ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

العامل الخارجي أم الحامل الفكري

مشروع الدولة العراقية

 

مزهر جاسم الساعدي

 

المقدمة

حين تتصاعد وتيرة التفكير العقلائي شيئا فشيئا بعد مراحل التحول الفجائي غير الممهد له الذي يأتي في زمن خارج حسابات المجتمعات, أو التغييرات التي تأتي عبر ممهدات مجتمعية وسياسية نخبوية, وبعد أن تستفيق النخب من غيبوبة مؤقتة تغيب معها روح المبادرة لمسك الأمور قبل انفلاتها الكلي, يصبح جل همها أن تطرح حزمة من الأسئلة تتعلق بخط الشروع للبداية, أو بمعنى أخر تبدأ الأسئلة التي تغيب في خضم الفوضى لطرح نفسها وبقوة على النخب وعلى أفراد المجتمع منها ما يتعلق بتقييم أولي لمجريات التغيير ومنها ما يستتبع آثار هذا التغيير, ومن الأسئلة ما يترك كل ماتقدم جانبا ويتقدم بخطوة حقيقية باتجاه الخروج من مأزق التغيير عبر استنهاض الروح الايجابية المخبأة في كوامن المجتمع بغية انصراف الأنظار إليها.

ولعل الأبرز من بين هذه الأسئلة والأكثر عقلانية التي ينبغي أن تتجه الأنظار إليها.هي أسئلة البداية, الأسئلة التي تتخطى ما تراكم من أكوام الخراب والفوضى وتعرض عنها لتبدأ معها اللحظات العقلانية, اللحظات التي يستجمع بها المجتمع والنخب أهمية ذلك الصفح وما يترتب عليه من آثار.

 بمن نبدأ؟ وكيف نبدأ؟ وما هي الآليات التي نستعملها لكي نبدأ؟ وما هي السبل التي نستطيع أن نمهد من خلالها إلى بناء لا يربك الأجيال اللاحقة ولا يطوق عنقها بحبل ممدود تتجاذبه النزعات الفردية وسيادة اللاعقلانية؟

هكذا بدأت الدول بعد التغييرات الهائلة التي حدثت فيها لكي تر سو سفنها بأمان على ما هي عليه الآن, ففي دول القارة العجوز كما يحلو للبعض أن يسميها  اتجهت الأنظار إلى السؤال الأهم، سؤال الدولة والمجتمع, سؤال المؤسسة والخدمة المجتمعية، سؤال الحرية والتعايش السلمي سؤال الحوار وقبول الآخر, سؤال المواطنة التي تغيب معها الهويات الفرعية، سؤال البداية التي لابد من تحديد خط لشروعها, مع ما يحمل من صعوبة ومشقة، لهذا كانت مخاضات بناء الدولة وإعادة تأهيل المجتمع والنهوض به من كبوته شاقة ومريرة ولم تحصل عليها بيسر وسهولة إنما كانت عصيبة وقد رافقها على الدوام الكثير من النكوص غير أن هذا النكوص لم يزحف على الإرادة المجتمعية بصورة عامة وإرادة النخب لبلوغ ما رسمته وما خططت له عن وعي منها وإحاطة كلية بالتحديات الزمانية والمكانية.

لذلك أتت بناءاتها وعلى المستويين المجتمعي والدولتي منسجمة مع ما كانت تطمح إليه تلك الشعوب وما خططت له النخب, وقد تم ذلك كله على نار هادئة كما يعبر، ما دار في خلدها أو في حساباتها أنها تحرق المراحل وتختزل الزمن كيما تصل بأسرع وقت ممكن إلى البناء الذي رسمته, خشية الرجوع إلى نقطة الانطلاق وبالسرعة نفسها, فالتجربة الأوربية نضجت وأنضجت متبنياتها انطلاقا من المنظومة القيمية والفكرية التي لم تكن هجينة أو دخيلة على شعوبها في ظل غياب تام للعامل الخارجي، واعني به تحديدا المؤثر الخارجي بالمعنى الجغرافي والفكري, إذ أن التقارب الذي أفضى إلى التوحد الأوربي وجعل من أوربا موحدة سياسيا واقتصاديا في وقتنا هذا ما هو إلا نتيجة لذلك الإرث الفكري والتوافق المجتمعي على مشتركات يمكن الركون إليها.

ليس ما يقال بشان المدة الزمنية التي استغرقتها الشعوب في معظم دول أوربا للوصول إلى ما أرادت الوصول إليه مبالغا فيه لأنها أعادت إنتاج منظومتها الفكرية بما يلاءم نموها والمتغيرات التي حصلت عبر سنين طوال واكرر القول أن ذلك كله قد جرى بغياب المؤثر الخارجي (إن تطور الأوضاع في أوربا إلى حداثة سياسية والى نظام سياسي ما كان ليتم لو لم يكن الصراع فيها قد جرى بين قوى اجتماعية داخلية دونما أي تدخل أو تأثير من أي قوة خارجية من شانها أن تعوق مسلسل التطور. بل بالعكس لقد كانت القوة الخارجية وهي العالم الإسلامي بالنسبة لأوربا القرون الوسطى دافعا وحافزا من حيث انه كان يمثل نوعا من التهديد الخارجي على صعيد الذاكرة وليس على صعيد الواقع)(1) لقد حسمت شعوب أوربا أمرها فيما اهتدت إليه عن وعي تام باللحظة التاريخية التي مرت بها وأسست فيما بعد نظاما يتمثله جيل بعد جيل من دون خوف على مرتكزات ذلك البناء،بغض النظر عن موائمة ذلك البناء للأخر البعيد جغرافيا وفكريا أو عدم موائمته، المهم انه بناء اهتدت إليه بما يتناسب والفرد. ولم تأخذ بحساباتها يوما ما أنها ملزمة بإعطاء التطمينات للأخر البعيد عن تجربتها وما ينتجه ذلك البناء من اتفاق أو اختلاف يرتبه الآخر في مرجعيته إنما تركت ذلك كله للزمن الآتي الذي يتكفل بمحو ما أبهم عن ذلك البناء. وقد تم ذلك فعلا، إذ رميت التجربة الغربية بأشنع الأوصاف والنعوت ووصفت بالتجربة الهجينة التي لا تستطيع الصمود أمام المتغيرات المتلاحقة وكانت هذه الهجمة تأتي لحماية الذات وحماية العديد من الأنظمة السياسية القائمة آنذاك.

