها ومن المسلمات التي تتعامل بها جميع المكونات البشرية، فضلا عن كون هذه المسائل لا تشكل خللا يمكن إن يشار إليه، لكن الاختلاف في أس المشتركات المجتمعية والنظرة غير المنسجمة وغير الواضحة والمتقاطعةاحيانا صوبها يكشف عن أن هناك خللا لهذا التقاطع والافتراق والارتباك ينبغي أن يطال وان يستدرك .

التنظير أول الخلل
وفي محاولة لتتبع الفواعل العملية ومقومات بنائاتها التي أفضت إلى هذا الارتباك وتشييد أعمدته، يبرز الإطار ألتنظيري الذي يروج عبر خطابات ورسائل:
1- السياسيون.
2- المثقفون.
3- رجال الدين.
كعامل لا يمكن تخطيه باعتبار فاعليته في صناعة الوعي المجتمعي وصناعة الصورة في المخيال الفردي، وقدرته المأمولة في ملاحقة التغييرات التي تطرأ على المفاهيم أو على التفريق بين مفاهيم انتفى التعامل معها وبين مفاهيم أخرى حلت بديلا عنها يقتضي تشكل الصور المرجعية للأفراد على وفقها واستحقاقاتها، في عملية تدافعية وحراك مستمرلا يقبل سكونية من احد وبخلاف ذلك أي في حال سكونيتها سوف يتضح مقدار عجزها في ملاحقة المتغير ألمفاهيمي أو ما طرأ عليه من تجديد، لذلك وتعمية لما هي عليه من واقع مريب، حرصت هذه النخب على تشييد بناءات ضخمة وغير مخترقة في زعمها لأطر تنظيرية خاصة لكل منها، كيما تحافظ على المساحة التي تشغلها وبالتالي تتويج مسعى كل طرف بحقه في إن يتوسل بشتى الأساليب إلى إشهار إطاره ألتنظيري الذي يحركه ويتحرك من خلاله، وقد مورس هذا التضليل من الأطراف مجتمعة باختلاف الوسائل، للطموح الجامح بإخلاء الساحة من أي شريك، بغية التفرد بتحريك الكتلة المجتمعية على وفق ما يرغب ويريد وبالتالي سحبها إلى مرجعيته التي يجهل أنها بالأصل مرجعية مشوهة وغير مؤهلة لإنضاج نسق فكري وسلوكي يتماها مع المكونات المجتمعية المختلفة (على الرغم من أننا لا نسلم بوجود مرجعية واحدة لكل واحدة من تلك النخب)، وظنا منه انه بفعله ذاك يستطيع سحب المكونات المجتمعية إلى خط الشروع التأسيسي الذي يفضي إلى تأسيس مرجعية يتمثلها الأخر المختلف، باعتبارها تحمل السمات الأولية للنضوج وتوافر ممكنات الالتقاء.
من هنا نرى عظم المأزق الذي وضعت نفسها فيه .ومن هنا أيضا لا نجد غرابة في التقاطعات الحاصلة على الأرض بين هذه المرجعيات الثلاث وانعكاساتها على (الشخص، المواطن) من جهة والتقاطعات الحاصلة داخل كل مرجعية من جهة أخرى، إذ أنها تعمل على وفق ما يمكن عده بالرصد السلبي لدورة الأطروحات المتقابلة وديمومة التكرار للخطأ. وكأن الوصول للخلاص المجتمعي لا يأتيها إلا من خلال مهاجمة ما تطرح المرجعيات الأخرى وتفنيد ما جاءت به باعتباره المنتج الحقيقي للانـحراف السلوكي وغير الحضاري الذي يلحق بالأفراد والمجتمع. وان كانت تخفي سرا تطابق بعض رؤاها، في موضوعات معينة وفي أحوال متفرقة لغايات مؤقتة لا تحمل سمة الاستمرار ولو لحين، وغاية الأمر كما يقال إذا ما أردنا التأشير إلى موضع التطابق الفعلي فنـحن لا نعدو اشتراك هذه النخب في بنائاتها غير السليمة ومخرجاتها المشوهة.

