|
استعارة
هيجل
الاصلاح تعالق بين المجتمع والدول
جمعة عبد الله مطلك
اعندما تضيق المداخل تعز
المخارج. فالمجاز اللغوي الحاكم لكلا المجالين في الاصلاح
خاصة "الدولة ام المجتمع " ضيق المداخل واذ يتراوح بين
دولة القومية العابرة لزمان التحلل الاقطاعي وصولا الى
التوحد القومي وبين الحاجة الى انتداب دائم او ارتباط بقوة
خارجية تضيع ملامح المخارج. ليس ذلك فقط في تراجيديا
الواقع ولكن حتى داخل فقه اللغة العربية فالفاصلة "ام
"كثيرة التداول بين الدولة والمجتمع راهنا تبدو كانها تتيح
نوعا من المفاضلة او الاختيار لاحد طرفي الثنائية. اما وان
الطرفين كليهما يغوصان عميقا في حدود المجاز فان
الاستعارات في لغة البحث العلمي تبدو مؤذية. واذ يستنبت
مثقفون "دون (ال) التعريف "مفاهيم وعلائق لغوية لدولة
ومجتمع عربيين فانهم يصارعون اقدارا لا تبدا بالجغرافيا
التاريخية ولا تنتهي بمتاهة المعاجم اللغوية. واحدى اهم
مركبات الازمة ان هذا الاستنبات ليس محكوما بالممارسة
بالمعنى الجدلي المتراكم تاريخيا ولا منظرا لها وبالنتيجة
سوف يبدو قشرا خارجيا لبنية هلامية ليست محكمة لا من جهة
الصدور ولا من جهة المالات والتراكم. فاذا كان فقهاء
السياسة الاوائل قد امضوا واجباتهم بجبة الفقيه وتحت منطق
الامر الواقع فان حوافر خيول الفاتحين وتحكم سلالات
التغالب القبلي قد اسعفت رؤاهم المعتلة والسقيمة فدار
الاسلام حيثما تصهل خيول الفاتحين ودار الكفر خيال يستوطن
الباحثين عن الكنوز والمال وحالما يبرز مغامر قوي فان
امارة الاستيلاء واجبة الطاعة.
ا
هنا تندغم الوقائعية المهيمنة بالواقعية الباحثة عن مغنم
موجود في متون اللغة وخيالات الاطمئنان المسترخي. ولم تكن
مدونات فقه السياسة "اضعف ابواب الفقه في الاسلام "باكثر
من هذا الغبار الذي تثيره حوافر خيول الفاتحين او قوة
المتغالبين فالانسان هنا اما محارب او مادة للعقيدة او عبد
مجلوب من خارج دار الاسلام والنساء دائما في مواقع مخيال
اللذائذ وجباية الغنائم. فهذا الانسان ليس مواطنا في مدينة
اذ علاقته بالمكان تتحدد بمدى قدرته على تمثل جزئيات
العقيدة وحينما يكون حراس العقيدة ومفسروها طبقة غير مسماة
لرجال الدين تبدو معها المباحث والافكار التي تخص شيفرة
الدولة والمجتمع اكثر هلامية من حقيقة الاسماء نفسها.
والصعوبة تكمن في تحديد المنظور الذي يستطيع وضع الاطروحة
في مسارها الصحيح علميا فما تزال الدولة فكرة في حين يمثل
الواقع على الارض مجازا لغويا لتجليات القوة الاولى، وفي
حال تصادم التحديث مع ميتافيزيق المجاز فان اغترابا ينشا
ويصلح بنفس الوقت منظورا واداة تفسيرية لاحوال المجتمع.
ولا يمكن الركون هنا الى مفهوم النخبة وحده على الاقل
لتسويغ الفشل اذ ان منطق السبب والنتيجة متداخلان بالنسبة
للنخبة وصناعة الفشل. وتسللا الى مناطق الخطر المعرفي فان
فشل النخبة في القيادة والتحديث والاندماج او فشل المجتمع
في بلورة النخبة يعني ضفافا ليست مامونة من انثربولوجيا لا
تستطيع الحذر من الوقوع في براثن المجهول او ما هو اسوا
منه "بما يخص منهجية المعرفة" اي المضمرات الايديولوجية
لمهيمنات تتجدد وفق مصالح متغيرة. وامام التعضي والانهاك
اللغوي في صعوبات البحث عن صياغة فان شيئا من العودة الى
البديهيات قد يوفر استرخاءا من امراض القاموسية فضلا عن
محاولة ترميم البناءات اللغوية العتيقة.
فالانسان بمنطق البديهة لابد ان يعيش وهو يعيش كي يعيش
وحتى الحرب هي من اجل العيش والعقل يمثل بشقيه التفسيريين
التقليديين الاداة. فسواء اكان هبة الله تعالى ومدار
التكليف او اعلى مراحل التعضي النوعي "ارتقائيا "فانه في
الحالتين تسويغ، فالتاريخ يبتدئ عندما يعي العقل ذاته وهي
مشكلة مفتوحة على الزمان حتى يرث الله الارض وبغير وعي
العقل هذا يبقى التاريخ بحدود الزمان أي وحدات متجزأة
عندها يمثل الاغتراب معنى في الذات والاستبداد جوهرا في
السياسة واللاعدالة مضمونا للثروة. وفي كل تمثلات الاداب
ما قبل الاحتراف الفلسفي وفي هذا الاخير ايضا وصولا الى
السرديات الفلسفية الحديثة الكبرى فان هذه المعاني تمثل
وحدة الموضوع منظورا اليه من زوايا مختلفة فالمعنى الساكن
في اولاد ادم المعروف انهم يصفون الفيل على حكاية العميان.
واذ يحاول فوكوياما اعتذاريا ايجاد وصف كلي للفيل لم يسعفه
الخيال في اقامة جسر ضروري لتاريخ لن ينتهي بين مارتن لوثر
وجيفرسون فيلجؤه ضعف الخيال الى الهندسة الوراثية لردم
فجوة الهندسة الاجتماعية بما يعني توكيدا قدريا لنهاية
التاريخ اذ ان الاصرار المتفائل بهذه النهاية يعني الدولة
الليبرالية اما مالات التاريخ المستند الى الهندسة
الوراثية والجينية فلا تعني النهاية التقليدية للتاريخ
وانما الغاء للجانب الانساني منه. وعندئذ سوف يتحول
التاريخ الانساني الى تاريخ طبيعي وسوف لن يحتار العميان
في وصف الفيل لانه كان خيالا بالنسبة لهم وانهم بذاتهم
وبمجموعهم سوف يشكلون الفيل ذاته. وكل هذه القفزات النوعية
من دولة المدينة الاغريقية ومواطنيها الى مسخ التاريخ
الانساني الى طبيعي ومجموعة العميان لم يصار هنا في الشرق
الى تماثل او تطابق سوى للتاثير المفروض بقوة الضرورة
الاستعمارية او المعيشية او المرتبطة بطرق الاتصال بما
يعني تركيز الاغتراب في مقولات العقل الاولى ثم وبالتقادم
افراغ هذه المقولات من اية قدرة على صناعة المعنى والوصول
بالعميان على الاقل الى حدود التصور قبل التصديق بانهم
الفيل نفسه.