إن الذي حصل في أوربا هو بمثابة اكتشاف الذات في لحظة الاستفاقة من الغيبوبة العابرة، تلك الاستفاقة التي تبتعد عن مواطن الانـحطاط والتدني, وتقترب من خط الشروع الحقيقي, لذلك كانت الدولة (هي بداية التاريخ لكل امة. وهي أداة تدخل بها ميادين الفعل)(2)، إننا إذ نتحدث عن التجربة الأوربية ونستعرض متانة بناءاتها لا يعني أنها قد وصلت بتجربتها إلى حد الكمال أو إن مخرجاتها كانت تفيض عطاء إنسانيا على الدوام أو أن ذلك البناء لم يكن يوما ما قد أسس وقام على انهار من دم، إنما يأتي الحديث عنها في سياق وضوح التجربة في مرجعية النخب كما هي في مرجعية الأفراد فضلا عن التبني لها من الطرفين على حد سواء.

ولو أننا اعرضنا عن التجربة الأوربية واقتربنا من التجربة اليابانية باعتبار إنباتها في قارة أخرى (أسيا) لما ذهبنا بعيدا عن الحامل الاجتماعي والفكري لشكل الدولة الجديد إذ انه لم يتخط المنظومة الفكرية للمجتمع الياباني التي كانت غائبة أو مغيبة في مرحلة الغيبوبة التي تمر بها الدول في لحظات تاريخية قد تطول أو تقصر بحسب استفاقتها .

من هنا أعادت النخب ما كان قد اندثر أو ما كان قد عمي عليه لإغراض عابرة وكانت عودتها بما يتلاءم والفرد الياباني، مع الاعتراف بأهمية فرق العامل الخارجي الذي احدث ذلك التغيير, على العكس من التجربة الأوربية.لكن الأمر الذي ينبغي أن يقر ويصرح به ويعترف به بلا تردد, أن الانطلاق الحقيقي لتك التجربة لم يكن في صميمه إلا يابانيا خالصا استرشدت إليه النخبة السياسية في عمق الإرث الياباني المتمثل في وحدة التناغم, تناغم الإنسان مع الإنسان وتناغم الإنسان مع الطبيعة وتناغم الإنسان مع المكان وبالنتيجة فإنها حجمت دور التأثير الخارجي لصالح المتبنيات الفكرية التي تحكم المجتمع الياباني وأخذت مؤدياتها تتجذر بلا قسرية أو إكراه، لذلك كانت الموائمة فعلا جمعيا توحدت عنده جميع الرؤى.

إذن فالتجربتان الأوربية واليابانية انطلقتا من منظومة فكرية لم تكن دخيلة على مرجعية الأفراد مع اختلاف المنظومتين وامتدادهما التاريخي وبمعنى أخر.انطلاق المنظومة الفكرية الأوربية من الفلسفة الأوربية وبضمنها الفلسفة اليونانية وما تتضمنه من تاسيسات ريادية وانطلاق التجربة اليابانية من الإرث الفكري الياباني، لذلك لم تشهد هذه الدول استنكارا كبيرا في تبني المجتمع لشكل الدولة أو نظام الحكم أو تفريعات البناء عليه، ربما شهدت انـحرافا جزئيا لمدة زمنية محدودة من جراء تسيد النزعة غير العقلانية، إلا أنها  لم تعد يوما إلى المربع الأول الذي انطلقت منه وتجهز على بنائها الذي وصل مرحلة متطورة من الاستقرار والقبول المجتمعي على العكس من (الدول) العربية التي طالما شهدت بناءاتها العودة إلى المربع الأول مرارا وتكرارا ومن ضمنها العراق (وليس من قبيل المبالغة إن تاريخنا السياسي شهد على الدوام عملية بناء الدولة من الصفر)(3).

لسبب يكمن في أن العقل العربي ومرجعيته لم يفارقا بعد النزعة الاستحواذية, انه لم يزل بعد غاطسا في وحل هذه النزعة, إذ أن الخطوات التي كان يسير عليها لم تفضي إلى طريق يؤسس لبناء متين يترك للقادم من الأجيال ما يمكن أن يكون حاملا ايجابيا يتفاعل وينفعل معه الفرد والمجتمع، باعتبار الصورة التي استحوذوا فيها على السلطة المطبوعة في الذاكرة الجمعية والمتمثلة بقوة السيف، فكان جل همهم (المستحوذون) المحافظة على مكتسبات السلطة والخوف من اهتزاز مركزها التقليدي في وجوب الطاعة، وظل الخوف هو الهاجس الذي لا يمكن إغفاله لدى العقل الذي يستحوذ على السلطة في المحيط العربي. انه شعور خفي  من فقدها يوما ما، ومن هنا فانه يؤسس لما يؤمن له البقاء وينصرف إلى ما يحمي وجوده وتواجده أكثر من أن يؤسس لبناء متكامل تسير عليه الدولة فيما بعد، وهذا ما جعل البناء يتوجه للسلطة وإمدادها بما يلزم من القوة  كيما تبسط سطوة نفوذها على المجتمع أكثر من التوجه للبناء المؤسساتي الذي يعد حجر الزاوية في البناء ألدولتي.