المرجعية السياسية وخلل البناءات
ربما يتصدر السياسي هذا الإرباك والتشويش نتيجة لانزياحه عن الموروثات الثقافية(عادات، تقاليد، أعراف، قيم) المتجذرة في البنية المجتمعية ومحاولة نسفها دفعة واحدة من اجل تسويق الأفكار الحزبية المؤدلجة على ما سواها، انطلاقا من الفهم ألمصلحي للسياسة، مؤسسا لذلك بمصفوفة من الأفكار والمفردات ذات العيار الثقيل، وضخه الكثير من المفاهيم التي ولدت في ارض غير الأرض التي يتحرك عليها(حين بدا الانكليز بعد احتلالهم العراق يدعون إلى الديمقراطية تنادى أتباعهم وأنصارهم إلى ترديد اللفظ ببغائيا دون فهم وإدراك، ومصداقا لهذا القول روي أن السيد عبد الرحمن النقيب رئيس الحكومة المؤقتة في العراق سال احد المزارعين من شيوخ العشائر عن رأيه في نشر الديمقراطية في العراق، فأجاب الشيخ انه لا يدري ما هي الديمقراطية، ولكن الانكليز سألونا أن نزرع الباميا فزرعناها وأرادونا أن نزرع الطماطم فزرعناها وإذا كانوا يريدون منا ألان أن نزرع الديمقراطية فلا مانع من زرعها)(4)، وما يزيد الأمر إرباكا وتعقيدا محاولة استنساخ التطبيقات الحرفية لهذه المفاهيم في مكان ولادتها ونموها، من دون الانتباه إلى الخصوصية المجتمعية، وكأنه يؤسس وينظر إلى قيام دولة أهلها من الصفوة الناضجة لاستيعاب المتغيرات الإنسانية والحضارية دفعة واحدة، مرت بادوار الولادة المعافاة والتطور الذاتي والنضوج المعرفي.
متناسيا وقتئذ قرون الحيف والظلم والتجويع والتشرد والتخلف التي لحقت بأبناء جلدته والمفاهيم الغريبة التي يعدونها مقحمة على نمط حياتهم، فضلا عن احباطاتهم المتكررة الناتجة من الوعود المكذوبة للساسة التي أدمنوا سماعها بل وملوا من الذي يتعهد طرحها، ومن هنا يأتي الرفض والصدود بل وحتى الازدراء أحيانا، عندئذ يبدأ بالتنزل( تدريجيا للخطاب الذي يملا عليه عكسيا من العامة والرضوخ للأفكار المهيمنة عليهم بغض النظر عن نضوجها واعتباراتها الخاصة بغية التحرك مع القاعدة الشعبية محاولة منه لكسب ودها، ما يؤدي إلى فقدان فكرة التغيير المنتظرة والاندكاك بالخطاب المحلي ومن ثم تبنيه وإشهاره على انه المقدس الذي لا يمس)"(5) ولعل هذا التنازل لا ينفرد به السياسي وحده إنما هو القاسم المشترك الذي يوحد تلك النخب. (من طبيعة العامة أنهم يتمسكون بالخرافات والأباطيل ويحسبون أنها هي الحق الذي لا شك فيه وقد يلجا بعض المجتهدين إلى استرضاء العامة والى موافقتهم على خرافاتهم وأباطيلهم إذ هم يخشون إن يجابهوا العامة بما لا يرضون فينفض عنهم العامة وينظموا إلى صفوف منافسيهم)(6) ما يؤشر بوضوح إلى نمو الخلل ودوام استفحاله في المرجعيات التي من المفروض إن تسير الحركة لعجلة التوحد المرجعي.ومن هنا تأتي الفخاخ التي لامفر من الاعتراف بها (لهذه النخب) والتي تستدرج الإطار ألتنظيري إلى التبني ألقسري لبعض مدلولات الصور النمطية في الحكم والاحتكام ما يؤدي إلى تصاعدية الهوة والافتراق ومن ثم وبإصرار لا يعرف له مسوغ يتم تصديرها صورة جاهزة للحفظ في رصيد الأفراد والمريدين.
وبنظرة لا تدعي الوقوف الناجز عند مواطن الخلل وتشخيصه في المشروع السياسي والفلك الذي يدور فيه من حيثيات نشوء وتكون الأحزاب العراقية لا نجد مناصا من رسم خارطتها على وفق حراكها التاريخي بشكله العام واختلال النظرة الإجمالية للتوحد المرجعي، فهي إما إن تكون :
1-قومية.
2-ماركسية.
3-ليبرالية.
4-دينية.