وللاغتراب هنا وظيفة اخرى اذ انه مثل في البدايات الاولى
للانبثاق العربي الاسلامي ديوانا للعرب سمي شعرا وبعد ذلك
وفي اول واخطر درجات سؤال العقل نفسه تكاثرت الاكلة على
قصعة متحجرة فاستجاب نظام الاغتراب الثقافي باجوبة الفقه
التقليدي عن امارات الاستيلاء والاستكفاء وحالما دخلت
الحداثة لم تكن تصلح لتفسير قوة الدفع الصاروخية في مدافع
نابوليون ولا فك الغاز حيرة الطهطاوي بل توجهت مباشرة وما
تزال الى الديوان. فالشعر هو حاضنة الحداثة وحزب الشعراء
هم جمهورها والنظرية الاجتماعية لا تمثل في نظام الاغتراب
معنى قادرا على الثبات والرسوخ والتواصل. وفي الوقت الذي
اعتبر علم الاجتماع في العقود الاخيرة بديلا للفلسفة
بصورتها الاولى فان العقل العربي والاسلامي لم يتفلسف ومن
كان قد جرؤ على ذلك امكن لثقب الاغتراب الاسود المتلفع
بجبة القضاء الفقهي ابتلاعه (استحالة الفلسفة - جورج
طرابيشي). ويمكن العثور على التجليات الوظيفية لهموم نظرية
الارادة العامة في الثقافة وهموم النخبة اغريقيا حتى قبل
عصر الفلسفة وبالذات عند هوميروس في نظام القانون والضرورة
(فقد كان هوميروس يرى ان وراء الالهة قوة غامضة ولكنها
مهيمنة ترسم للالهة حركاتها وافعالها وفق قوانين ثابتة
اطلق عليها اسم انانكي أي الضرورة او نظام الاشياء الذي لا
تستطيع حتى الالهة ان تتخطاه. حتى الماساة الاغريقية بنيت
على الايمان الثابت بان القانون هو الذي يتحكم في الشؤون
الانسانية وليس الصدفة)(1).
ويمكن تحديد جملة من العوامل افضت بعد ذلك الى ضحالة
التفكير "الفلسفي وفي الشان العام" ومنها وعلى الاخص مجالا
الاجتماع والدولة والسياسة وصولا الى عصر الاستنساخ
السوسيولوجي الباهت واعتقد ان من اهم هذه العوامل هو
العامل الخارجي المتمثل بسيطرة العنصر الرعوي التركي (فقد
كان المجتمع السياسي للعربي الذي هو كناية عن قاعدة الدولة
عرضة للتجزئة من ناحية بين كيانات عدة كما يشهد واقع
التاريخ منذ القرون الاولى للاسلام كما كان عرضة من ناحية
اخرى سواء كان متحدا او متجزءاً لاجتياحات القوى
الرعوية)(2) واستنزاف الجهد العقلي والقيمي في الصراعات
المذهبية ولغز ابقاء المعارف النظرية دون التحول الى صنائع
وتطبيقات عملية اذ على الرغم من انجازات باهرة في الكيمياء
والبصريات والجبر فان ذلك لم يتحول كما هو ضروري الى
تطبيقات عملية تساعد الانسان على سد الحاجة والتوفر على
اسباب القوة وقهر الاعتباطين الطبقي والطبيعي.
2
فالاصلاح يبدا في العقل وبقوانينه قبل الدولة والمجتمع اذ
ان الاخيرين تجليات للعقل سواء في نظرته الابتدائية او في
تجلياته المؤسسية "العقلانية". ومن الصواب هنا الافتراض ان
اصلاح العقل العربي والاسلامي لم يكن من مرجعيات الثقافة
فعدا عن المشاريع الكبرى التي تبنت النظرة العقلية للنص
المقدس فان الاستتباع او ما يسميه ادونيس الثابت يكاد يكون
سمة غالبة في القوانين الداخلية العميقة للثقافة وبالتالي
ايضا في نظم الحياة العملية. ان توصيف المجتمع الراكد
يقترب وظيفيا من مقاييس الدولة الفاشلة التي تتبنى
مؤشراتها منظمات دولية مختلفة راهنا. والاصل الجامع في
اصلاح العقل ونقده بما يخص النظم السياسية والادارية يرتبط
وظيفيا بمضمون نظرية الارادة العامة. وكيفما نقلب المصطلح
على وجوهه وينابيعه ومساراته وتمظهره التاريخي فانه متعين
مركزي في صياغة القوة باتجاه المعقولية وماسسة المعقولية
باتجاه العقلانية وتطوير العقلانية على قاعدة التراكم
والتثاقف الافقيين. ان ذلك يعني ايضا قدرة بيروقراطية على
اشاعة وتوزيع مناسيب الارادة العامة وضخها في مرافق الحياة
وبالذات في اكثرها خطورة مثل النظرة الى الثروة وتنميتها
والتربية وسيادة القانون واحترامه كمبدء مقدس. وحتى
النظريات الكبرى في الدولة فانها تستند ايضا الى جوهر
ومضمون الارادة العامة من نظريات التفويض الالهي الى العقد
الاجتماعي فالمادية التاريخية.......... الخ. فقد حكم
الفراعنة مثلا بالنظرية الاولى فيما استندت المدنية
الغربية الحديثة الى فلسفة النظرية الثانية وبنفس الوقت
قامت امبراطورية هائلة اختزلت الارادة العامة بسيادة
الطبقة العاملة وقدرتها على فك اغتراب التاريخ وتصحيح مسار
التشوه المفترض بين قوى الانتاج وعلاقاته. وفي كل هذه
النظريات وغيرها فان ممارسة واسعة في انتاج المعنى
الاجتماعي قد ترافقت مع او سبقت ظهور او حايثت تطور
النظريات كلها، فكيف نظر الفقه السياسي في الاسلام الى
قضية الدولة والاجتماع المدني بدءا من انبثاق الدعوة حتى
سقوط الخلافة العثمانية. اذ بالامكان عد مرحلة ما سمي
بالنهضة العربية الحديثة مغايرة في الشكل على الاقل قياسا
الى اساسيات النظرة العامة السابقة عليها وصولا الى
المرحلة الليبرالية الاولى التي ابرزت جهودا نوعية قبل ان
تنتكس في اتون الايديولوجيات التي اعقبت الحرب الكونية
الثانية وصولا الى التعلق في فراغ الحداثة وما بعدها
وحكاية الاطرش العربي في زفة العولمة غربية المضمون اما
قبل ذلك فان (فقه السياسة لم يظهر الا في فترة متاخرة، مع
الماوردي خاصة..... فكان في حقيقته وجوهره تشريعا لماضي
الحكم في الاسلام وبالخصوص فترة الخلفاء الراشدين ولم يكن
تشريعا لحاضره ولا لمستقبله..... وقد تطور فقه السياسة بعد
الماوردي عبر سلسلة من التنازلات والتخلي عن الشروط حتى
انتهى به الامر الى الاعتراف بان الحكم انما ياتي بالشوكة
والغلبة "الغزالي ومن جاء بعده "ثم انتهى الامر بالفقهاء
الى صياغة مبدا كلي يلغي فقه السياسة الغاءا تاما، مبدا
يقول من اشتدت وطاته وجبت طاعته)(3). ان مقولة الدولة صنعة
غربية ليست وهما ولا شعورا بالضعف او العقدة لكنها ايضا
تنطوي على تفصيلات لابد من الوقوف عندها. الوقوف الذي يتيح
امكانية بناء مجال سياسي واجتماعي عبر موشور الثقافة
السياسية وروابط المجتمع المدني. فالقرن التاسع عشر
والعشرين شهدا الولادات القيصرية للدول العربية والاسلامية
بشكل عام ولا معنى هنا للدولة بمعناها الجغرافي واهميته اذ