  وما أن يبلغ ذلك البناء مرحلة الشيخوخة والهرم وربما قبل ذلك كله, يعد الآخرون عدتهم للإطاحة به, وهكذا دواليك تبدأ مرحلة البناء الأخرى، وكثيرا ماكانت مجريات ذلك الانقضاض خارجية تجد لها موضع قدم يتمثل بالحاضن الداخلي وهذا ما كان يجري على طوال الحقب الزمنية، بل انه كان مشهدا سائدا في شرقنا العربي.

إذن فالعلة تكمن في نمط التفكير والعقل المؤسس لذلك كله، فما بين أن تكون الدولة ملكا مشاعا لمن استولى عليها بقوة السيف واخضع رقاب الآخرين له بغلضة، وما بين أن يكون العقل في الطرف الأخر مبنيا على ضرورة وجود الآخر مبتعدا عن إقصائه كيما تتحقق ديمومة البناء وبالتالي يصل الكل إلى مرحلة السلم الأهلي التي تقطع الطريق دوما على تسلط السيف والتمرد على الإرادة المجتمعية, إن ما بين نمطي التفكير وسلوكهما العملي مسافة واسعة وهوة بعيدة الغور لا تردم إلا عبر سنوات طوال من الجهد والصدق والمثابرة. 

لذلك فان الدولة في عالمنا العربي لم تأخذ بعدا تطوريا يلاءم الحقب الزمنية التي قطعتها مقارنة بدول أخرى قامت بعدها بحقب زمنية طويلة, فليس من قبيل إفشاء السر القول أن هناك محاولات لإقامة الدولة في عالمنا العربي ربما تعود في بداياتها إلى مطلع القرن العشرين كما حصل في العراق مثلا، وهناك دولا أخرى من خارج المنظومة العربية تشكلت فيها الدولة بعد هذه المدة الزمنية غير أنها قطعت أشواطا مهمة على صعيد البناء, وحتما سيكون السبب في ذلك لنمط البناء الذي اتبعته، البناء الذي لا يجهز على ما أسس دفعة واحدة بداعي عدم صلاحيته وموائمته لنسق المجتمع، على عكس البناء الدولتي في عالمنا العربي الذي يبدأ دائما من الصفر ويجهز على ما تقدم من بناء وان كان هناك من البنيان الذي يمكن التشييد عليه وإعلائه. لكن الكبرياء العربي لا يسمح بثقافة الاعتراف للآخر بشيء من الصحة في مجال السلطة فهو قائم على محو الآخر واثبات الأنا، لذلك والحال هذه فلابد من الهدم والبناء من جديد. وهكذا من دون تردد استمرت عمليات الهدم وتخلفت حقيقة الدولة في عالمنا العربي، بعكس النمط الذي اتبعته الدولة في أوربا (حيث تطورت حقيقة الدولة ككيان سياسي واجتماعي أولا ثم سعت إلى الحصول على الاعتراف القانوني بوجودها)(4).

ربما يعاب على بناء الدولة في عالمنا العربي والإسلامي فضلا عما تقدم أنها, دائما كانت تتشكل على وفق الإرادة الخارجية من دون ادنى التفات إلى الحقيقة المجتمعية التي يمكن لها أن ترفض عملية الزرع الغريب في الجسم العربي وما تحمل في طياتها من دمامل التقيح التي يمكن لها أن تتفجر في داخل هذا الجسم ومن ثم تعرضه للهزال وعدم المعافاة.

لكن البعض يرى في هذه الحيثية أي عملية البناء الخارجي امرأ مبالغا فيه لان التأثير الخارجي أيا كان نوعه لا يمكن له أن يجد منبتا صالحا مالم يكن هناك حامل داخلي تتفاوت شدته من زمن لأخر. ففي العراق مثلا ما كان لبريطانيا أن  تشرع في تأسيس الدولة الحديثة فيه ما لم يكن هناك من هو مندك مع نوع البناء الجديد وراضيا عنه كل الرضا، بل انه مبشر بنتائجه وما سيكون عليه العراق إذا ما اعتمد كليا على معطياته. وعلى العموم فان كلا الافتراضين لا يستبعد، غير أن مدى تأثيرهما يظل متفاوتا باعتبار التبني الفكري ومدى وعي المجتمع في لحظته وما له من دور كبير في عملية التبني تلك, غير أن الأمر المؤكد أنها استغرقت وقتا طويلا كان من بين أهم مخرجاته عمليتين لا ثالث لهما (البناء والهدم ).

 

فرق الحامل الفكري المجتمعي.

إن مفهوم الدولة باعتباره معطى حداثوي كان نتيجة تبني مجتمعي منطلق من منظومة فكرية ليست غريبة على الأفراد وعلى الجماعات في معظم دول أوربا  ما جعلها مؤمنة بحامل ايجابي قابل للنمو وللتطور, على عكس عالمنا العربي والإسلامي الذي مايزال يبحث عن الموائمة بين منظومته الفكرية وبين اشتراطات  الدولة الذي لم يجد له سندا في هذه المنظومة أو انه قد غيب لغايات تسلطية غير مفهومة من الذين ينصبون أنفسهم حراسا على مصائر الشعوب. بمعنى آخر أن المفهوم وما يتضمن من اشتراطات محددة اعتمدت عليها الشعوب الغربية في بناء الدولة المدنية حتى استقامت وسميت بموجبها دولة، لم ينبت بعد في الأرض العربية إنما الذي نراه الآن ما هو إلا مسمى دولة بل قل انه جزء متمم للحواضر التي كان يتحكم بها الأمراء والسلاطين، لذلك نرى العربي ما يزال يخوض صراعات القرون المنصرمة التي تخطتها الدول الأخرى لعله يجد ضالته في بناء نظامه المجتمعي والدولتي، في حين أن الآخر قطع أشواطا عديدة باتجاه تقدم البناء ومتانته، إنها مفارقات البناء التي تستغرق الزمن، فما بين الأول الذي لم يتلمس بعد خطواته الأولى وخط الشروع الحقيقي الذي يمهد لانطلاقه، وبين منطلق يسابق الزمن في التشييد والبناء المستمر تكمن المفارقة.

