ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

الخروج من رماد العلمنة

(قراءة سوسيولوجية في العودة الصاخبة للظاهرة الدينية )

 

د.علي وتوت

 

((إعلمْ - أرشدنا الله وإياك - إنـّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئةٍ من الترتيب والإحكام ، وربط الأسباب والمستويات وربط الأسباب بالمسببات ، واتصال الأكوان بالأكوان ، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض)).

أبن خلدون المقدمة، الباب الأول من الكتاب الأول، المقدمة السادسة(1)

 

تمهيد:
في أيامنا هذه ، نادراً ما يشهد العالم أزمةً (سياسية) في أحد أرجائه، لا تقف وراءها يد الدين غير المتوارية تماماً ، فالعمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة تصل باطراد كل يوم إلى أماكن أبعد من العالم ، فيما تستبد بدول العالم أجمع حمى الخوف من التطرف الإسلامي (إسلاموفوبيا Islamophobia)، بينما يحترب المسلمون مع اليهود في فلسطين من جهة، ومع المسيحيين في أماكن أخرى عدة، تمتد من (دارفور) في الجنوب الأفريقي، وصولاً إلى (البوسنة) في الشمال الأوربي، وحتى (أرمينيا) في الشرق، من جهة أخرى. في حين يتنازع المتطرفون بمختلف دياناتهم في شبه القارة الهندية. أما دول العالم المتحضر، فقد شهدت هي الأخرى نمواً في الأصوليات الدينية، فضلاً عن حركات التبشير الإنجيلي التلفزيوني. لكن الأكثر تأثيراً كان وصول الأحزاب الدينية (مسيحية اشتراكية كانت أو غير ذلك) إلى

مواقع صنع القرار في دول عدة، ولسوف تصل سيطرة الوعي الديني الجديد ذروتها في قناعات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، والتي جعلت من الرئيس الأمريكي (جورج بوش) يتعامل مع دول العالم على وفق منظومة غيبية من المفاهيم (فهي مرتبة في محورين أحدهما للشر والآخر للخير). إن عودة الظاهرة الدينية (بمختلف مسمياتها: حركات دينية جديدة، أو وعي ديني جديد، أو أصولية دينية أو سلفية دينية)، إلى الظهور بشدة، تثير قلق المدافعين عن فرضيات الحداثة والعلمنة، وتثير حيرة المراقبين والباحثين، فلماذا عادت الظاهرة الدينية بهذه القوة من جديد؟ ومتى بدأت هذه العودة بشكل دقيق؟ وهل تبدو العودة الدينية مؤقتة؟ أم أنها تأكيد جديد لسيادة الديني على غيره من التفسيرات؟ فضلاً عن إجابة هذه الأسئلة، سنـحاول في المقال الحالي طرح عددٍ من القضايا الملحة التي يثيرها الانتشار الواسع للمد الديني أو الظاهرة الدينية، مثل: ماهية (الدين) الذي نتحدث عنه وكنهه، وأصل المفهوم، وأهم شروطه ووظائفه، وغيرها من القضايا التي تحاول تقديم فهم أدق لهذا المفهوم.

أولاً- توسع المد الديني: الصعود السياسي وتراجع الحداثة
تدل السجالات التي تشهدها سوسيولوجيا الدين في الآونة الأخيرة، على أن بداية كل نقاش حالي لتنظيرات الحداثة، تغيرت لتبدأ بالسؤال الآتي: من يؤمن بعد بأسطورة العلمنة؟، وذلك بعد أن كانت فرضية العلمنة واحدة من أكثر فرضيات العلوم الاجتماعية شيوعاًً، وهي للتذكير فحسب، تنص على (أن سلطة الدين على البشر في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الصناعي العلمي تضعف، بل وتكاد تتلاشى)( 2). فهل أن العلمنة أصبحت سبةً، في معظم المجتمعات، الآن، حتى يكتب أحدهم (كيف نواجه العلمنة؟)(3).
لكن، لاشك أن هناك مدخلاً لنقاشٍ هاديء عن تراجع العقلانية والعلمنة في ظل الوقائع اليومية. إذ يبدو عجز الحداثة عن تفسير الأشياء الأبدية (أفكار مثل الموت والكوارث الطبيعية والمجهولات عموماً) عجزاً أبدياً، فضلاً عن فشل الأيديولوجيات العلمانية المختلفة، وأهمها الماركسية في تحقيق وعودها بعالم مثالي مزدهر، قد شكل عاملاً مهماً في تفسير عودة الناس إلى الدين(4)، وحتى إلى السحر لتطمينهم(5)، حتى في البلدان التي تعد قلاعاً للحداثة والعلمنة. إذ وعلى الرغم من انـحسار آثار المؤسسة الدينية في الغرب، انتشرت الحركات الدينية الأصولية، وبخاصةٍ في الولايات المتحدة، وشكلت ما يسمى بـ(اليمين المسيحي الجديد)، بعدها رداً على القيم العلمانية وعلى ما يوصف بالأزمة الأخلاقية المستشرية في المجتمع الأمريكي.
لكن عجز الحداثة، وعلى الرغم من أهميته، ليس العامل الأهم، إذ إن هذا العامل لوحده لا يعطي تفسيراً دقيقاً للصحوة الدينية. وإذا ما حاولنا تقصي العامل الأكثر تأثيراً وفاعلية، والأشد قدرة على تفسير هذا التوسع والانتشار للظاهرة الدينية، لسوف نجد أن التفاعل بين (الديني والسياسي) هو ذلك العامل الأرجح. ويمكن لنا ملاحظة جدلية (الديني/السياسي) بوضوح في كل تفاصيل الاجتماع الإنساني اليوم، إذ بينما يُهاجَم الدين في بعض المجتمعات لخنوعه وتبعيته للسياسي، فضلاً عن كونه يمنـح الشرعية لمن لا يستحقها، يهاجم الدين لهيمنته على السياسي في مجتمعات أخرى.
فالدين عاد ليصبح (عالمياً) مرةً أخرى، منذ ثمانينات القرن الماضي، بعد أن أوشك أن تطويه صفحات النسيان، في عصر الحداثة والعلمنة. وذاك بعد أن حدثت تطورات برزت للعيان معاً، على الرغم من أن أحداً منها لا يمت ظاهرياً للآخر بصلة، وأضفت على الدين ذلك الرواج العالمي، والذي حتم إعادة تقويم موقعه ودوره في المجتمع الحديث. وقد تمثلت هذه التطورات بـ:
1. الثورة الإسلامية في إيران(6).
2. صعود حركة التضامن في بولندا.
3. عودة الأصولية البروتستانتية إلى الواجهة كقوة ضاغطة في السياسة الأمريكية(7).
تزامن ذلك، مع تجدد صراعات قديمة على وفق رؤىً ومنظورات دينية هذه المرة. ففي الشرق الأوسط ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي شاخصاً على الرغم من مضي أربعة عقود على بدئه ، إذ أصبح صراعاً دينياً، أو إسلامياً/يهودياً هذه المرة، وهذا هو تسفيه مبالغ به لقضية مصيرية (فلسطين)، وكأن افتراض تحول يهود دولة إسرائيل إلى مسلمين مثلاً، يمنـحهم حق احتلال الأرض الفلسطينية. مثلما برزت مجدداً صراعات قديمة بين مختلف الأديان وفروعها من ايرلندا الشمالية إلى يوغسلافيا، ومن الهند إلى الاتحاد السوفيتي السابق. وقد تزامن ذلك مع تعاظم انخراط الناشطين الدينيين والكنائس في النضال من أجل التحرير والعدالة والديمقراطية في جميع أرجاء العالم. ومع انهيار النظام الاشتراكي، بات يتراءى أن اللاهوت التحرري هو كل ما تبقى من (الأممية) الوحيدة الباقية(8).
لقد دخل الدين خلال ذلك العقد (النطاق العام) وكسب رواجاً، تمثل في اهتمام جماهير متنوعة (وسائل إعلام وسوسيولوجيون ونخب سياسية وثقافية) وكذلك الجمهور الأوسع، بعد أن كان منطوياً داخل (النطاق الخاص: الشأن الاعتقادي والعبادي الخاص للأفراد). دخل من النطاق العام بعد أن أظهر وجهه المزدوج، لا بصفته حاملاً لهويات محددة، وخصوصية، وأولية وحسب، بل كذلك حاملاً لهويات شاملة، وكونية، ومتسامية. لقد أشار الإحياء الديني بصورة متزامنة إلى صعود الأصولية ودورها في مقاومة (الظالمين)، وصعود (المستضعفين)(9).
إن مجموعة كبيرة من الباحثين في سوسيولوجيا الدين اليوم، لم تعد تعير فرضية العلمنة آذاناً صاغية، ذلك لأنهم تخلوا عن هذا الأنموذج، مثلما تبنوه سابقاً في عجالة غير نقدية. بل إن كثيراً منهم الآن يسخر من (العقلانيين) الذين أطلقوا الكثير من التنبؤات الخاطئة بشأن مصير الأديان، مثلما سخر الفلاسفة قبلهم من (رجال الدين الظلاميين). أما وقد تسلح الباحثون في سوسيولوجيا الدين بالأدلة (العلمية)، فقد تعززت ثقتهم في التكهن بغدٍ مشرق ينتظر الدين. وهذا الانقلاب في المواقف مذهل بشدة، حينما يذكر المرء أن لا أحد كان مستعداً للإصغاء، في سبعينات القرن الماضي، عندما علت الأصوات الأولى، في أول (سجال حول العلمنة) ، وراحت تشكك بالمفهوم والأدلة التجريبية أو غيابهما وراء نظرية العلمنة. وما كان لأيٍّ كان أن يعير آذاناً صاغية وقتئذٍ، واللاهوتيين أنفسهم يعلنون (موت الله)، ويحتفلون بحلول المدنية والعلمانية(10).
لقد بدأت أولى تمظهرات عودة الظاهرة الدينية في مجتمعات الشرق المسلمة، بشكلها التنظيمي، تولد في المجتمع المصري، وكانت في بداياتها (ثلاثينات القرن الماضي)، ردة فعل تجاه الهيمنة الكولينيالية، كما هو الحال في (جماعة الأخوان المسلمين)، لكنها كانت فيما بعد، منذ الاستقلال، ناتجة عن محددات ومتغيرات اقتصادية لم يستطع كثير من المصريين مواجهتها (ظروف الانفتاح الاقتصادي) فلجأ الشباب منهم إلى الدين باعتبار أن (الإسلام هو الحل)، وكثر الحديث عن (الدين والدولة)، وعن ضرورة (تطبيق الشريعة)، فنشأت جماعات إسلامية عدة، كان أهمها (جماعة التكفير والهجرة) والتي كفّرت الشارع، مستندةً على تصورات سابقة لجماعة الأخوان تشكك في المجتمع(11)، ولأنها لم تستطع محاربته فقد هجرته، أو هاجرت عنه. ومن يومها كبرت الجماعات الإسلامية وتنوعت لتصل إلى الواجهة السياسية والاجتماعية، بفعل عملية اغتيال الرئيس المصري السابق (محمد أنور السادات)، وذلك على الرغم من التهميش المبالغ به الذي عوملت به الحركة.
وإذا ما كان بعض الباحثين العراقيين في السوسيولوجيا(12)، يشير إلى أن ما يحدث في مصر، سيحدث في بغداد بعد عقد من الزمان، فإن عدم عودة الظاهرة الدينية بقوة، أو تأخر نشوء الصحوة الدينية في الشارع العراقي، كان لعوامل عدة، أهمها فإن المد الديني احتاج إلى أكثر من عقدين ليصل إلى الشارع العراقي، بعد أن أخرته ظروف الحرب العراقية الإيرانية والتي منع فيها القمع المرعب لدكتاتورية البعث من تلمّس أية مقدمات للظاهرة في الشارع العراقي. هذا من جهة.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الحركات الدينية (الإسلامية)، والجماعات الدينية في الشارع العربي كانت في الغالب سنيّة المذهب، ولما كانت هذه الجماعات تعاني من هيمنة المؤسسة الدينية السنّية الرسمية على تفسير الواقع وتبريره، فقد وقفت بالضد من المؤسسة الدينية الرسمية، ومن ثم وقفت ضد النظام فيما بعد. فيما كانت غالبية الجماعة الإسلامية العراقية شيعية المذهب، وكانت زعامة هذه الجماعة (ممثلة بالمرجعيات الدينية الشيعية)، لا تعترف أساساً بشرعية النظام السياسي العلماني ذي الانـحياز الطائفي البغيض، بل والدولة ككل، فوقفت المرجعيات الدينية بذاتها بوجه النظام، مباشرة بعدّه غاصباً للسلطة، (نستذكر هنا مثلاً موقف المرجع الكبير السيد محمد باقر الصدر والذي أعدمه النظام الدكتاتوري البغيض)، ولذا فإنها لم تعان من خروج أتباعها عليها. لكن انقلاباً كبيراً سيحدث في الواقع العراقي، بأعقاب الأزمات الاجتماعية التي احتدمت بفعل الحصار الاقتصادي على العراق بأثر احتلاله للكويت، إذ بفعل ضعف النظام الشمولي وتفريغ المجتمع المديني من محتواه، ستنمو شبكا ت القرابة، وأشكال التنظيم القبلي، لتسدّ مسدّ مجتمع مدني مغيَب. وستبرز شبكات التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للدين الشعبي حول الجوامع والشخصيات الدينية(13). ولسوف يعزز قرار النظام الدكتاتوري، والذي دعاه بـ (الحملة الإيمانية(14)) من زيادة التوجه نـحو الدين من جديد.