والواضح إن الجامع بين هذه التيارات النظرة العابرة للحدود الوطنية بمستويات متفاوتة، ومحاكاة سلوك الأخر من دون الالتفات إلى الخصوصية المكانية والمجتمعية وما تمليه على سلوك الفرد بل وأثرها في بناءه، فليس من الصحيح دائما أن يكون للعراقي ميلا اتجاه قضية معينة بمقدار ما للسعودي أو المصري أو الأمريكي أو التركي من ميل أو بمعنى أدق من إعمال النظر وإشغال الفكر في القضية ذاتها، والعكس صحيح أيضا ولا يمكن الدمج ما بين المؤثرات الخاصة في بلد ما ونقلها بتمفصلاتها إلى بلد أخر لعله انتهى من المؤثرات ذاتها، فرب قضية مثل قضية مساهمة المرأة في الحياة العامة قد شغلت السياسيون وأدرجوها في ضمن أجنداتهم بل وعملوا كثيرا على دعمها قد تجد صداها عند البعض أو تكون الرأسمال المعنوي لبعض الجهات وليس بالضرورة إن تجد الأهمية ذاتها عند البعض الأخر على مستوى بلدان مختلفة وعلى مستوى البلد الواحد، فالذي نظر إلى حرية المرأة وضرورة اشتراكها في جميع ميادين الحياة لا يرى صورة قبيحة في ممارستها وهكذا نمط صورتها في ذاكرته، وبالمقابل فان الذي نظر إليها على أنها قد خرقت الناموس الطبيعي للمجتمع فانه لا يحمل عنها إلا صورة المرأة غير المحتشمة التي لا تراعي الذوق الشرعي والأخلاقي ولا ادري كيف السبيل الى معالجة مثل هذه القضية من دون الرجوع الى الخصوصية المجتمعية ومحاولة استدراج المفهوم ومطاوعته في العقل السياسي .
وربما يحتج أصحاب التيار القومي بوجود الثقافة المشتركة واللغة المشتركة والتاريخ المشترك واعتبار هذه الأسباب كافية لبناءات هامة على صعيد التوحد المرجعي والمفاهيمي على المستوى العربي، غير إن السنين المنصرمة برهنت وبوضوح على بطلان هذا الاحتجاج وانكشاف عورته بين التيار القومي نفسه ما أدى إلى انـحسار دوره على الصعيدين المحلي والخارجي باعتبار (إن المفاهيم تعد نتاجا لخبرة اجتماعية مشتركة ولما كانت خبرات الأفراد والجماعات تختلف من حيث الزمان والمكان فان ذلك ينعكس على معاني المفاهيم واستخدامها)(7)، غير أنها أخذت من المساحة المرجعية للأفراد ما أخذت وظلت بعض صورها عالقة في ذاكرتهم تبرز إلى السطح ما إن تجد المتنفس، والأكثر من هذا إجراء المقايسات الآنية على مجرى الكثير من الأحداث بمقتضاها وبالتالي تأسيس الأحكام والأفعال السلوكية نتيجة تلك المقايسات .
إن الرهان القومي على الافتراضات السالفة كان بمثابة اكتشاف الذات عند الصبيان في سني المراهقة سرعان ما تخمد جذوته وينصرف بفكره إلى قضايا أخرى جديدة يرتبها بحسب أهميتها، وانبلاج الأمر عند الكل العربي في الاشتراك الثقافي واللغوي وهشاشة آليات استدامته، حدا بالكثير من العرب في النظر صوب الداخل الوطني واكتشاف أهميته وان جاء متأخرا والعمل على تقليص مساحة التأثير في الاندماج العربي الكلاني، لقد اكتشف الكثير من العرب الخصوصية الثقافية الوطنية لبلدانهم وصاروا يطورن من نتاجاتها بمعزل عن الآخرين حتى استوت هوية تعريفية للانتماء، فهناك الهوية المغاربية والمصرية والخليجية، وحتما إن بروز هذه الهويات لا يعني الانغلاق وعدم الإفادة من الهويات الأخرى غير أنها ظلت محلية الانتماء وطنية التوجه.