من هنا ظلت الهوة بين الغرب والعالم العربي واضحة للعيان لاسيما إلى الذين اطلعوا على تلك التجربة في عقر دارها وعاشوا في خضم تطورها ورصدوا بإمعان مخرجاتها حين تهيأت الفرصة إلى بعضهم من الدراسة في بعض الجامعات الغربية.أو الذين شدوا الرحال إلى تلك الدول بداعي الاكتشاف، أو ممن قرأوا التجربة قراءة مجردة من المرجعيات التي تحكم على ما يصدر من خارجها باعتباره الضلال المبين.

إن هذا التحول في منظومة إنتاج العقل العربي يعد بمثابة المفتاح السحري الذي حل الكثير من الألغاز، فبعد أن كان العرب موطن المريدين للتعلم وكانت حواضرهم تزخر بطلبة العلوم من كل حدب وصوب وتزخر بآلاف العلماء والمحققين والفلاسفة والمتكلمين والمبتكرين والمكتشفين، وجدوا أن مدارسهم ومعاهدهم لم تعد تلك التي يعول عليها في إنتاج العقول وتخريج الأفواج من المبتكرين ولذلك فما كان أمامهم سوى الاعتراف بمكانة الآخر وجدوى منهجه الذي أنتج ما أنتج للإنسانية وللسبب ذاته دفع العرب أبناءهم إلى الغرب كيما يعودوا بالنفع والفائدة ويعلموا ما تعلموه إلى آخرين على مضض من ذلك كله (على قاعدة مجبر أخاك ).

ولان هذه القضية حديثة العهد عند العرب (أن يكونوا دارسين لا مدرسين) انقسم أبناءهم الذين شدوا رحالهم إلى الغرب، ما بين منتقد لما يراه ورافضا له بالمطلق لا لشيء سوى انه دخيل على ثقافته ويحتمل انه يهدد هذه الثقافة ويقوض بعض متبنياتها، وما بين قارئ متمعن لآفاق تلك التجربة وأسباب قبولها ونجاحها في مهدها, متسائلا عن جذورها وحواملها الفكرية والمعرفية ومن ثم مقايسا عليها الواقع الذي انطلق منه كعربي له جذوره وامتداده التاريخي الذي لا يستطيع التخلي عنه لصالح متبنيات الآخر وان كانت تحمل في ثناياها عناوين العافية والصحة.

إن هذه الإطلالة أو الرؤيا المغايرة للآخر وعن قرب هي التي دفعت البعض ممن وجد نفسه إزاء مسؤولية تاريخية لايمكن التنصل عنها, أن  يبحر إلى عمق التجربة الفكرية العربية التي تتحكم بسلوك الفرد ويجردها من القراءات التي خنقت مشروعها الحقيقي، عبر قراءة مغايرة لمجموع الموروث الفكري. اهتدت فيما بعد إلى طريق الخروج الذي يوائم ما بين بناء المجتمع و شكل الدولة الحديثة من جهة, وبين التراث المجتمعي في نظريات الحكم ليتخذ منه منطلقا يؤسس عليه بناءات جديدة تخرج المجتمع من طوق العنق الذي لفه حول رقبته بعض المنظرين من جهة أخرى.اخذين بنظر الاعتبار ماحصل في تلك البلدان من مخاضات التصحيح للبنى العقيدية وما تمثل من ثقل في مجتمعاتها حينذاك.فما كان يخنق مشروع الدولة بمفهومها الحديث لم يكن في صميمه إلا غلوا عقائديا من صنع البشر وبامتياز، بل انه كان صراعا ما بين الانعتاق من ربقة الجمود والنظريات الكنسية في إدامة السيطرة على الإنسان وما بين تحرر الإنسان من تلك المقولات التي برهن الزمن على بطلان صحتها. 

فكان من الضروري كما وجده هؤلاء المفكرين التعرض للمنظومة الفكرية للدين والمنظومة العقيدية، وتحديدا منها المنظومة الإسلامية، على اعتبار أن المنظومات الأخرى التي تعيش في ذات الرقعة الجغرافية ليس فيها ما يتقاطع مع البناء ألدولتي بمعناه الحقيقي والمفاهيمي بل أنها تذهب إلى فرز واضح ما بين ما هو روحي وما بين ما هو دنيوي يتعلق بشكل الحكم والحكومة، وهذا ما يجعلها تنأى بنفسها عن النقد وإدراجها في ضمن المعرقلات لقيام الدولة الحديثة.

إن الذي قام بهذه القراءة وذلك الجهد الكبير عدد قليل من المفكرين و الفقهاء الذين انصرفوا عن القراءة التقليدية لما يمكن أن نسميه بالفقه السياسي، وتتأكد أهمية هذه القراءة بكونها جاءت في سياقها ألزماني وانطلقت من داخل هذه المنظومة وليس من خارجها، فلو أنها أتت من الخارج فما كانت تفضي ألا لتمسك ظاهري بمنتجات تلك المنظومة انطلاقا من إستراتيجية الرفض التي يتمترس في ظلها الكثير من الأفراد والجماعات, على الرغم من رفضهم وعدم اتفاقهم مع متبنياتها بالإجمال. ولعل مبرر تلك القراءة ومسوغها هي المتغيرات التي كانت تضرب بنية المجتمع العربي  ومنظومته القيمية وربما العقيدية أيضا, وذهب أولئك الفقهاء والمفكرون إلى قراءة أكثر جدية وعملية تمكن الفرد والمجتمع من الخروج لفضاءات تاسيسة, تبدو أكثر عقلانية وأكثر موائمة لشخصية العربي والعصر الذي يعيش, ومن ثم لا تبدو غريبة الزرع. وبمعنى آخر أن هذه القراءة كان جل همها أن تؤسس إلى لحظة الانطلاق بالإنسان العربي إلى مواطن قوته وأهميته كفرد منتج، وتأسيس كيانه الاجتماعي انطلاقا من منظومته، على اعتباره الصنيعة الإلهية المثلى التي ينبغي أن تسخر كل موارد الكون في خدمته ورفاهيته وصون كرامته. لكن هل وجد أولئك القراء الجدد من المفكرين الإسلاميين ضالتهم في تراثهم الفقهي ومنظومتهم القيمية؟ أم أنهم وجدوا شذرات متناثرة هنا وهناك في بطون الكتب الفقهية والكلامية تركها من سبقهم دونما إفصاح حقيقي لمكنونات النص القرآني, خشية البطش بهم من مجايليهم (فقهاء، أفراد) وعدهم مارقين لا يأبهون ويتمعنون بمراد الله.