ان مشاكل الحدود ما تزال قائمة حتى الساعة وما يزال
عثمانيو تركيا من اسلاميين وطورانيين يطمعون بمحافظات
عراقية وللامر ما يشابهه في علاقات الحدود بدول الاطراف
التابعة اذ ان المركز الاوروبي كان قد رسمها وفقا لمصالح
متغيرة تتعلق بنفوذ الامبراطوريات واثر انـحسار هذا النفوذ
تتخلخل قوانين التوابع وما تزال. لكن المحوري في الموضوع
ان الدولة هنا ولدت ناتجا لعلاقات القوة ما بين تحلل جثة
الرجل العثماني المريض وورثته الغربيين. ولسوف يصوغ شكل
العلاقة بين الاسر والقوى التي حكمت هذه الدول مرتبطة
بالسيد الاوروبي الاثر الطاغي الذي يكاد يكون حاسما في
تقرير المصائر وشكل التوجهات حتى الساعة. والاكثر خطورة ان
الثقافة السياسية لم تكن بمعزل عن هذا المعنى ولذلك بحث
اخر اذ ان الثقافة السياسية ترتبط بالينابيع العامة
والكلية لانماط التفكير والثقافة السائدة وليس صعبا
الاقرار بان ثقافة التبعية والتقليد العربية والاسلامية
هيمنا على العقل العربي منتجا لسبات لا يفرق معه سياسيون
منتخبون بين الحكومة والدولة والسلطة. ولم يكن باوسع
امنيات كولومبس ان تكون شعوب باكملها عريضة وهائلة وتجلس
على بحيرات من ذهب اسود اكثر اهمية من ذاك الاصفر الذي
افتقده في العالم الجديد تدار من وزارة صغيرة قليلة الغرف
اسمها وزارة المستعمرات البريطانية او من غرف واسعة عملاقة
فخمة جدا تسمى قصور رئاسية شرق المتوسط. والمفروض بحكم
منطق البداهة او الاحساس الفطري بالعدل او الجمال ان غبطة
كولومبس لابد ان تتقاطع مع شعور بالخيبة يكون حافزاً للبحث
عن بدائل لهذه الكينونة المتراخية والسائلة والتي لا تنفتح
الا على ابواب العدم والقلة وعلاقات القوة. وليس صعبا ان
الثقافة والفكر النقدي هو المجال الاكثر استيعابا بمنطق
البداهة نفسه لكن وايضا بمنطق التاربخ. وفي احوال الشرق
بعامة فان التاريخ زمن راكد تهرات ركائزه وغدا وحدات
متشظية مفتقدا روحا جماعية للخلاص ولذلك استطاعت العوائل
والنخب التي ارتبطت بالقادمين الاوربيين ان تحكم وتسيطر
بسهولة دون النظر الى الفوارق بين الملكية والجمهورية او
بين الثورية والاصلاحية. وترجمة ذلك ان السياسة بقيت بنفس
مضامين هرمية الخلافة مع استثناء الرقعة الجغرافية
والتسمية وظلت مصادر الشرعية ذاتها وفي ظل ثقافة شعرية لم
تستطع حتى ان تتحول على سبيل المثال الى ادبية روائية
افقيا فان جموعا من خريجي الجامعات لن يجدوا مكانا تحت شمس
السياسة ناخبين او ناقدين او ناقمين ولسوف يستمرئوا دور
الموظف الكسول الباحث عن حقوق تقاعدية تضمن له الستر. لقد
توقفت مغامرة الحياة في النظرية والابداع فضلا عن الفكر
والسوسيولوجيا واجترت الشعوب شروحا على الشروحات وعلوما
نضجت لكنها لم تحترق لكن رمادها اصبح مقدسا بالطرابيش او
البدلات الحديثة ولم يعد ممكنا الكلام عن الحق وتجلياته في
النظرية والتاريخ الا تحت ظل وسقف الولي الرأسي الذي هو
الاب والشيخ مالك السيف والرقاب والخزائن والابواب.
وللنرجسية المجروحة حكم افضى الى قدر تراجيدي اخر اذ ان
تحدي الحداثة لم يكن بمستوى تحدي الاستعمار الا في اضيق
الحدود اما وان الظاهرتين قد جاءتا معا "الاستعمار
والحداثة "فان السؤال يبدو ملغزا حول التاخر في البناءات
السياسية والضمور المريع للروابط المهنية وفشل التعليم
ووقوف جميع هذه المجتمعات تقريبا على مسافة تقترب او تبتعد
من شفير حروب اهلية يستدعيها ضعف التنظيمات السياسية
الحديثة واعتمادها روابط ما قبل الدولة الحديثة فيما تحكم
الدولة التحديثية قبضتها السلطوية بمقتنيات الحداثة في
الاستحواذ والقوة والسيطرة والطرد. فقد ظل ابن خلدون يتنفس
عميقا ولو قيض له العودة لن يغير الكثير سوى ان الشوكة لن
تعد في العصبية فقط فقد تتحول الى وزارة المستعمرات
البريطانية او شركة ارامكو او الكواليس السرية لاوبك ما
يخلق مجالا رخوا بغير بدايات محكمة او نهايات مؤصلة مما
يجعل الشعوب والاوطان مادة استعمالية للقوة سواء كانت قوة
المتغلب الداخلي بالمقاييس الخلدونية او المتغلب الخارجي
الذي يعاني هو الاخر مشكلة نظرته الى اخرين لابد من
التعامل معهم. ولن يكون صحيحا الافتراض ان الخليفة القادر
هو من حسم الامر لصالح متوالية الاشعرية واستمرارها
والواجب يدعو الى تتبع الاشعرية في مباني الفكر والثقافة
العامة حتى لو تعلق الامر بحدود انثربولوجية او رعوية
وبالضرورة مقارنة فلو استغرق افلاطون مثلا او ارسطو في
مشكلة الصفات التي عبر العقل العربي والاسلامي عن نفسه
خلالها لم يكن بامكانهما الكتابة في السياسة بالمعنى
الدنيوي ومهما يكن مضمون او جوهر او خيال الدولة الفاضلة
الافلاطونية او الارستقراطية النخبوية الارسطية فانها موجه
وديناميكية داخلية للثقافة والكتابة والتنظير. وباصطلاح
مواز يشكل الاجتماع البشري وحاضناته التنظيمية أي الدولة
مشغلا دائما في هذه الثقافة وهو ايضا مستمر ومحكوم
بالضرورة الضاغطة على العقل. وعندما وصل الامر الى هيغل
واعتباره الدولة عقلا كليا فان هذا المفهوم كان قد ارتبط
في نسيج المعنى الاغريقي بالحق قبل ان يتبلور في القانون
ولذا فان التكوينات الاثنية في الدولة الحديثة لم تكن عبئا
عليها حتى في خراب دول الحرب العالمية الثانية وحتى سياسات
الصهر القومي التي مارستها الانظمة بعد هذه الحرب لم تكن
لتستقل وتؤسس لهذه النزعة لصعوبة استنباتها وغرسها في
مجتمعات تتعاطى الحداثة من اوجه مختلفة وتسعى الى تخليق
حداثتها الخاصة داخل الممارسة والتجريب الواعيين ولهذا
السبب استطاعت مجتمعات اوروبا الشرقية تحقيق اصلاح سريع
بمقاييس الزمان العربي الاسلامي حال تخلصها من القيود
السلطوية الشمولية للشيوعية الرثة اذ وبالرغم من عسف هذه
الشمولية واحاديتها الجنونية وزهوها فان هذه المجتمعات لم
تكن مطية سهلة وفي العمق يكتب روائي سوفييتي عن العشب الذي
يخترق الاسفلت قبل نصف قرن تقريبا والعشب هو
الاواصرالاجتماعية الوطنية الرافضة للشمولية والواقعة تحت
سلطتها في الانظمة الشيوعية.