وكذا الحال مع اللغة بما هي مشترك فإنها لم تعد كافية أيضا لإنتاج مفاهيم مشتركة وصور مشتركة تنطبع في ذاكرة الفرد والسبب هو إن (كل كلمة لها تاريخها وتحولاتها ومعانيها وتقلباتها .وحتى عندما نتوهم إننا قبضنا على المعنى الأولي والبريء للكلمة نجد انه اقل براءة مما نتصور، ذلك انه مسبوق بمعان أخرى لا نعرفها)(8)، من هنا يمكننا القول إن العديد من الجذور اللغوية لمفاهيم عديدة لايمكن الاطمئنان إليها باعتبار قسرها من بعض الباحثين ممن تضطرهم الظروف البحثية الصرفة إلى تتبعها وأحيانا الأخذ بها كمفهوم بعد إجراء المقاربات اللازمة بما يحمل من ارث محلي ، وغير ذلك فان الرهان على دوام اللغة بما هي مفردة كلام يعد ضربا من اللا حكمة، إذ إن اللغة كما يعبر عنها علماء الالسنيات متحركة ومتنامية بتحرك الزمان والمكان، لذلك فإنها تنقل كثيرا من المعاني والدلالات لمعاني ودلالات مغايرة لأصل الوضع، والمشكلة التي يمكن مواجهتها في هذه الإشكالية، إن الصور المحفوظة في خزين الفرد لا تنتقل إلى الدلالة الجديدة بل تبقى محتفظة بما كانت عليه من صورة مطبوعة مما يجعل من تعاملها على وفق المفردة والمعنى مضطربا وغائما وللسبب نفسه (خيل لكونفيوشوس أن الفساد اللغوي العام كان يعكس الفساد الاجتماعي ولذلك فقد اعتقد أن الطريق إلى الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي يبدأ بتقويم المصطلحات ذلك انه حين لا تعني الكلمات أو الاصطلاحات ما كان مراد منها أن تعنيه فإنها تكون قد فقدت قيمتها)(9)،
إن مشكل الإبهام في المعاني اللغوية يجعل من عقد الشراكة القومي غير ساري على التوحد ألمفاهيمي وفقدان جدوى وضعها على أنها ركيزة للاشتراك، لقد نمت في السنوات المنصرمة مفردات لغوية محلية الصنع يتعاطها أهل البلد الواحد من غير أن يفهم معناهاالاخر وان كان عربيا إذ شاعت في مطبوعاتهم ومناهجهم، ما يدلل على تمكنهم من خلق الخصوصية اللغوية المرتبطة بالمكان ومن ثم عدم الاكتراث الى ما يخلف ذلك .وهنا لا اعني كما يدعي البعض بجواز اللهجات وتعددها في المنظومة اللغوية العربية، إنما اعني بدايات التأسيس لمفردات بمداليل مختلفة عما سبق وان استعملت. وان كان الحديث عن المفاهيم القومية والتباساتها وتسببها في تشظي الصورة في ذاكرة الفرد قد اخذ اتساعه فمن المناسب عدم استبعاد بعض من اشتراطاته الكلية عن التيار الماركسي وأطروحته في دكتاتورية البلورتاريا، فما كان من استجابة الأفراد للمفاهيم الماركسية كان ليس بسبب وضوح المفاهيم نفسها إذ (وقف الشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي يوم 7 حزيران 1937 في مجلس النواب ليعلن، إني شيوعي.... ولكن شيوعيتي إسلامية لأنها وردت في القران الكريم في قوله تعالى "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم "كما قال الرسول "تؤخذ من أغنيائهم فترد علة فقرائهم " أليست هذه الشيوعية ؟ومن يستطيع إن يقاوم هذا المبدأ)(10) في الوقت الذي كانت فيه بواكير العمل الحزبي تنـحوا منـحى آخر إذ (اظهر شيوعيو البصرة والناصرية مؤشرات وجودهم للمرة الأولى من عام 1929 ولم يكن عددهم يزيد على "درزن "من الشباب الذين لم يكونوا يعرفون من الشيوعية إلا بعض الشعارات القليلة وبعض الأفكار البسيطة ولكن حماستهم لم تكن الأقل كثافة في هذا الميدان .وبدلا من توسيع صفوفهم بهدوء ودراسة الأفكار التي سحرتهم بعمق اكبر .سارعوا إلى الانتفاض على القوى الدينية في البلاد وكان مثلهم في هذا مثل من يغطس في نهر دون إن يعرف عمقه)(11)، ولعل هذا يفسر لنا الحاجة الآنية لسد متطلبات الإحساس بالانتماء والاحتماء بالرصيد السياسي للمجموعات المغذية لهذه المقولات أكثر من وضوح المفهوم، ومن ثم انفراط عقدها في حال تمكن القوى الأخرى في رسم الصورة المتقاربة من موروثها وبالتالي التقائها الكلي مع الأنماط المحفزة في كوامن الفرد .ومن الغريب إن نلاحظ في حديث الرصافي (إن الإسلام فسر بهذا الشكل وانه ربط بالشيوعية وان كان هذا الربط لفظيا أكثر من كونه مفاهيميا وفي العقود التالية كان لهذا الربط إن يميل بالعقول في اتجاه الشيوعية وصالحها وان يسهل تقدمها)(12) والواضح هنا إن الارتباك ألمفاهيمي لدى المنتمين إلى الحزب وغير المنتمين إليه يطبع بصورته في ذاكرة الفرد مما يجعل من سلوكه (ايجابيا /سلبيا) مرهون باجترار هذه الصورة ومدى حضورها في اللحظة الآنية.