إن تلك المحاولات كان لها من الأهمية ما يحفظ لها السبق لأنها تدل وتؤشر على وجود وعي متقدم لا يمكن تجاهله على الرغم من بساطة نوعية تلك المحاولات, إن الأمر الهام في تلك المحاولات إنها كانت السند التقليدي الذي مكن اللاحقين من الفقهاء والمفكرين من إعادة رصها كمصفوفة واحدة يستندون عليها في حجتهم الفقهية والفكرية.

 

لماذا المنظومة الإسلامية؟

إن الحديث عن المنظومة الفكرية والفقهية الإسلامية التي تتعرض إلى قيام  دولة مدنية يأتي في سياق الأكثرية العددية للمسلمين في العراق. إذ لاتوجد مشكلات حقيقية عند بقية الأديان في نظريات الحكم وإخضاعها للتنظيم البشري, لذا فان محاولة الحديث عن العراق وقيام الدولة فيه لا يخرج من التوصيفات السابقة ومن هنا يمكن الدخول للحامل الفكري باعتباره ممهدا حقيقيا لشكل الدولة ونظام الحكم فيها.

 

الحامل الفكري للمنظومة الإسلامية

لا يمكن لأي متتبع للمسارات الفكرية ومدى تأثيرها في البناء المجتمعي أن يتخطى تراتيبية هذه المنظومة التي تحكم وتتحكم بسلوك الأفراد، أو بمعنى أخر لا يمكن لأي معني أن يتخطى أصحاب الحظوة وأصحاب الشأن ممن يتركون بصماتهم في مجتمعاتهم عبر ما يملكون من أدوات ليس بمقدور الآخرين حيازتها.ومن ابرز هؤلاء الذين ينصاع المجتمع لأصواتهم ولا يتخطونهم كأشخاص فاعلين و لايتخطون منظومتهم لا سيما في عالمنا العربي, هم رجال الدين أو الفقهاء ممن هم في موقع الفتيا، ولا يختلف الأمر عند الأفراد أوممن هم في رأس الحكم من احترام هؤلاء الرجال ومحاولة إرضاءهم أو استرضاءهم، بل أن زيادة رأس المال المعنوي لا يأتي لا عبر إشهار هذا الرضا والقبول منهم. بغض النظر  إن كان ذلك الفقيه مستبدا يتخبط بفتاواه أو منفتحا له مسالكه الخاصة التي يستنبط منها أدلته الفقهية

لكن من المهم إقرار دور المؤسسة الدينية ورجال الدين وتأثيرهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، أيا كان دورهم في السلب أو في الإيجاب, لان هذا الإقرار هو المفتاح الحقيقي الذي يمكن من خلاله الولوج إلى معرفة بنية المجتمع ومن ثم معرفة مدى تفاعله مع ما يصدر من هذه المؤسسة قبولا أو رفضا. وعبر هذه الأهمية التي يوليها الأفراد لرجال الدين سيكون أفق التعامل معهم، فان كانت مساحة التأثير واسعة وكبيرة الانتشار سيكون للفقيه الحظ الأوفر في اعتدال مريديه أو في انصرافهم عن منطقة الاعتدال، ولعل هذا ينطلق برمته من الذائقة التي يعتمد عليها الفقهاء، لذلك كانوا وعلى مر السنين ينقسمون إلى قسمين، إما إن يكون الفقيه (حرفيا) ومغلقا لا يرى ما يدور حوله وما يطرأ من متغيرات بل انه لا يأبه بها، فيصبح أتباعه على أنموذجه، أو أن يكون الفقيه معتدلا منفتحا له من المراصد المتعددة التي يطلع من خلالها على ما يدور حوله, فيكون أتباعه على شاكلته أيضا.ولا تختلف قضية الحكم وقيادة (الأمة) باعتبارها من مرتكزات المنظومة الإسلامية في النظر إليها من هذين المنظورين (الاعتدال التشدد) غير أني هنا سأعرض عن ذكر آراء المدرسة الفقهية  التي تتبنى الاستبداد وتؤصل إلى وجوب إطاعة الفرد بوصفه حاكما مطلقا يستمد شرعيته من الله ويؤسس لحكومته كيفما يشاء, وان كانت كثيرة وأخذت مساحتها من التأثير في بناء مرجعية بعض الأفراد ورسخت الصورة النمطية لشكل الدولة ونوع الحكم.وسبب الإعراض يعود الى سببين:

الأول

إن كل الذين تعرضوا للمنظومة الإسلامية من الخارج كانوا لا يرون إلا هذه المدرسة ويعدونها الأصل في نظرية الحكم لذلك كانوا يبنون مقولاتهم ونقودهم عليها من دون النظر الى المدارس الأخرى.

الثاني

 أن هذه الآراء لم تسمع إلا من قبل الذين يتمسكون بشكلانية الشريعة ووقوفها عند حدود يصعب البرهنة عليها بشكل مقبول كما هو الحال عند أصحاب اللاهوت الكنسي الذين تختطهم شعوبهم وقتذاك .

