ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

لِمَ التاريخ؟

بانوراما لثلاثية: زمن، ثقافة، اجتماع

أ.د.متعب مناف

هذا السؤال أحد الأسئلة التي استفزتني وأنا أدرس في أقسى بلاد العالم عولمة إلى حد تسميتها بالوحشية.
لقد فهمت هذا التساؤل وكأنه هجوم على هويتي وانتقاصا من ذاتي الشرقية الطابع وإنه يندرج تحت ما نسميه اليوم صراع الحضارات، وأنه موجه من الآخر لاختراق مسلماتي والعبث بمفردات وخصوصيات ثقافتي واستغلال مواردي وضرب تطلعاتي، وباختصار فأنه جزء من مؤامرة قد أعدت في دوائر معنية تترجم مجمل نظرة الأخر لتكريس أبقائنا في نفق الشك والتخلف والاهتزاز.
ولكن لم نكن لنطرح أسئلة مضادة على الآخر "نـحاوره" من خلالها وبالأخص توجه المؤامرة نـحونا وفي عالمنا الذي يحوي مساقط شرقية وعربية وإسلامية، قبل أن نتحول إلى عالمثالثية ونامية ودول القعر"جنوب العالم".

 

 لقد تأخرنا في طرح مثل هذه الأسئلة بفاصلة زمنية ليست بالقصيرة جرى فيها بالفعل تطوير قدراتنا الفكرية والتفكيرية تؤهلنا لمثل هذا الحوار الذي تأخر حضورنا فيه دون أن تفوتنا الفرصة وبالأخص بعد أن صاغ الأخر في التسعينيات من القرن العشرين الماضي صيغة تعاملية"دولية" أطلق عليها تصادم الحضارات (Clashf Civilizations) والذي فهمناه بأنه صراع (Struggle) مما افقدنا بالفعل القصد/ الهدف من وراء هذه الصيغة وهي أن الحضارات الأقل فاعلية في عالم اليوم وذلك وفق القدرة التكنولوجية لا تستطيع أن تصادم الحضارات الأوفر حظا في التكنولوجيا، فأنها تشكل عبئا على نادي الحضارات المتفوقة والغنية والفاعلة في اتخاذ القرار الحضاري، لذا فإن مثل هذه الحضارات وبفعل خللها الذاتي وعدم قدرتها على المشاركة وتحمل المسؤولية فإنها يمكن أن تعزل أو تهمش بالأقل للحيلولة دون وقوفها سببا في طريق اتخاذ قرارات فاعلة كوكبيا."
ويمكن أن نرجع هذا النكوص في مبادرتنا في حوار الأخر لما يأتي

.1 صعب علينا وقتها وقد يكون منذ نصف القرن العشرين الماضي أن نفرق بين "الحوار" وبين "السجال" فالحوار عملية تبادل للأفكار وإنتاج للمفاهيم تجري بشكل هادي ووفق منهجية يتم فيها القبول بما يطرح دون محاولة لفرض رأي أو وصاية أو عزل أو تهميش أو قفز على الواقع مع انتفاء أن الناتج يمكن أن يكون فيه منتصراً ومنكسراً وإنما تبقى العملية في نطاق الرأي والرأي الأخر."2"
أما السجال فأنه قد يصادر الرأي الأخر أو ينظر إلى الجدل باعتباره مجابهة ويتطلب هذا الاعتماد على المطلقات والكليات والثوابت مما قد يترك مساحات ضيقة أو فسح محدودة يمكن أن تقود إلى ما يمكن أن يتفق عليه يوظف كأساس لحوارات مستقبلية.
إذن السجال يفتقر الى مواصلة إذ تبدأ أغلب حواراته من الصفر.

2. لقد تأخر إدراكنا لتقاعس دخولنا في عملية الحوار لذا فقد شكل سؤال: لم التاريخ؟ صدمة لنا فأن سلوكنا كان في حدود رد الفعل دون أن يرقى إلى الفعل وذلك يعود الى القوالب الجاهزة التي تصل الى حد التنميط."3"
مما جعل من ردودنا جدية وحادة لها صفة المصداقية قد أعدت سلفا أو ماضيا، أي أنها جزء من تاريخنا الذي انعكس على الذات، ولذلك اقترن التاريخ بالهوية أو الوجود لذا فأن أي تهديد للتاريخ أنما يعني بالضرورة تهديدا للهوية.
لقد تبدل الجدل والحوار إلى سجال وقويت دورة ردود الأفعال التي قد تغذي ألا ثقة مما يتحول إلى تعزيز يصب في خانة المؤامرة ولكن ما هو دور التاريخ في تراجع الجدل ونجاح الحوار وإمكانية التحول إلى السجال وما يترتب علية من اتخاذ موقف مهمش من قبل الأخر ومتعنت إلى حد العنف على صعيد ألـ نـحن؟
التاريخ لا يمكن فصله عن الأمة والمجتمع إذ يعتبر من العوامل المحركة لكليهما، ولكن الإشكال هو كيف يفهم هذا التاريخ من جهة وخطورة تصنيفه من جهة أخرى.
والتاريخ وبفعل دخوله على الزمن في مراحل مبكرة للرموز الإنسانية التي تطورت إلى كتابة منطوقة ومقروءة قسم على ثلاث حقب بدء بالتقديم(أثار/تاريخ) تليه حقبتان: الحاضر والمستقبل وأطول هذه الحقب عمرا وقد تكون أكثرها فاعلية الحقبة القديمة نظرا لما تركته من انجازات وبالأخص في جوانب الأعمار والهندسة المعمارية التي ما زالت تمثل العديد من أعاجيب العالم ظلت على خلودها متحدية العصر التكنولوجي الحاضر كما ارتبط اغلبها بأساطير بنائها التي نظر أليها بتأثيرها على الإنسان ومصيره بل بكل وجوده في حياته."4"
ونظرا للرمزية العالية للشواهد الحضارية/ التاريخية التي خلفتها الأزمنة القديمة والفخامة التي بنيت فيها فقد حظيت باهتمام الإنسان العادي حصرا إلى حد حياكة العديد من القصص الخارقة التي يمكن أن تتركها مثل هذه الآثار في مفردات حياة البشر وبالذات: المدافن المصرية ـ الأهرامات ـ والأبراج الرافدينية/البابلية والتراث الاؤغاريتي وبالأخص بعد أن تم التفرغ إلى هذه المخلفات الحضارية وتم قراءة ما كتب عليها من رموز التي وضعت في نسق مقروء مما زاد من قربها من دورة حياة بني البشر وبالأخص بعد أن كشف عن الانجازات المعمارية والقانونية وما اتخذ من هندسة السدود والمعابد الضخمة وما تركوه من منحوتات اختلطت فيها الأساطير بالواقع، اخذ فيها الرمز والصورة والرسم والمنحوتة مداها الأوسع في التعبير والدلالة متخلصة مما قد يبرز من عقبات."5"
هذه الثروة الحضارية التي أغنت التاريخ والقديم بالذات ووسعت الأفق الرمزي للإنسان إلى مديات بعيدة إلى الحد الذي تلاشى فيها الخط بين الأسطورة والواقع وهذا ما يحاول أن يصله الفن في الحاضر وعلى مستوى العالم بأسره.
ورغم أن هذا الجانب من الموروث القديم يتصل بعلم الآثار وأكثر من اتصاله بالتاريخ، الا ان هذه الثروة الحضارية والتي وصلت الأجيال اللاحقة أنما خضعت للزمن لذا يمكن أن ينظر إليها منتظمة تحت مظلة التاريخ.
إن الخلل الذي تعرض له التاريخ القديم ومنه الحضاري أن هذا الكم النوعي الذي خلفته الأجيال الغابرة أنما خضع للانقطاع وبالاخص في منطقتنا العربية وفي الشرق الخاص بنا إذ سادت الديانات الموحدة التي همشت الحضارات القديمة.
لقد دارت الحضارات القديمة حول الرأس الحاكم/ الإمبراطور وصولا إلى الربط بين الشرق والاستبداد إلى حد تسميته بالاستبداد الشرقي(Oriental Despotism) وعزي ذلك بل برر بأنه الاقتصاد في تلك الحضارات كان زراعيا يعتمد على الري أي حصر وتوزيع المياه وإيصالها إلى أوسع وابعد المساحات مما يعني سيطرة تصل إلى حد التسلط لإدارة الأعداد السكانية الهائلة العامة في مجال الري6.
رسخ هذا ما يسمى بالعادل المستبد وهو نمط لشخصية حاكمة ظلت تمثل مقاسات الرأس وبالأخص في مجتمعات قد تفتقر إلى مؤسسات، مما يكرس أهمية دور الرأس المقررة.