ولا اعلم ماهية الدوافع الحقيقية التي جعلت من دعاة الفكر الليبرالي إلى التوجه بشكل مباشر للأفراد وحقنهم بمفاهيم منقولة بالأصل من دون الالتفات إلى محاولة التوطين التدريجي لمثل هذه المفاهيم، واحسب إن التفاؤل الصارخ بخلو الساحة السياسية من تيارات منافسة والتفرد في إشغال المساحات الإضافية غير المخصصة له عجلت من انكشاف نواياه للغالبية العظمى من المجتمع.، مما أدى إلى النظر إليه بأنه لا يمثل في صوره المثلى إلا فسادا وتمردا على منظومة القيم التي تربوا عليها، من نخوة وغيرة وشهامة ونجدة الملهوف وبالتالي الابتعاد عن مثلهم وأخلاقهم الدينية ، وقد لعب الإسلامويون دورا فعالا في تشويه متبنياته بغية الانقضاض على كل الآثار التي يمكن إن تصوغ فيما بعد صورا تظل محفورة في ذاكرة الفرد ومن ثم التفرد باستدراجه إلى مايريد، وهذا ما سنفصل به لاحقا مع إننا لا ننفر من قول الدكتور برهان غليون (إن الحركات القومية أو الوطنية العربية لم تكن حداثية في أهدافها وبرامجها فقط وإنما كانت أيضا على مختلف أشكالها التاريخية الإصلاحية الإسلامية والقومية والاشتراكية حداثية عقيدة وخطابا أي خاضعة في توجهاتها والقيم المعنوية التي تستند إليها وتعبئ على أساسها إلى هيمنة الأخلاقيات الحديثة التي هي في الوقت نفسه عقائديات غربية .وعندما نتحدث عن عقائد وأخلاقيات فنـحن نعني الإطار المرجعي الذي يلجأ إليه الإنسان في فهم مكانته وموقعه ووجهة حركته في المجتمع والتاريخ ومنظومة القيم التي ينبغي تمثلها من كل فرد من أفراد الجماعة)(13).
إن المعركة الخفية التي تخوضها النخب السياسية فيما بينها قد اخفت في طياتها كل مناطق التحريم الأخلاقي، لهذا نرى فعلها ألتدميري الهائل في الذاكرة غير المستقرة للأفراد، ابتداء من التحشيد والشد المتتابع اتجاه أهداف تعلم هي قبل غيرها صعوبة إنباتها في الأرض العراقية، غير أنها مدفوعة بهوس التغيير والتمثل الشكلي للحراك السياسي العالمي من دون الالتفات إلى ما سوف تخلفه من دمار لا يخضع بالضرورة إلى منطق لعبة التمركز والاستعلاء.ولعلي استدرك هنا بما يجلي ما أبهم حول القول بالخصوصية المجتمعية، والتي لا اعني بها قطعا الانغلاق التام على النفس والقطيعة مع الآخر وعدم الاكتراث إلى متغيرات العصر والعيش في كهوف الماضي، إنما عنيت قدرة إبداع العقل النخبوي العراقي على تطويع المتغيرات والمفاهيم بما يوائم المجتمع وحقنها إليه تدرجيا ريثما يتم استبدال الصور المقاربة في مخزونه وإحلال الصور الجديدة وهي الغاية التي يمكن استثمارها من دون خسائر.