أو أنها وقفت عند حدود الشكل الهلامي غير المنضبط في تشكل الدولة الذي يبدأ ولا ينتهي عند حدود معينة ولا هيكلية واضحة، انطلاقا من المقولات التاريخية في وجوب عدم الفصل ما بين الحكم والحكم الديني والذي ذهب الكثير إلى تبنية لا سيما بعد ما يسمى بـ(تيار الصحوة الإسلامية)، متناسين ما يرد على تلك المقولات من نقاش واسع وأدلة من ذات المصادر التي استندوا عليها، إذ ذهب البعض على وجوب جمع السلطتين الدينية والدنيوية كأساس في تقدم الأمة ومسايرتها لركب الشريعة ولا مناص من ذلك لاعتبارات عقلية يأتي في مقدمتها وجوب طاعة الإمام (ولي الأمر) باعتباره خليفة لرسول الله على الناس وهو أولى بتسييسهم وقيادتهم والدليل على ما تقدم لا يحتاج إلى العناء وفقا لرؤية التاريخ البعيد للمسلمين أو منذ أن ترك الرسول محمد(ص) الدنيا والتحق بالسماء إلى يومنا هذا الذي نعيشه. غير أن هؤلاء لم يلتفتوا يوما ربما عن قصد على إن (الرسول كان بالفعل رئيس الجماعة الإسلامية وقائدها ومرشدها غبر انه رفض رفضا باتا ومتكررا إن يسمى ملكا وان يعتبر رئيس دولة، لقد كان يعتبر نفسه ويعتبره المسلمون نبيا رسولا كما وصفه القران)(5)

وربما وقف عندها من أراد أن يجعل  أصل الشريعة سندا وحجة في عدم مسايرتها للعصور اللاحقة التي تلت التنزيل لإغراض تحفظ له مكانته ومميزاته التي يجنيها من جراء ذلك، مفسرين تارة ومؤولين تارة أخرى, لقد أكسبت هذه القضية أصحابها عدم الدقة في تفريعهم الفقهي وابتعادهم العملي عن مقولة تنظيم  حياة الفرد ومتطلبات العصر الذي يعيش، ويأتي سبب الإعراض لكثرة الموارد التي تفصل في الفقه السياسي التقليدي وذكر أراء أئمته على اعتبارهم من يفهم مراد الله في حكم عباده وامتلاكهم لهذه الفضيلة من دون غيرهم. 

 ومع ذكر ما تقدم فان هناك آراء استندت إلى ذات التراث وخرجت منه برؤية أخرى وقراءة مغايرة تتماها مع طموح الأفراد في احترام خياراتهم وحريتهم التي تحترم أدميتهم وتمكن الفرد من تبنيها كحامل فكري يشرعن لقيام الدولة بشكلها الحديث ولا يرى الفرد في حال تبنيه تلك الأفكار اضطرابا أو لوما داخليا يجعله عرضة للنقد من متشددي شكل الشريعة بل أنها تجعله أكثر التصاقا وتصديقا بمسايرة الشريعة للعصور التي تلت عصرها النبوي وبذلك تنفض مقولة التمرد أو (الكفر) التي كان يجابه بها من يحتج على استبداد الفكر الديني في عملية توريث الدكتاتورية. وبالتالي فان الفرد الذي يعتقد انه لا يخالف عقيدته ولا يذهب إلى نار تصليه حامية يتمكنون منه ملائكة غلاظ شداد يمكن أن يطمأن لحقيقة أن الله إنما أراد لخلقه غير ما أراد خلقه لخلقه.ربما تكون هذه القضية من أكثر ما يجعل الفرد مضطربا أو معرضا عن ولو افتراض وجود شكل أخر ينتظم فيه ويأخذ حقوقه سوى التي يفترضها من وكل أموره إليهم واعني تحديدا الفقهاء الذي لا يتخطى مقولاتهم.

وعلى الرغم من ذلك فلا يمكننا أن نسلم بعدم وجود حراك من نوع آخر كان يدعو إلى رؤى جديدة تؤسس إلى ما يمكن أن نعده حاملا ايجابيا لشكل الدولة بمفهومها الحداثوي.

 

بدايات رؤى التغيير

لعل النهاية التي ختمت بها الدولة العباسية سطوتها كدولة مترامية الأطراف وما دب في أوصالها من وهن وضعف، حفزت الكثير ممن كانوا يعيشون في كنفها أن يعيدوا حساباتهم وان ينظروا إلى جدوى الامتداد المكاني وجدوى هذا التملك الذي يحكم به ممن هم في موقع الأمراء أو السلاطين، لاسيما المظاهر العامة لذلك الحكم الذي اخذ يتسع ويوسع دائرة البذخ من دون التفات إلى الحاجيات الضرورية التي يشتكي الفرد من عدم توافرها أو عدم توافر الحد الأدنى منها، مما جعل البعض منهم يطرح أسئلة جدية حول شكل الحكم وجدوى وجود الحاكم الفرد الذي تلصق به نعوت القداسة.

ووردت تلك الأسئلة على الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين والنتيجة التي ختمت  حكمها للدول العربية والانقضاض على ممتلكاتها من الغرب، ما حدا ببعض المفكرين الإسلاميين بإعادة النظر في وجوب امتداد الدولة الإسلامية وشروط الحاكم الذي ينبغي أن يتقلد أمورها، لذلك تبلورت قراءات عديدة في مختلف البقاع العربية والإسلامية، متسائلة عن جدوى الإتباع وعن سر الهزيمة بل ابتعدت بعض القراءات إلى ما هو أكثر من ذلك كله ونظرت صوب المرتكزات التي مكنت الدولة العثمانية من السيطرة ومن الانهزام في ذات الوقت ومن سرعة دخول الأجنبي إلى الأرض العربية دونما رادع قوي في حقبة زمنية كانت من أقسى الحقب التاريخية التي مر بها كيان ما يسمى بالدولة الإسلامية. وقد برر بعض الذين لا يريدون الاعتراف بالمتغيرات الزمانية تلك الانتكاسات إلى فساد الأمة وفساد الحاكم وبالتالي إلى استحقاق تولي القوي على الأمة عقوبة على ما اقترفت من ذنوب ومن معاص نتيجة لخروجها عن مراد الله وطاعته وطاعة أولي الأمر من بعده الذين يمثلون الإرادة الإلهية.

