|
حركة الوفاق *....ومشكلة التناقض
عمار السوار
واهم ما يُفشل حزبا سياسيا ما هو أن يكون زعيم الحزب هو شريان حياته يموت
بموته ويحيا بحياته ويسعد برضاه ويشقى بشقائه. وتاريخ
العراق مليء بهذه "الأحزاب الأفراد" منذ عهده الملكي حتى
الآن لدرجة انأ لسنا قادرين على التمييز بين الكثير من
الحركات وزعاماتها،
وجود دولة ديمقراطية بنظام نيابي اقره الدستور العراقي يستدعي حياة حزبية
حقيقية، فلا يمكن للعملية الديمقراطية، وخصوصا في ظل مثل
هذا النظام، أن تستمر إذا ما افتقر الواقع العراقي إلى
تنظيمات سياسية منسجمة مع ذاتها ومتمايزة عن بعضها. ولا
يمكن إقامة نظام ديمقراطي من دون أن تتمكن تلك الأحزاب من
تطبيق الديمقراطية على نفسها، ولا تستقر الدولة إذا لم
تنسجم البرامج والتوجهات السياسية المعلنة مع الواقع
المطبق على الأرض. إن الفردانية واللا انسجام والتناقضات
داخل الحزب والتنظيم الواحد أمور لا تؤدي إلى بناء دولة
ولن تستقر معها حكومة ولن يتأسس من جرّاء دورها مجتمعا
مؤمنا بثقافة العمل الجمعي بدلا من الرضوخ للاستبداد. ولأن
الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية العراقية عاجزة عن
الالتزام بمقدمات العمل الديمقراطي واولويات بناء الدولة
فإنها ستبقى عاجزة أيضا عن القيام بخطوات أكثر أهمية مما
قامت به حتى الآن. وهذا ليس حكما ناجزا كما قد يظن البعض،
إن واقع ووضع القوى السياسية
يشير إلى تشتت على مستوى التوجهات وأخطاء كبيرة
على مستوى التنظيم والانسجام وهناك انعدام للشفافية وتوجد
مركزية فردية وتعاني تلك التنظيمات أيضا من الكيل بمكيالين
وازدواجية المعايير على مستوى العلائق، وأمامها طريق طويل
كي تصبح بمستوى الطموح الذي يقتضيه الواقع الديمقراطي
المراد بناؤه. ولا يكفي أن نقول إن الحياة الحزبية في
العراق أفضل من دول إقليمية مجاورة لنتفاخر بها، لان تلك
الدول هي، بشكل وآخر، دول ذات نظم غير ديمقراطية، ويكفيها
حزبا واحدا وأحزاب وتنظيمات أخرى شكلية، تلك الدول هي
مسنجمة مع نفسها. وهذه المشكلة لا تخص شكلا من التنظيمات
بل هي مشكلة عامة ولا تستثنى منها القوى الليبرالية، فهي
ليست بمعزل عن الخلل، بل هي جزء أساسي منه، إنها تشرب من
الكأس نفسها التي تشرب منها بقية القوى السياسية الدينية
واليسارية والقومية. والتيار الليبرالي ومجمل الحركة
العلمانية في البلاد ما زالت تدفع ثمن فشل مرحلة المشروع
العلماني التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين،
وثمنا لهشاشة التيار الليبرالي السائد في العهد الملكي،
والمتمثلة في عدم قدرته على تلبية احتياجات البلد وانشغاله
بالسلطة بعيدا عن الاستمرار بعملية بناء الدولة وظهوره
بصورة "العميل" الطيع للغرب وعجزه عن القيام بتنمية سياسية
تفرز طبقة شابة من الليبراليين يحرجون المشاريع الأيدلوجية
والحكومات المستبدة اللاحقة للمرحلة الليبرالية. ذلك الفشل
وتلك الهشاشة يصعب علاج نتائجهما إن استمرت الحركات
السياسية الليبرالية بتبني الأنماط والأفكار والمناهج
السابقة نفسها، وان بقيت القوى الليبرالية هشة واستمرت
بتكريس الأخطاء الفردية والحزبية أو المقاربات والولاءات
والتحالفات والأولويات غير المناسبة. باعتبار أن تلك
النتائج تنعكس على الوضع الداخلي لأحزاب وحركات هذا
التيار.
فثمة أخطاء جمة ارتكبت من قبل أحزاب العهد الملكي
الليبرالية، وأخطاء أكثر خطورة واشد وقعا على العراق
ارتكبتها أحزاب العهد الأيدلوجي العلمانية، تركزت اغلبها
في الافتقار إلى الديمقراطية الداخلية، واستبداد القيادة،
وازدواجية المعايير، وانهيار المبادئ بحثا عن المناصب.
والمسؤول عن علاج تلك الأخطاء هي أحزاب وتنظيمات المرحلة
السياسية الحالية. التنظيمات الليبرالية والمهمة الداخلية
الشاقة***:
ورغم أن سقوط نظام صدام حسين قد أنهى الدكتاتورية الفردية
على السلطة، وأنهى مرحلة بدأت بالظهور منذ قيام الجمهورية
العراقية وفسح المجال أمام تشكلات وتنظيمات أكثر تطورا من
ذي قبل إلا أن الواقع يقول إن السقوط لم يؤد إلى تأسيس
أحزاب علمانية جديدة كثيرة على عكس الحركات الإسلامية،
وإذا ما وجدنا تنظيمات "علمانية" هنا وهناك فهي إما ضعيفة
جدا أو إنها تنظيمات "علمانية" مكونة من السنة الباحثين عن
تشكلات سياسية تؤهلهم للدخول في الواقع السياسي الجديد.
ورغم أن التيار الديني اقوي من حيث القاعدة الشعبية ولدى
بعض من القوى الإسلامية مجاميع مسلحة تستخدم أساليب غير
مشروعة لتهميش الخصوم الفكريين وتوجد مخاوف جمة لدى بعض
السياسيين من اللجوء إلى واجهاتهم العلمانية، إلا أن هذا
لم يكن السبب الوحيد وراء عدم تأسيس حركات سياسية وأحزاب
علمانية، بل إن الذهنية السياسية العراقية لم تكن تعي من
العلمانية إلا شكليها اليساري والقومي، ولهذا كان من الصعب
أن نتصور ظهور تيار ليبرالي بسرعة فائقة لأنه بحاجة إلى
مزيد من الوقت والجهد وإعادة النظر في القناعات وميلاد
طبقة جديدة غير ملوثة بأوهام الايدولوجيا التي تربى عليها
المجتمع. وإذا ما أردنا أن نـحصي المنظمات السياسية
العلمانية المشتركة في العملية السياسية، سواء الليبرالية
أم غيرها، فان أمامنا أربع قوى رئيسية، هي الحزب الشيوعي،
وحركة الوفاق الوطني، وحزب المؤتمر الوطني، والحزب الوطني
الديمقراطي، إضافة إلى الأحزاب الكردية ذات الجنبة القومية
ومجلس الحوار بشقيه المؤتلف في جبهة التوافق السنية
والمنفرد في جبهة الحوار المكونة من نواب سنة. ولكل من
القوى الرئيسية تاريخه الخاص وظروف تأسيسه، فالحزب الشيوعي
هو اعرق الأحزاب الموجودة على الإطلاق، وله دور مفصلي منذ
أربعينيات القرن الماضي، والحزب الوطني حزب أربعيني، خاض
في ماضيه معارك سياسية مهمة، وأصبح في العصر الجمهوري
الحزب الليبرالي الوحيد البارز في الساحة السياسية إلى أن
تم تجميده، والموجود منه الآن ليس أكثر من شبح لذلك الحزب
القديم، خصوصا وان أعضاءه الحاليين هم في الغالب ممن
قاربوا السبعين عاما، وليس لديه قاعدة شعبية ويعاني من
مشكلة التنمية السياسية، أما حزب المؤتمر الوطني فهو في
بداياته تجمع لبعض قوى المعارضة الإسلامية والعلمانية،
لكنه، عمليا، تحول واثر انسحابات مكوناته إلى تنظيم بقيادة
شخصية سياسية علمانية يدور حولها بعض العلمانيين أو
المحسوبين على العلمانية، واخذ تسمية الحزب من الناحية
الرسمية عام 2004، وهناك أيضا حركة الوفاق التي يقودها
علماني ذو خلفية بعثية ومكونة من عدد من العلمانيين اغلبهم
كان بعثيا.