المرجعية الفكرية والثقافية
والمفروض اختلاف الرؤية عند المثقف لاتساع المساحة التي ينطلق منها وعدم أحاديتها، وكون المنجز الثقافي لا يعد منجزا إن لم يؤسس للمشتركات المجتمعية وان تضمن النرجسية واستنطاق الذات والخصوصية المناطقية التي انطلق منها وإفادته من التجارب المجايلة، لكن انـحرافات المشهد الثقافي واغترابه في الداخل مؤشر على عدم وقوفه على مسافة واحدة من صيرورة التأسيس المشتركة، تبعا لمرجعياته المتعددة وانهماكه في إبراز فهمه للثقافة المحلية من جهة، ودورانه في فلك السياسي والديني من جهة أخرى، لقد هجر إمكانية تشييد بناءاته الخاصة بعيدا عن سلطة الايدولوجيا والتقديس وتاه ما بين ضجيج السياسي وتدليس الديني، على الرغم من عدم رضاه الكامن لهاتين السلطتين ومحاولات انفكاكه المتعثرة منهما، ما يجعله مسخا مشوها لا يكترث إليه ولا يحسب حسابه من الجهتين المقابلتين (السياسية، الدينية) في تغيير مجريات التراجع المجتمعي والتدني الجلي في أنهاج تعاملاته الحياتية، لذلك تأتي صيحات البعض على إن يفرز المؤثر الثقافي كقوة من بين عديد القوى اللاعبة على الساحة العراقية باهتة وغير ذي جدوى ولا مسوغ لها، إذ انه اختار صاغرا الاندكاك في مشروع السياسي والديني والتصق بمرجعيتهما بل وتعدى ذلك كله بتبرعه في جعل خطابه منبرا للدعاية التي تدعم وجهات النظر لهاتين القوتين، ولا يعد الأمر سلبيا إن كان هذا الصنيع منطلقا من رؤية ثابتة قائمة على أساس التقاء مفهومي واضح وناضج إذ في هذه الحيثية لا يمكن الاعتراض أو التأشير للخطأ لان التمايزات المطلقة ربما تجد محطات التقائها مع الأخر، ما يؤشر إلى بدايات توحد التأسيس وجعله منطلقا، غير إن التبرع من المثقف لا يندرج في هذا الوصف إنما لاعتبارات أخرى تخص بناءاته الذاتية التي يفتقر فيها إلى الأخر دوما لذلك هو يحتمي بهاتين القوتين، من هنا يأتي تجاوز المنظومة المحلية والمدينية لخطابه ما جعله أسير ادعاءاته بامتلاك هامش معتد به لتغيير الخلل المرجعي والصور النمطية التي يبثها اللا وعي الفردي اتجاه المتغير المنتظر منذ عقود، الأمر الذي لم يستطع البرهنة عليه ولا حتى الوقوف عند مقدماته السليمة، ربما لاحت في الأفق بعض مديات التأسيس الاستثنائية عند مفكرين شغلوا أنفسهم في استقراء البنية المجتمعية ومحاولة الوقوف عند بعض بنائاتهاو قراءتها قراءة عراقية خالصة، غير إن (لأرثوذوكسية) الثقافية نظرت صوب هذا المنجز على انه ترف ينبغي إن لا يلتفت إليه، وحتما سيكون الأمر اشد قسوة على أولئك المفكرين إذا كان منطلقا من الذين يعدون أنفسهم حماة الفكر من الانزلاق وما جبلوا إلا للمحافظة على الموروث بما هو مورث بغض النظر عن اندثاره التدريجي وعدم الالتفات إليه، وهم بالقطع لا يدركون عظم المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه . وربما حاول(الخطاب) لمام شتاته واستجمع قواه الخائرة في بعض الأوقات وأعلن عن وجوده لكن من دون جدوى، إذ سبقه غيره في احتلال مساحته والتربع على بساطها مسترخيا بلا خوف ولا مسائلة. لقد فوت فرصة عظيمة للنهوض بما أمكنه من تأسيس مشروعه والترويج له في ظل السبات الذي صادف القوتين الاخريتين، في أوقات معينة قد تأتي في غفلة من الزمن السياسي والديني، لكنه هو الآخر أصيب بسبات خدرته لبعض الوقت نتيجة اعتماده على ماهو عاطفي صرف في نتاجه (الشعر، القصة) فأفلتت الفرصة من بين يديه ولا مجال أو ثمة طريق يوصله إلى بداية المربع الأول، انه انهزام اختياري وليس اضطراري يدخل في سلسلة التبرير ودائرة الاعتذار.

المرجعية الدينية وسطوة المقدس
وظل الفاعل الديني اللاعب الذي يخشاه الجميع بدلا من إن يتوحد عنده الجميع، لسطوته وقوة نفوذه، ومعرفة الآخرون عواقب الانفلات منه. وظل التلويح باستعمال سلطة النص وفق التأويل البشري السلاح الخطير الذي يهدم ويجهز على محاولات الاقتراب من لحظة التأسيس للذاكرة المجتمعية.
وما بين التأويل والتنزيل تمترست جماعات وأسست مدارس وتشعبت مرجعيات وما يزال الكثير يحرص على تغذيتها ودوام بقائها خشية إن يفلت منه خيط من خيوط اللعبة عندئذ ينكفئ خاسرا أو متراجعا أو مستسلما وهذا ما لا يفعله (الديني) لعدم وجود المساحة الممكنة في مرجعيته للاعتراف بما هو غير صحيح ومن ثم إعادة تأهيله، باعتبار امتلاكه الحقيقة كل الحقيقة من دون مشاركة من احد.