لقد وقف الكثير عند هذا التبرير وتخطاه القليل ليعودوا إلى حيث صدر الرسالة الإسلامية وزعيمها الأول متسائلين عن كيفية القيادة وكيفية الحكم وهل كان الرسول(ص) ملكا أم كان نبيا؟ على ما ينطوي عليه السؤال من خطورة ومن كشف فعلي في أصل الأشياء، وكانت نتيجة هذه التساؤلات والمخاضات بروز نخبة إصلاحية أرادت أن تعود بمشروع الدولة إلى ما يساير العصر وان لا يقف عند حدود معينة أكل الدهر عليها وشرب، لذلك أتت افتراضتهم للشكل الذي يمكن أن تكون عليه الدولة ونظام الحكم فيها بعيدا عن المفاهيم التي أدمن الناس على سماعها (كأمير المؤمنين, والولاة وقاضي القضاة) إلى ما شابه ذلك من مرادفات لغوية تحمل دلالات ينجر معها الروح الإسلامي إلى عصر الخلفاء والأمويين من بعدهم.

لقد ابتعد الطهطاوي والأفغاني والنائيني وعبده نوعا ما عن مصفوفة الأفكار الجاهزة في ذلك التراث الفقهي، واستقدم بعضهم مفردات الدولة وتوصيفاتها (رئيس، برلمان، مواطنة، دستور، انتخاب) ما أسس لمرحلة التلاقح الحضاري غير المحرم شرعيا، وصار الحديث عن الدولة الوطنية بحدودها الجغرافية وسيادتها واستقلالها ونوع الحكم فيها من مختصات السياسة لا من مختصات الفقيه أو الفكر الديني، وانصرف إفراد الأمة إلى الانفتاح على مجايليهم من أفراد آخرين يحملون توجها دينيا مغايرا على أساس أنهم مواطنون يعيشون في دولة واحدة لهم من الحقوق ما لهم وعليم من الواجبات التي ينبغي الالتزام بها كأفراد وجماعات مراعين احترام الخصوصية للجميع, لقد كانت مقولات أولئك المتقدمين سندا انطلق منه الكثير بل أنها مهدت للحديث عن شكل آخر للدولة في وقت كانت تستوي فيه على صورة واحدة لم تبارح مرجعية الفرد وما غذي طوال الحقب المنصرمة, فهذا راشد الغنوشي (يربط المشروعية السياسية لأي نظام حكم بتوفيره قانونيا وعمليا لجميع أنواع الحريات وبخاصة حرية التعبير وتشكيل الأحزاب السياسية لكل فئات المجتمع كما يجب أن يضمن نظام الحكم التنافس السلمي بين البرامج الايدولوجية والسياسية والاجتماعية وكذلك الانتخابات الحرة للمجالس التمثيلية من اجل المشاركة في إدارة الدولة وإذا تم هذا الأمر فان الحركة الإسلامية كفئة في المجتمع ستؤيد مثل هذا النظام وتدعم مشروعيته)(6).

إن هذه الرؤية الفكرية لشكل نظام الحكم وشكل الدولة في نظر الغنوشي لم تنطلق من فراغ كما أنها قطعا لا تفضي إلى فراغ ما دام هناك من يتتبعها بشكل جدي ويشير إليها باعتبار استنادها إلى مرجعية فكرية وفقهية راسخة في مخزون الإفراد كما الجماعة.

إلا أنها انطلقت من قراءة مغايرة تؤمن بتجدد مقاصد الشريعة ومن ثم التفريع عليها بما يخدم بناء المجتمع والدولة. وبهذا  فإنها تعدت مرحلة زمنية كان يمكن لها أن تجر المجتمعات إلى التدني والانـحطاط، لذلك فان الكشف عنها والتبشير بها يصبح من واجب المجتمعات التي تطمح في تأسيس دولة عصرية تسود فيها العدالة والمساواة والنزعة العقلانية، كما انه وفي الوقت ذاته يلزم النخب في تأسيس منطلق فكري يحاجج به ويحتج بها أيضا والتفريع عليه دونما خشية أو خوف من احد. لا سيما من الذين ينصبون أنفسهم دوما حماة الشريعة والدين.

إن الحديث عن دور المؤسسات والانتخابات وضمان الحقوق والحريات واحترام الأقليات والتداول السلمي للسلطة واعتبار المواطنة المقياس الرئيس في ذلك كله من دون الإكراه والاستبداد، هو الحديث عن شكل الدولة التي تبنتها مجتمعات بعينها ووصلت بها إلى مراحل متقدمة في البناء لكن هل يجوز أن تبقى تلك الهيكلية من مختصات رقعة جغرافية معينة ولا تتعداها إلى مناطق أخرى حتى لو توفر لها سندا فكريا؟ لا احسب ذلك لأنه يعد من التطرف الذي لا مسوغ له .وباستقراء ما تقدم فلا يمكن تخطي رؤية المرجع محمد حسين النائيني في شكل الحكم وبناء الدولة.