ثانياً - في المفهوم
والمفهوم الأساسي هنا هو (الدين)، وهو قد يتواشج مع مفاهيم أخرى قريبة منه أو بعيدة، (كمفاهيم التديّن، والمتديّن أو رجل الدين، والطقوس الدينية أو العبادات، والإيمان، والنصوص المقدسة، والسحر، والأسطورة، وما إلى ذلك من مفاهيم) لا يتسع المجال لبحثها في هذه العجالة.
إن المتتبع للظاهرة الدينية عبر التاريخ ليجدها أكثر الظواهر تعقيداً وتشعباً، إذ تتشابك فيها مفاهيم عدة تختلف من دين إلى آخر، ويتعذَّر فيها حصر (الدين) في قالب واحد، من دون الإحاطة بكل الأديان ومعرفة ماهيتها وخاصيتها. ولسوف نرى كيف انعكست الحيرة في تعريفات الدين على المحاولات العديدة التي بذلت لتأسيس مفهومٍ صحيح له، محاوِلةً أن تراعي المقومات الأساسية المشتركة في كل الأديان وتراعي عدم الالتزام بدين معين. إننا إذ نقوم بعملية تحديد المفهوم، فإنما نفعل ذلك من أجل محاولة الوصول إلى المشتركات بين الدين في كل مكان. وعلى هذا الأساس نجد أن توصيف أحد الباحثين العراقيين للدين بـ (مطلق الإيمان)، ودعوته إلى (تخليص الإلهي من كل ما هو إنساني)(15)، لا يمكن تحققه في ضوء هذا الاندماج حدّ التماهي بين ما هو (دنيوي) وما هو (مقدس). إذ يبدو أن علينا الاعتراف بأن الصراع الذي كانت تثيره حركات الإصلاح الديني مع المؤسسة الدينية الرسمية في كل الأديان والأزمان والأمكنة، كان أبداً صراعاً لإنزال الإلهي (السماوي) إلى مستوى الأرضي، والشروع بممارسة دين يضع هموم البسطاء في رأس أولوياته، بل والطلب من محتكري الدين والقائمين عليه العودة (في الغالب) إلى بدايات الدين الأولى، ألم تنطلق حتى الديانات السماوية الثلاث الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام) من أناس بسطاء، ودعت دوماً إلى المساواة الاجتماعية وللاهتمام بحال العامة من الأفراد. فضلاً عن أن الحركات الدينية اليوم، تدعو بمطاليب (العامة) وترفعه كأهم شعاراتها، تنتشر انتشاراً واسعاً بين أوساطهم. فهل يؤكد هذا، من جانب آخر وجود دينٍ للعامة وآخر للنخب !
كما يشير أرنست گلنر(16)( E Gellner) أم إن الدين انقلب على ذاته، ليصبح لا ديناً، بل مجرد تأويلات ركبها الانتهازيون وأصحاب المصالح، أو ديناً مقلوباً بلغة شريعتي(17). وهل يمكن أن نميز ما هو إنساني (اجتماعي)، عما هو غيبي (إلهي أو سماوي) في الحشود التي تؤدي طقوساً دينية أينما كان على وجه السهلة ؟ وهل يمكن لنا أن نسأل كخاتمة لمناقشة الفكرة، هل الدين (أي دين) هو دين الله (الغيب أو الآلهة)؟ أم هو دين الناس؟ أسئلة كثيرة نـحير في إجابتها على وفق الدعوة تلك. وعليه، ومن أجل أن نـحدد أوجه مفهوم (الدين) بدقةٍ أكبر، سنبدأ بتحديده لغةً، ومن ثم نعرض للاصطلاح السوسيولوجي لتحديد المفهوم. ففي العربية، الدين (والجمع أديان): بمعنى الملة والمذهب، وهو الطاعة والمعصية. وهو القهر والذل، وهو الخضوع، يقال (قومٌ دينٌ) بمعنى قوم دائنون أو خاضعون، وهو السيرة، والخدمة، والورع، وهو العادة والعبادة، وهو الحال والشأن، وهو الإكراه والغلبة، وهو الإحسان، وهو المُلْكُ والسلطان والحكم، وهو أيضاً الجزاء والمكافأة، والقضاء، والتدبير والحساب، ومنه (يوم الدين) أي يوم الدينونة أو القيامة. وهو الإسلام والتوحيد، وهو اسم لجميع ما يعبد به الله، أو آلهة. وهو اسم لكل ما يُعتقد أو يُتعبَّد به(18).
فمفهوم (الدين) في العربية ينطوي على معانٍ عدة، متشعِّبة ومتباعدة بل متناقضة. إذ إنّ تنوع هذه المعاني يعود إلى ثلاثة مضامين تكاد تكون متصلة، باعتبار أن الكلمة التي يُراد شرحها ليست كلمة واحدة، بل ثلاث كلمات، أو بعبارة أدق إنها تتضمن ثلاثة (أفعال) بالتناوب. فكلمة (الدين) تأتي مرة من فعل متعدٍّ بنفسه: (دانه يدينه)، وأحياناً من فعل متعدٍّ باللام: (دان له)، وتارة من فعلٍ متعدٍّ بالباء: (دان به)، وباختلاف الاشتقاق يختلف المضمون الذي تعطيه العبارة. ويذهب أحد الباحثين إلى أن المتصفِّح في اشتقاق هذه الكلمة ووجوه تصريفها في العربية، قد يستشف من هذا الاختلاف الظاهر تقارباً، بل توافقاً وانسجاماً في جوهر المعنى(19). مثلما أن مفهوم (الدين Religion) في اللاتينية، أثار اختلاف المفكرين عند إرجاع هذه الكلمة إلى جذورها، إذ كان شيشرو (Ciceron) الخطيب الروماني، قد اقترح أن الجذر leg يعني المراقبة أو الملاحظة وخاصة مراقبة الأجرام السماوية أو الإلهامات السماوية الدينية. فيما أشارت آراء مخالفة، إلى أن الكلمة جاءت من جذر آخر هو lig يعني الرابطة أو العلاقة المشتركة بين الإنساني والإلهي. فيما اعتمد القديس أوغسطين التفسيرين، إذ رأى أن كلمة دين تتضمن المعنيين السابقين. فيما يرى البعض الآخر أن المفهوم مشتق من الأصل (Religere) بمعنى العبادة المصحوبة بالرهبة والخشية والاحترام(20). أما الشائع في الفكر المسيحي الحاضر، فهو أن كلمة (Religere) تعني علاقة متينة بين النفس الإنسانية والذات الإلهية المقدسة، ولكن علاقة كهذه تعد ثابتة أو غير خاضعة للتغيير أو التطور(21).
وكما رأينا فإن الاختلاف وعدم التحديد الدقيق كان الشأن الواضح للمفهوم في اللغة، فكيف يكون حاله في الاصطلاح الفكري بعامة، والسوسيولوجي بخاصة؟. ولكي نتحاشى الوقوع في منزلقات التحيز الثقافي، فإن علينا أن نستثني بعض الخصائص التي لا تشترك فيها الديانات كافة. فالدين ظاهرة اجتماعية تمتـد في الزمان والمكان. وهي من التنوع والتعدد والتباين، تشهد على ذلك معابد وإهرامات ودور مقدسة، كما شهدت به بقايا ما قبل التاريخ بما حوته من نقوش ولُقىً آثارية ذات صبغة دينية. ذلك أنه لكي نـحدد مفهوم (الدين) تعريفاً يصدق على جميع الديانات التي وجدت يوماً أو المستمرة في الوجود والتأثير إلى يومنا الحاضر، كبرت الجماعات التي تضمه، أم صغرت، ينبغي علينا أولاً دراسة الظاهرة الدينية بشكل موضوعي، وهذا لا يتم إلا بالخروج من المنظورات المسبقة للظاهرة(22). وفي هذا الشأن تقف الدراسات المقارنة للأديان كأحد السبل العلمية المهمة للموضوعية.
عليه، وفيما نعمد إلى عرض سريع للمفهوم، سوف نستثني الكثير من الإشارات، أولها تلك التي تطابق بين الدين والوحدانية (أي الإيمان بإله واحد) مثلاً، أو التي تحصر مسمى (الدين) في دائرة الأديان الصحيحة، المنبثقة من الوحي الإلهي، والتي تتخذ معبوداً واحداً هو الخالق المهيمن على كل شيء فالديانة الطبيعية التي تستند إلى العقل، أو الديانات الخرافية التي هي ثمرة الأوهام والأساطير، والديانات الوثنية التي تتخذ من التماثيل آلهة لا ينطبق عليها تعريف (الدين)، على وفق رؤى المفكرين من الأديان الكبيرة (وبخاصة المسلمين والمسيحين واليهود)، فهناك بعض المعتقدات الدينية الشائعة اليوم تؤمن بما هو أكثر من إله واحد، كما أن ديانات أخرى لا تتضمن مفهوم (الألوهية) الشائع في معتقدات أخرى(23).
فلا شك أن فهمنا للدين يمكننا من دراسة المسافات الاجتماعية (Social Distance) بين الجماعات الصغيرة والكبيرة، والتي تقرب بينها وحدة العاطفة الدينية أو تباعد بينها اختلاف العقيدة، وهي قضيةٌ ترتبط في وقتنا الحاضر بشأن السياسة الدولية، على الرغم من أن التوجهات الإنسانية الحديثة تحاول التخلص من مثالب حقب التنازع الديني والعقائدي(24). في الفكر الغربي، عماد الحضارة الحديثة، فإن الفلاسفة والمفكرين على الرغم من اعتقادهم بأهميته، إلا أنهم نظروا إلى الدين غالباً من منظورين متناقضين. الأول مدافع شرس عن الدين ووجوده في المجتمع مؤكداً الالتزام بالنظرة الدينية أو التفسير الغائي. يقابله منظور ثاني يرفض الدين رفضاً قاطعاً، مشدداً على النظرة العلمية للعالم أو التفسير السببي للأشياء. وليس المجال متاحاً هنا لعرض الاصطلاحات الفلسفية والفكرية لمفهوم الدين، عليه سنعرض لأهمها، ثم سنـحاول التركيز على الاصطلاح السوسيولوجي للمفهوم.
إذ أشار نيقولا ميكافللي (N.Machivielli) الذي درس الدين من زاوية رجل السياسة الذي يسعى لتحقيق أهدافه من دون أن يتقيد بأي قيدٍ أخلاقي أو ديني، وبدون أن يلتزم بأي حقٍ إنساني. فالغاية في نظره تبرر الوسيلة مهما انطوت عليه من شر، ولذا فقد ثار على الأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة أبان الإمبراطورية الرومانية وهاجم سطوة (البابوات) ونادى بضرورة إخضاع السلطة الروحية للسلطة الزمنية. وقد دلل على سلامة موقفه إزاء الهيئات الدينية، بأنها لم تكن تلتزم حدود وظيفتها الروحية فتتدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية التي لا تتفق مع طبيعة مهمتها التوجيهية الدينية(25).
أما إيمانويل كانت (E.Kant)، فقد أكد منذ أمدٍ طويل، إلى أن الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية سامية. فالدين برأي كانط يسعى إلى إسداء خدمة نفعية لا يقدر عليها غيره برعايته لأهم مصالح الإنسانية متمثلة في وحدة مشتركة للمنظومة الأخلاقية، يتلاقى حولها بنو البشر عبر عنها كانط بالقانون الأخلاقي العالمي(26).
فيما دعا سان سيمون (S. Simon) إلى إنشاء مسيحيةٍ جديدة تؤكد معاني المحبة والأخوة بعد أن طغت المادة على العلاقات الإنسانية. وقد أثر هذا التوجه أيما تأثير في أوغست كومت (A. Comte) تلميذ سيمون، فدعا بدوره إلى دين وضعي يحقق الأخوة التامة بين أبناء الجنس البشري، والحب المتبادل بينهم، ولذلك فإنه يطلق عليها عبادة الإنسانية. فالدين في نظره هو الوسيلة الفذة لانسجام العقل والقلب، ولاتحاد أفراد المجتمع بالحب(27). أما الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (B. Spinoza) فقد اعتقد أن الله يكمن في الطبيعة والكون، وإن النصوص الدينية هي استعارات ومجازات غايتها أن تعرّف بطبيعة اللهّ، مؤكداً على أن الديانة الوضعية ضرورة اجتماعية، وبخاصة بالنسبة للجمهور العادي الذي لا يستطيع أن يكيف سلوكه وفق المثالية التي صدرت بها الأوامر المقدسة. فالعقائد والتعاليم الدينية كما جاء بها النبيون والرسل تفوق إدراك العامة على الفهم والاستيعاب في العادة، ولذا فالوظيفة الاجتماعية لرجال الدين تتلخص في تلقين العامة تعليماً دينياً متناسباً مع فهمهم لطبيعة الأشياء.
فيما رأى هيجل (Hegel) أن الدين هو أسمى ما تصبو إليه الروح الإنسانية في محاولة لتحقيق كمالها، وفي سبيل تحقيق المثل العليا للجمال والله والحقيقة يولد الفن والدين والفلسفة. وقد عرف هيجل (الدين) على أنه المعرفة التي تكتسبها النفس المحدودة بجوهرها كروح مطلق. ويدلل هيجل على فكرته على أساس أن كل الديانات إنما تتطلع إلى تحقيق اتحاد الألوهية بالإنسانية، وبناء على ذلك فإن تنوع الديانات في نظر هيجل كأنها مرت بأطوار تدريجية لتحقيق هذه الوحدة حتى نصل إلى المسيحية التي تجسِّد هذه الوحدة فهي قمة البناء(28).
ولسوف نختم برؤية ولتر ستيس (W. Stace) للدين وهو من الفلاسفة المحدثين حين يقول: إن التدين عنصر أساسي في تكوين الإنسان، والحس الديني إنما يكمن في أعماق كل قلب بشري، بل هو يدخل في صميم ماهية الإنسان مثله مثل العقل سواء بسواء(29).