وبنظرة سريعة على السياقات الداخلية لهذه الأحزاب فانا
سنجد أن وضعها الداخلي يعاني من الدكتاتورية وضياع الكوادر
في بوتقة قيادتها، أو الترهل والشيخوخة، وإذا ما استثنينا
الحزب الشيوعي، ولا يعد من الأحزاب الليبرالية، فان
الأحزاب العلمانية الأخرى هي أشباه أحزاب وليست أحزابا.
والحزب الشيوعي، نفسه، يعاني من مشكلة انتمائه الى حقبة
تجاوزها العالم فضلا عن العراق، وهو، رغم مراجعاته الجادة
لرؤاه وتصوراته واستفادته العميقة من دروس وأخطاء الماضي،
غير قادر على توسيع قاعدته أكثر مما أظهرته الانتخابات
الانتقالية التي جرت مطلع العام 2005 يوم حصل على مقعدين
نيابيين. وأما الأحزاب الكردية فهي ممثلة لتكوين عراقي
واحد وغير قادرة على مد مساحة نفوذها خارج حدود التواجد
الكردي. وبالنسبة إلى مجلس الحوار بشقيه وبقية التنظيمات
"العلمانية السنية" الأخرى فإنها تكوينات مشكلة من
علمانيين بعثيين أو مستقلين ووجوه عشائرية وضباط سابقين من
سنة، وبالتالي فليس لها قدرة على التواصل مع غير السنة
العرب. وهنالك أحزاب وتنظيمات سياسية علمانية أخرى ليس لها
أهمية تذكر في المرحلة الحالية. من هنا فان هذه الأحزاب
تعيش خللا في مستوى تعاطيها مع النقطة المركزية التي
تجعلها أكثر معاصرة من كل التيارات والقوى السياسية
الأخرى، وهي الليبرالية. ورغم أن الحزب الوطني الديمقراطي
يعتبر أكثر الأحزاب ليبرالية، إلا انه يعاني من عجز صريح
في التواصل مع الشارع، إضافة إلى انه عاجز عن ضخ دماء
جديدة تكون قادرة على بناء الحزب في مرحلة الولادة
السياسية لعراق ما بعد السقوط. وأما حزب المؤتمر الوطني،
فانه فشل في تقديم نفسه كحزب ليبرالي، وبقيت قيادته تتعاطى
مع الواقع السياسي بقلق تراوح بين الطائفية والليبرالية
السياسية، والاهم انه لم يستطع أن يرقى لمستوى الأحزاب
والتنظيمات السياسية الأخرى بل بقي مجرد اسم يدور في فلك
صاحبه. واهم حركة تطرح نفسها كيانا ديمقراطيا ليبراليا
ولديها ما تقوله في هذا الإطار هي حركة الوفاق الوطني،
التي اكتسبت كثيرا من شهرتها وأهميتها بفعل ارتباط اسمها
برئاسة الوزراء في الحكومة المؤقتة المشكلة بعد حل مجلس
الحكم، أي عندما تسلم امينها العام ذلك المنصب. وهذه
الحركة أيضا تعاني مما تعانيه أكثر القوى السياسية،
الفردانية والضياع بين الآمال والواقع.... فهي كبقية
التنظيمات أسيرة لمشكلات حقيقية تقلل من قدرتها على الفعل
السليم والمؤثر، وكثيرا ما تجعلها عاجزة. واهم ما تعانيه
هي تلك المشكلات المتصلة بالانسجام بين النظرية والتطبيق،
بين الرؤية العامة الناتجة عن الإيمان بالليبرالية
السياسية وبين التطبيقات المتناقضة اشد التناقض مع هذه
الليبرالية، إضافة إلى افتقارها للشفافية واكتناف سلوكها
بالغموض
تناقضات حركة الوفاق.. نظرة أولية
عندما يكون لدينا حزب أو حركة سياسية دينية أو ذات جنبه
قبلية أو أي جهة سياسية لا تؤمن بالديمقراطية تدور حول
شخصية واحدة فان ذلك قد يكون مفهوما ومنسجما مع روح ذلك
التنظيم رغم انه لا يبرر لأي تنظيم سياسي إن يفتقد للآليات
الديمقراطية على المستوى الداخلي، لكن عندما تفتقر حركة
سياسية ديمقراطية ذات توجه علماني بل وليبرالي إلى تلك
الآليات الديمقراطية وتكون حركة شخصية واحدة هناك إذن
ازدواجية وتناقض. فمن المعقول جدا أن توجد شخصية ابرز،
وقيادة قوية، لكن لا تكون هي الكل ويكون الكل هي وعندما
ترفض حركة ما التحالفات الطائفية وتعلن عداءها لها وترفض
الانتماءات القومية والقبلية في عالم السياسة بنفس الطريقة
وتعلن باستمرار تمسكها بالتقارب الاستراتيجي مع الاصطفافات
التي لا تقوم على الاستقطاب الطائفي فالمفروض أن يكون
موقفها موحدا ومتساويا من كل تلك الاصطفافات الطائفية
والقبلية ولا يكون ضد هذا التحالف الطائفي لأنه طائفي ومع
تحالف طائفي آخر رغم كونه طائفيا. وحينما نتحدث عن حركة
ليبرالية فمن الطبيعي أن تكون تنظيما يكوّنه أناس من مشارب
متعددة وسوابق سياسية مختلفة وليس مكونا من أعضاء كلهم أو
اغلبهم من حزب أو تيار سياسي غير ليبرالي سابق انفصلوا عنه
واتفقوا على تشكيل تنظيم سياسي آخر برؤية ليبرالية.