3. وفي الوقت الذي اهتمت فيه الحضارات القديمة وعلى امتداد الشرق وبالتأكيد في الشرق القريب منا بالرأس الحاكمة وحاولت أن تقرب بين الفاعلية والعدالة، فان الديانات الموحدة بالذات إنما ركزت على الناس فأعلت بين مكانة المجتمع وأفراده وذلك بالضد من تأكيد الحضارات على الحكم والإدارة حيث تحول الاهتمام نـحو الضعفاء والمعدمين والمهمشين في توجه للارتقاء بهم وجعلهم ندا لحكامهم وسادتهم.
ورغم الاختلاف في جذرية النظر في أدارة البشر (الحكم) أو إصلاح البشر (دين) فأن الماضي استطاع أن يستوعب هذه النظرات في الحكم والإصلاح، إذ توجهت التطلعات نـحو بناء مفهوم للعدل (Justice) وبالأخص كيف يتحقق مثل هذا العدل وصيغته المثالية (Ideal) ثم تطبيقه العملي (Practical) ومن هو العادل؟ وما هي الضمانات لاستمرار العدل سائدا ومدى تأثير الخوف على حرف مسيرة العدل؟ وما مدى توفر الشرائط في العادل7"
مثل هذه التساؤلات أمكنت أيجاد أجوبة وتوضيحات لها في الحضارات والديانات وتم تضمين كل هذه التطورات والمعارف في المدونات الزمنية التي تحولت إلى تاريخ أو كما سماه هيرو دت هستوريا (Historic) أو القصة العالية القديمة زمنيا والتي عززت بأمثلة تجلت في سلوكيات وصلت بها حد الكمال في محاولة لإضفاء مصداقية عالية على أحداث الأزمان والماضية بالذات حيث تحولت إلى أدلة عمل اتبعتها الأجيال اللاحقة وهي مطمئنة إلى صحتها وفعاليتها."8"
ولكن لماذا هذا التسليم بالماضي وشبه الإجماع على صحته إلى حد الإطلاق؟ اغلب التصور أن الماضي وما تمتع به من الامتداد الزمني وامتلاء حصيلته بالإحداث والحادثات، أن ساد الاعتقاد بان الماضي وبحكم الفترة الممتدة التي مر بها مكنته من اجتياز العديد من التجارب والاختبارات غذتها عقول عالمة أي أنها (مكونة) على خلاف عقول الراهن التي توصف بأنها متعلمة أي أنها (مكونة). لذا فلم يترك سابقا أي فصل فكراً أو ممارسة دون أن يمر بمراحل ومراحل من التمحيص والفرز مما أضفى على الزمن المدون (التاريخ) نوعا من التفرد وفر له سلطة تكاد تكون مهيمنة على ما تلى الماضي من الحقب ممثلة بالحاضر والمستقبل."9"
وقد وقر في الإفهام والنفوس أن الحلول أذا أريد لها أن تكون صحيحة ورصينة فلا بد لها أن تسند وتستند إلى الماضي مما يجنبها الزلل والخطأ، وبذلك تحول الماضي إلى زمن غير قابل للتساؤل أو حتى للاختلاف، وأتهم من يحاول ذلك بكسر المتعارف عليه، إن لم يوصم بالخروج على الاتفاق والانـحراف وفي لغتنا فإن السيف (Sward) أنما سمي الماضي وتعني القاطع ويفرق بين السيوف بمدى إمضائها أي قابليتها على القطع.
أليس لنا أن نتساءل عن جذر هذه التسمية التي سجن فيها الماضي الخاص بالزمن الغابر إلى وصف آلة السيف، فكما تكون الأحداث العابرة في فعلها وفعاليتها فكذلك السيوف في قطعها ومضائها.
وإذا طورنا فكرة الجمع بين الماضي وبين السيف فأن السيف يعني الدولة والسلطة في محاولة للتفريق بين سلطة السيف وسلطة العلم ولأي منهما تكون الغلبة؟ دون نسيان الربط بين السيف والسفينة أي بين القوة وسلطتها وبين الدولة وأدارتها."10"
هذا التمييز للماضي هو الذي أعطى للتاريخ والذي مر منه بالذات الأفضلية في تراث الأحداث والحقب الزمنية. ولكن بقدر ما وعى الماضي الأصول والجذور وحفظ التجارب وبشكل يكاد يكون متكاملا جنب الأجيال اللاحقة كما في الغناء وخفف عنها ثقل فشل التجربة فأنه وقف بالضد من تطلع الإنسان لبناء الحاضر وبلاخص عندما ترسخت قناعات قد تصل إلى حد الإطلاق هي أن الماضي أنما غطى المساحات كاملة بما فيها الجانبية والمظلمة فلم يبق هناك مجال للإضافة لذا فعلينا أن نجد في تأمل الماضي وأن نتعمق في فهمه بدلا من أن نوجه همتنا وندفع بطاقاتنا لدراسة الحاضر الذي نظر إلية وكأنه ظل باهت للماضي وهذه النظرة التي تسلم بتسليط الماضي الزمني والتي تصل بذلك على حد الإطلاق وأن بدت مقبولة وبلاخص في مجتمعنا وثقافتنا التي تحتل التوجهات نـحو الماضي جانبا مؤثرا فيها، فأنها تغفل حقيقة هي اغتصابنا لحاضرنا بحجة أن أجوبة الحاضر أنما هي متواجدة في الماضي إلى حد إلغاء الحاضر أدى هذا إلى الانكفاء على ذواتنا والبعد عن التجريب والمبادرة واقتحام مجالات جديدة في العلم والمعرفة وبالا خص في معرفتنا في العلوم الإنسانية والاجتماعية."11"
ومنذ خروجنا إلى الفضاء العالمي في بواكير القرن العشرين الماضي وجدنا أن المجتمعات وناسها أنما يصنفون الى تلك المتجهة للداخل أي المنكفئة على الذات أو تلك التي تعيش ماضيها في حاضرها والتي تحولت إلى شعوب نامية كسولة مستهلكة ثقافتها مستدينة تأخذ الجاهز من انجازات الأخر إلى الحد الذي قيل فيه أننا نستورد السيارات ولكننا لا نستورد العقلية التي أنتجت هذه السيارات ولا كيف جرى تصنيعها مما يكرس تبعية ثقافتنا فتظل خائفة مترددة في فعلها يدفعها إلى أنتاج كم من القلق والشك قد توظفه في التعامل مع أبناء الثقافة أنفسهم وهذا يفرز تداخلا في سلوك أبناء الثقافة نفسها فهي تخاف الآخر وتكرهه إلا أنها تهاب فيه تفوقه في الوقت الذي تقترب فيه من أفراد محيطها الثقافي ولكنها لا تثق بهم لأنهم اضعف من أن يكونوا أندادا لانجازات الآخر أو بالأقل أن يتقاربوا منه في جهودهم وعلى عكس المجتمعات التي يتجه ناسها للداخل هناك مجتمعات تتجه إلى الخارج ولذلك لا تقنع بما آل أليها من تاريخها الماضي وما تحدر إليها من تجارب عبر الزمن، وإنما هي منفتحة لتلقي الجديد تتعامل معه وفق صيغة انتفاعية."12"