ثالثاً- في الاصطلاح السوسيولوجي للدين
لقد تأثرت المقاربات النظرية في السوسيولوجيا تجاه الدين كثيراً بالآراء التي طرحها ثلاثة من كبار المفكرين الغربيين، وهم كارل ماركس (K. Marx) ، وأميل دوركهايم (E. Dorkhiem) ، وماكس فيبر (M. Weber). ولمّا لم يكن أياً من الثلاثة متديناً، فقد تكهنوا بانـحسار الدين في المجتمعات الحديثة، واعتقدوا جميعاً أن الدين في جوهره يمثل واقعاً موهوماً ومضللاً، لكنه عظيم الأثر في الاجتماع الإنساني.
وإذا ما كان ماركس لم يدرس (الدين) بصورةٍ تفصيلية بحد ذاته، ولا من منظور سوسيولوجي، بل استقى كثيراً من أفكاره من كتابات عدد من المفكرين والفلاسفة، كان من أهمهم لودفيغ فيورباخ (L. Feuerbach)، فإن دوركهايم وخلافاً لماركس أمضى كثيراً من جهوده البحثية في دراسة الدين، مع التركيز بصورةٍ خاصة على الاعتقاد الديني في المجتمعات التقليدية الصغيرة. ويمكن اعتبار مؤلفه (الأشكال الأولية للحياة الدينية)(30) أبرز الأعمال المؤثرة في سوسيولوجيا الدين. بالمقابل، عكف فيبر في دراساته على استقصاء الأديان القائمة في العالم في جهد موسوعي غير مسبوق، وتركزت دراساته على ما أسماه بـ(أديان العالم) التي ينضوي تحتها أعداد هائلة من المؤمنين، والتي تركت آثاراً حاسمة في تاريخ البشرية، فقام بدراسات مسهبة للهندوسية والبوذية والتاوية واليهودية القديمة، كما أنه درس آثار المسيحية في تاريخ الغرب، غير أنه لم يستكمل دراساته عن الإسلام(31). فقد اتفق ماركس كلياً مع فكرة فيورباخ، الذي كان قد وضع مؤلفاً مهماً حول الدين بعنوان (جوهر المسيحية)(32)، رأى فيه أن الدين يتكون من أفكار وقيم أنتجها البشر خلال تطورهم الثقافي، ولكنهم أسبغوها على قوى سماوية أو إلهية. ونظراً لأن البشر لا يعرفون مصيرهم تمام المعرفة، فإنهم ينسبون إلى أنشطة الآلهة ما سبق أن أنتجوه في مجتمعاتهم من قيم ومعايير. من هنا، فإن قصة (الوصايا العشر) التي أنزلها الله على موسى، هي مجرد نسخة أسطورية لأصول المباديء الأخلاقية التي كانت في حياة اليهود القدماء ثم المسيحيين(33). ويضيف فيورباخ أنه طالما ظل البشر عاجزين عن فهم الرموز الدينية التي ابتدعوها، فإنهم سيظلون أسرى لقوى التاريخ التي لا يستطيعون التحكم فيها. ويستعمل فيورباخ مصطلح (الاغتراب) للدلالة على خلق آلهة أو قوىً إلهية مميزة عن البشر. ذلك أن القيم والأفكار الإنسانية تُعزى، في هذه الحالة إلى كائنات غريبة ومستقلة. وقد ترك التغرّب في الماضي آثاراً سلبية، غير أن فهم الناس للدين باعتباره اغتراباً أو استلاباً من شأنه أن يفتح أبواب الأمل في المستقبل. وحالما يتبين البشر أن القيم التي يرجعونها إلى الدين، إنما هي من إنتاجهم، فإن هذه القيم ستغدو ممكنة التحقق على الأرض، ولن يتم إرجاؤها إلى الحياة الأخرى. ويمكن للبشر آنذاك أن يكتسبوا القوى التي ينسبها المسيحيون إلى الله، فالمحبة والخير والقدرة على التحكم في حياتنا موجودة، كما يرى فيورباخ في المؤسسات الاجتماعية، وقد تؤتي ثمارها حالما ندرك ونتفهم طبيعتها الحقيقية(34).
إن الدين وفقاً لماركس، يمثل حالة من الاغتراب الإنساني. فالدين، في نظره هو بمثابة (القلب في عالم لا قلب له)، والملاذ من قسوة الواقع اليومي. ويرى ماركس أن الدين بشكله التقليدي سوف يختفي، بل لا بد من أن يختفي، نظراً إلى أن القيم الإيجابية التي يمثلها الدين قد تكون أنموذجاً هادياً لتحسين الأوضاع البشرية على الأرض، وليس لأن هذه المثل والقيم العليا مغلوطة بحد ذاتها. وعلينا من وجهة نظر ماركس، أن لا نخشى الآلهة التي صنعناها بأنفسنا، وأن لا نضفي عليها المثل والقيم العليا التي يمكن للبشر أنفسهم أن يحققوها(35).
وقد أعلن ماركس في إحدى عباراته الشهيرة أن الدين هو (أفيون الشعوب). فالدين يرجيء السعادة والجزاء إلى الحياة الأخرى، ويدعو الناس إلى القناعة والرضا بأوضاعهم في هذه الحياة. ويؤدي ذلك إلى صرف الانتباه عن المظالم ووجوه التفاوت والتمييز واللا مساواة في العالم، وإلهاء الناس بما يمكن أن يكون من نصيبهم في عالم الآخرة. إذ ينطوي الدين على ما يرى ماركس، على عنصر أيديولوجي مؤثر: إذ أن المعتقدات والقيم الدينية تستعمل، في أكثر الأحيان، لتبرير جوانب اللا مساواة في مجال الثروة والسلطة. إن عبارة مثل (الضعفاء سيرثون الأرض) على سبيل المثال تحمل معنى الخنوع، وعدم التصدي للقمع(36).
في حين شدد دوركهايم كثيراً على علاقة النسق الديني بالأنساق الاجتماعية الأخرى. فالدين على وفق ما يرى هو نسقٌ من المعتقدات المقدسة التي تربط الأفراد معاً على شكل جماعات اجتماعية. بل أنه يصف الدين بأنه (الحياة التي يتم التعاطي معها بجدية)(37)، فقد انطلق من خصوصية الدين البدائي، ووسع تنظيراته عن الدين البدائي لتشمل جميع الأديان، مع تأكيده الصريح على أن لكل تجربة اجتماعية بعداً دينياً خاصاً شرط أن تكون شمولية. فقد ارتكز عمله الهام على دراسة (الطوطمية) التي يمارسها سكان استراليا الأصليون باعتبارها تمثل (الأشكال الأولية للدين). والطوطم كما أصبح معروف، حيوان أو نبات يجسد قيمة رمزية للجماعة ويحظى بالإجلال والاحترام، لأن له طابعاً مقدساً تتبلور حوله منظومة من الأنشطة الطقوسية المتنوعة. ويتعامل الناس مع الأشياء والرموز المقدسة بمعزلٍ عن جوانب الحياة الروتينية اليومية التي تدخل في باب المدنس. ويحضر في هذه الحالة أكل الطوطم من حيوان أو نبات إلا في مناسبات احتفالية معينة. كما أن الناس يضفون على الطوطم خصائص إلهية تميزه عن أنواع الحيوانات الأخرى التي يمكن اصطيادها، أو المحاصيل التي يمكن التقاطها واستهلاكها(38).
أما سبب عدّ الطوطم مقدساً فيرجع إلى كونه يمثل رمزاً للجماعة نفسها، فهو يجسد القيم المحورية في حياة الجماعة أو المجتمع. وليست مشاعر الإجلال والإكبار التي يحملها أفراد الجماعة إزاء الطوطم إلا تعبيراً عن احترامهم للقيم الاجتماعية الأساسية السائدة بينهم. إن موضوع العبادة في نظر دوركهايم هو المجتمع نفسه الذي يسعى لكي يؤكد ذاته بذاته، ويرسخ شرعيته وقيمه. من هنا فإن (الآلهة هي صورة للمجتمع، وليس المجتمع صورة للآلهة)(39). فالمجتمع من فرط إعجابه بقيمه، ومن شدة احترامه وتقديره لها، يحاول أن يمنـحها بعداً غيبياً، بمعنى آخر أن المجتمع يؤله نفسه بالدين .
لقد ميز دوركهايم، في كل واقع ديني عنصرين اثنين: المعتقدات والطقوس. ويمكننا أن نميز المعتقدات الدينية عبر طبيعة الإكراه الذي تمارسه على روح المؤمنين (الطهارة والالتزام بأخلاقٍ معينة وغيرها)، وحينئذٍ يمكننا أن نتكلم عن العقائد، يعني عن القضايا المعدة من قبل اللاهوتيين أو رجال الدين، والمصادق عليها من قبل السلطات المتسلسلة (إله، نبي، ولي، كاهن، رجل دين وهكذا)، والتي لا يمكن أن تناقش من قبل المؤمنين. فالعقيدة تتعلق بمجالات مختلفة (تاريخية، أو ميتافيزيقية، أو أخلاقية). ولكن أياً ما تكن طبيعة الغرض الذي يتناوله المعتقد الديني، فإنه يتميز بما يدعى بدائرة الإيمان، وكل من ينكر العقائد يضع نفسه خارج هذه الدائرة، وقد يعرض نفسه إلى التوبيخ العلني. فضلاً عن العقائد، فإن كل ديانة تتضمن عدداً معيناً من الأوامر والنواهي(40). أما ماكس فيبر فقد ركز على الترابط بين الدين والتغير الاجتماعي، وهو المجال الذي لم يتطرق إليه دوركهايم. فالدين يقوم، وفقاً لـ(فيبر)، بإعطاء صورةٍ واضحة للعالم تجعله مفهوماً للإنسان. ولتحقيق ذلك، دعا فيبر إلى عقلنة الدين، والتي يتوقف إنجازها في رأيه على إلغاء الخرافات ورفع التناقض والغموض عن الدين، وتقديمه بوصفه سبيلاً للاستقامة(41). إذ تقودنا رؤيا فيبر بوضوح إلى توقع وجود بعض الانسجام والتطابق بين الاقتصاد الحديث وما يرتبط به من معتقداتٍ دينية، بتأكيده على أن تطور النظام الرأسمالي الحديث خلال القرنين الـ (16) والـ(17)، يعود في روحه إلى الأخلاق البروتستانية(42).
إذ اعتقد فيبر، وعلى العكس مما قال به ماركس، أن الدين لا يمثل بالضرورة قوةً محافظة، بل إن بعض الحركات والتوجهات الدينية التي تستلهم جانباً من تعاليم الدين، أحدثت تحولات اجتماعية مثيرة في المجتمعات الغربية. إذ كانت البروتستانتية المنبع الأساس للنظرة الرأسمالية في المجتمعات الغربية الحديثة، وكان أوائل المبادرين بالمشاريع التجارية هم من أتباع المصلح البروتستانتي جون كالفن (Calvin)، وكانوا في اندفاعهم لتحقيق النجاح، الذي أسهم في انطلاق التنمية الاقتصادية الغربية، يصدرون رغبةً في خدمة الله. وكان النجاح المادي والاقتصادي في نظرهم علامة من علامات العناية الإلهية(43).
إن الأمثولة الثابتة لسوسيولوجيا الدين عند فيبر تشير إلى التباس هذه التوجهات الخاصة بغاياتنا الأخيرة، والتي ينبغي، لكي تكون فعالة اجتماعياً، أن تتجسد في نظام من الممارسات والمعتقدات المحددة والمعاقب عليها مؤسساتياً(44).ومن المفترض أن يكون النمط الحديث من الإنتاج (عقلانياً) قبل كل شي، فهو منظم ممنهج، شديد التأثر بفاعلية الكلفة، وأكثر ميلاً إلى تقسيم العمل والاستفادة من آلية السوق الحر. كما يتطلب من أولئك القائمين على تشغيله سرعة التأثر بفكرة الالتزام والوفاء بالعقود، وحب العمل الجاد، والانضباط والنظام، وألا يكونوا بحاجةٍ ماسة إلى شبكات علاقات الحماية والمناصرة والمحاباة السياسية والدينية غير ذات الصلة بالجانب الاقتصادي، وألا يبددوا الكثير من طاقتهم في الاحتفالات والاستعراضات(45). تلك كانت المسيرة التي اتبعها ماكس فيبر في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، حيث حاول معالجة التأملات النظرية للكالفينية حول النعمة لا بصفتها تنتمي إلى عالم (المُثل ideas)، وإنما بصفتها بديلاً جوهرياً لبناء الحضارة الحديثة والمحافظة عليها(46)، وذلك عبر مماهاة التأملات البروتستانتية مع الواقع، بشكل يقربها أكثر لتكون أخلاقاً، وقيماً عملية، فيما تنسحب الرأسمالية كتعبير عن نمط علاقات إنتاج وواقع لتصبح روحاً تتلبس من يتسلح بالأخلاق البروتستانتية.