التقارب في الانتماء السابق في مثل هذه الحالة يثير الشكوك
حول مدى قدرة تحرر الحركة الوليدة ومواقفها وأهدافها من
ماضي أعضائها السياسي والحزبي المشترك وهو ماض غير
ليبرالي. وبمقارنة بسيطة بين حركة علمانية تعلن تمسكها
بالليبرالية السياسية كحركة الوفاق، وبين حزب علماني قومي
ذي تاريخ قبلي كالحزب الديمقراطي الكردستاني وتنظيم إسلامي
شيعي ذي رصيد اسري كالمجلس الأعلى الإسلامي، فان المقارنة
لن تكون لصالح الوفاق. الحزبان الكردي والإسلامي يدوران في
فلك شخصيتين بارزتين، مسعود البرزاني وعبد العزيز الحكيم،
والوفاق أيضا يدور في فلك شخصية واحدة هي أياد علاوي،
فالحركة السياسية الليبرالية الديمقراطية هنا باتت تشابه
تنظيمين هما ومن الناحية المنهجية لا ينتميان إلى الأحزاب
الديمقراطية رغم محاولات تبنيها. فكيف نتفهم هيمنة سياسي
ليبرالي على كل القرارات في هذا التنظيم الليبرالي؟.
وأكثر من ذلك، إن المجلس الإسلامي الأعلى ابرز للحياة
السياسية في السلطة والمعارضة شخصيات ذات ثقل واضح يوازي
من الناحية السياسية ثقل زعيمه، فشخصيات من قبيل عادل عبد
المهدي وهمام حمودي وباقر جبر... هي شخصيات مهمة ومؤثرة
داخل المجلس وخارجه، في الحكومة وخلال فترة المعارضة، وفي
الحزب الديمقراطي الكردستاني شخصيات مهمة أيضا من قبيل روج
نوري شاويس وهوشيار زيباري وفاضل ميراني... لكن لو تابعنا
الوضع الداخلي لحركة الوفاق فانا نتعب كثيرا حتى نجد
سياسيا بأهمية تلك الشخصيات وبصلاحيتها، وحتى الشخصيات
البارزة التي فرضت نفسها داخل الحركة في حقبة المعارضة
أصبحت الآن خارج الحركة. وهذا يؤدي إلى أن تبدو حركة
الوفاق وحزب المؤتمر الوطني وأمثالهما الأسوأ بين الأحزاب
الرئيسة في البلاد. هذه النقطة بالتحديد تحتاج إلى مزيد من
النقد، وتزداد الحاجة إلى النقد عندما تطرح حركة سياسية
نفسها كأهم التنظيمات "الليبرالية" وتفتقر في الوقت ذاته
لشخصيات مؤثرة وفاعلة بسبب انصهارها في شخص "زعيمها".
وتطور مثل هذه الظاهرة واستمرارها يكشف عن خلل عميق في
التيار الليبرالي العراقي الذي بدأ بلملمة نفسه بعد عقود
من غيابه عن الساحة اثر هيمنة الأحزاب الشمولية وحكم
العسكر والدكتاتور، وقد يؤدي هذا الخلل إلى سحب هذا التيار
باتجاهات عكس تلك التي يهدف إليها، ويعيده إلى النقطة التي
كان قد توقف عندها سابقا.
من جهة أخرى إن موقف حركة الوفاق الحازم والصارم من
الائتلاف الشيعي باعتباره تحالفا قائما على أساس طائفي
يستدعي اتخاذ مواقف متشابهة من تيارات وكتل طائفية أخرى،
لا أن يدفعها هدف الحصول على رئاسة الوزراء وإدارة الحكومة
يدفع إلى نبذ اصطفاف ما بمبرر انه طائفي والقبول باصطفاف
مشابه وغض النظر عنه انه طائفي. فقد كانت مساعي حركة
الوفاق لإقامة تحالفات، مثلا، مع جبهة التوافق متناقضة
وتصوراتها ومواقفها من التحالفات والاصطفافات الطائفية في
البلاد. والانسجام يستدعي على الحركة اتخاذ احد موقفين،
إما أن تبقى على موقفها المعلن من الاصطفافات الطائفية
وتنبذها مهما كان الثمن كي تصبح ضمن البدائل اللاطائفية في
البلاد. أو تغير هذا الموقف بشكل علني وتؤكد على عدم وجود
مانع من التقارب مع أي اصطفاف طائفي وعندئذ لديها مجال
كبير لتختار مع من تتحالف في الساحة العراقية لخدمة
برامجها وأهدافها. أليس هذا أكثر نجاحا وانسجاما من أن
تستمر ازدواجيتها في التعاطي مع الواقع السياسي، والكيل
بمكيالين مع التيارات الموجودة في الوسط السياسي؟. وهنالك
قضية أخرى تكشف عن التناقضات في المواقف والمبادئ والمنهج
هي مأزق "البعثنة" التي تستقطب التيار الليبرالي من خلال
الولاءات الداخلية لأعضاء حركة الوفاق، وهذا بذاته مشكلة
تهدد مبادئ هذا التيار وتعرضه للانتكاس بعيدا وراء الماضي
الموبوء. وهذا الخلل يجعل حركة الوفاق "الليبرالية" أولا
تعيش ازدواجية وعدم انسجام بين النظرية والتطبيق، وهو
ثانيا يعيد إلى الحركة إشكالات الدفاع عن جهة دفع
العراقيون من جرائها ثمنا باهظا من دمائهم ومستقبلهم
وبلدهم وثقافتهم والأكثر سوء أن الأمر لا يتوقف عند الدفاع
عن ذلك الماضي وحزبه بل هناك من يسعى إلى جعل حركة الوفاق
في الخانة نفسها التي يقف فيها البعث من دون أي داع معقول،
ما يساهم في الحد من كفاءتها ويجعلها متهمة باتهامات
الماضي، وينعكس بشكل سيء على عمل عموم التيار الليبرالي
باعتبار أن أهم شخصياته متحالفة برلمانيا مع الوفاق في
القائمة العراقية. ومن اجل مزيد من التفصيل والتحليل نحتاج
إلى مزيد من تسليط الضوء على المشكلات الثلاثة ...