فلم يكن استئثار السلطة الشمولية بالدولة القوية او
الضعيفة يمنع المجتمع من الحفاظ على انفاسه واواصره وان
يمتنع عن التماهي مع هذه السلطة حتى لو كان هذا العشب الذي
يخترق الاسفلت يجد نموذجه في الكنيسة الكاثوليكية في
بولندا او ظاهرة المنشقين والمثقفين في الاتحاد السوفييتي
والاهم من كل ذلك التعاطي العام معها حتى ان النخبة
السياسية الصينية تجد في نفسها متسعا من الجراة والحرية
والمساحة في محاكمة التراث الماوي وما سمي بعصابة الاربعة
ومن ضمنهم ارملة الزعيم الكارزمي التاريخي ماوتسي تونغ بعد
ان كان الناس في ارياف الصين يعقدون حلقة دائرية يجلس في
منتصفها من صافح الزعيم ليصافحه بعد ذلك جميع من في الحلقة
والحلقات التي تليها تبركا بيد الزعيم التي لامست يد
الجالس وسط الحلقة. فالاستبداد الاسيوي واحد في التوصيف
ولكنه ليس كذلك في الاستمرار والدولة تمثل محورا سواء في
وصف الاستبداد كمادة له او في علاجه كحاضنة لبدائله. ولن
تكون الدولة هنا وثنا في الخروج المفروض من الدين المؤسسي
الى السياسي المدني اذ ان ذلك يعني تطويرا اسلاميا للحداثة
واضافة اليها بمعنى الارتباط بالدولة المرتبطة بالحق دون
الاخلال بثوابت الدين. ويمكن ان يكون النزاع طويلا حول
مفهوم ثوابت الدين. وهذا بحد ذاته مؤشر على اضطراب التفكير
وماضويته وضعف القدرة على التجديد والذي يعني استمرار
الركود والقبول به ثم تبريره. والحالات الثلاث الاستمرار
والركود والقبول ليست مرتبطة فقط بالنخب المتحكمة او الاسر
التي ابتنت سياجا عسكريا عصبويا لادارة الفتوحات او تبرير
الهزائم ولكنه في المحور يرتبط بالثقافة الكلية التي تعني
فيما تعنيه النظرة الى الذات التي تصوغ تاليا النظرة الى
العالم وبمركب حاصلهما يتشكل السلوك الفردي والجماعي.
وبهذا السياق فان الدولة الحديثة نتاج صيرورة غربية دخلت
في نسيجها وبنيتها عوامل التراكم الثقافي والقيمي والنقدي
بدءا من الثقافة الاغريقية "عقلا مكونا "حتى الاحياء
والاصلاح الديني والنزعة الانسانية. ويضمر هذا المعنى في
احشائه سؤالا حول نموذج للدولة يغاير ما انتجته التجربة
الغربية وتساق لذلك مبررات كثيرة حول اهمية هذا النموذج
المغاير اهمها النزعة الكلية والحروب العالمية وانسحاق
الذات. ويمكن لتعساء ومفلوكي العالم الاخر قبل نقاد ما بعد
الحداثة التعامل مع هذه المنظورات اذ ان فكرة الاصالة
والخصوصية يزعجها دائما فكرة استحالة الدولة الحديثة في
الثقافة والمنظومة الاسلامية. وثمة امتياز يقرره الاصاليون
مفاده ملاحظة المسافة بين الدولة والمجتمع بحساب ان الدولة
موجودة في كل التاريخ الاسلامي وانها لم تستطع الهيمنة
الكلية على المجتمع. وفي احوال ومناخات السيولة المعرفية
والصهر الايديولوجي فان كلاما كهذا يجد له مناخا في
الصراعات التي تحكم المنطقة سواء بين المذاهب او الدول او
القوميات ذلك ان المجتمع في الغرب هو صانع الدولة ثم عادت
الدولة لتنحل في ذلك المجتمع ولذلك الاحلال مجالات تتراوح
بين الرقابة وحرية الاعلام وتداول السلطة بما يعني في
النهاية المغادرة شبه النهائية للتكوينات الاولية التي
يعول عليها دعاة الاصالة باعتبارها مجتمعا يمكن قياس
المسافة التي تفصله عن الدولة. وفي المركز من ذلك النسيج
الغربي تكمن العلمانية فهي بهذا السياق ليست فصلا للدين عن
الدولة فقط وانما تشكل المحتوى الفلسفي لنظرة الجماعة الى
نفسها والعالم. انها نظرة في فهم وتفسير الانسان والمجتمع
وهي ليست مفصولة عن سياقات متصلة من التفكير والصراع
والحروب وبالتالي فهي ليست عقيدة غائية شرفية او يوتوبيا
قابلة للمحاكاة والتجزيئية التبريرية. وهي بنفس المعنى
صيرورة روحية بمعنى اختمار القناعات المتولدة عن تجارب في
صورة رؤى ضاغطة ومتحولة بعد ذلك الى مؤسسات تملك القدرة
والديناميكية على التجدد والنقد ولهذا يقال دائما ان سر
القوة في الديموقراطية وفلسفتها هي قدرتها على تصحيح
اخطائها بفعل هذه الديناميكية حتى لو كانت هذه الاخطاء
خطايا بمستوى حربين عالميتين او ظواهر الاستعمار او
التبادل اللامتكافئ وجلافة حراسه في صندوق النقد والبنك
الدوليين. فاية كينونة اسلامية معاصرة في اجتراح تصور
للدولة غير ذلك فانه قد يعرض المريض للموت حتى مع نجاح
العملية. واذ يتسلق الاسلاميون الاتراك السلطة بصناديق
الانتخاب فان رافعاتهم لذلك لن تكون غير جثة الاتاتوركية
ولم يبق من التراث البورقيبي سوى صور تتناقص باستمرار
لصالح ايات من القران الكريم تحض الناس على طاعة اولي
الامر والانتظام في العمل. وفي دراسة "المعجزة "الماليزية
يتوقف الباحثون عند النخبة الماليزية وقدرتها على اشاعة
مناخات الانسجام وتنفيس المكبوت التاريخي والاكتفاء
بمشاهدة تفجراته على الشاشات العربية.
3
تصلح التجربة العراقية بامتياز ان تكون نموذجا. وما اخل
بهذا النموذج كما يبدو التنميط والتداول الاعلامي ذو
المنحى التبسيطي او الموتور طائفيا فالنمذجة الاختزالية
العراقية يمكنها تحمل الفرادة العربية داخل رحم الاستبداد
الاسيوي ثم حمل تواقيع واختام وشفرات تلك الفرادة. وفي
اطلالة حديثة على الشاشة قد تلخص دون تبسيط هذا التركيب
المعقد استدرك الاستاذ محمد حسنين هيكل وهو يتحدث عن تجربة
حروب العرب وتجربة السلام "مع اسرائيل "وبعد ان انطلق
سريعا في الحديث عما اعتبره سبع عشرة سنة حرب واكثر من
ثلاثين سنة سلام استدرك بما يشبه الارتباك قائلا : هي ليست
حربا بل ما يشبه الحرب او حولها وهو ليس سلاما وانما يدور
حول السلام وفي اجوائه. وعندما يستدرك هيكل ويلجأ الى
القاموس لوصف الاشباه والنظائر دون الحقائق والوقائع فان
المعضلة عميقة حتى على افهام النخبة فحامل السر الناصري لا
يستطيع ان يسمي ما حصل حربا ولا الذي يحصل سلاما لان
التعالق بين الدولة والحروب والسلام ضروري في المعنى الذي
يقصده "العلاقات الدولية "وبالطبع فان استدراك الاستاذ
هيكل لا يشكل هما او مشكلة لدى المتابعين لانهم جميعا
يترقبون وهم مهياون نفسيا دخول الاستاذ على خط تمجيد
الضحية استمراءا لمنطق الاضحية المتغلغل في الذات المنكسرة
والمجتمع المعطل والدولة المعلقة في فراغات المجاز اللغوي.