ولعل هذه المقولة بالذات هي التي أغلقت باب أهليته لتصدير ثقافة التغيير والاعتراف بالفهم غير الصحيح لمكنونات النص وقراءته المرتبكة المحددة بمعطيات عصر قارئ النص من دون استشرافه وبالتالي تغيير مرتسم الصورة المطبوعة في ذاكرة الأفراد .
ربما يتسلل ذلك الاعتراف أو جزء منه إلى مرجعية السياسي معترفا على مضض منه بهذا الحادث ألزماني وإدراج مفرداته في أجندته بمقدار معين والعمل بمقتضاها تماشيا مع وفرة التغيرات المفاهيمية.
وربما يغير المثقف من بعض موضوعاته ويطور أساليبه ويستقدم موضوعات بديلة ورؤى تنسجم مع المتغير الحياتي والهم الإنساني، سوى الخطاب الديني فهو الوحيد الذي لا يتطرق إليه الخطأ ولا يندرج في ضمن أجندته باعتبار تعكزه على المطلق والمقدس وقراءته لهاذين المفهومين قراءة اقل ما يمكن إن يقال عنها أنها غير مستوعبة لروح العصر ومكانة الدين في النفوس، على أننا نعلم من تأكيد النص الإلهي على دوام الاقتراب من العصور التالية وإعطاء الفسحة في انعكاس التنزيل على نمط الحياة بشقيها العبا دية والمعاملاتية.والمشكل في هذه الحيثية إن هناك من يريد وبإصرار التعاطي مع الفهم الديني كما يريده هو لا كما يريده الله وبالتالي يحاول جاهدا على برهنة ما يدعي بتأويلات قسرية تقترب من تأليهه وصولا الى أن يصنع له الأخر تمثالا يتعهده بالرعاية وعدم العقوق ما امتد به العمر، بل والأكثر من ذلك انه يغمض عينيه عما هو خارج الدائرة المقدسة التي اختطها لنفسه ويعد كل ما هو خارجها ضربا من الشرك الذي ينبغي إن يتوب عنه أصحابه، هذا إن كان يعد نفسه من المعتدلين إما مع المتشدد فالكلام يأخذ مديات أخرى تصل إلى حد إزهاق النفس وشرعنة إراقة الدم الآدمي.
إن ممارسة التجهيل والوصاية أو بمعنى أدق الولاية على عقل (الشخص) الذي اشتبكت عليه الأحداث وهو يعدو مهرولا صوب (المواطنة) لوحده سببا كافيا في انشطار سلوكه العملي، فهو مجبر بحكم انصياعه للفتوى إن لا يخون عقيدته ويمتثل قدر ما أمكنه للتعاليم المقدسة في المحافظة على الإرث الديني الكبير والهائل، ومكره في التعامل مع الإفتاء لا سيما في حالات التقاطع ما بين المؤسسة الدينية وشموليتها والسلطة الوضعية ووطنيتها،
أليس هو الذي انشطر وتشضى وارتبك إلى حد التخوين والتجريم في مطلع هذا القرن حين دافع عن مكتسباته الشخصية متمثلا سلوك شريحة مهمة كانت تشاطره فعله ذاك ؟، منفلتا عن سطوة الفتوى في وجوب عدم التعامل مع المحتل الكافر.
الم تؤسس هذه اللحظات التاريخية رصيدا مرجعيا كان مرتسمه (الكافر، المجاهد، الخائن)؟ وقد طالما تكرر هذا المثلث في أزمان متفاوتة في التاريخ العراقي .
ربما تجاوز البعض أخطاء هذه المرحلة التاريخية وانتقل إلى التخطي الفعلي والكلي لمضمون الإفتاء وصورته المرعبة، لا سيما بعد تعدد الإفتاء في دائرته المقدسة، وانكشاف الأمر، في إن الحلال ليس حلالا مطلقا وليس الحرام حراما مطلقا إنما هو حلال من جهة وحرام من جهة أخرى في ذات الوقت، والمبرر في الحالتين مراعاة المصالح والمفاسد وسد الذرائع وتغير الإفتاء على وفق مقتضيات الزمان والمكان ووو.. القائمة تطول .