أولا: حركة الوفاق وشخصنة صناعة القرار
عندما نتحدث عن أي حزب أو حركة سياسية فان الحديث يسوقنا
إلى انتظام عدد من الأعضاء ذوي التأثير داخل إطار حزبي وفي
خضم عمل سياسي رحب، لدى كل منهم موقعه وعمله وآراؤه وتجمع
بينهم دائرة سياسية عامة ومبادئ أساسية، لأنا لا نتكلم عن
شخصية واحدة أو زعيم من عصر زعماء العسكر المهيمنين على
عالم السياسة، بل عن تكوين سياسي يسعى إلى الحصول على
مكاسب سياسية والى إقناع المجتمع بمبادئه وتطبيقها، في عهد
هو بحاجة إلى تجاوز المستبدين. واهم ما يُفشل حزبا سياسيا
ما هو أن يكون زعيم الحزب هو شريان حياته يموت بموته ويحيا
بحياته ويسعد برضاه ويشقى بشقائه. وتاريخ العراق مليء بهذه
"الأحزاب الأفراد" منذ عهده الملكي حتى الآن لدرجة انأ
لسنا قادرين على التمييز بين الكثير من الحركات وزعاماتها،
وهذا ما تسبب بإفشال أحزاب مهمة ونسيانها بل وما أدى إلى
موت واقع سياسي سابق. ومهما كان الحزب مهمّا فان افتقاره
إلى مجموعة صناع للقرار وأصحاب التأثير في تحديد مساراته
سيقلل من أهميته ويمنعه من العمل بمنهج صناعة القرار
الجماعي الملائم لروح المرحلة السياسية المراد بناؤها في
العراق. بل حتى الأحزاب في البلدان غير الديمقراطية لديها
أعضاء من أصحاب التأثير وذوي النفوذ القادرين على سد أي
فراغ يحدثه غياب القيادة. حتى ستالين كان لديه في حزبه
أعضاء نافذون أتضح تأثيرهم بعد وفاته. فهل تمكنت حركة،
تدعي أنها ليبرالية، كحركة الوفاق من إيجاد اشتراطات حزب
بكامل المواصفات للدخول في المنافسة كتنظيم سياسي وليس
كزعامة فردية؟ لا طبعا، فالحركة فاقدة لتلك المواصفات
الداخلية أكثر ممن تسعى إلى منافستهم. فأحزاب كحزب الدعوة
والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الإسلامي والحزب
الشيوعي لأعضائها ومكاتبها السياسية ولجانها المركزية
القدرة على التأثير في القرار والفعل السياسي ولديها
الكفاءة والصلاحية للعمل حتى مع غياب القيادات وبنفس
المستوى والطريقة، مهما كان لقيادتها من دور وأهمية وثقل،
رغم أن بعضها ليس من الأحزاب الديمقراطية. وقوى سياسية
كالمجلس الإسلامي الأعلى والحزب الديمقراطي الكردستاني
وحزب الفضيلة قادرة على الاستمرار باستحضاراتها القومية
والدينية، رغم أنها عمليا أحزاب بمركزية شديدة. وتيار
كالتيار الصدري لن يثنيه شيء عن الاستمرار لأنه يمتلك
قاعدة كافية للعمل بقوة وتأثير في الظل والضوء، رغم انه
خاضع لزعامة دينية لا يمكن مناقشتها. لكن "كيانات" سياسية
كالوفاق وكالمؤتمر الوطني وامثالهما سيكون غياب زعيمها
بمثابة موت لها، لانها لم تتأسس أصلا برؤية جماعية بل
بقرار فردي، إنها تنظيمات وأحزاب مشخصنة وفردية. قد يكون
الأصل في تنظيم قبلي أو محكوم من رجال الدين أو حزب
أيدلوجي هو المركزية الشديدة والقيادة الصارمة، ولكن
الاستبداد أو الفردانية في تنظيم ليبرالي غير مبررة ولا
مفهومة لان ذلك يعبر عن ازدواجية لا تنسجم ومبدأ الإيمان
بالديمقراطية وهو احد أهم مبادئ الليبرالية السياسية، بل
إن الشكل الأكثر تطورا من الديمقراطية هو ذلك الذي يصطلح
عليه بـ"الديمقراطية الليبرالية". فقد نجد ديمقراطيات غير
ليبرالية، ولكنا يستحيل أن نجد ليبرالية سياسية غير
ديمقراطية لأن صفة الليبرالية ملازمة للديمقراطية. وكنا
ومازلنا نتوقع من القوى السياسية الليبرالية اليوم أن تكون
قد استفادت من تجربة خطأ الانفراد بالقرار الحزبي والشخصنة
في تنظيمات ليبرالية مهمة تاريخيا. لكن وحتى الآن لم تتعلم
هذه القوى من الدرس، والا كيف يُفسر سلوك حركة الوفاق
وزميلاتها من الحركات الليبرالية الأخرى وهي تتعامل
بشعارات ليبرالية عريضة مع كثير من قضايا المجتمع والدولة
والسياسة، ولكنها عاجزة على أن تكون ليبرالية مع ذاتها؟.
ومن غير المفرح لحركة "ليبرالية"، تغيب عن منهجها الداخلي
الديمقراطية، أن يتزامن وجودها مع أحزاب أيدلوجية أو دينية
كالحزب الشيوعي وحزب الدعوة والحزب الإسلامي تعمل بشيء من
الديمقراطية وتحديدا فيما يخص الشراكة باتخاذ القرارات
واللجوء لنظام التصويت والانتخابات الداخلية وتعدد
الخيارات والأشخاص وتغير المواقع حتى على مستوى القيادة.
وهذا يعني ان تلك القوى التي تؤمن ببعض الديمقراطية ستكون
أكثر قدرة على اللعبة السياسية. فهي قادرة، مثلا، على
تقديم أسماء وشخصيات جديدة لقيادة البلاد، فحزب الدعوة
بادر خلال سنتين لإيصال شخصيتين من أعضائه لرئاسة الوزراء،
والحزب الإسلامي يمكن له ترشيح أكثر من شخص لمنصب نائب
رئيس الجمهورية... وتحاشيا للبس لابد من القول إن المقصود
من هذا الكلام بالتحديد قدرة هذه الأحزاب على تغيير
ممثليها و"ثقاتها" وأصحاب النفوذ فيها بدء من القيادة
وانتهاء بالأعضاء الاعتياديين، هي لديها من الخيارات
والطاقات ما تستطيع الدخول به في لعبة الأحزاب وليس فقط في
لعبة الأفراد، وعلى الضد إن حركة الوفاق وأشباهها ليس
لديها إلا "رجل قوي" وحيد، ورغم إمكانية ان يتمكن رجل
الحركة "القوي" من أن يبقى شخصية أساسية في الواقع السياسي
العراقي، لكنه طرف في لعبة الأفراد ولا يمكن أن يكون لوحده
حزبا. وليس ممكنا على حركة الوفاق أن تقول غير هذا. ان
المركزية والفردية والشخصنة واضحة جدا فيها لدرجة إن صورة
الأمين العام تشغل نصف الصفحة الرئيسية لموقع حركة الوفاق
في حين أن شعار الحركة لا يقارن بالحجم والشكل والبريق مع
الصورة، هذه الأمر الصغير يبرز آلية التفكير داخل الوفاق
والمساحة التي يشغلها الأمين العام. وطريقة التعاطي مع
أعضاء الحركة من قبل زعيمها توضح مستويات اكبر من
الاستبداد الموجود. فقد تم استبعاد أعضاء في التنظيم بقرار