يجعلها هذا التوجه والانفتاح أن تستوعب تجارب الآخرين دون تردد في اقتباس ما تراه يغني حياتها وتعود عليه بالمكاسب الى حد تجريد الآخرين منها عملا بمبداء البقاء للأصلح."13"
ولكن هل تعيش المجتمعات الإنسانية بمثل هذه القطبية بين من يتجه إلى الداخل منكفئا على ذاته وبين من يتجه إلى الخارج منفتحا على التجارب موظفا إياها لاغناء ثقافته؟ إلى حد ما فان مثل هذه القطبية الثنائية موجودة بالفعل تنعكس في الفرق بين ما يسمى بالمجتمعات المعْولمةٍ والمجتمعات المُعْولمة والتباعد واضح بينهما في عالم اليوم وبالأخص في الوضع الثقافي لكل منهما، فالقطب المعٌولم قطب فاعل يوظف فعله في استغلال البشر وموارد القُطْب المُعولم إذ يبني علاقاته مع الطرف الآخر وفق آليات تحقق له المصلحة والمنفعة لا مجال فيها للاعتبارات والعواطف وإنما هناك حسابات باردة تسيرها عقول عمل على أنتاجها القطب المُعولم تضع أمامها أهدافا تحققها بفعل ما ترسمه لها من آليات تتوصل بها لتحقيق الأهداف على حد تجريد الإنسان من إنسانيته بدعوى أنه الأجدر على تحقيق تطلعاته يبرر لها أن تكون وصية عليه لأنه ما زال في طفولته أو أنه يتقدم وبشكل وئيد نـحو بواكير مراهقته الثقافية."14"

كيف نفهم التاريخ في راهننا؟
لا ثقافة دون تاريخ ولا تاريخ دون مجتمع، لذا فأن مثلث ثقافة/ مجتمع/ تاريخ إنما تعكس التلازم بين هذه المكونات الثلاثة التي تزود الإنسان بأذرعه التي يثبت عن طريقها تفوقه النوعي كائنا متفرداً إذ عن طريق الثقافة إنما يؤمن الإنسان لنفسه عالما من الرمز والرمزية بما فيها الإشارة واللغة واليد الماهرة والإبداع الفني أي أنها (الثقافة) إنما تزود الإنسان بإنسان ثان: مفترض أما المجتمع فإنه المصنع الذي يوفر للإنسان إضافات تحاول أن تضاعف انسجامه مع وسطه على حساب ما يميز هذا الإنسان من فردية وما يتصاعد في ذاته من أنانية قد تصل به إلى حد التمزق."15"
فما هي صلة الإنسان بكل من الثقافة (Culture) والمجتمع (Society) والتاريخ(History)؟
إن صلته بالثقافة إنما تصدر عن الرمزية التي توفرها هذه الثقافة له إذ عن طريق هذه الرمزية يمكن أن يحقق الإنسان استقطابا وجذبا لما يحيط به من عوامل ومؤثرات وتكون قيمة هذا الإنسان مشدودة نـحو قدرته على أن يكون رمزا محركا وهذا دأب الأنبياء ورجال المعرفة ومضان الحكمة ومعلمي البشرية إذ شكل حضورهم مفاصل تحول في المسيرة الإنسانية لأنهم استطاعوا تحريك العديد من الأوساط الراكدة والمتباعدة والمتقاطعة، وبذلك حققوا انسجاما في مساحات سادها الظلام والتشتت والاضطراب لذا فلإنسان ومهما كان موقعه (مركزه ودوره وقدرته وطموحاته) يمكن أن يحقق قدرا من الاستقطاب أو التحريك لأنه يظل الرمز المحرك فكيف بالإنسان المتفوق على غيره وقبل ذلك المتفوق على نفسه وما يمكن أن يتركه من اثر ويبنيه من شبكات علاقات؟."16"
ورغم هذه الأهمية للرمز والاستقطاب وشبكات التأثر والتأثير فإن الإنسان لا يمكن أن يتماها مع رمزه إذ لابد من ترك مسافة بين الوجود الإنساني وبين رمزية هذا الوجود، فالقيم والعادات والتقاليد والأعراف والفكر والفن والدين والسياسة والعلم والمعرفة والعرفان والأيدلوجيات واليوتوبيات كلها مرموزات إنسانية قد تستوعب في سفر أو كتاب أو لوحة أو اختراع أو عمل موسيقي ولكنها لا يمكن أن تكون بديلا للإنسان ولكن وبفضل ما يختزنه ويتوفر له من قابليات ويحركه من دوافع وطموحات يمكن أن يحقق بحضوره الرمز الذي يستقطب ثم يحرك هذه المرموزات مؤهلا إياها لتنظيم شبكة تجعل من الإنسان إنسانا. وأقسى ما قد يتعرض له الإنسان ويثلم إنسانيته أن يكون عبدا لهذه المرموزات الذي صاغ حضوره الفاعل تصدر تحركاتها وحراكها."17"
وهذه النظرة الى الثقافة طورها الآخر فانتج مثل هذا التطور أن حدثت تحولات في الأوساط الحضارية البعيدة عنا.. أي تلك التي تحولت حضارتها الى حضارات (جاذبة) في الراهن، في الوقت أخذت فيه حضارتنا في التحول إلى (طاردة) بشرا وأفكارا وموارد.
لقد طرحت حضارات الاخر الجاذبة العولمة في محاولة لتكريس قدراتها على الجذب والاستقطاب والاحتواء وبذلك اختارت الإعلام (Media) للتفوق من خلاله وصولا إلى علاقة بين الجذب الحضاري والدفع الحضاري تحكمها معادلة هي أن الحضارات الجاذبة إنما تحتكر التصدير الإعلامي أي إنها تُعلم أكثر مما تعلمَ فهل تحول راهن العالم إلى من يُعلم ومن يُعَلم، وأن الطرف الأول الذي يُعلم يزداد أعلاما في وقت يتراجع فيه الطرف الثاني الذي يُعَلم مما يعمق الفجوة بينهما وقد تكون التكنولوجيا أحد مؤشرات التفريق بين الحضارات بفعل ما تختزنه كل منها من هذا الثراء التقني أنتاجا وتراكما واستيعابا وتصديرا، إذ ندر أن مرت الإنسانية في مسيرتها الطويلة والمركبة بمثل هذا التفاوت في إنتاج وحيازة وتصدير مفردة حضارية مؤثرة كالتكنولوجيا وأفرز مثل هذا التفاوت في الثراء التكنولوجي ما يمكن أن نسميه بالحضارات المتفوقة تكنولوجيا وتلك المعوقة تكنولوجيا ولم تقف التكنولوجيا عند الآلات ومرورها بفترات من الثورات الإبداعية والإضافة وانما أمتدت إلى كل مفاصل الحياة والحركة والتعامل والإنتاج في تلك الحضارات التي قرنت بين ثقافاتها وحضاراتها مما رفع من قيمة وفعالية وتأثير ما تتوصل إليه من قرارات كوكبية الطابع."18"
إن ثنائية تكنولوجيا/ ثقافة من أكثر الثنائيات إبداعا وتفوقا إذ أن المجتمعات في الراهن، إنما تقاس بما توظفه في مجالات بحوثها من مجمل ميزانياتها وما تطبعه من كتب ومجلات وتنشره من مقالات وما نضخه من معلومات مستغلة السموات المفتوحة نوافذها وتسلطها على الفضائيات وتصنيع واستعمال الحواسيب وأدوات المعرفة الرقمية وما تتفوق فيه بالفعل من براءات الاختراع بعد أن تكون وبالفعل قد ارتقت بمستوى بشرها في مجالات الرفاه والصحة والتعليم والاتصالات وأمنت حياة أجيالهم المقبلة.. وبذلك يمكن تحرير الثقافة من الخضوع لازمان غائبة أو ترفا تمارسه نخبة أو يوظف لسلطة. ولكن كيف يمكن أن يتم الانتقال من التعويق الحضاري والفوات الحضاري الى التفوق الحضاري؟"19"
ليست هناك وصفات جاهزة وإنما لابد من مسيرة مجتهدة تمتلك الإرادة والوعي والاتجاه والتصميم والهدف شرط أن تكون ذاتية ومرنة في الوقت نفسه يتم فيها الربط وبفعالية بين الثقافة والتنمية."20"
فالمجتمعات الإنسانية انما يلون علاقاتها اعتمادها على الوضع العائلي أو الرابطة القرابية وبالأخص في أوساطنا المجتمعية الغنية في موروث حضارتها القديمة والفقيرة في راهن عطائها الحضاري.
أن اعتمادنا على ثنائية عائلة/ قرابة إنما يصبغ علاقتنا المجتمعية خضوعها لأنساق من المسلمات لا لاعتقادات (Beliefs System) والقناعات/ الطاعات (Loyalties) واجتماعيا لا يفترض أن تشكل كل مسلمة أو اقتناع قناعة وطاعة، لأن ما يترتب على انساق المسلمات/ الاعتقادات من قناعات وطاعات إنما يكون ناتجها إلتزامات (Obligations) وخيبات (Frustrations).
فالمسلمات/ الاعتقادات إنما تفرز قناعات وطاعات وألا فأن مساحة الخيبات في السلوك الإنساني تبدأ بتجاوز تلك المساحة الخاصة بالالتزامات.
مثل هذه الموضعة الاجتماعية قد تدفع ببعض أنماط سلوكنا، بان أي ابتعاد عن الالتزامات يعني الوقوع في دائرة الخيبات، ويبدأ ربط جامد وميكانيكي بين الاعتقاد والقناعة والطاعة. وناتج مثل هذه الشبكة من العلاقات بين قواعد السلوك المبنية على العائلة والقرابية والتي قد يترتب عليها فرز مسلمات وقناعات تنشأ عليها التزامات وخيبات وأن الخيبات قد يتسع مداها في الناتج السلوكي إلى الحد الذي يتحول فيه الالتزام ـ الضغط سلوكي ـ إلى ظل باهت قوامه الخوف من الوقوع في دائرة الخيبة مما يحجم الفعل الإنساني ويحول دون بروز إبداعه، وبذلك تتراجع الثقافة ويُهمش دور الحاضر وتختزل مكانة المرأة ويسود القديم في الفعل والحركة والتصور.
وللخروج من هذه الدائرة التي خنقت الفعل الحضاري كان لابد من إعادة ربط الثقافة (Culture) بالتنمية (Development) في محاولة لتعميق راهنية هذه الثقافة وصولا بها الى التطلع المستقبلي، أي فك ارتباط الثقافة بالتاريخ ووصلها بحاضر المجتمع.
وقد برز نتيجة هذا التجديد في العلاقة بين الثقافة والتاريخ والمجتمع مع حضور فاعل للتنمية كوسط يحرك، أن تراجعت العائلة والصلات القرابية كحاملات لعلاقات جديدة تترجم طموحات الإنسان نـحو أفق أنجازي أفضل.
ولتجاوز إشكالية فاعلية ولا فاعلية العائلة والقرابة أُحضر المجتمع المدني (Civil Society) ليعمل على تجديد فاعلية العائلة والقرابة وإمكان الجمع بين نواتج أفعالهما المجتمعية تمهيدا لإطلاق حوامل قادرة على النهوض بالفعل التغيري الذي تلعب فيه التنمية دورا فاعلا إلى الحد الذي قدمت فيه التنمية على الثقافة نفسها.
والواقع فان الانتقال في العائلة والقرابة كحوامل تقليدية لفعل حضاري فاعل على المجتمع المدني وتكويناته إنما يمثل بحد ذاته تنمية اجتماعية في تحريك بناءات رغم فاعليتها إلا أنها جمدت في إفراز صيغ يمكن أن تحمل وتستوعب مسؤوليات العصر، لذا كان ضروريا توظيف مفهوم جديد هو المجتمع المدني في محاولة لاختراق التراجع الذي أصاب فعل الإنسان ودفع به الى التسليم بالماضي والتردد إلى حد الخوف من القطع والتجربة.