لقد سحقت هذه التركيبة المخيفة (التجهيل، الوصاية) الكثير من النخب، فقد سحقت السياسي وانقلبت ضده بين ليلة وضحاها، وسحقت المثقف وخنقت صوته، وسحقت نفسها حين تطاولت على العلماء الذين لا يرضخون لشروطها ويسيرون على خطى السلف بما وفروا لأنفسهم من مساحة ذوقية رتبت الأولويات ما بين العقيدة والمواطنة مخترقة بذلك ميدان المسكوت عنه فقهيا .
قد يقال إن المساحة البشرية لإشغال المسكوت عنه في الخطاب الإلهي هي جزء من حفظ العقيدة وديمومتها ، وقد يقال إن الفتوى هي صناعة بشرية تلبس لباس المقدس لتجد طريقها في سلوك الاتباع والمريدين، غير إن الأمر عملياتيا يشير إلى غير ذلك في بعض حالاته ويتجه إلى منـحدر خطير، يحل فيه البشر محل الله في وجوب الطاعة ويظل هذا الأمر عالقا في المخزون المرجعي للأفراد يقايس على ضوءه متعلقات الأفعال في حقب زمنية مختلفة .
إنها ثنائية تكرر نفسها في المشهد العراقي مخلفة ورائها العديد من الصور التي لا يمكن محوها بسهولة، بل لنقل أنها دورة مجتمعية تبدأ لتعود إلى نقطة الانطلاق نفسها .وما بين ميلاد الدولة العراقية في مطلع هذا القرن وبين نهايته يقف (المواطن -الشخص) المواقف ذاتها محملا بصورة مسبقة عن مجريات كل الأحداث بما يتيح له أن يشكل سلوكه العملي على وفقها.
وللسبب نفسه لا نرى غرابة في (إن خطبة الجمعة في بغداد استمرت حتى عام 1924 تدعو المصلين إلى الصلاة من اجل الخليفة العثماني بصفتيه الروحية والزمنية بالرغم من احتجاجات فيصل بان بقاء الخطبة بهذه الصيغة يشكل اهانة له)(14)، فالذي حرك الخطيب باتجاه هذه القضية ليس الميل إلى الوالي العثماني، إنما صورة ولي الأمر المركوزة في ذاكرته (كشخص) جعلته ينسى انه في بغداد (مواطن) وان هناك وليا جديدا قد نصب يحمل ذات المواصفات الشرعية في وجوب الطاعة .
وما يقال عن مثل ثبات الصورة في القضية المارة آنفا يقال في مواقع عديدة ومتشعبة من صناعة رديئة نسجت في مخيلة الفرد ثبات المفهوم وثبات الصورة ما يكشف عن عجز النخب (السياسية، الثقافية، الدينية) في دوام السيطرة على المتغيرات التي تطال بعض المفاهيم وبالتالي تغير الصورة في ذاكرته لتبدوا أكثر ملائمة وواقعية .وازعم إن عدم قدرة النخب على المطاولة والسعي الحثيث باتجاه تطورها الذاتي أوقعها والفرد في فخ لم يكن في حسابات العديد منها.
ومن هنا أنها لم ولن تدرج مثل هذا الخلل في ضمن أجندتها كيما تخرج العراقي (الشخص-المواطن) من ثبات المحور الذي يدور حوله، وبذلك تسجل لنفسها إهمالا عمديا سيظل يلاحقها طالما كان الحديث عن ارتباك في سلوك العراقي وتعامله مع مفردات الحياة التي يعيش.
المصادر
1-اراكون، محمد.أين هو الفكر الإسلامي المعاصرًص99-100 ط2 دار الساقية.
2-ينظر دغليون، برهان، المحنة العربية الدولة ضد الامةص226 ط2 1994 مركز دراسات الوحدة العربية .
3-اراكون م.س ص11 .
4-اديث وائي، ايف بينروز، العراق دراسية في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية ترجمة عبد المجيد القيسي ج1، ص27 الدار العربية للموسوعات.
5-ينظر، د.الجنابي، ميثم، مجلة مدارك الفصلية الفكرية العدد 2 السنة الأولى ص55.
6-الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ج2 ص84
7-د .إبراهيم، حسنين توفيق، ظاهرة العنف في النظم العربية ص39، مركز دراسات الوحدة العربية ط2 نيسان 1999
8-اراكون م س ص41
9- بطاطو، حنا العراق ج2 ترجمة عفيف الرزاز ص359.
10-رضا.محمد جواد، العرب والتربية والحضارة الاختيار الصعب ص57 دار السلاسل الكويت 1987
11- م ن ص75
12-م ن ص20
13-د برهان غليون م س ص255
14- بطاطو م س ص359