قيادي من قبل الأمين العام ودون العودة لأعضاء الأمانة
العامة. والانفراد بالقرار السياسي من قبل فرد واحد أيضا
يعبر عن إن الأصل في الوفاق هو مركزية الفرد، فكثير من
أعضاء الحركة استقالوا بسبب الاستبداد داخل التنظيم وعدم
التصرف على وفق اشتراطات العمل الجماعي، كحالة الأعضاء
المؤسسين الخمسة الذين استقالوا أواخر عام 2003، وكان من
بينهم من أقرت قيادة الوفاق(1) بأنهم من المؤسسين، وكان
سبب الاستقالة طريقة إدارة القرار داخل الحركة "أحد أسباب
استمرار المجموعة الحالية للمكتب السياسي للتواصل معكم حتى
ألان هي ذات الأسباب التي دفعتنا للانخراط بالحركة في
بداية تأسيسها. لقد تابعنا عن كثب، وبعضنا تعايش معكم، ومع
المستجدات بعد انتقال نشاط الحركة إلى داخل العراق، فوجدنا
إن النهج غير الديمقراطي الذي لمسناه في السابق والذي تمثل
باستبعاد أعضاء المكتب السياسي عن مركز القرار تحت ذريعة
سرية العمل، قد تواصل وازداد كثافة حتى أصبحنا في منأى عن
حقيقة الحركة التي ساهمنا جميعا في تأسيسها وإرساء الحد
الأدنى من التعامل الحضاري والاحترام المتبادل بين أعضاء
قيادتها. كما أصبحنا لا نميز بين الأسماء التي بدأت تضاف
أو تطرح من قائمة المنتسبين، بل وحتى القياديين في
الحركة"(2). وبقراءة النظام الداخلي للحزب فانا نرى أن
للامين العام 11 مهمة خاصة لا يشاركه فيها احد. وينصّ
النظام الداخلي للحركة على أن أياد علاوي هو "المسؤول
والموجه والناطق باسم الحركة والمعبر عن مواقفها وسياستها
الداخلية والخارجية ، ولضمان وحدة الحركة في المرحلة
اللاحقة وتقديراً لجهوده النضالية يحق للأمانة العامة
إصدار قرار ببقاء الأمين العام بمسؤولية القيادة ولدورة
جديدة بعد تشكيل الحكومة العراقية المنتخبة بشرط الالتزام
الكامل بروح النظام الداخلي للحركة وميثاقها"(3)، فأياد
علاوي ليس فقط زعيما للحركة انه أيضا جزء من النظام
الداخلي، وتاريخه النضالي هو رصيد الحركة. وينص النظام
الداخلي أيضا على أن الأمين العام "يمثل الحركة إزاء الغير
ويملك حق المبادرة وفق البرنامج المرحلي للحركة، مقابل
تقييم أدائه في أول اجتماع للأمانة العامة"(4). لهذا فانه
ليس أمام من يتابع ويراقب عمل الحركة إلا القول بان هناك
نزوعا للفردية والمركزية بل والاستبداد يشرعن له حتى من
خلال النظام الداخلي، ويفوق الكثير من الأحزاب الأخرى
البارزة على الساحة. هذه الشخصنة توسعت لتصبح منهجا في
التعاطي مع مواقف وقرارات القائمة العراقية أيضا، فقد أضحت
سياقات العمل في هذه القائمة، المكونة من ليبراليين
مستقلين وحركة الوفاق، مشابهة لتلك المعمول بها داخل
الحركة. حيث انفرد علاوي والملاصقين له بقراراتها
ومواقفها، ما دعا عددا من الأعضاء الرافضين لهذه الهيمنة
إلى المجاهرة بآرائهم المخالفة ومن ثم إلى الانسحاب منها
بسبب الفردانية وتهميش أصحاب الآراء المخالفة. بل لقد أدى
عدم تحمل الآراء والمواقف المخالفة إلى أن تصدر تصريحات من
بعض المقربين من زعامة القائمة حول دراسة إمكانية فصل
الأعضاء غير الملتزمين بقراراتها، وهي تصريحات تعبر عن
مديات الاستبداد الخطيرة وعدم الأيمان بالاختلاف داخل
الأطر النيابية المبنية على التداخل والتخالف، خصوصا وانا
نتحدث عن تحالف اهم اساس فيه هو الاختلاف حول التفصيلات.
فلم يشهد مجلس النواب ان هددت قيادات قائمة الائتلاف او
التحالف الكردستاني او التوافق الاعضاء المنضوين في
قوائمهم بالفصل عنها رغم كثرة الاختلافات الداخلية فيها،
لان الفصل قرار حزبي ولا يمكن ان يستخدم في التحالفات.
قد تبرر الفردانية في هذه الحركة وسواها من التنظيمات
السياسية بان القدرة على التمويل والاهمية والشهرة
"والتاريخ النضالي" هي من خصائص احدهم ما يؤدي الى ان يبقى
الجميع يدورون في فلكه ويحتفظ هو بمركزيته ولا يجرأ احد
على مخالفته. نقبل هذا التبرير، ولكنا يجب ان نقول ايضا
بأنا اذن امام شخص وليس امام حزب او حركة سياسية ليبرالية،
نحن، بناء على هذا التبرير، نتعامل مع شخصية منفردة
والباقون يعملون لخدمتها ومن خلال ذلك يخدمون مبادئهم.
فالتعاطي مع تنظيم سياسي يتكون من شخصيات سياسية مهمة
وينمي شخصيات اخرى ولديه برنامجه المراد تطبيقه ويلتزم
بمبادئه الأولية يختلف تماما عن التعامل مع شخصية سياسية
لديها تنظيم يخدم أهدافها وتصوراتها ورؤاها. فعلاوي لا
ينتمي الى تنظيم سياسي بل هنالك تنظيم سياسي ينتمي إليه،
ومن المؤكد أن هذا يضعف العمل الجمعي للتيار الليبرالي،
باعتباره "يفردن" الليبرالية ويشخصنها ويقيدها بقرارات
شخصية، خصوصا وان حركة الوفاق الوطني تطرح نفسها كاهم
تنظيم سياسي ليبرالي داخل في العملية السياسية. والمفارقة
ان التنظيمات السياسية التي تطرح نفسها كقوى ليبرالية هي
الأكثر إصابة بداء الفردانية ومركزية الزعيم من غيرها ما
يكشف عن مفارقة او ازدواجية، ففضلا عن حركة الوفاق هناك
حزب المؤتمر الوطني وحزب الامة واشباههما وهي بالأساس
تنظيمات تسمى بأسماء أصحابها اياد علاوي واحمد الجلبي
ومثال الآلوسي... لأنها ليست أكثر من واجهات سياسية تشرعن
نشاط اصحابها. وهذا بلا شك قد يجعلنا نستفهم عن امكانية
تشكيل حزب ليبرالي يعمل وفق منهج ليبرالي ابتداء بنظامه
الداخلي وانتهاء بقراراته وتحالفاته والقضايا التي يؤمن
بها. واغلب القوى الليبرالية الفاعلة وقعت في هذا الخلل،
باستثناء القليل منها كتجمع الديمقراطيين المستقلين وهو
غير فاعل اليوم بعد ان تحطم بسبب انقياد بعض قيادييه
لمغريات المحاصصة الطائفية في العراق والحزب الوطني
الديمقراطي الذي يعاني من الجمود والعجز عن استقطاب
سياسيين شباب لمركز القرار السياسي.