رابعاً- في المقترب السوسيولوجي: الأبعاد والدلالات
إن المقاربة السوسيولوجية في كل مكان، تقوم على ضرورة الربط بين الظاهرة المدروسة وبين البنية الاجتماعية. ويحاول الباحثون في السوسيولوجيا اليوم إعطاء الظاهرة الدينية تفسيراً وضعياً، وهذا ما تسبب بإشكالات وتقاطعات عدة مع اللاهوتيين أو المشتغلين باللاهوت. فاللاهوتيين الذين واجهوا ورثة التقليد العقلاني الذين كانوا يعتقدون أنهم يفسرون الواقع الديني بالجهل أو الدوافع ذات الانفعالية العمياء، حاولوا التأكيد دوماً على أن الواقع الديني ينجو من قبضة العلم الوضعي(47).
ولا جديد في القول أن اهتمام البحث الاجتماعي بالظواهر غير العقلانية من ثقافة ما، ينبغي أن يكون متناسباً أصلاً مع نصيب هذه الظواهر وحجمها في الثقافة موضوع البحث. فإذا لم يتم استنباط العقلانية الخاصة بالظواهر غير العقلانية نفسها، ظلت تفعل فعلها في سراديب الثقافة لتظهر فجأة، في أوقاتٍ غير منتظرة ولا متوقعة فتعيث بكل ما ظن أهل العقل واهمين أنهم بنوه(48). إن مساهمة السوسيولوجيا تتمثل في النظر إلى الدين بصفته (واقعة اجتماعية)، - وبالتالي إنسانية- تتحدى كل (الاختزالات)، حتى ولو كانت قابلة لأشكال متنوعة في المكان وفي الزمان. وقد اعتقد مؤسسو السوسيولوجيا (دوركهايم وفيبر تحديداً) أن المعتقدات الدينية لا يمكن أن تختزل إلى هذيانٍ محض، مثلما لا يمكن اختزال الطقوس إلى تصرفات إلزامية أو إكراهية(49). فالدين ظاهرة سوسيولوجية تضطلع بأدوار عدة، ليست أخلاقية فحسب، بل تمتدُّ إلى أصعدة سياسية واقتصادية، وعلى الباحث أن يدرس هذه الأدوار بذاتها، فالمطلوب علمياً هو دراسة ما يحدث في المجتمع، وتحديد نسبة (الديني) وقوته، وتبيان أثره وتأثيره، وبالخصوص تأثره بالمجتمع الذي يعتنقه، وهذا هو موضوع (سوسيولوجيا الدين)(50). وهنا يتضح القصور في فهم الظاهرة الدينية، بعدّها وليدة المجتمع، فالمجتمع يساهم في إعادة إنتاج الظاهرة الدينية ويوجهها نـحو مصلحته(51).
إن التجربة الدينية تتجسد في نسيج الفعل الاجتماعي، الذي يساهم في إعطاءها معنىً معيناً، على الرغم من أنها قد تتجاوزه، إلى الحد الذي تنكر عليه أحياناً أية شرعية (كما في بعض حالات الزهد القصوى). ولهذا ينبغي ألا تعامل الاتجاهات الدينية الكبرى لا بصفتها صوراً بعيدة لمثال لا يمكن الوصول إليه، ولا بصفتها إسقاطاً هاذياً لرغبات تبحث في الخيال عن تحقق وهمي(52).
ولما كانت كل ديانة هي تنظيم اجتماعي بمعنى ما (فيما لو استثنينا الديانات القديمة التي يغيب عنها كل تمييز بين المؤمن والمحتفل بالصلاة، بين الغايات الدينية المحض والغايات الجماعية). فإننا نجد فيها بالفعل أدواراً متمايزة وتراتبية بين هذه الأدوار. ونجد تمييزاً بين البيئة الداخلية المتكونة من المجتمع الديني، والعلاقات بين الفئات المختلفة من الأشخاص الذين يشاركون فيها، والبيئة الخارجية، أي المجتمع العلماني أو الدنيوي، الذي يندرج فيه المجتمع الديني. وفقاً لهذا، يستطيع الباحثون في السوسيولوجيا عبر مقارنة الأشكال التي تتخذها في مختلف الأديان (أدوار رجل الدين والأفراد المتدينين وأيضاً المؤمنين، ومختلف أواليات النظام التي تحكم هذه الأدوار)، أن يكونوا أنماطا عدة من التنظيم الديني (الطائفة، الجماعة الدينية الصغيرة، وغيرها). غير أن الديانة ليست تنظيماً مثل سائر التنظيمات، بل هي التنظيم الذي يدير ما هو (مقدس)، الأمر الذي يمكن أن يعني إلى حدٍّ ما، من جانبٍ آخر، أنها ليست تنظيماً على الإطلاق(53).