هذه التنمية الاجتماعية التي تمثلت بحضور مفردة حضارية جديدة وفاعلة في نطاق فعل الحوامل التقليدية عائلة/ قرابة/ مهدت الطريق لتطور التنمية الاجتماعية متحولة إلى تنمية بشرية أحيت في مسيرتها الجوانب الاقتصادية والفكرية والفنية حركت معها التكنولوجيا التي وجدت لها في المجتمع المدني رديفا.وبفضل تجاوز الشد التقليدي فقد تحول الناس نـحو الإنجاز وتركوا إلى حد بعيد إلاعجازات التي زخر بها عصر ما قبل ارتباط الثقافة بالتنمية وتوظيف المجتمع المدني والاهتمام بالمرأة مكانة وفاعلية والتركيز على العلم والتعليم ورعاية الأطفال والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وتوزيع الثروة على أساس الانجاز، واعتبار هذا الانجاز تفوقا يرسم معالم توزيع القوة على صعيد إدارة المجتمع ممثلا بالدولة."21

ورغم كل هذا الحراك الذي أحدثه ربط الثقافة بالتنمية والتوظيف الفاعل للمجتمع المدني وظهور مثلث مجتمع مدني/ ثقافة/ تنمية لرسم مصفوفة وحدود هذا الفعل التجديدي، فأن الخصوصيات الملازمة للثقافات التي ترتبط بالأوضاع العائلية والقرابية وما يمكن أن تقدمه او تصوغه من انماط سلوكية ضابطة وموجة، لابد من أن يؤخذ في الحسبان وإلا وقعت التنمية والمجتمع المدني الساند لها في دائرة الاتهام بأنها تتجاوز أو تقفز على التزامات الداخل مما قد يصمها بالبعد عن الواقع والاغتراب.
لذا فأن إغفال إحضار الفعل الروحي (Spirituality) قد يهدف إلى أن تحجم التنمية ويتحول فعل المجتمع المدني إلى مجرد تعامل مظهري قد لا يرتبط بالذات وما قد تعلمته أو تعززه من ضوابط ومحركات تعود إلى ما يوصف بالنزاع على مستوى الجذور الاجتماعية (Conflict Communal) فإذا فهم الربط بين الثقافة والتنمية والمجتمع المدني بأنه تجاوز لحقائق الذات والداخل، فإن حجم المشاركة في الفعل التغيري الجديد(ثقافة/ تنمية) قد ينكص مما يؤثر على فاعلية المجتمع المدني الذي يمكن أن يتراجع على مستوى الفاعلية التقليدية التي يكرسها ما تقرره العائلة والصلات القرابية من صيغ فعل وتوجيه وقد دفع مثل هذا الخوف من الارتداد وأمكانية التداخل بين الحوامل والفواعل التقليدية والحديثة الى توقع أن تتداخل العوامل والفعاليات بما قد يمثل ارباكا لعملية التحول المجتمعي برمتها دون أن يتوجه العمل التغيري نـحو مستقبل تراكمي فاعل.
لذا فقد طرحت العديد من التطورات لاختراق حالات التداخل هذه منها الربط بين الفعل النسوي (الجذري) وبين المقاومة (Resistance) وبين التنمية وذلك كي تتحمل المرأة كامل مسؤوليتها وتقليل اتهامها للمجتمع بالحد من فعلها وفاعليتها كما تم الوصل بين الجذرية (النوعية النسوية) وبين الانفتاح على العالم (العولمة) وذلك لتثبيت ان حقوق المرأة لها صفة إنسانية شاملة وبالاخص في القرن الواحد والعشرين قد تتجاوز بها المعوقات المحلية وقد تم توسيع تجذير الربط بين الثقافة والمجتمع المدني على صعيد الانماط التقليدية في التعامل وبالأخص في أوساط الثقافات النامية وبالذات في مجال الصحة (Health) والصحة العقلية (Mental health) حصرا وتم صياغة مصفوفة ثلاثية الابعاد تجمع بين: الصحة والثقافة والديانة، وانعكس ذلك في المعالجات الخاصة بالصحة العقلية وبالخصوص في التعرف على مدى النجاحات في مجال العناية (Nursing) لمن يعانون من الكآبة (Mental Distress) وفي الأوساط القروية والريفية في إفريقيا حيث تنتشر اعتقادات لها مسلماتها والتزاماتها وان ثقافات نافذة في الخارج استطاعت اختراق هذه القناعات والمسلمات فاربكت التزاماتها وبذلك تراجعت فاعلية العناية بمن يعانون من الكآبة في أماكن مختلفة في القارة السمراء."22"
ادخل ذلك التنمية في نصف الانكسارات بين التوجه نـحو التغيير وتجديد فاعلية الثقافة في المجتمعات النامية والقروية/ الريفية الذاتية اثأر صراعات بينها وبين ثقافات الآخر التي أخفقت في توقيت دخولها وتدخلها في الجذور الاعتقادية السائدة وبالأخص على المستويات التي تحتفظ بأكبر كم من العلاقات الأولية النافذة في مثل هذه الأوساط.