ثانيا: حركة الوفاق، عداء للطائفية وتحالف معها
ومن جهة أخرى فان أهم ما ميز حركة الوفاق وتحديدا زعيمها
هو معارضة الطائفية وعدم اللجوء لها. فرغم أن أياد علاوي
دخل مجلس الحكم كشيعي علماني، واختارته الإدارة الأمريكية
لرئاسة الحكومة المؤقتة باعتباره شيعيا، إلا انه اختار
فيما بعد أن يطرح نفسه وحركته كوجود لا يحسب على أي من
الطائفتين. وتمكن علاوي من إبعاد نفسه عن اعتباره شخصية
تنتمي للطائفة،وسعى الى تكوين صورة له كسياسي علماني
يتجاوز شيعيته وينتصر لعلمانيته. لكن عدم لجوئه للخيار
الطائفي وتأكيداته المستمرة على ضرورة التصدي لمشروع
المحاصصة الطائفية ورفضه التعامل بايجابية مع بعض
التحالفات الطائفية، لم يكن هو الخيار الدائم له. صحيح انه
كان شخصية غير طائفية وان اغلب من هم في حركته لم يلجأوا
إليها في تعاطيهم مع قضايا العراق، إلا أن الحركة سعت
مرارا للتحالف مع الطائفيين، ولم تخجل من القيام بهذا
الفعل، فبعد الانتخابات الأولى شكلت القائمة العراقية،
وحركة الوفاق جزء منها، جبهة مرام مع أطراف سياسية أخرى
بعضها من القوى الطائفية السنية. ثم حصل أن تفاوضت القائمة
مع جبهة التوافق السنية لتشكيل تحالف ثنائي معارض للتحالف
الثنائي بين الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي، وكان ذلك
خلال فترة الجدل ضد تجديد انتخاب الجعفري رئيسا للوزراء في
الفترة الدائمة. وهنالك تقارب مستمر بين القائمة العراقية
وجبهة الحوار المكونة فقط من النواب السنة. وهنالك، دائما،
محاولات متجددة لحركة الوفاق للقيام بتحالفات مع اطراف
طائفية. ألا يعبر هذا الموقف عن ازدواجية في المعايير؟ كيف
يمكن انتقاد الائتلاف الشيعي لطائفيته وعدم الموافقة على
أي من تشكيلاته ومحاصصاته الطائفية والرفض القاطع له
باعتباره احد أركان الاستقطاب الطائفي من جهة، وفي الوقت
ذاته يحصل تقارب بل وتطرح إمكانية التحالف مع كتل طائفية
أخرى..؟ هل هذا ينسجم مع ذلك؟. هذه الازدواجية لا تعني ان
حركة الوفاق لديها أجندة طائفية، لكن رفضها للمصطفين
طائفيا يقتصر على من يحول دون تمكنها من الوصول إلى إدارة
الدولة، وتحديدا رئاسة الوزراء. وأتذكر جيدا يوم
الانتخابات عندما سألت الدكتور عدنان الباججي، الحليف
الاستراتيجي للوفاق، عن آمالهم بالحصول على اصوات كافية
لان تصبح كتلتهم اكبر كتلة انتخابية لمواجهة احتمال حصول
الائتلاف الشيعي على وفرة في المقاعد النيابية، أجابني بان
المأمول ان تتمكن العراقية مع قوائم اخرى، كالتوافق
والتحالف الكردستاني المتوقع حصولهم على نسبة جيدة من
المقاعد، من تشكيل كتلة كبيرة تواجه الائتلاف للحصول على
اغلبية تؤهل لاختيار حكومة، ما يعني انه لم تكن هنالك
موانع من التحالف مع التوافق او الحوار. الهدف هو رئاسة
الوزراء، والموقف من القوى الطائفية يمكن ان يخف أن ضمنت
الوفاق هذا المنصب. من يسمع تصريحات حركة الوفاق وقيادته
حول الطائفية يتوقع أن الموقف منها هو موقف نهائي يتقاطع
مع كل الطائفيين ولا يمكن ان يقترب منهم، ولكن التقارب
الحاصل مع المعارضة الطائفية يفقد تلك التصريحات والمواقف
من الحكومة، التي تصفها الحركة بالطائفية، قيمتها.
والمفارقة الاهم ان حركة الوفاق تركت في سبيل السلطة،
بمبرر رفض التحالف مع الطائفيين، تحالفاتها مع شركائها
القدماء الذين يتفقون معها في الكثير من القضايا
واستبدلتها بتقارب ومشاورات مع جهات هي ايضا طائفية ولكنها
لا تؤمن حتى بشرعية اسقاط نظام صدام. ثالثا: "ليبرالية"
بخلفيات "بعثية"
أن يتحول شخص من اليسار أو القومية والبعثية أو الإسلامية
الى الليبرالية فالأمر معقول وممكن جدا ومبعث للاحترام
أيضا، بل إن اغلب الليبراليين سابقا لم يكونوا ليبراليين،
لان الليبرالية الحالية جديدة على واقع العراق وإنها نتيجة
لمراحل الفشل. فهنالك تحولات حاصلة في العالم والمنطقة
وتحديدا بعد انهيار الايدولوجيا الشيوعية في عالم السياسة
والاقتصاد وفشل المشروع القومي العربي وشعور كثير من
الإسلاميين بضرورة إعادة النظر بعلاقة الدين بالدولة. ولكن
تأسيس حركة ليبرالية اغلب أعضائها من ذوي خلفية سياسية
وأيدلوجية واحدة يثير الكثير من الشكوك والتساؤلات، وهو
يقلل من قدرتها على الاستمرار ككيان ليبرالي في كل الأحوال
ولا يضمن تحقيق الرؤية والمنهج المحققين لشرط الليبرالية
في العمل السياسي وفي القرارات والتصورات والأهداف
والتحالفات والعلائق. فلا مشكلة في أن يقوم بعثيون سابقون
أو شيوعيون سابقون أو إسلاميون سابقون بالاشتراك مع بعضهم
في تشكيل حركة ذات توجه ليبرالي، ما المانع إن كانت لديهم
قناعة قد تغيرت فعلا، وإنهم تمكنوا من التحرر من ثقل
الماضي والتزاماته. لكن الشكوك ستبقى قائمة إذا ما حصل
وتشكلت هذه الحركة من شخصيات يغلب على ماضيها انتماء واحدا
وعضوية في حزب أو تيار واحد فقط، سواء كان هذا الحزب