خامساً - في وظائف الدين :
ينظر إلى الدين من حيث وظائفه في المجتمع على وفق الإمكانات الآتية:
1. الوظائف الاجتماعية:
يسهم الدين في تركيز الشعور العميق بالوحدة والتضامن والانتماء لدى أفراد الجماعة الاجتماعية صغيرة كانت أم كبيرة، ومن ثم تأكيد خبرة الهوية لدى أفرداها. إذ تسهم الاحتفالات والشعائر الطقوسية بفعل تكرارها الدوري في تعميق الصورة الذهنية للجماعة في ذوات الأفراد، مثلما تعيد إنتاج العلاقات التكوينية التي تربط أعضاء الجماعة ببعضهم. فالتكرار الدوري للطقوس يكرر الخبرة الوجدانية والعاطفية المصاحبة لممارسة هذه الطقوس، فتجدد بذلك الهوية الدينية (العقائدية) للجماعة.
فحتى لو كان المؤمن الذي يقوم ببعض الطقوس، يفعل ذلك بقصدٍ عملي، فإن الأثر الذي يسعى المؤمن لإحداثه ليس خاضعاً للمراقبة، كما هو حال الأثر التقني الذي يسعى إليه المهندس وغالباً ما يحققه(54).
هذا فضلاً عن أن الدين يمثل مستودعاً للقيم الأخلاقية، فما يتطلع إليه المرء من ممارساته الطقوسية هو السمو بأفعال حياته اليومية على وفق قيم أخلاقية رفيعة تضمنها التجربة الدينية. وعلى الرغم من أهمية الأخلاق في المنظومة الدينية لدرجة أضحت بعض الديانات منظومات أخلاقية خالصة تكاد تخلو من إشارات عقائدية، كما هو الحال في (البوذية) التي يشير بعض الباحثين إلى أنها أصبحت مذهباً أخلاقياً. ولكن هذا لا يعني الادعاء بأن الأخلاق هي جوهر الدين(55). لقد شجع المسيحيون الاتجاه الأخلاقي للدين، فرسموا للمسيحية أسمى صيغة خلقية، ولكن يؤخذ على هذا الرأي استبعاده للعناصر النظرية والعاطفية في الحياة الأخلاقية، أي أنهم ابتسروا الدين. وهنا يتجاوز (الإسلام) المسيحية والبوذية أيضاً، إذ إنه لا يقدم نفسه كمجرد رابطة بين المؤمنين الذين يعترفون بالحقيقة ذاتها وحسب، بل إنه تنظيم يصل الشأن العام (السياسي) بالشأن الخاص (الإيماني، أو العقائدي)، أو هو بحسب اللاهوت الإسلامي (المعتدل والمتطرف على السواء) مجتمع شامل ونظام دولة، أو إن الإسلام (دينٌ ودولة بحسب تعبيرهم).