ومثل هذا التصارع بين الجذور الأولية الثقافية وبين الوافد الثقافي بكل ما يمتلكه من قوة ومصلحة ونفوذ حال دون الوصول إلى اشتقاق محصلة يمكن أن تضاف لانجاز تحول مما خلق بالفعل صعابا في طريقة المشاركة الفاعلة لجعل التحول حقيقة.

دور التاريخ في عصر التناقض وحضور المجتمع المدني:
في أوساطنا الاجتماعية والثقافية وفي دوائر فعلنا السياسي الأكاديمي ما زالت وظيفة التاريخ والمعرفة التاريخية تقليدية قد يصل إلى حد اجترار الماضي تحت غطاء الاستفادة من التجارب العابرة إلى حد حمل الحاضر على الماضي بدلا من أن يكون العكس فيقاس الماضي بالحاضر مما يجسر الهوة بين التاريخ والمجتمع لان التاريخ للمجتمع وليس المجتمع للتاريخ.
ويذلك يمكن أن نسقط ارتهان مجتمعاتنا وراهنا للتاريخ.
ولكن لماذا نطرح مثل هذه الإشكالية التي تغلب توظيف التاريخ والمعرفة التاريخية فنحسب الحاضر على الماضي واعتماد الحاضر الاجتماعي او مجتمع الراهن كنقطة شروع تاريخية؟"23"
والواقع أن التاريخ يتعرض ألان لأصعب التحديات التي لم يألفها طوال الأزمنة الغابرة، لعل في المقدمة منها شيوع التناقض (Acculturation) وهذا يحتم على الثقافة أذا أرادت أن تعيش وتستمر فإن عليها أن تحول ثقافتها (Culture) إلى متثاقفة يتطلب منها أن تكون مؤثرة في غيرها من الثقافات أكثر من تأثرها بها.
وهذا يعني أن الثقافة الأقدر على تصدير مفردات وبناء صيغ وإنتاج آليات وإضافة مصفوفات فكرية جديدة مع قابليتها في تحديث منظومتها القيمية وتوسيع مساحات الممكن والمسموح بمعالجة فاعلة للمسكوت عنه مع إعلاء النسبية وأهميتها وإعادة رسم مسارات أكثر فاعلية للتعامل مما يسهل ويغني علاقات الأفراد باعتبارهم أللاعبين الأساس في أوساطهم المجتمعية."24"
فالثقافة إذا أرادت أن تكون حية وفاعلة ومقبولة عالميا، فعليها أن تكون مصدرة أكثر من كونها مستوردة مما يعني أعادة هيكلة الثقافات الذاتية وفي المقدمة منها ربطها بالحاضر وتقنين ارتباطها بالماضي الذي قد تتجذر منه وسيلة للتهرب من استحقاقات الحاضر وتحميل الحاضر مسؤولية النكوص التي تعاني منها.
أذن فالثقافة أو ثقافات العصر والتي تمتلك بالفعل القرار الثقافي النافذ ومنه قرار العولمة بصرف النظر عن المساقط الذي ينظر إليها منها، أنما تبنى مكانتها في الفاعلية وبالأخص تصدرها في صنع القرار الكوكبي على أسس في المقدمة منها سهولة تحولها من التثقيف أي نشر مفرداتها الثقافية الى التناقض لتحقيق فائض ثقافي يمكن تصديره بشكل معلومات وإشكال جديدة في بناء المنظومات القيمية وإنتاج آليات تحفزه للفعل المجتمعي منها الربط بين الفاعلية الجسمية/ العصبية وبين فاعلية الأداء الإداري."25"
ولعل ضخ التكنولوجيا كمفردة عاملة في هيكلة الثقافة إنما يخلق بالفعل حراكا فاعلا في مجمل الجسم الثقافي إلى الحد الذي تتماها فيه الثقافة مع التكنولوجيا إذ عندما تتسارع حركة التكنولوجيا ما يصاحبها من إضافة وتجديد فأن الزمن يمكن أن يتوقف وهذا ما يحول دون شيخوخة الثقافة وهرمها وإبعادها عن الدورة التقليدية في التعاقب والتي قادت إلى القدرية والتشاؤم."26"
وبذلك يكون انتقال الثقافة في وظيفتها من التثقيف أي التحرك أفقيا في فعلها وفاعليتها إلى المثاقفة والتحرك الذي يزيدها فعلا وفاعلية، إنما يمثل تبدلا جذريا في تثبيت حق هذه الثقافة في الحياة لأنها تكون الأقدر في الصراع على وجودها بعد أن استوعبت قوانين هذا الصراع.
وقد وعت هذا الدرس التغيري وبالذات انتقال الثقافة في وظيفتها من التثقيف إلى المثاقفة، وما يصاحب هذا التحول في الأداء الثقافي من تحول في مفهوم الزمن وبالخصوص اقترانه بالتكنولوجيا المتقدمة ممثلة بالاستثمارات في مجال الاتصالات ورقائق المعلومات ووضع هذا كله في مجال التعامل والتوجه نـحو الحكومة الاليكترونية وإتباع قواعد الحكومة وما يتركه هذا كله من تبدلات في توجهات الناس وإعادة برمجة علاقاتهم الاجتماعية، مجتمعات خارج نطاق الحضارات الاورو أمريكية الضاغطة وبالأخص فيما كان يسمى بأوربا الشرقية وبلدان آسيا والجنوب الشرقي منها بالذات متأثرة بما وصلت إليه الثقافة اليابانية التي لم تدرس تجربتها في التحول وبالعمق الكافي في أوساطنا في شرقنا العربي وامتداداته المسلمة.
وبالفعل نجحت بلدان في أوربا الوسطى الشرقية والواقعة جنوب شرقي آسيا في كسر احتكار التثاقف الانكلوامريكي ويدق أبواب بلدان المراكز الثقافية التي حصنت نفسها ولفترات طويلة قبل أن تعي هذه البلدان كيفية التحول في ثقافتها من التثقيف الى المثاقفة وتحقيق قفزات في الصناعات الالكترونية وصناعة الاتصالات كما في تايوان وسنغافورة وماليزيا وإلى حد ما اندونيسيا وتايلاند والفلبين، وفي أمه/ بلد ما زال حتى وقت قريب ضائعا في اختياراته بحكم تقليدية ثقافته التسليمية يفعل توجهات معلمها كونفوشيوس ومؤدلجها ماوتسي تونك.
لقد أدركت الصين أن الخروج من هذا النفق الذي تداخل فيه الموروث الكونفوشسي بالثورة الثقافية الماوية مضغوطا بثقل سكاني هائل وطبيعة متقلبة وكم متعدد من الاثنيات وفقر الى حد الجوع ينتشر في العديد من المناطق الواقعة تحت رحمة أحوال أجوبة متقلبة وما يلحق بها من جفاف قاس وفيضانات مدمرة.
وللخروج من مثل هذه الصورة المحبطة، فقد اتجهت الصين إلى إعادة بناء تكنولوجيا خاصة بها في محاولة للفصل بين الثقافة والتكنولوجيا دون الدخول في إشكاليات مظهرية تتعلق بالأصالة والمعاصرة.