يساريا أو قوميا أو إسلاميا. فعند تأسيس حزب ليبرالي من
شخصيات إسلامية أو شيوعية سابقا فانا سنعلق على هذا بالقول
ان هذا الحزب ليبرالي مكون من اسلاميين او شيوعيين، سنبقى
نستفهم عن امكانية ان يتمكن كل هؤلاء من تجاوز مأزق قدرة
هذا التنظيم على عدم الانتكاس نحو الماضي. مثلا عندما قام
عضو حزب الدعوة السابق ضياء الشكرجي بتأسيس تجمعه
الديمقراطي فانه تحاشى ان يقتصر بالتسمية على تجمع
الديمقراطيين، بل أضاف لها كلمة "الاسلاميين" باعتبار ان
مؤسسي التجمع هم في الغالب ممن كانوا إسلاميين وبعضهم ما
زال يؤمن ببعض مقولات الإسلام السياسي، لهذا فان الشكرجي
كان منصفا وموضوعيا ولم يقفز على الوقائع والامكانيات
الموجودة بين يديه. وحركة الوفاق تعاني من هذه المشكلة،
فهي حركة يصعب تصديق تحول كل أعضائها إلى رؤى ليبرالية،
وان صدقنا فان هذا لن يكون بالمطلق بل تبقى هناك مساحة
اتهام ما دام الحال كذلك. فالأكثرية بماضيها البعثي تجعل
من الصعوبة الاختلاف بالرأي وتعطي الحركة سياقات موحدة
وقرارات متشابهة وتمنع من تعدد الخيارات، بل وتدفعها
باتجاهات تنسجم والخلفيات السياسية. فيما لو كان أعضاء
الحركة من مشارب وماض مختلف ومتعدد، فان القرارات والمبادئ
والاتفاقات ستنضج أكثر وسنضمن أن لا تصدر من منهج أيدلوجي
موحد وقديم ساكن، مهما تقادم الزمن وتحرر المرء، في عقل
وفكر الأعضاء المتشابهين بالماضي. بوضوح ان حركة الوفاق
تعيش مشكلة عميقة، هي انها ومنذ اللحظة الاولى لجأت الى
رفاق الأمس البعثيين لتتشكل، وأصبح البعثيون هم العنصر
الغالب عليها. ولم يحصل ما يدفعنا للقول بان الماضي البعثي
لأعضاء الحركة لم يكن مؤثرا وأنهم تجاوزوه فعلا، وأنهم
تمكنوا من النهوض بمعزل عن أفكاره ومنهجه. فمنذ اللحظة
الأولى تشكل التنظيم بتحالف ثنائي بين اثنين من البعثيين
السابقين احدهما قريب العهد بالبعث هو صلاح عمر العلي
والآخر ترك البعث قديما هو أياد علاوي، فتمت الاختيارات
والمفاتحات، منذ أيام التنظيم السري، مع شخصيات هي بالأساس
بعثية أو ذات نزعة قومية، وبالتالي فان السياقات
الليبرالية في الحركة أصبحت مأسورة بماض بعثي متقاطع في
نقاط كثيرة مع الليبرالية. واستمر الحال على هذا المنوال
فاغلب الأعضاء الأساسيين في الحركة هم ممن انتمى إلى البعث
في خمسينيات القرن المنصرم، بعضهم ترك البعث بعد تحولات
الحزب عام 1963 والبعض الآخر تركه منذ السبعينيات. فهل
هنالك شرط حزبي سري بان يكون أعضاء الحركة بعثيين سابقين؟
يحق لنا ان نطرح هذا السؤال بوضوح. وقد لا يحق لي أن اجزم
بوجود هكذا شرط سري مادمت لا املك دليلا واضحا على هذا،
لكن هنالك نتيجة صريحة هي أن قدامى البعثيين المستقيلين من
حزبهم السابق أو المطرودين منه او المنشقين عنه أصبحوا
الأوسع تأثيرا في حركة تسعى إلى خطف الأضواء كحركة
ليبرالية. فمن حق البعثيين الذين تركوا الحزب أن يشكلوا أي
حزب يرتؤوه مناسبا لتوجهاتهم، ولكن من حقنا أن نقول إن
الوقوف وراء ستارة زاهية الألوان كستارة الليبرالية غير
الملوثة بدماء العراقيين لا يكفي لان تصح القول بان
الواقفين وراء تلك الستارة هم ليبراليون، فأي تنظيم يتكون
من أعضاء من ماض سياسي وحزبي وأيدلوجي موحد يصعب عليه ان
يكون ليبراليا. وقد ظهرت نتائج التذبذب بين الانتماء لحركة
"ليبرالية عصرية" والانتماء للماضي المتجذر في مواقف
ومبادئ المنتمين لهذه الحركة وقيادتها، فنحن نسمع بين
الفينة والاخرى اجتماعات يقوم بها بعض اعضاء الوفاق او
حلفاؤهم البرلمانيون مع قيادات بعثية بارزة، بعضها مغموسة
اليد حتى السواعد بدماء العراقيين. وانسحبت ايضا على طبيعة
الدفاع عن البعثيين، فبعد ان كان الدفاع فعلا انسانيا يسعى
الى رفع العقاب الجماعي الواقع على مواطنين عراقيين أصبح
فعلا سياسيا يخفي محاولات إعادة البعث كتنظيم الى الحياة
السياسية. ولم يقف الأمر في حدود الحركة بل كان هنالك سعي
لدفع حلفاء الحركة من أعضاء القائمة العراقية الى مقاربات
سياسية مع البعث. وحتى على مستوى التقارب مع الدول
العربية، فان شكل التقارب الذي تقوم به حركة الوفاق يشير
الى وجود توجهات قومية، تحت شعار الحد من التدخل الإيراني.
وقد لا يكون هذا التقارب منبعثا من رؤية وحدة الوطن
العربي، لكنه على كل حال مستوى عميق من التقارب يكشف عن
قناعات قومية.
ولذلك فان ليبرالية الحركة وقعت ضحية لهيمنة الانتماء
والعلاقات القديمة لأغلب الأعضاء، خصوصا وان زعيمها هو
الآخر ينتمي للماضي ذاته. في حين أن مثل هذا الاندفاع غير
المفهوم لم يكن ليحصل لو تعددت ماضي أعضاء الحركة
وخلفياتهم السياسية بطريقة متكافئة فهذا يضمن شيئا من
التوازن ويحفظ للحركة نسقها الليبرالي بعيدا عن الاندفاعات
بهذا الاتجاه او ذاك وسيضع حدا لمثل هذه التصرفات حتى وان
كانت زعامة الحركة راغبة بها.