وهذا التعالق بين الحرب والسلام والدولة الحديثة يسبقه
تعالق اكثر ضرورية بين الثقافة والسياسة الامر الذي تفتقده
الثقافة والحياة العربية في انفصال متوحش اصبح مجالا
للنمذجة والوصف والرمزية. والثقافة العامة او السياسية
تحديدا بمحتواها الناقد ووظائفيتها المتجددة تعني بما يخص
المجال السياسي الوعي بالمسارات التي يمكن ان يسلكها العقل
في تخليق الشرعية ووعيها واية خيارات بديلة حيالها
واقرارها بعد ذلك ثم الاليات الكفيلة بخلق المرجعيات التي
تسعف تصحيح المسارات بما يؤدي الى تحول العقلانية من
التجريد الذهني الى النظام المؤسسي. وشرط ذلك هو التاريخ
الحي الذي لا يعني الزمن الراكد او المتشظي، والتاريخ الحي
مجموع التجارب والخبرات بما يشكل قدرة الجماعة على تبصرها
والنفاذ الى قوانين الوجود المتعين وصناعة المستقبل. ان
وعي هذه الخبرات يعني الثقافة وان تفكيكها ونقدها يعني
صناعة التاريخ وامتلاك القدرة على التجدد الذاتي. كما تعني
الضد من الاعتباط والمصادفة وابتلاع الزمن البليد للتاريخ
بما يجعل من الجماعات اقواماً متقاربة في الجغرافيا ربما
يفصل بينها بمسافات شاسعة الاحساس بوحدة المصير ووعي هذه
الوحدة وطرائق العمل الجماعي انطلاقا من الذات الحرة اذ ان
الحرية تمثل صيرورة التاريخ مثلما تمثل الدولة سقفها
الضروري وحاضنتها الضرورية. ولاغراض البحث وعنونة ارضيته
واطاره وسقفه يظهر بهذا الاطار منظوران للوضع العراقي هما
الممارسة السياسية كما بدت في اجواء ومناخات الحكومات
العراقية والنخب الثانوية منذ نشوء الدولة العراقية حتى
الان والثاني التنظير والنقد السياسيان بما فيه ابداع
النظرية الاجتماعية او ما يتصل به من عمق مشروعي اكبر في
الاصلاح الديني والاقتراب من حدود العقلانية والانسانية.
وقد يكون الانطباع الفوري الفشل والانسداد عنوانا لكلا
المنظورين سواء تحت ضغط الواقع المعاش او فوق ذلك اعتمادا
على محصلة الجهود والبدايات الصفرية والزلزلة التي تحكم
الوجود المجتمعي والسياسي في العراق. ويبدو ترفا نظريا
مسترخيا خارج حمأة الوجود والصراع القول بالتنظير السياسي
والفلسفي الذي يرافق ويوجه اداء النخب السياسية بالشكل
الذي يؤهل الحاضنات السياسية بكفاءة واداء اعمق وصولا الى
الدولة الاكثر تمثلا لنظرية الحق. فذلك يمثل مرة اخرى
استعارات مجازية لا تلبث الا ان تصطدم بجدار الوقائعية
الهشة فتعود على اصحابها اما هجاءا لمجتمعاتهم التي تابى
الانصياع للنظرية او تواصلا مع الفكرة المجهضة بحكم المهنة
والعادة والتقليد. فلا وصف مثاليا وظائفيا للدولة العراقية
المعاصرة سوى الخلطة التقليدية "التحالف المركب بين
الاستبداد والريعية والتدين الشعبي "وكان الاستاذ محمد
عابد الجابري قد اشار الى قانون الوحدات الثلاث الذي يمسك
بمضمون الدولة العربية الحديثة والمرتبط بنظام الدولة
الاسلامية التقليدي في العقيدة والغنيمة والقبيلة. ولذلك
فان وصف الدواء قبل تشخيص المرض يشبه فانتازيا وحدة الطبقة
العاملة العربية والتي عاش اغراء اوهامها شيوعيو العالم
العربي لاكثر من نصف قرن من الزمان. ولئن كان الاصلاح
المرجو يعني تنويعا خجولا على المقاطعات الكبرى مع تواريخ
التخلف في التجارب المختلفة فان ادواته بحاجة الى اجتراح
وابتكار وسائل واليات من داخل التجربة لا من خارجها. ان
العراق اليوم يعيش فسادا علنيا على كل المستويات وعندما
يتواطا الجميع على الفساد وبهذه العلنية فان تآكل مضامين
ومعاني نسيج الشرعية في المعنى العراقي عميق الى درجة لا
تسعف معها اللغة السياسية الرثة غير المرتبطة بسقف موضوعي
او المتوجهة الى معنى مقصود. ولئن كان لصدام من فرادة في
التحول من الشوارع الخلفية الى قمة الهرم السياسي فان
الهوامش الاجتماعية والسياسية وقد اصبحت متونا بفعل
الاحلام الاميركية في اعادة صياغة المنطقة اكدت وهي في
السلطة هامشيتها دون ان تبدي أي قيمة لوجودها كمتن يفصح عن
أي قدرة في تفسير الهوامش واضاءتها واعتبارها جزءا من
الموضوع. وكما خرق علي الوردي نظام الوعظ السلطاني تبدو
الحاجة الى خرق مماثل للسرديات البليدة في الاصلاح والركون
الى مناهج لم تمر ضرورة وحرفيا من الغرب والفرانكفونية الى
العراقيين بانفاسها الاخيرة. والانطلاق من قاعدة ان
الظاهرة "الانسانية خاصة "هي التي تحدد المنهج وفي سياقات
الفرادة العراقية فان الشخصية العراقية بالمعنى العام قد
تمثل مفتاحا لمغلقات التعثر والفشل. ومن الضروري التاكيد
كما في كل مرة ان ما يعنيه مفهوم الشخصية هنا ليس هو
بالتاكيد الماهويات العنصرية المبنية على التحيزات القبلية
لكن ذلك لا ينفي الاقتراب من حدود علوم الانثربولوجيا في
انتكاس المعنى في نظرية الحق وضعف الصياغات الاخلاقية
الجماعية للوجود في العراق. وقد يكون صحيحا انه وفي
الحضارات وقوانين الاصلاح الكبرى ينصرف النظر والتقييم
نـحو الجماعة او المجموعات او الطبقات والعلائق الداخلية
الرابطة وطرق التفاعل لكني اعتقد ان نظام المجموعات القديم
لا يكفي لفهم المعادلة العراقية الا في سياق تحوله الى
بنية راكزة "عقل مكون "بتشديد وكسر الواو للشخصية
العراقية. وعلى ذلك فان الشخصية هنا ليست سيكولوجيا
الشخصية في الدراسات النفسية المحضة بل وحتى في علم النفس
الاجتماعي انما هي ثمرة تفاعل تاريخ الجماعات وانظمة
علائقها وصولا الى بنية الدولة الحديثة وسياقها واثر
العامل الخارجي والقهر الجغرافي وعوامل اخرى كونت الشخصية
العراقية التي تعني الشخصية الوطنية. ويمكن لاسئلة عديدة
ان تطرح من هذا المنظور فهل يمكن دراسة مجتمع اوكرانيا او
تايلند او ايطاليا وفق مفهوم الشخصية المفترض هذا. اعتقد
ان الاجابة وكما تمت الاشارة اليها ان الموضوع لا يتعلق
بمنظور ميتافيزيقي للشخصية بل بصيرورة معينة تاخذ شكلا
اختزاليا هنا او مكتملا هناك ولعل الهيجلية على العموم
تقدم اضاءة تفسيرية بالغة للموضوع. مع ملاحظة ان دراسة
هيجل للشخصية "النفس "متحولة من الانثربولوجيا الى الروح
"العقلانية "بقوانين الصيرورة التي اشرنا اليها. تقع النفس
حسب هيجل في ثلاثة اقسام هي (الطبيعية والشاعرة والمتحققة
بالفعل "وصفات الاولى انها فارغة متجانسة غير متعينة تماما
ولا يتوسطها شئ كالعالم الموضوعي الذي يواجهها وبالتالي
فهي لا تتميز باية علاقة مع أي شئ ومن هنا لا تنطبق عليها
مقولات الماهية التي هي دائرة العلاقة وانما تنطبق عليها
مقولات الوجود فحسب)(4). وبعد ان ياتي على النفس الشاعرة
يصل الى تحقق النفس الذي يعني اتحاد الداخلي والخارجي او
وحدة الماهية وبمغادرة النفس نـحو الوعي أي الروح يتم
التحول من الانثربولوجيا الى الفينومينولوجيا ويعتبر هيجل
كلا من الدولة والمجتمع والاخلاق تجليا للروح الذاتي في
صيرورة الادراك وعلى ذلك ف (الاخلاق امر من اموري الخاصة
لكنها قانون أي كلي وماهية الدولة بدورها هي كلية الهدف
والغاية التي تعارض الاهداف والغايات الجزئية عند الافراد
وكلمة المؤسسة نفسها تعني انها شئ كلي ولما كانت الكلية هي
طابع العقل او الروح فان منظمات ومؤسسات الاخلاق والدولة و
- المجتمع - هي بالضرورة تجليات الروح)(5) فالدولة
والمجتمع تعنيان هنا تحولات الروح الموضوعي في التاريخ
وهذا الاخير يتطابق مع النفس الاولى بعده زمانا ويتحول الى
تاريخ في بحث الروح عن الحقيقة التي هي الحرية ولذلك لن
تكون القوة سوى (البداية الخارجية للدول لا مبداها
الجوهري)(6). ونستطيع ان نمضي بعيدا مع هيجل دون ان اعتذر
او اشعر باي حرج من الهيجلية الطاغية على نماذج التفسير.