لقد سلم الصينيون وهم يبنون صناعاتهم تكنولوجيا بإمكان ألتعالقي بين الأصالة والمعاصرة دون محاولة الدمج بينهما أو حتى اشتقاق محصلة كما جرى في مجتمعاتنا."27"
وبحكم تسلط الحضارات المثاقفة على القرارات الاقتصادية والفاعلة في العالم واحتكارها للصناعات ممثلة بأسماء معينة(ماركات) تميز منتجاتها (سلعها) والصناعية بالذات التي أصبحت قياسية في الوظيفة والجودة، فقد توجه الجهد الصناعي ألصيني أن تكون منتجاته بأنها مصنوعة في الصين (Made in china) وذلك لتجاوز الوقوع في مصيدة الصناعات الاوروامريكية التي تشتهر بأسمائها وما يدعم هذا كله من أوساط للمال والإعمال وشركات غيرت القارات سيطرت على مصادر طاقة العالم وموارده وشكلت أذواق العديد من الكتل السكانية التي أمنت بتفوقها إلى حد التصديق الأعمى.
لقد نجحت الصين صناعيا وهي تواجه هذا التفوق الطاغي في مجال أنتاج السلع وتوفير الخدمات والإمكانيات المالية والاقتصادية مع سيطرة تكاد تكون مطلقة على سوق النقل وأسواق السلع/ بأن لجأت إلى أعادة بناء الصين صناعيا دون الاهتمام بمنتج معين حيث يصعب عليها المنافسة فيه.
لقد تحول ما يصنع في الصين إلى كم ونوع من السلع تتميز بتطورها التكنولوجي وجماليتها العالية مع انخفاض في الأسعار إلى أن تحتل الصين (الصناعية) محلا مؤثرا لها في الأسواق العالمية وزاحمت بسلعها وتفوقها التكنولوجي مثيلاتها في أوربا وأمريكا بل وفي جارتها (الآسيوية) التي سبقتها في دخول نادي التفوق التكنولوجي المعاصر، إلى الحد الذي راحت فيه اليابان تدرس وبإمعان أشكال التفوق الصيني وبالذات نظامها في التعليم العالي وعدد الساعات التي يدرس فيها التلميذ الصيني الرياضيات وبالأخص في الحلقات التعليمية المبكرة والمتوسطة والمتقدمة في محاولة لتجاوز الفجوة التكنولوجية الصناعية التي خلفتها التجربة الصينية الناجحة في مجال اللحاق بالعالم الصناعي التقليدي إلى حد تجاوز اليابان نفسها وما يرتبه نجاح التجربة الصينية في التنمية الشاملة من اثر في تحول الصين الى قوة عظمى لها الأثر الفاعل في آسيا بأسرها بل والعالم النامي وعلى صعيد عالمي."28"
الخلاصة
إذن فالثقافة هي العامل الحاسم في تغيير معادلة التحول والتفوق لأنها مخزن الضوابط وتوفير النواهظ، لكن الثقافة نفسها قد تتحول إلى معوق في أٍحداث النقلات التحولية وبالأخص إذا عجزت هذه الثقافة عن طرح الجديد من الحاملات السلوكية التي تسهل العمل في المجتمع وبذلك تُقصر في تنظيم ما نسميه برأس المال الاجتماعي (Social Capital) الذي يعمل على زيادة ثقة الأفراد بمجتمعهم الذي يوفر لهم قدرا أكبر من إشباع احتياجاتهم وتأمين طموحاتهم وحتى لأجيال قادمة."29"
وبذلك يتحقق ضرب من التماسك الاجتماعي يقود إلى تعزيز السلم الأهلي منتقلا بتأثيره الايجابي إلى الدولة وفاعليتها.
ولكن كيف يجري تحريك الثقافة في الراهن؟يتم ذلك في التوأمة بين الثقافة والتكنولوجيا في مجتمعات الأخر عنها في مجتمعاتنا.
هذه الوصفة (التوأمة) أثبتت نجاعتها وأن اختلفت وافتقرت إلى الفاعلية في مجتمعاتنا.
ومن مؤشرات هذه التوأمة التكنو ثقافيه أن تحولت ثقافة مجتمعات الأخر إلى المثاقفة في الوقت الذي استمرت فيه الثقافة وفي العديد من المجتمعات النامية قاصرة على مجال التثقيف، وقد تعمق التفاوت بين ثقافات العالم راهنا بين تلك التي نجحت في توأمتها وتلك التي تخلفت أو تباطأت في تطوير مثل هذه التوأمة.

ساعد هذا على أن تحتل المجتمعات الناجحة التوأمة مراكز متقدمة في تراتب حضاري راسي طبع سلوكها بالاستعلاء وما تبعة من تهميش وعزل للثقافات الأخرى بحجة إنها المنتجة والمصدرة للمفردات الثقافية كالسلع والخدمات والمخترعات السلوكية والإدارية والتنظيمية والحربية إلى ما تعتبره أدنى منها منزلة مما قد يصم هذه الثقافات بالمتسلطة أو المحتكرة أو المتسيدة لسوق التعامل والتبادل الثقافي الذي اختزل العالم على قرية كونية مع إنهاء للتاريخ ودفع الثقافات الأخرى لاحتلال أماكن عشوائية خارج دائرة الفعل التاريخي."30"