وإذا ما أرادت حركة الوفاق ان تحتفظ بلبراليتها وتحمي
سلامتها من ان تأخذ طريقا غير سليم فان من الضروري إعادة
النظر في خريطة المنتمين والأعضاء و"القواعد الشعبية"،
وتسعى إلى إيجاد توازن بين المنتمين لها يمنعها من
ارتدادات في التفكير والمنهج والموقف. مواقف وتصورات حركة
الوفاق تشهد تجاذبا بين اشتراطات العمل الليبرالي المستوفي
لاشتراطات الوضع العراقي الجديد النابع من فشل أيدلوجيات
وشعارات ومقولات الواقع السياسي لعراق النصف الثاني من
القرن العشرين وبين الانتماءات والمتبنيات القديمة التي
تنتمي عمليا إلى ذلك الواقع، ما يترك انطباعا لدى المراقب
بان هنالك محاولة "لتبعيث" الليبرالية. وبناء على كل ما
تقدم، فان الواقع الليبرالي يعيش في مأزق، فهو من جهة اضعف
بنية وتنظيما من التيارات الأخرى، وهو اقل قدرة على مد سبل
التواصل مع المجتمع، وهو من جهة أخرى لا يحترم ليبراليته
كونه مصاب بمس من الفردانية والازدواجية والتشتت بين طموح
عميق بتحديث نسق متبنيات الاحزاب العلمانية وبين
الانتماءات السابقة للملتحقين به. الليبرالية.. الدرس
العميق
والمأزق بحاجة إلى علاج، فالعراق اليوم بحاجة الى التوازن،
ولا اعني بالتوازن ذاك الذي تطرحه قوى سياسية لتحديد توزيع
الوظائف الحكومية، او ما يطرح من توازن طائفي، بل اعني انه
توجد ضرورة لشراكة مؤثرة يفرضها التيار الليبرالي في
الواقع السياسي، وهذا لن يحدث بهبة من جهة او تفضل او بقوة
السلاح، بل يحصل بإعادة تأسيس الوجودات الليبرالية في
البلاد، بحيث يعالج الافتقار الى العمل التنظيمي ويتم
تجاوز مأزق عدم الانسجام بين المواقف والمبادئ. هذا
التوازن سيساهم في معالجة مشكلتين، أولا ستجد قوى الإسلام
السياسي طرفا موازنا لها بدلا من أن تبقى كل شيء في العراق
وهذا مهم لان أحزاب الإسلام السياسي هي واجهة أخرى من
واجهات الايدولوجيا وانفرادها المستمر سيدخل العراق في نفق
آخر لا ندري متى سيخرج منه، وهو ليس بمصلحة العراق نهائيا
مهما اعتدلت تلك القوى وقدمت من ضمانات، فلا ضمان للأحزاب
الشمولية التي تضطر للقبول باللعبة الديمقراطية وليست
مقتنعة بها. وثانيا لتخليص البلاد والمجتمع إلى الأبد من
العودة لأيدلوجيات علمانية عهدنا فيها خلال تجربة أكثر من
نصف قرن أنها ايدلوجيات دموية ومثيرة للعنف والكراهية
وحالت دون تقدم العراق ونجاحه وكانت سببا رئيسيا لهذا
الانهيار داخل المجتمع العراقي. وليست القضية بنت يوم أو
يومين إنها ثقافة مجتمع والمراهنة أولا وقبل كل شيء على
قدرة التيار الليبرالي على الإقناع وفق برامج ورؤى
وتصورات، بعيدا عن شعارات التحشيد والتجييش. ولكن لابد من
بداية، وهذه البداية تضمنها قدرته على التحرر من فردانية
وشخصنة هيمنت حتى بوسترات القائمة الانتخابية لأهم تشكلاته
الانتخابية في البلاد. انها بحاجة ماسة إلى أن تطرح نفسها
وفق برنامج سياسي يقنع الناس برؤى جديدة على ركام انهيارات
الايدولوجيا، وليس وفق الشعار العريض "رجل قوي" الذي رفعته
بعض القوائم، لانه شعار يكرس الاستبداد. لذلك هنالك حاجة
لحزب منظم. فهل فكر الليبراليون بتأسيس حزب سياسي، يكون
لكل عضو مكانة واضحة في القرار السياسي، ولا يكون واجهة
لفرد أو ستارة لماض أو يكيل بمكيالين؟ توجد أسماء ليبرالية
مهمة ولكنها رغم كل شيء مشتتة ومتذبذبة.
ليفكر الليبراليون إذن بحل لشتاتهم، بعد أن ينهوا هيمنة
الفرد عليهم
توضيحات
* هناك حاجة ماسة لقراءة واقع القوى الليبرالية وسواها من
القوى العلمانية. ونقد الاحزاب العلمانية والليبرالية يمثل
مفصلا مهما في طريق معرفة اسس خلل الواقع العراقي، فهنالك
مجموعة اسباب للمشكلة السياسية في البلاد، جزء منها تتحمله
قوى الاسلام السياسي، وجزء اخر تتحمله القوى الليبرالية
وعموم العلمانية المعاصرة. هنالك خلل عميق في الاحزاب
العلمانية وهنالك تناقضات شديدة الخطر، وهذه الاحزاب تتحمل
جزء كبيرا من المشكلة وليس من حقها ان تلقي اللوم كله على
الاخرين. حركة الوفاق احدى هذه التكوينات السياسية التي
تتحمل جزء من المسؤولية في الخلل. وليس معنى الحديث عن
اخطاء الوفاق ان بقية القوى والاحزاب ليس لديها اخطاء
وتناقضات، فان اغلب التكوينات السياسية تعاني من ازدواجية،
وكل لديه ازدواجيته وتناقضاته الخاصة.
** عمارالسواد هو عمار الكعبي نفسه.
***تعرف الليبرالية السياسية بانها احترام استقلال الاخر،
وبأنها تعني التسامح، وثقة بالاثار الحميدة للحرية...
والليبرالية غير الاقتصادية هي مذهب سياسي فلسفي يرى ان
الاجماع الديني ليس شرطا لازما او ضروريا لتنظيم اجتماعي
جيد ويطالب بـ"حرية الفكر" لكل المواطنين. بحسب موسوعة
لالاند (ترجمة خليل احمد خليل، منشورات عويدات،
بيروت-باريس، الطبعة الثانية، ص726)، وفي الموسوعة نفسها
(الصفحة ذاتها) ورد ان اسم الليبرالية يدل خاصة على
العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مثلها
والعقائد التي ترى ان الحد من دور الدولة هو بمنزلة وسيلة
اساسية لتلك الحرية.
وتعرف ايضا بانها تقليد في الفكر السياسي يتركز في قيمة
الحرية الفردية وعلاقتها بالدولة، ويقال إنّ الأفراد لهم
حقوق غالبا ما تكون حقوقا طبيعية، وجودها مستقل عن الحكومة
أو عن المجتمع، مكونة قاعدة القيود الدستورية على صلاحيات
الحكومة. وهذه الحقوق هي من قبيل التمتع الآمن بالحياة،
والحرية، والملكية، وحرية الكلام، والانضمام إلى الجمعيات،
ومهمة الحكومة هي احترام هذه الحقوق وحمايتها والسماح
للأفراد بالسعي لتحقيق أهدافهم المختارة مع احترام حقوق
الآخرين. والمجمع عليه في تعريف الليبرالية انها ضد
الاستبدادية...
احالات:
(1) في لقاء لاياد علاوي خلال فترة المعارضة لنظام صدام
حول تأسيس الحركة منشور في موقعها تحدث عن ان الحركة تأسست
بجهوده الى جانب من وصفه باستاذه تحسين معلة وصلاح
الشيخلي، وهما من بين الخمسة المستقيلين.
(2) بيان للخمسة المستقيلين وهم تحسين معلة وصلاح الشيخلي
وضرغام جواد كاظم والعقيد المتقاعد سليم شاكر الامامي وحسن
حلبوص نص البيان على موقع "صوت العراق تاريخ 3/8/2003"
(3) النظام الداخلي للحركة الموقع الالكتروني لحركة الوفاق
الوطني
(4) المصدر ذاته
|