فاعتقد ان هيجل افضل من استوفى نظرية جدلية تاريخية للدولة
والمجتمع وان الجميع شراّح او مفسرون بما فيهم كارل ماركس،
وبهذا المعنى فان الملك الحجازي الاصل العراقي الهوى فيصل
كان هيجليا عندما نظر الى النفس العراقية في مرحلتها
الطبيعية داعيا جهاز الدولة الى التحقق بالاصلاح والتعليم.
لكن وبطبيعة الحال ليست الامنيات وحدها طريق للتحقق اذ ان
اللحظات الكامنة والفاعلة في تحولات النفس والروح تعني
قدرات متراكمة في اللاشعور الجمعي بما يشكل موجهات عامة
تسمح بان ينفذ الحق الى المؤسسة ثم تهيمن المؤسسة بالحق.
ولا اعرف ان كانت الارضية التي وقف عليها ماكس فيبر 1864 -
1920 كانت تعني الافغاني او عبده عندما حاول الاجابة عن
سؤال : ما الدولة سوسيولوجيا ؟ وليس ضروريا الاجابة هنا ان
فيبر استوفى الهيجلية لانه عاش في كنف الدولة وفتوحات
الراسمال العالمي والتراكم ومجمل تراث عصر التفاؤل
الراسمالي الاكبر فهو يريد ان يفصّـل في سوسيولوجيا الدولة
غير معني بدهشة الطهطاوي او كثرة منظمات المجتمع المدني
الوهمية في العراق. فهل يحق لنا بمنظور الشخصية طرح ذلك
السؤال الفيبري ام ان البداية "مرة اخرى "في تحديد أي
مجتمع هذا الذي نصفه واية دولة تلك التي نفترضها.
ف(المجتمع سابق على الدولة وهو شرط لها وهي ليست شرطا
للمجتمع، الدول قد تقوم وتنهار ولكن المجتمع اكثر دواما
واستقرارا. واذا كان وجود سلطة سياسية في كل مجتمع فليس
شرطا ان تكون هذه السلطة هي الدولة. واذا كانت الوحدة
البشرية الاساسية في الدولة هي المواطن فان الوحدة البشرية
الاولى في المجتمع هي الانسان الفرد)(7). فكيف تصمد هذه
المقولات امام النظام القبلي العربي المستمر في التاريخ
وكيف يمكن ابداع سوسيولوجيا خاصة بهذه المجتمعات بسياقات
الاجتماع المدني التي يرسلها الغرب دون جذورها ولحظاتها
الكامنة في ديناميكيتها الداخلية مع الركائز الاساس الثلاث
الفرد والمجتمع والدولة. ومرة اخرى فان العراق يحوي
النموذج المثالي في العالم المسمى ثالثا او عربيا وبخاصة
عندما (اخذت القوتان العظميان بالتدريج ومعهما علماء
الاجتماع فيهما تنقلان النقاش عموما من الدولة كدولة الى
نوع نظام الحكم السياسي السائد في كل بلد من بلدان العالم
المذكور وهل هو نظام قوي ام ضعيف راسمالي ام اشتراكي فردي
ام ديموقراطي. ويبدو ان الحرب العالمية الثانية قد انهت
على حين غرة نقاشا حيويا في اوروبا عن أي من الدول ينبغي
ان تولد وما هو الاقليم الذي يخصص لها والسكان الذين
يلتحقون به)(8). ومن غير الطبيعي كما اعتقد ان ينقل المؤلف
سؤاله من جذور الشرعية "بمعنى الحق "الى القانونية بمعنى
الحدود وثبات الدول حسب مصالح الدول الكبرى ليعيد طرح
السؤال بطريقة تعبر عن الثقافة العربية ومرجعياتها بما يخص
ثلاثية الانسان الفرد الدولة فيقول : (ان المسالة الثالثة
الاكثر الحاحا هي التحقق من مدى ثبات هذه الوحدات المعترف
بها دوليا في منظومة دول العالم اليوم ومدى رسوخها وهو
الاهم في عقول وقلوب اهاليها من السكان)(9). ان أي نقاش
حول الامة او الدولة فضلا عن موضوعة الاندماج اذا لم ياخذ
اعتبار الشرعية والحق في الصيرورة جوهرا محركا للاجتماع
فلن يفضي ذلك سوى الى الشمولية سواء بصورتها النازية او
الشيوعية او البعثية. وعندما ابحث في الشخصية العراقية
وسيطا وواحدا من اهم متغيرات الاصلاح المطلوب فلن اعدو
مسالة الشرعية والحق فقد عاش هيجل في بروسيا وتنعم فيبر
وماركس بانجازات الراسمالية ولم يكن من مسؤولياتهم البحثية
او الوطنية السؤال عن الشخصة الالمانية بل عن قوانين
الاجتماع الالماني فتأتي الشخصية عندئذ في سياق القوانين
الموضوعية الاكبر منها، وفي هشيمنا لابد ان نبحث عن
اسئلتنا الخاصة دون الخوف من محاذير الاتهام بالخروج عن
المالوف. فقوانين الاجتماع اليوم في العراق ليست اكبر من
الشخصية العراقية معياريا اذ ان طبقات الوعي التي كونتها
هذه الشخصية حول نفسها والكون لم تسمح لها حتى الان النظر
الى قوانين الاجتماع البشري بما يضمن حدا ادنى من تجسير
الفجوة المتسعة بين الفردية والجماعية أي الانسان والتاريخ
وبقيت بحدود الطبيعة والزمان بدرجة لا تنطبق عليها مقولات
الماهية حسب هيجل التي تعني اتحاد الداخلي والخارجي.
ودائما لا يعني ذلك الغاءا او شطبا للنماذج التفسيرية
الطبقية مثلا وبالذات تلك الباحثة عن الطبقة الوسطى ودورها
في عملية الاصلاح لكن الاصلاح في الحال العراقي في الدولة
والمجتمع لن يمر سوى عبر الاصلاح الديني متزامنا او سابقا
عليه وليس بامكان النماذج التفسيرية التقليدية عبور مناطق
الفراغ التاريخي الهائلة بين الشخصية "الطبيعية "والمتحققة
ان ذلك يعني استعارة استنساخية للنموذج الغربي فاين نضع
مثالا الاستاذ الاكاديمي العراقي شديد الصرامة في الواجهة
الاعلامية والجدالية بما يتعلق بالمصطلح والنظرية يكرر مع
اصدقائه واسرته ونفسه وتهيمن على اعماقه الباطنية فكرة
الهزء العراقية التقليدية والتي قد يضطر احيانا للتعبير
عنها باللغة "كلها كلاوات "أي ان كل ما يجري على الواقع
مسرحية تتضمن الغش والخديعة والكذب وانه جزء من هذا المسرح
منوط به دور قدري في تسويغ وتسويق الغش والكذب والخديعة.