لذا فليس أمام الثقافات الابطء توأمة مع التكنولوجيا ألا أن تزيد من سرعة التوأمة كما ونوعا ليس من خلال شعارات ترفعها أو الانكفاء على الذات والنواح على أطلال الماضي، وإنما بإحداث نقلات نوعية في مجال أنتاج وتوزيع وفورات يمكن أن تعم المجتمع بأسره، إذ من الصعوبة بمكان أن يكون الفقر والمرض والأمية بإشكالها المختلفة سائدة في العديد من المجتمعات الأقل حضا في التنمية في وقت يتم فيه تلويث البيئة تربة وهواء وماء وتراجع في الخدمات وعبث في الموارد وتضييع الإمكانيات مما يعمق التفاوت والفوات الحضاري بين بلدان العالم ومجتمعاته ويزيد الأعداد التي تحاول أن تتوجه إلى الأقطار التي نجحت وتستمر في نجاحاتها في مجال التوأمة وبدأت تدخل بثقة القرن الواحد والعشرين لقد وعت مجتمعات من راهن عصرنا ما هي عليه من تخلف واستطاعت أن تشخص أسبابه فطوعت أساليب التفوق لمصلحتها وأفسحت المجال لبناء ثقافة متوأمة في بلدانها، لذا تحول العديد منها الى ما يسمى بمعجزة آسيا (اليابان) والنمور الآسيوية (جنوب شرق آسيا) ثم عملاق التغير (الصين ) إلى الحد الذي قبل فيه أن يكون هناك أُمة واحدة بنظامين الصين وهو نكوك، وهي صيغة حضارية/ سياسية للتوأمة. فإذا أمكن توطين وإنجاح الثقافة المتوأمة ودخلت التكنولوجيا وممارستها مجال الالكترونيات والمواصلات والاتصالات والصناعات المتقدمة والمعلومات وأثرت على مجمل الوعي السائد، فأن الزمن الحاضر وما يتم فيه من إنجازات ويوفق في حقوق الإنسان والارتقاء بمستوى رفاهيته، فأن نظرته الموروثة للحاضر البائس الممزق تبدأ بالانجاز وهذا يعني أن الراهن يحترم ويصبح أهلا للانتماء إلية وحمايته بفعل ما حققه ويحققه من نجاحات لعل في مقدمتها قدرته على بناء الزمن الجديد الذي يقضى فيه على الفقر وتتراجع معه حدة التصارع وتتحول التنمية إلى فاعل وحامل لحياة أفضل ولأجيال قادمة.
فهل أن هذه التوأمة وما يوفره الحاضر ممن رفاهية وإمكانات وما قد يحققه من تطلعات وطموحات تدفع الأعداد الغفيرة في بلدان وتجمعات العالم الأقل مشاركة في النمو أن تعيد صياغة وعيها وبذلك تنجح في توأمة الزمن مع الانجازات التي يحولها الحاضر إلى حياة متحركة وبالأخص بالنسبة للأجيال الشابة صاحبة المصلحة في حاضر أكثر ترجمة لطموحاتها مما يعني قيمة الراهن في مقارنة له بالماضي إن لم يتفوق عليه فنكون قد وفرنا إجابة عملية وإنجازيه السؤال لم التاريخ؟ لان التاريخ هو الراهن ومنه يبدأ العد الزمني نـحو مستقبل واعد ينقلنا من العشوائية الطرفية لنحتل مكانا مؤثرا في دائرة الفعل التاريخي.