2. الوظائف النفسية والعاطفية:
ضطلع الدين بوظيفة مهمة في تلبية حاجات نفسية وعاطفية، فالطقوس الدينية والشعائر التعبدية التي يقوم بها المتدين لها أبلغ التأثير في تلبية هذه الحاجات، وفي هذا الإطار تتبلور المواضيع الكبرى للدين كالعبادات والطقوس الدينية.
إذ إن علم النفس الحديث، ومع تقديمه لمادة غزيرة خاصة في بيان حاجة المتدين الملحة للاطمئنان والسكينة من خلال قيامه بالطقوس الدينية، فإنه نظر إلى (الدين) بشكله النفعي فحسب، من حيث إشباعه للحاجات النفسية والعاطفية للأفراد. وتغاضى عن المعيار القيمي الذي يميز الدين. بكلماتٍ أخرى تم وضع الاعتبارات الروحية (المعنوية) في منزلةٍ أعلى وأكبر من اعتبارات الواقع الاجتماعي التي يهتم بها الدين ويدعو لإصلاحها، فالقيم التي يدعو إليها الدين (أي دين) هي مساحة أرحب لإصلاح الواقع الاجتماعي، فيما تظل الحاجات النفسية، مهما كانت ملحة، مسألة قناعات خاصة.
لكن ها هنا ثمة سؤال، أليس الدين بصورته المثالية (الإيمان) خبرةً ذاتية (استبطانية) محض؟، فكيف يمكن الفصل بين الوظيفة النفسية والوظيفة الاجتماعية للدين في الاجتماع الإنساني؟

سادساً- الطريق الآخر: مقومات لرؤية مفارقة للدين
لا زالت تقف أمام الإنسان مجاهيل أبدية، تتركه في حيرة وخوف أو قلق من المجهول (كالموت والنوم والكوارث الطبيعية)، ولا يقدر على إخراجه منها لغاية اليوم، سوى الدين، وذلك من خلال تفسيره لهذه الأشياء المثيرة للقلق، بعد أن عجزت التفسيرات الأخرى على اختلافها عن التفسير.
إذ ليس لدى سكان كوكبنا بعد طريقة موحدة في رؤية العالم. فبالنسبة للهندوسي المكبل بغواية الآلهة قوية الحضور التي لا تقاوم، تعد (الأسطورة) أكثر حقيقة من الحياة اليومية. بينما يرى البوذي أن حياة (بوذا السعيد) أكثر إشراقاً وأشد عبرةً من حياة التاريخ، المتعرجة والوهمية على الإجمال. فيما يعيش المسلم الشيعي في انتظار رجعة الإمام، مخلص العالم،... فوعيه كله مصنوع تحديداً، لحجب الواقع واكتشاف ما يبدو جوهرياً فيما يتعدى الواقع(56). بينما يعيش المسلم السني التخبط المرجعي وفوضى الفتاوى، فيما ينشغل المسيحي بالبحث عن الخلاص على يد يسوع من أوزار خطايا لم يرتكبها، وتنسج الأصولية الجديدة في أمريكا قيمها التي تناهض التسليم بقيم الحداثة كاملة. وفي كل ذلك، يرتكز الدين في ذوات الأفراد، على جوهر (هو الإيمان أو المعتقد)، فيما يرتكز في جانبه الواقعي على مظهر (الطقوس الدينية).
غالباً، بالنسبة للفرد ترتبط الثنائية السابقة (المظهر والجوهر) بعرىً لا تنفصم، فالمظاهر والطقوس الدينية دوماً تعبر عن الإيمان أو المعتقد. لكن هذا ليس حقيقاً دائماً، إذ ينبغي التأكيد على أن النظر إلى (الطقوس الدينية) بوصفها سلوكاً رمزياً ليس بالضرورة دينياً هو فهم حديث كلياً(57)، وبخاصة حينما يصبح للطقوس الدينية مكانة اعتبارية في المجتمع (الذهاب إلى دار العبادة بانتظام، أو التصدق ومساعدة المحتاجين، وغيرها من الطقوس التي تجد صداها داخل الجماعة الاجتماعية، وتزيد مكانة وسمعة الأفراد الذين يقومون بها)، هنا يخرج الطقس عن كونه فعلاً عبادياً خالصاً، ويصبح ذي معنىً اجتماعي، هذا من جانب. ومن جانب آخر، كانت الدراسات العقلانية قد عالجت طويلاً الطقس باعدّه مجرداً عن أي معنى. ولكن لا يكفي، كما يقترح مالينوفسكي (Malinowski)، البحث عن معنى الطقس في حوافز الإنسان الديني الذي يسعى إلى السيطرة على قلقه أمام محيط لا يسيطر عليه، أو أمام أسرار غامضة في وضعه. إن معنى الطقس الديني ينبغي ألا يبحث عنه فقط في الحاجات السايكولوجية للمؤمن، على الرغم من أن تنفيذ الطقس يغيّر من وضع المؤمن(58). ولكن هل أن المعتقدات والطقوس العبثية والمثيرة للسخرية في حد ذاتها، بما أنها لا تخضع لأي تبرير منطقي أو تجريبي، ليس لها أي معنى إلا بالنسبة لتلك العقول التي لم تحقق بعد تطوراً وضعياً حصراً؟ إن هذا الرأي يصطدم بعقبةٍ مهمة، هي: إنه ينبغي التساؤل عما إذا كان تكوين معرفة وضعية وتقدم تقني أكثر فأكثر فعالية يستطيعان تسفيه الدين في بعديه الطقوسي والعقائدي؟، إذ يمكن الإشارة في هذا الشأن إلى تأكيد دوركهايم أن المقدسات تستمر في تشكيل فئةٍ شمولية للتجربة الإنسانية. فالعقيدة قد تكون متعلقة بأصل فئة معينة من الكائنات الحية أو العائلات أو الجماعات المعينة، ومكانتها في الطبيعة الفيزيائية وعلاقتها مع السماء والناس والحيوان، ويبدو هذا واضحاً مع المسيحية (إذ ترتبط بفكرة المخلص، والشيعة بالفكرة نفسها لكنها تزيد عليها بارتباطها بفكرة آل بيت الرسول، الذين خلق العالم من أجلهم). فيما يتحدث فيبر من جانبه، عن خيبة أمل العالم في الدين، لكنه لا يصل إلى حد إعلان نهاية الإنسان الديني(59). فلم يزل المصلحون والمفكرون الكبار يعولون على الدين، وعلى ما يمكن أن يقدمه التنظيم الديني إذا ما عاد المتدينون إلى (المباديء الحقيقية لـ(الدين)، والتي يمكنها أن تصوغ العالم من جديد.
ولما كانت الجماعة البشرية لا تبني كل يوم نسقاً مجتمعياً متكاملاً، فهي إذ تفلح في بناء مثل هذا النسق عبر العقود، بل القرون، فإنه يبات يفعل فعله ويقوم بدوره في تنظيم حياة الجماعة وتأمين حدً معقول من الطمأنينة لأهلها، حتى تتمسك به وتحافظ عليه، وتحرص على حمايته من تقلبات الزمن، ولذا فهي (محافظة). ومن هنا نفهم كل تلك الأمثلة التي ترد في دراسات الأنثروبولوجيين، والتي يتبين منها (عناد) بعض الشعوب وتمسكها بتقنياتها المخصوصة، مثلاً، رغم قناعة أفرادها أحياناً بأن تقنيات جيرانهم ربما كانت أجدى وأفعل(60).
عليه، فإن (زوال) الأديان لم يتحقق كما تنبأ بذلك مفكرون كبار (كونت، وماركس، ودوركهايم وفيبر وغيرهم)، على الرغم من أن الكاثوليكية والبروتستانتية المسيحيتين شهدتا تراجعاً في مستوى الممارسة الدينية لمؤمنيهما، وتأزماً في الإيمان بالمعتقدات كما هي، ومعارضةً للتراتب السلطوي للمؤسسة الدينية. إذ ما لبثت التطورات اللاحقة أن كذبت تلك التنظيرات. فقد شهدت أديانٌ أخرى، كاليهودية والإسلام، انبعاثاً مطبوعاً بتجدد العقائد والممارسات والولاءات. مثلما شهد الإسلام تحديداً نمواً متواصلاً وانتشاراً واسعاً في مناطق عدة في العالم. وربما يعود السبب في كلا الحالين إلى الضغوط التي مارستها الحداثة في صورها الفجة (ممثلة بالتحديث الكولينيالي والدول التوليتارية).
فاليهودية التي ظلت طوال ألفي عام تخوض في متاهات كبيرة، انبعثت هويتها بشدة بفعل الرؤية الشوفينية للدولة النازية في ألمانيا، ممثلة بقناعات الدكتاتورية الهتلرية، وأصبحت إمكانية قيام دولة لليهود المضطهدين أمراً واقعاً، (والتي تحققت لأول مرة بأعقاب القضاء على النازية بسنوات قليلة)، كما مارس اليهود ثقلاً اجتماعياً وسياسياً متعاظماً في بلدان شكلت دولاً كبرى (عظمى) في العصر الحديث (أمريكا وبريطانيا وفرنسا).
هكذا أيضاً أنتجت الممارسات الشوفينية في بضعة دول توليتارية أخرى (كما هو الحال إيران والعراق ويوغسلافيا) في صعود هويات دينية (اجتماعية/سياسية) جديدة، (الهوية الشيعية في إيران والعراق بفعل سياسات نظامي صدام والشاه، والبوسنة في يوغسلافيا). ولهذا تكونت دول جديدة، أو جماعات سياسية جديدة، ارتكز الاجتماع فيها على استبدال الواقع القائم باجتماعٍ متخيل في معظم الأحيان، قائم على الظهور المتزايد للهويات الدينية والطائفية.
في حين تعاظم سلطان الإسلام على المسلمين خلال المائة سنة الأخيرة. وانطلقت الحركات الإسلامية في بلدانها المختلفة كرد فعل لمواجهة ما عدّه رجال الدين المسلمين مخططاً استعمارياً ضد الإسلام والمسلمين، تمثل في هجوم فكري وثقافي وسياسي استهدف تغريب المسلمين وتجريدهم من هويتهم الثقافية. فقد زود الإسلام أتباعه بالهوية القومية، فالمنظور الإسلامي يتعامل مع مفهوم (الأمة) الذي لا تحدده الجغرافيا، فأمة المسلمين يمتد وجودها وانتشارها بانتشار المسلمين على وجه البسيطة، من دون النظر لمسألة الحدود السياسية للدول.
إذ لعب التماهي بالإسلام دوراً شديد الشبه بذلك الدور الذي لعبته القومية (أو الأثنية) في بقاع أخرى. وفي الحقيقة يصعب التمييز بين الحركتين في البلاد الإسلامية (كما في حالة إيران، السعودية، باكستان، وما إلى ذلك). كما إن المسلم العادي يجد صعوبة في الاستمرار بتحديد هويته تبعاً لولائه، إلى قبيلته أو طائفته، أو حتى مزار وليه المقدس. فقد تفككت عرى القبيلة (Tribe) بل وحتى العشيرة (Clan)، وهجر الناس المزار المقدس. بل إن كلاهما كان يعدُّ قبل ثلاث عقود مضت من الزمن، محلاً للتشكيك والارتياب تبعاً للمعايير العلمانية الحديثة(61)، ويمكن التساؤل هنا عما تغير بعد ذلك لتعود العشيرة وطقوس الجماعات الدينية، (أو ما قبل الحديثة بشكل عام) للظهور بهذا المستوى من القوة؟
بحكم الواقع، يمكن القول ابتداءً أن المساحة الواسعة التي كانت الأحزاب الشيوعية تملكها بين الأفراد في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، في خمسينات وستينات القرن الماضي، قد أصبحت مساحة رحبة للحركات والجماعات الإسلامية بمختلف توجهاتها، والتي عادت بقوة فشل وضعف أيديولوجيات الحداثة في هذه المجتمعات. إذ يكاد الجمهور المؤيد للحركة الشيوعية في الخمسينات والستينات، هو الأكثر قرباً وتأييداً للحركات الإسلامية اليوم (هكذا هو الحال في مجتمعات مثل العراق ومصر ولبنان والجزائر وإيران وسوريا مثلاً)، وحتى في تلك البلدان التي لم يكن ينتشر فيها المد الماركسي (كالسعودية مثلاً) أدت عودة الظاهرة الدينية بقوة إلى نمو الحركات الأصولية المتطرفة والسلفية التكفيرية والسلفية الجهادية، بمقابل انـحسار الحركة اللبرالية.
وفي معظم بلدان الشرق المسلم ومنها العراق، يمكن التأكيد على زيادة المد الديني، أو انـحساره، بإحصاءات سهلة عبر مراقبة مجمل المظاهر السلوكية للأفراد رجالاً ونساءً (عدد مرات أداء الطقوس الدينية في الأسبوع أو اليوم الواحد، وعدد مرات الذهاب لدور العبادة، وما إلى ذلك). إذ تغيرت معايير النظر إلى (الشاب/الرجل) العراقي من قيم علمانية إلى قيمٍ دينية تماماً(62).
وتكاد القضية أن تكون أكثر وضوحاً في حال المرأة المسلمة، فقد ازدادت نسبة من يرتدين الحجاب بشكل لافت، حتى أنها غزت معاقل الحداثة في المدن الإسلامية، ممثلة بأروقة الجامعات ومؤسسات الدولة، فالمتابع هذه الأيام لا يشاهد كثيراً من النساء السافرات، سواءً في الجامعات أو شوارع المدن(63).