ويمكن قراءة الموقف بانه تنصل غير مسؤول لتفويض اجتماعي
لهذا النموذج لكن الحقيقة كما اعتقد ابعد من هذا عندما
يسكن العدم نسيج الوجود الفردي فيمنع قوة الفكر من اختراق
هذا النسيج. وصحيح ان ذلك النسيج هو تراكم طبقات مختلفة من
الزمان التي استعصت على التحول الى تاريخ وبالتالي اضحت
الشخصية هي نقطة التقاطع بين الفكر والواقع. فاندحار مفهوم
النخبة ووظائفيته في المجتمع العراقي يعود الى فقدان هذا
الرابط التراكمي والذي جعل من الشخصية عالما قائما بذاته
واقصى ما يستطيعه الاحتماء بالتكوينات البدائية التي تابى
بطبيعتها البنيوية الانتظام في الحداثة السياسية او
الادارية. ان القفزة المتسلسلة من الطبيعة الى التحقق وقد
امتنعت على انسان الحروب والقهر والفقر الدائم اولدت داخل
الشخصية نظامها الخاص : الانسان الجرذ بقدرته الفائقة على
التكيف والتحسس ونظام القطيع أي الغريزة البدائية في
التعاطي مع النظم والاجتماع والسياسة. فليس اختيار الشخصية
اذن محورا او موضوعا او مادة للاصلاح مغامرة معرفية مجهولة
العواقب وليس صدفة (ان يكون مثلا مصطلح الدولة نادر
الاستعمال في علم الاجتماع السياسي الاميركي "بسبب "ان
سلطة الدول في الولايات المتحدة في القرن العشرين هي سلطة
متجزأة ومتوزعة وتتغلغل فيها من كل جانب المصالح المنظمة
لجماعات شتى)(10). ولعل ذلك يفسر سر الخصام بين المناهج
التفسيرية الفرانكفونية وتلك التي تعتمد المدرسة الاميركية
في الثقافة العربية "والسياسية تحديدا "الحديثة والمعاصرة
فالسجاليات التي تحفل بها الاكاديميات والمجلات والكتب
المتخصصة تظهر ذلك التباين في النظر ويمكن ايراد عشرات
الامثلة من كلا المدرستين ففي الوقت الذي تعتبر المدرسة
الفرنسية الدولة بمفهومها التقليدي ركنا ركينا فانها في
المدرسة الاميركية (تعتبر مفهوما عتيقا يتصل بدراسات
قانونية شكلية عن مبادئ دستورية بعينها في تلك البلاد اكل
الدهر عليها وشرب)(11). ان ذلك المثال يقدم دليلا على
ثنائية الظاهرة - المنهج في الدراسات الحديثة كما ينبغي
التحرز من فكرة الكلائش التقليدية التي يفرضها الشيوع
والترجمات الرديئة ونظام التبعية العام في الثقافة
العربية. ومنظور الشخصية في الاصلاح ليس تاريخيا رغم
انصباب التاريخ فيه وليس سايكولوجيا رغم حضانة
السايكولوجيا له لكنه مستقبلي بمدى ادراك قدرته على تفسير
الحاضر وتفكيك بنياته الكبرى والمهيمنة. وفي كل التحولات
التاريخية الكبرى وما رافقها من اعمال الفكر تحريضا او
محايثة او تفسيرا لم يكن مفهوم الشخصية وحدة تفسيرية يمكن
الركون الى بعدها المعرفي المفضي الى حقائق يمكن التعامل
معها، وحتى الافكار النازية والشوفينية فانها كانت تركز
على العرق والسلالة والدم بمعنى الجماعة والامة ولذلك يبقى
منظور الشخصية اسير القدرة على توضيح علائقه مع المنظورات
التفسيرية الاخرى وكيف اصبح الان محوريا ودلالة هذه
المحورية ومستقبلها. فقد يشكل عبور مرحلة الوجود البدائي
والانـحطاط الشامل المريع لنظم الحياة والقانون الحالية
استنفاذا لطاقة مفهوم الشخصية على التفسير. واذ ذاك سوف
تبرز المنظورات التفسيرية بحسب المرحلة وكذلك طبيعة القوى
الحاملة للمشروع المستقبلي. واعتقد ان منظور الشخصية كوحدة
تفسيرية يجد له صدى في المشغل الخلدوني فمن الواضح ان ابن
خلدون ذاته كان هيجليا سوى انه تعامل مع النفس الطبيعية
بمنطق الجماعة فيبدو وكانه يصف شخصية القبيلة بنظام
العصبية والشوكة وليس بدعا ان يبتدئ العلامة الوردي حياته
العلمية بدراسة الشخصية العراقية. ان الفاصلة التاريخية
بين الوردي وطرح سؤال الدولة والمجتمع تزيد على نصف قرن
شهد من التحولات وتطور التقانة ما لم يشهده النوع الانساني
في تاريخه المعروف بالاجمال تراجعت خلاله امال الوردي
كثيرا اذ ان تعويل الرعيل الليبرالي العربي في مرحلة
الدولة الفتية قد ابتلعته قوانين الشخصية التي اصبحت ثقبا
اسود يبتلع جهود الاصلاح والتنوير ويعيد انتاج هلاميته
ووقوفه عند نقطة الصفر "الطبيعية ".
4
ان الذي يعنيه اصلاح المجتمع والدولة معا بمنظور الشخصية
هو تربوي في المقام الاول ليس بالمعنى العام للتربية وانما
بتعريفها الحضاري ك (فعل ناقل للارادة من حيز التوقع الى
حيز التطبيق)(12). وتشكل التربية هنا محورا او بوتقة تصب
فيها المنظورات والمناهج التفسيرية او الجهود العملية اما
اذا انبثق الوعي المركب بالمحايثة بين التنظير والممارسة
فان الفعل التربوي فعلا يغدو مفتاحا سحريا لحل اشكالات
الاستعصاء واحداث النقلة المطلوبة على طريق التطور
المتجدد. على ان هذا المنظور "الشخصية "لم يكن ممكنا قبل
عقدين من الزمن ففي عصر اليقينيات الايديولوجية الكبرى
كانت عوامل الصهر القومي والوطني ومسخ الفردية التي
مارستها النظم الشيوعية الشمولية تقاوم بعنف مفاهيم مثل
تلك مركزة بقوة الزخم الايديولوجي على مفهوم الجماعة
المختزلة الى بعدها اليوتوبي "الطبقة العاملة". وبالمقابل
ركزت مناهج البحث الغربية على الذات "الاخرى "والتي تناظر
المفهوم التوراتي لفكرة الاغيار الذين هم غير اليهود واقل
منهم. فقد درست الانثربولوجيا الغربية العالم "الاخر
"بمنطق المغايرة هذا ضمن منطق الهيمنة الكامن في صميم
التوجهات الغربية والتي استاثرت لنفسها بثورة الانوار
والنزعة الانسانية وشحت بها على مستعمراتها واطرافها. وقد
تاثرت حركة التحرر الوطني في العالم الثالث وقطاع الفكر
والثقافة بافكار اليسار عموما في زمن التنافس القطبي ولم
تكن الدولة القومية سلطتها الاختزالية تسمح بتناول مشاكل
الوجود الاجتماعي والاصلاحي بمنظور الشخصية اذ ان ذلك يعني
تعميقا للجرح النرجسي الذي تعاني منه النخب الثقافية
والسياسية وكشفا لاعماق الوهم المتاصل في حقيقة هذه
النرجسية، ومن الغريب ان عالمين فقط قد درسا ازمة التطور
وضعف الاندماج وازمة الحداثة بمنظور الشخصية. فقد تقدم
الدكتور علي الوردي على الدكتور حامد عمار المصري زمنيا في
التوغل بحذر داخل هذا الحقل المعرفي وقد ذهب الاستاذ حامد
عمار بعيدا في دراسته المعنونة "في بناء البشر "عندما حدد
صفات الوسط العام للشخصية المصرية والتي تصلح للتعميم
تقريبا على المجتمعات الخاضعة لنفس منظومة القيم والمحددات
المهيمنة ثقافيا. فقد وجد الاستاذ عمار هذه الصفات في
"الفهلوي "الشخصية التي تكيف نفسها حسب متغيرات السياسة
والمتدينة تقليديا والتي لا تشكل الاخلاق بالنسبة لتطورها
ونموها الروحيين حاجة داخلية عميقة بل واجهة اجتماعية،
الفهلوي باختصار كما قدمه الاستاذ حامد عمار : الجرذ
الكامن في الانسان. ان هذا الانسان المستقبل لنظم الحداثة
بكل تجلياتها يشكل مقبرة لمعانيها الوظيفية وبنفس الوقت
مفتاحا لفهم وتجاوز الانسداد التاريخي الكبير. في التداول
الشعبي العراقي يفخر اغلب المسنين باحساس غامض بانهم كانوا
شهودا على قتل رجالات العائلة المالكة وانهم شاهدوا جثث
البقية تسحل على الشوارع وفيهم من يحتفظ ببعض قطرات الدماء
التي سالت على الاسفلت او تلك الاعضاء التي تقطعت على
الاعمدة كما انهم يفاخرون بصداقة فانتازية مع الزعيم عبد
الكريم قاسم وهم انفسهم مع اولادهم واحفادهم من انتظموا في
جيش القدس ذي السبعة ملايين مسلح وتوزعوا بعد التحول
الاخير مليشيات طوائفية وشوارعية تحتكر لنفسها مضمون
الفرقة الناجية مستحوذة على المال العام كغنيمة. كل هذه
الاوصاف يمكن ان ينتظمها خيط يصلح لاحقا كمنظور مفاده ان
الشخصية غدت قانونا تفسيريا يمكن اقامة الادلة على مركزيته
من الانتاج الثقافي والسلوك الشوارعي والعلاقات الاسرية.