استطرادات مرجعية 
1
- هناك فرق بين الكوكبة (Global) والصفة العولمية (Globality) والعولمة كاسم (Globalization) والاستعمال الأكثر واقعية هو الصفة وليس الاسم.
2ـ هذا الفرق بين"الحوار" وبين"السجال" يعني وجوب إطلاق ثقافة الحوار تحجيما لمساحة السجال في التبادل الفكري وبالذات على الصعيد الجامعي وفي الأوساط الأكاديمية في مجتمعنا حيث يتم أنتاج النخب الرائدة.
3ـ الثقافة وفي كل المجتمعات الإنسانية إنما تميل إلى تثبيت أطر التعامل والتفاعل لتسهيل التواصل بين الناس وبينهم وبين مجتمعاتهم. ولكن الثقافة قد تغالي فيما تنتجه من قوالب سلوكية للتصرف إلى حد التنميط، مما يعرض مثل هذه الثقافة القوالبية إلى الركود والتسليم ويزيد من فعل التاريخ الماضي في حاضرها.
4ـ هوبز باوم، ا، ج، دراسات في التاريخ (مترجم) ص4 ـ 11.
5ـ هذه الموروثات الحضارية العتيقة هي جزء فاعل من ذاكرة مجتمعاتنا،ولكل جيل حق في أعادة تفسيرها وفقا لما متوفر له في الحاضر ومعطيات وتقنيات وما يتعرض له من تحولات. فالآثار وعلمها "الآثار" (Archeology) حري بالاهتمام والتنقيب إلى حد الاحتراف والعلمية والمهنية، ولذلك يتشكل مربع عرفاني يضم كلا من الانثروبولوجيا (الأناسة/ علم الإنسان) والاركيدلوجيا (علملآثار) والتاريخ وعلم الاجتماع.
6 ـ يمكن أن نطلق على الموروث الحضاري القديم في منطقتنا أسم (الغابر) أما التاريخ الماضي وما فيه من حقب زمنية فيمكن أن يتخذ سمة (العابر).
7ـ مفاهيم العدل سبقنا فيها تسميات واستعمالات الإغريق (اليونان القدماء) ولذلك اتخذ أفلاطون حكم الإغريق العدل كثيمة (موضوع) لكتابة الذي خلد فيه الحضارة الإغريقية،الجمهورية (Republic) والذي رتب على كل جيل أمر ترجمته في ضوء المتغيرات التي يتعرض لها.
8ـ الجديد في كتاب هيرودوت (التاريخ) أنه لم يقتصر على ذكر الانتصارات والانجازات الخارقة للماضين وإنما شطر ما وقعوا فيه من أخطاء قرأها هيرودتس على الناس علناً مما أثار ردود فعل غاضبة من قبل من تلاه من المؤرخين فتحت الباب لحوارات عن التاريخ ومدى مراعاة المنهجية في كتابته ولأجيال لاحقة تصل إلى حاضر زماننا.
9ـ استعرت تعبيري مُكون ومُكوًن للعقل من د.محمد عابد الجابري أوردها في كتابه عن العقل العربي،وهو تلميذ خلدوني من ثقاة أهل العلم والمعرفة في المغرب العربي.
10 ـ هذا ربط بين التاريخ واللغة، لأن اللغة كما هو الحال بالنسبة للقانون وقبله العرف وجذره العادة وتاجه القيمة، فأنها كلها ظواهر أو نواتج اجتماعية تحولت إلى مجتمعية بفعل تراكم وتداخل شبكات السلوك في مجتمعات الراهن.
العلوم الاجتماعية هي الإبطأ في انفصالها عن التاريخ قياسا بالعلوم الطبيعية ويرجع هذا إلى صعوبة أن يتم التعامل مع ظواهر العلوم الاجتماعية بشكل كمي/ مادي لذا فقد حاول دوركايم (Durkheim) أن يتعامل مع الظواهر الاجتماعية وفق نفس منهجية العلوم الطبيعية.
12 ـ قد يطلق على تقاطع سلوك إفراد ومجتمعات العالم النامي بين نظرتها إلى علاقاتها بالداخل والخارج (الذات الآخر) تعبير ازدواجية النظرة أو تناشزها، المهم أن التداخل في مثل هذه النظرة قد يخلق أفقا ضبابيا يعوق التطلع نـحو الحاضر .
13ـ يدخلنا هذا في ما يسمى بعلم الاجتماع: بالدارونيية الاجتماعية (Social Darwinism) والتي طورها اكرهام سامنر (Samner).
14 ـ هذه النظرة إلى الفارق الثقافي بين من يعولِم (بالكسر) ومن يُعُولمَ (بالفتح) ورغم جمودها كصيغة فأنها لابد من تشكل حافزا لحركة الطرف المُعولِم لان البقاء في الحالة المخدرة (Neutral) يمكن ان تعود إلى تعميق الفوارق مما يصب في صالح القطب المُعولِم.
15 ـParkm a introducin8 anthropology p.p 3-16. 16 ـ هذه الفاعلية للفعل الإنساني وأتساع دوائر تأثيره إنما تفرز قيمة مضافة للإنسان كرمز (Symbol) وعلامة (Interaction) لذا فان احد أهم نظريات علم الاجتماع هي الرمزية التفاعلية (Symbolic Mtenaetionism) ما زال توظيف هذه النظرية محدودا في البحوث والكتابات والاطاريح في علم الاجتماع رغم تعميق الرمز والرمزية وتأثيرهما في محيط التفاعل الاجتماعي.
17 ـ الإنسان حيوان رمزي وهنالك بالفعل إنسان رمزي يوازي الإنسان التكويني (الحيوي) ولكن البعد الذي يجب ان يترك بين الإنسان وعالمه الرمزي يكون ضروريا لان الإنسان هو الذي صنع وصَنَعَ هذا العالم المرموز،هذا ما نجده في بعض حضارات و فكرانيات الشرق هو التراجع أمام العالم المرموز إذ يتم نسيان مفتاح الرمز (شيفرته) . لذا فإن العلاقة بين الإنسان والرمز هي عقلانية جدلية.
18 ـ قد يفرق بين الحضارة (Civilization) أو الثقافة (Culture) فلأولى أنجازيه/ مادية في واقعها والثانية معنوية/ معرفية ولكن الراهن إنما يذيب الفوارق بين الطابع المادي للحضارة والمعنوي/ المعرفي للثقافة، وقد يتراجع هذا إلى اختراق التكنولوجيا لكليهما، فهل يشكل هذا درسا يمكن أن ينتفع به في المجتمعات المتطلعة (Emerging Nations) ؟.
19 ـ الفوات الحضاري من التعبيرات الذكية التي يمكن أن تتفوق تشخيصيا على التعويق الحضاري كصيغة لتأشير الفوارق بين الحضارات. إذ من الممكن تقويض التفاوت بين الحضارات لأنه يقلل ويقلص من الفجوة الحضارية التي تحكم الاختلاف.
20ـ Ede, d. Development. Culture (2002) p.p.9-10
21 ـ المصدر نفسه،14 ـ 11 .p.p
22 ـ المصدر نفسه، 24 ـ 15 . p.p
23 ـ هذا التساؤل مركزي في فكري الذي يجمع بين التنوير (Enlistment) وبين التغيير (Chance) إذ أن الاهتمام بالتنوير لوحده وبالأخص في راهننا الفكري لا يشكل إضافة نوعية كما طرح قبل قرن أو أكثر تمثل بالطهطاوي والأفغاني والنائيني وعبده وخير الدين التونسي والذي بلغ الذروة في كتابات عبد الرحمن الكواكبي الذي قرب بين الاستبداد والاستعباد وما روجه في عالمية المعرفة القريبة الإسلامية فيما كتبه في أم القرى حيث شخص وعلى لسان العديد من العرب والمسلمين وعلى امتداد الشرق ما يعاني منه هذا الجسم الحضاري من تعويق بفعل عوامل ذاتية أو بفعل الآخر. لذا فان الطرح التنويري الحاضر خجول ومتردد دفعني إلى أن اقرن التنوير بالتغيير.
24 ـ يلعب الأفراد دورا فاعلا بقدرتهم التحريكية العالية على ترجمة الفعل التغيري إلى حقيقة، وبالفعل من يتمتعون بشخصية أخاذة (Charismatic Personality) ¡ إلا أن مثل هذه الشخصية المحركة لابد من أن تصدر عن مستويات نضوج مجتمعية في أبنيتها ووظائفها تقترن بثقافة قد انفتحت على عصرها وأنفتح عصرها عليها.
25 ـ التحول في الأداء الثقافي من التثقيف (Culturation) إلى التثاقف (Assultration) هو تحول لفرضية عصرنا الراهن بفعل العلائق يبن مجتمعات العالم بكل ما يحمله من تفاوتات إلا أن ذلك يدخل ضمن اللعبة الثقافية التي تمارس في عالم اليوم. وهي على صعوبتها فقد أمكن إتقانها في العديد من دول العالم التي توصف بأنها أقل حضا في النمو إذ المهم أن يكسر الجمود ويبتعد عن الأسئلة التقليدية: من أين نبدأ، من حيث بدأ الآخرون أم من حيث انتهوا؟ المهم أن نبدأ ولطريقنا وبأدواتنا مع انفتاحنا على العالم، لذا فنحن نشرع نوافذنا للريح ولكن لا نـنحني أمام هذه الريح مهما كانت عاصفة.
26 ـ ان الزمن هو احد أهم رهانات المجتمعات الاقل نموا في بناء ذاتها الحضارية الجديدة وادخال التكنولوجيا في هيكلة الثقافة ما يخلق بعُدا فاعلا بفعل تسارع الإنجازات التكنولوجية ويعمل على بناء إزمنة جديدة تضاف إلى الزمن الثقافي الراهن يفسح المجال إلى مزيد من التجريب والانجازات.
27 ـ الصين التي ظلت وإلى سنوات قليلة مضت مثالا للحياة الصعبة التي تعيش على حافة الحاضر دون أن تتمكن دخول دائرة القرارية إلا أن الوضع الارتدادي الذي وجدت فيه الصين نفسها لم يقف بوجه الصحوة الحضارية التي اطلقتها قوى التغير، وبالفعل فقد حققت الصبن وبوقت قياسي أكبر فائض في ميزانيتها من العملات الصعبة في الوقت الذي تم فيه كسر الاحتكار الحضاري والاستعلاء الثقافي في التكنولوجيا.هكذا يتكرر الدرس الحضاري التغيري في آسيا الذي شرعت في تدشينه اليابان مما يحفز المجتمعات الأقل حظا في النمو والتنمية أن تحلم بغدها أذا تحملت أعباء تحول حاضرهاـ فأنهه سيكون غدها بالفعل واعدا.
28 ـMelasevic, S, Globalism. Nationalism Which one is bad?
In Eade, D. Development. Culture, p.p .18-45
29 ـ رأس المال الاجتماعي(Social Capital) بدأ يحتل مكانة مؤثرة في الكتابات السوسيولوجية في العقود الأخيرة من القرن العشرين الماضي مع استمراره فاعلا في القرن الواحد والعشرين قد يتجاوز فيه فاعلية رأس المال الاقتصادي، لان التراجع في بناء رأس المال الاجتماعي إنما يشيع التفكك في المجتمع ويضعف مؤسساته ويدني من فاعلية أدائها ووظائفها وبالتالي فأن الناتج لا يمكن أن يبقى إلى مستوى ما يبقي البناء الاجتماعي متماسكا إذ يفتقر إلى (الصمغ) الذي يعمل على أبقاء الوحدات البنائية ملتصقة ببعضها مما يحقق التماسك الاجتماعي دون فقر أو جريمة أو فقدان كلي للمعايير (Anomie) أو حدوث شروخ قيمية تعمل بالضد من السلم الأهلي والأمان المجتمعي.
30 ـ ايدلوجيا نهاية التاريخ (End Of History) لفوكياماما من منتجات وصادرات الحضارات المثاقفة لإخراج الثقافات الأخرى وبالأخص تلك التي تمت مثاقفتها خارج دائرة الفعل الخاصة بالقرار التاريخي إلى حد القول بأن الثقافة التي لا قابلية لها على المثاقفة فأنها يمكن أن تدفع إلى حافة الدائرة الفاعلة تاريخيا في محاولة لقطع الطريق التقليدي للتاريخ والشروع بكتابة تاريخ يترجم وبمثل ما تطمح له الحضارات المحتكرة للقرار الحضاري الراهن من تسلط واستغلال.
وخطورة مثل هذا الطرح لإنهاء التاريخ أنه قد يخلق تاريخين: الأول خاص بالحضارات التي تنطلق من قوتها وتسلطها وتاريخ. لمن يفرض عليهم التاريخ.
مثل هذه الازدواجية التاريخية إنما تمثل ما يمكن أن يترتب على عملية إنهاء التاريخ من طرف واحد والبديل أن يتشارك البشر ومجتمعاتهم وثقافاتهم في إنتاج مدونة زمنيه إنسانية الطابع يمكن أن يجد فيها ناس العالم ذواتهم دون تحجيم للموروث أو تفويت للحاضر مع عين على الغد.