خاتمة
لم نزل مطالبين بالإجابة عن تساؤل طرحناه في بداية المقال، يخص أمد الظاهرة الدينية أو عودة هذه الظاهرة:
هل هي مؤقتة أم إن سيادة الديني على غيره من التفسيرات ستستمر؟
وبشأن الإجابة المباشرة عن هذا التساؤل يمكن الإشارة إلى أن عودة الظاهرة الدينية تبدو راسخةً لغاية اليوم، وأصبح من الصعب توقع زوالها. إذ إن سيادة (التفسير) الديني، التي تبدو طاغية اليوم، وهي قد تستمر لفترةٍ طويلة قادمة، إذا تركت على تلقائيتها المفرطة من دون تغيير مخطط. وذلك بعد أن أصبحت ممارسة مجتمعية، بعد أن تحولت إلى ثقافة (كما هو الحال في الزيارات المليونية للعتبات أو المزارات المقدسة عند الشيعة مثلاً، وغيرها من الطقوس). وذلك بعد أن سجلت رموز الظاهرة الدينية لمختلف الأديان حضوراً متميزاً (الحجاب فيما يخص البلدان الإسلامية، بل وحتى في بلدان غير مسلمة، لنستذكر مثلاً ما أثارته قضية الحجاب في فرنسا عام 2005، وأيضاً الرموز اليهودية، قبعات ولحى وملابس، وقلائد الصليب بالنسبة المسيحية). فالاجتياح المرعب للحجاب للشارع الشرقي المسلم، حوله من شارع يميل إلى الاستمتاع بالغناء والرقص في السبعينات، إلى شارع طهراني متبتل ومدقع منذ أواسط التسعينات يستمع القرآن والتواشيح. فمن سينجح بتغيير هذه الثقافة، من دون تقديم بديل أفضل؟.
أما على المستوى السياسي، فإن التجربة الشيعية المحدثة في إيران (وكذلك في العراق) تدلل، وعلى العكس من التجربة الإسرائيلية الراسخة، أن الثيوقراطية الطهرانية قد لا تقود بالضرورة إلى الديمقراطية، لكنها بالمقابل قد تضفي الشرعية على الدنيوي فتحيله (مقدساً) لا يمكن أن يطاله النقد، مثلما تمنـح التطرف والأصولية المتزمتة مجالاً أرحب لنشر قيمها البليدة.