فمنظور الشخصية هنا يمثل اضاءة لبقية المنظورات وحاضنة لها
بالوقت نفسه. وتمثل تلك العملية المركبة نوعا من الخروج
غير المالوف على الجاهزية الوثوقية في السوسيولوجيا
العراقية والعربية. وقد يطور هذا المنظور رؤية خلاقة
ومدخلا حيويا الى المجتمع المدني الذي يستطيع وحده تطويع
السياسة وتعميمها كمجال عام عن طريق الثقافة بدل الاحتكار
والنخبوية العصبوية التي ميزت الحقل السياسي العربي
والعراقي والاسلامي. فكل حديث عن توزيع الثروة والعدل
والاصلاح الديني صحيح وضروري بيد انه وفي مناهج البحث لن
يكون بمستطاع مناهج البحث التقليدية اختراق سديم مغلق مثل
الشخصية العراقية. وكان الاستاذ حامد عمار قد تحدث عن
الفهلوي الذي يستطيع ان "يخالط الجن الاحمر ويعايش في
الوقت نفسه ملائكة السماء والارض دون ان يجد في ذلك غضاضة
او دون ان يتطلب هذا منه جهدا جهيدا "(13). ان ظروف اختيار
الشخصية منظورا تفسيريا ووحدة تحليلية يبرز دائما في اوقات
الازمات الكبرى فقد حاولت مراكز البحوث الاميركية دراسة
الشخصية اليابانية في محاولة الوصول الى دوافع العسكرتريا
اليابانية، وياتي كتاب الاستاذ حامد عمار ايضا في ظل الياس
الذي اصاب النخبة المصرية من امكانية اصلاح الدولة بواسطة
الحركة الثورية الانقلابية. وبعد التساهل الذي ابدته هذه
النخبة تجاه خرق الشرعية التقليدية متمثلة بالاسرة الملكية
والاجواء الليبرالية الناقصة تبدى لهذه النخبة ان
العسكريين الثوريين ليسوا مؤهلين وان الاندفاعة الجماهيرية
وراءهم لا ترتبط بوعي مجتمعي او حضاري وتتمحور فقط وعلى
الاكثر في النزعة القطيعية للشخصية المصرية والسبب ليس
منقطعا عن التراكم اذ ان اسباب هذه النزعة وهذا السلوك "قد
تكونت نتيجة لتظافر الابعاد التاريخية والاقتصادية
والاجتماعية التي جعلت منها (شخصية الفهلوي) التكييف
الناجح لمواجهة ظروف الحياة المصرية في عصور التاريخ"(14).
وحتى النكتة التي يتميز بها المصريون فسرها المؤلف وفق
منظور الشخصية المرتبطة بالظروف العامة المتظافرة
باعتبارها وظائفيا تمثل "تغطية الموضوع واخذه على المحمل
الهين والانصراف عنه انصرافا يعفي الشخصية من التفكير
الجدي كأن فرقعة النكتة تنهي المشكلة او هي في حد ذاتها حل
لها(15)". ثم يحدد المؤلف بعد ذلك المجال الذي يمكن التحول
معه من الشخصية الفهلوية الى الشخصية المنتجة رابطا ذلك
بالتربية ومحددا لها محورين هما التعقل والعمل. ومن داخل
الثقافة العربية وبمنطق الازمة يشعر العلامة علي الوردي
بالاخطار الناجمة عن سهولة اختراق المدنية "الجغرافيا
والناس "بقيم وهجرات الارياف والبداوة ولن يكون المصب
لنظام القيم المركب هذا سوى الشخصية العراقية التي ابتدا
العلامة الوردي حياته العلمية بمحاضرة عنها اخرجها بعد ذلك
في كتيب صغير، وفي موسوعته لمحات اجتماعية كان هذا الهاجس
حاضرا في دراسته وتفكيكه لانظمة المعرفة والسلطة طيلة
الفترة المسماة مظلمة وبخاصة ظروف الصراع العثماني الفارسي
الذي يعد احد اهم المصادر المكونة للشخصية العراقية "نخبة
وجمهورا". ان دور الفاعلين السياسيين والنخب المثقفة في
اصلاح المجتمع والدولة يصب في اتجاهات مختلفة ففي المقام
الاول ينبغي ادراك المعادلة الموزونة في استنفاذ المناهج
التقليدية طاقتها على توصيف المجتمع والدولة العراقيين بما
يعني ان الاصلاح ينهض على الاثنين معا وبخاصة في ظرف
التحولات الدولية ووجود ما لا يقل عن خمس الاحتياطي النفطي
العالمي في الاراضي العراقية. ان الفصل بين المجالين يخص
مركزية التجربة الغربية ولا يصلح بالضرورة للتحليل المنهجي
للحالة العراقية. اما المعادلة الثانية وبما يخص موضوع
البحث فان مناهج الاصلاح والياته لابد ان تمر بموشور
الشخصية العراقية ليس بمعنى احلال هذا المفهوم محل
الدراسات ذات الافاق والمنظورات الاخرى ولكن ان يكون منظور
الشخصية محورا واضاءة واساسا في انطلاقتها نـحو تفكيك
الاستبداد والوجود الطبيعي سعيا وراء النفس المتحققة
"العقل" والوجود الاجتماعي العقلاني "الدولة الحديثة".
المراجع
رضا، د. محمد جواد، العرب والتربية والحضارة، دار السلاسل،
الكويت، الطبعة الثالثة، ص 91 الانصاري، د. محمد جابر،
التازم السياسي عند العرب، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، الطبعة الاولى 1995، ص 179 الجابري، د. محمد عابد،
وجهة نظر نـحو اعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر،
مركز دراسات الوحدة العربي، الطبعة الثانية بيروت 1994، ص
92 امام، د. امام عبد الفتاح، المكتبة الهيجلية، مطبعة
مدبولي، المجلد الثاني، ص 445 م. ن، ص 510
م. ن، ص 482 ابراهيم، سعد الدين، المجتمع والدولة في الوطن
العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة2، بيروت 1996،
ص 45 سلامة، غسان، في الامة والدولة والاندماج.. مع مجموعة
مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1989، ص
15 م. ن.
م. ن، ص 13 ، 14.
م. ن.
محمد جواد رضا، م. س، ص 11.
عمار، د. حامد، في بناء البشر، مركز تنمية المجتمع، مطابع
المركز، ط1، 1964، ص 81.
م. ن، ص 80.
م. ن، 84 . |