الهوامش
(1) أبن خلدون، عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين: المقدمة، مقدمة لكتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر)، بيروت، دار الفكر، نسخة محققة، 2004، ص 103
(2) گلنر، أرنست: الماركسية والإسلام بين الفشل والنجاح، ورقة منشورة في كتاب مشاركة الإسلاميين في السلطة، تحرير: عزام التميمي، ليبرتي، 1994، ص 81
(3) راجع الطعان،محمد أدريس: كيف نواجه العولمة، Www .chihab .net /modules .php ?name =News&file=article&sid=1621
(4) يمكن للسينما الأمريكية أن تعطينا أمثلة قيمة عما يحدث في بنية الثقافة الأمريكية من تغير في التوجه نـحو الدين، فقد شكلت سلسلة أفلام (ماتريكس Matrex) التي شاهداً مهماً بهذا الشأن (ملاحظة للباحث).
(5) تسجل رواية (هاري بوتر) أعلى نسب المبيعات (تصل إلى حوالي سبعة مليون نسخة بأعقاب نشرها بأسبوع واحد)، ويحقق الفيلم الرابع من سلسلة هاري بوتر أعلى نسب مشاهدة وأرباح تصل إلى أربعين مليون دولار في الأسبوع الأول، لكن يمكن هنا أن نذكر الجدية التي يتعامل كثير من السياسيين الغرب مع التنجيم، ومنهم نانسي ريغان مثلاً (ملاحظة للباحث).
(6) يشير باحثون غربيون وعرب إلى أهمية هذه الثورة، إذ يشدد گلنر من جهته على قيام الثورة الإسلامية في إيران، بل يدعوها الزلزال الإيراني، وأحد أهم عوامل تراجع الحداثة بإزاء المد الديني في بلدان الشرق الأوسط (گلنر، أرنست: ما بعد الحداثة والعقل والدين، ترجمة معين الإمام، دمشق، دار المدى، 2001، ص 36)، فيما يرى محمد عابد الجابري أن الصحوة الإسلامية ككل ارتبطت بأحداث معينة على رأسها (الثورة الإسلامية) (الجابري، محمد عابد: الدين والدولة وتطبيق الشريعة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996، ص 127).
(7) كازانوفا، خوزيه: الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، بيروت، المنظمة العربية للترجمة بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 14
(8) م. ن، ص 13
(9) م. ن، ص 14
(10) م. ن، ص 25
(11) راجع (اسسرد، فريد: حسن البنا وبداية التشكيك في المجتمع، سردم العربي (دورية)، العدد (5)، 2004، ص 63-69)
(12) يقف على رأسهم الأستاذ د. متعب مناف (ملاحظة للباحث).
(13) عبد الجبار، فالح: المؤسسات الاجتماعية والمجتمع المدني في العراق، الحوار المتمدن، العدد (1261)، في 20/7/2005، www .rezgar .com /debat /show .art.asp ?aid =41478
(14) استهدفت الحملة مقاصد كثيرة، لكن أهمها تشذيب التوجه العلماني للنظام، بشكل يخدم انتهازيته في ركوب الموجة الدينية الفاعلة في المجتمع بفعل النكبات السياسية والاقتصادية، فأدخل تدريس القرآن الكريم بشكل مكثف إلى كافة المراحل المدرسية (من الصف الأول الابتدائي وصولاً إلى السادس الثانوي بفرعيه)، فضلاً عن إغلاق البارات والملاهي وأماكن السهر الليلية، فأقفرت ليالي المدن العراقية، التي كانت تعاني النقص المرعب للخدمات والانقطاع المرعب للتيار الكهربائي، مثلما أن صدام أطلق على نفسه لقب (عبد الله المؤمن)، وأضاف بعده لقب قائد الحملة الإيمانية (ملاحظة للباحث).
(15) ضمد، سعدون محسن: الاختلاف والدين.. كيف يمكن إجراء مصالحة بين الدين والاختلاف، موقع الحوار المتمدن، العدد (1759) في 9 /12/2006، www .rezgar .com /debat /show .art .asp ?aid=82776
(16) گلنر، أرنست: ما بعد الحداثة والعقل والدين، ترجمة معين الإمام، دمشق، دار المدى، 2001، ص 26
(17) شريعتي، علي: دين ضد الدين، ترجمة: حيدر مجيد، الأعمال الكاملة، بيروت، دار الأمير للثقافة والعلوم، 2003، ص 24-51)
(18) ابن منظور، أبو الفضل جلال الدين: لسان العرب، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر، ب.ت، مجلد (عشرة أجزاء)، المجلد الثامن، حرف النون، فصل الدال، ص 1044
(19) دراز، محمد عبد الله: الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990، ص 25.
(20) الخشاب، أحمد: علم الاجتماع الديني، مفاهيمه النظرية وتطبيقاته العملية، القاهرة، مكتبة القاهرة الحديثة، 1970، ص (72-73)
(21) بخوش، عبد القادر: مفهوم الدين بين الفكر الإسلامي والمسيحي، http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1173087751679&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout
(22) لا يجد ماكسيم رودنسون Maxime Rodinson حرجاً من الاعتراف بذلك بقوله بأن الغربيين ميالون بطبعهم إلى الحكم على جميع الأديان بحسب النموذج الذي اعتادوا على استعماله، وهو النموذج المسيحي (بخوش: المصدر السابق).
(23) غيدنز، انتوني: علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصباغ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 569
(24) الخشاب: المصدر السابق، ص 69
(25) نفسه، ص 94
(26) بخوش، عبد القادر: المصدر السابق
(27) الخشاب: المصدر السابق، ص (88-89)
(28) كينغ، هانس: مشروع أخلاقي عالمي، ترجمة جوزيف معلوف وأورسولا عساف، لبنان: المكتبة البولسية، ط1، 1998، ص229
(29) ستيس، ولتر: الزمان والأزل، بيروت، المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر، ط 2، 1986، ص 45
(30) كان قد طبع لأول مرة عام 1912
(31) غيدنز: المصدر السابق، ص 582
(32) كان قد طبع لأول مرة عام 1841
(33) غيدنز: المصدر السابق، ص 580
(34) نفسه، ص 580
(35) نفسه، ص 580
(36) نفسه، ص 580
(37) بودون، ريمون وفرانسوا بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ت: سليم حداد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ب. ت.، ص 316
(38) غيدنز: المصدر السابق، ص 580
(39) نفسه، ص 581
(40) بودون: المصدر السابق، ص 320
(41) عبد الله نصري: الدين بين الحدود والتوقع، ترجمة: أحمد العبيدي، بيروت، مركز الغدير للطباعة والنشر والتوزيع، 2004، ص 15
(42) الحيدري، إبراهيم: جدلية الحوار حول أطروحة ماكس فيبر (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، الكويت، مجلة العلوم الاجتماعية (دورية)، العدد الأول، مج (18)، ربيع 1990، ص 159
(43) راجع (فيبر، ماكس: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة: محمد علي مقلد، بيروت، مركز الإنماء القومي، ب. ت.)
(44) بودون: المصدر السابق، ص 316
(45) گلنر: ما بعد الحداثة والعقل والدين، مصدر سابق، ص 42
(46) بودون: المصدر السابق، ص 316
(47) نفسه، ص 316
(48) قبيسي، حسن: المتن والهامش (تمارين على الكتابة الناسوتية) بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص16
(49) بودون: المصدر السابق، ص 316
(50) شلحت، يوسف: نـحو نظرية جديدة في علم الاجتماع الديني، بيروت، دار الفارابي، ط 1، 2003، ص (13-14).
(51) فالبوذية مثلاً تصور جهنم بأنها نارٌ أزلية شديدة اللهب، وذلك لشدة الحرارة في الهند، وهي الموطن الأصلي لهذا الدين. غير أن سكان التبت الذين يؤمنون أيضاً بالبوذية يعتقدون أن العقاب في الدنيا والآخرة يكون عن طريق التجميد وليس الحرق، وواضح أن سبب الفارق في تفسير العقيدة الواحدة بين هاتين الفئتين يعود إلى برودة مناخ التبت وقسوة الحر في الهند، أي الأنماط الاجتماعية لتلك المجتمعات (راجع النوري، قيس: بيئة الإنسان من منظور الثقافة والمجتمع، عمان، جامعة اليرموك، 1996، ص 63).
(52) بودون: المصدر السابق، ص 316
(53) نفسه، ص 320
(54) نفسه، ص 321
(55) جعفر، محمد كمال إبراهيم: في الدين المقارن، القاهرة، دار الكتب الجامعية، 1985، ص65
(56) شايغان، داريوش: النفس المبتورة، هاجس الغرب في مجتمعاتنا، لندن، دار الساقي، 1991، ص 45
(57) با قادر، أبو بكر: نـحو تأصيل لمفهوم الطقس، 70.47.89.247/~jadal/ /news. Php ?go =fullnews& newsid =28
(58) بودون: المصدر السابق، ص 321
(59) نفسه، ص 322
(60) قبيسي: المصدر السابق، ص (37-38)
(61) گلنر: ما بعد الحداثة والعقل والدين، مصدر سابق، ص 35
(62) فبعد أن كان مقياس ثقافة الشاب أو الرجل العراقي، في سبعينات القرن الماضي، هو الانتماء اليساري أو الماركسي، وأنماطه الحياتية المختلفة، أو بكلماتٍ أخرى، فإن الشاب العراقي لم يكن ليعّد مثقفاً إذا لم يكن ماركسياً، يميل للبس الموضة العالمية الحديثة، وهو حليق الشارب واللحية (وشارباً للخمر في معظم الأحيان)، انقلب الأمر بعد عقدين تماماً، إذ أصبح الزيّ العربي (الإسلامي)، ممثلاً بـ(الدشداشة) أكثر انتشاراً بين الفئات العمرية الشابة، وأصبحت حلاقة اللحية شيئاً نادراً بالنسبة لمعظم الشباب الذين لم يعبئوا بتوجهات النظام السياسي العلماني، ولا هجماته الشرسة على الإسلاميين. وأصبح الشباب أكثر معرفةً بالدين وطقوسه وفقهه ومعاملاته من آبائهم، بل إنهم في الغالب أكثر التزاماً بأداء الطقوس الدينية وزيارة المزارات المقدسة من كبار السن، الذين يبدو أنهم عاشوا قناعات فكرية مختلفة (ملاحظة للباحث).
(63) على العكس من سبعينات القرن الماضي حيث انتشرت مودة (الميني والمايكرو جوب) في الموضة العالمية لفساتين وأزياء النساء. فالفتاة المسلمة المحجبّة اليوم، لا ترتدي الحجاب لأن جدتها كانت محجبّة، بل لأن جدتها كانت سافرة: فالجدة (سواءً كانت في القرية، أو في المدينة) كانت كثيرة المشاغل في الحقل (أو في البيت)، واعتادت زيارة المقامات والمزارات المقدسة حتى وهي سافرة من دون حجاب، حيث تركته لمن هن أفضل منها. أما الحفيدة فهي تحتفل بحقيقة انضمامها إلى من هن أفضل من جدتها (گلنر: ما بعد الحداثة والعقل والدين، مصدر سابق، ص 35).