        

رؤية محمد حسين النائيني

لست معنيا بترجمة حياة هذا الرجل، سوى القول انه كان من كبار فقهاء الشيعة الأمامية الاثنا عشرية، تتلمذ في مجلسه الفقهي الكثير من الفقهاء ومنهم من أصبح فيما بعد مرجعا عاما في التقليد أي انه (يتولى الزعامة الروحية للطائفة الشيعية ويرجع إليه العامة في أمور دينهم ودنياهم) وبهذا فانه كان مؤهلا أن يطرح أفكاره الفقهية وفتاواه لاكتسابه هذه الدرجة العلمية العالية بلا تردد أو خشية من احد, وللناس على وفق المذهب الأمامي أن يأخذوا بها.

كتب رسالته الفقهية (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) في وقت كانت الساحة الشيعية تفتقر إلى التنظير في مسالك الفقه السياسي, وان كانت بعض مسائله قد نوقشت بشكل متفرق في معرض كتب الفقهاء المتقدمين لا سيما حين يأتي الكلام عن ملا الفراغ في زمن الغيبة (غيبة المعصوم) الذي يعد الحاكم الفعلي للأمة على وفق الرؤية الأمامية وهو الذي يشكل نوع الدولة ويعين قادتها وقوادها وحدودها وقضاتها وعلاقتها ورعيتها, غير أن هذه القضية وما تفرع منها لم تنل من الاهتمام بقدر ما كانت تستحقه سوى ما تقدم بذكر الرسالة. ولا يخفى أن موضوعة من يتولى ويتدبر أحوال المسلمين من بعد غيبة المعصوم على وفق المذهب الشيعي كانت من المسائل الخلافية بين الفقهاء ولهم فيها أراء متباينة على أهميتها وثقلها في تدبير سائر شؤون الأمة, إن التفريع على مسالة الحكم في الفقه الأمامي مرتبط بعصمة الحاكم لأنه يعد من المناصب الإلهية التي لا ينبغي لأحد أن يغتصبه (المنصب) في حال وجوده. أما في حال الغيبة فقد وجدوا أن لا تبقى الأمة من دون حاكم يحفظ الحدود ويصون الأعراض وفي الوقت نفسه لا يجوز الركون لحكام الجور ولا إلى من يسوس الرعية بالقوة والغلظة ويسفك الدماء بغير حق ويهدر الأموال العامة ويهتك الأعراض، وبما أن المقطع الزمني كان دوما يعلن فراغ ذلك المنصب، فصار لزاما على الفقهاء أن يملئوا تلك المنطقة في حدودها ما بين العصمة وبين أفراد المجتمع بناء على وصية المعصوم كما توردها كتب الحديث المعتمدة لديهم من كان من الفقهاء صائن لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه، فللعوام إن يقلدوه، إما الحوادث الواقعة فارجعوا بها إلى رواة أحاديثنا فأنهم حجتي عليكم وانأ حجة الله عليكم. من هنا اختلفت آراء  فقهاء الأمامية، وكان منشأ خلافهم ينطلق من المساحة التي يمكن إشغالها الفقيه وهل هي مطلقة  أم مقيدة؟

فذهب البعض على أن المساحة التي يشغلها الفقيه هي ذات المساحة التي يشغلها المعصوم فله أن يقيم الحدود وان يعين الولاة والقضاة  ويعزلهم إذا ما أراد ذلك وهو الذي يقرر الحرب والسلم، أي بما تسمى على وفق المذهب الأمامي بولاية الفقيه العامة.

وذهب البعض، إن الفقيه لا يمكن له أن يمتلك مؤهلات المعصوم بما في ذلك العصمة التي يفتقر إليها باعتباره خارجا عن السلسة العصموية التي يؤمنون بها ويعتقدون بصحة سندها عن النبي وبذلك فان المساحة التي ينبغي له إن يتحرك على وفقها هي أضيق بكثير من مساحة حركة الإمام المعصوم لذلك قالوا بالولاية الخاصة التي يستطيعون من خلالها ملا بعض من الفراغ الذي تركه المعصوم في غيبته.

وبحكم هذه الولاية في كلتا الحالتين، الخاصة أو العامة فانه (الفقيه) يعد الحاكم الشرعي الذي ينبغي أن يطاع من قبل الأمة, غير أن هذا الحاكم الذي يلي المعصوم والمفترض الطاعة, ليس موجودا على الدوام على رأس الهرم لأسباب تتعلق بالغلبة وبالقوة وأحيانا تتعلق بكمالات الفقيه نفسه، فماذا عسى أن يفعل الفرد؟ هل تصبح القطيعة بينه وبين الحاكم غير المؤهل لقيادة الأمة هي الحل الذي يجنبه الوقوع بالمعصية؟ وما هي الوسيلة الناجعة التي ينفلت منها الفرد المسلم ليتفادى الوقوع بالمحذور الشرعي في معاملاته اليومية؟ وبمعنى أخر ماذا يفعل الفرد وهو مجبر على أن يكمل دراسته في المدارس الحكومية ويصدق واقعة الزواج في محاكمها ويؤدي التزاماته الضريبية إليها، وماذا يفعل الفرد لو انه وجد نفسه عاملا في بعض مفاصلها باعتباره موظفا يتقاضى مرتبا شهريا يقوت به من يعيل، من هنا وجد بعض الفقهاء صيغة الإذن الشرعي للحاكم، هي الحل الأنسب لتفادي عدم قيام الفقيه الجامع للشرائط ممارسة الحكم بنفسه، أي بمعنى تخويل الفقيه للشخص القادر على إدارة شؤون الأفراد بمقتضى الضرورة ومع هذه المسالة يصبح بمقدور الأفراد أن يامنوا على تعاملهم مع أنشطة الحكم وان يصبحوا جزء منها بكونهم موظفين أو ذوي مناصب خاصة في إدارة الدولة. ومن الفقهاء من عالج هذه القضية علاجا مغايرا، أو بمعنى أخر انه قرأ موضوعة منطقة الفراغ قراءة مختلفة منفلتا من تضييق صيغة الأذن وانـحسار دائرتها ومباشرة الفقيه للحكم بنفسه إلى اشتغال جديد وعبر إلية جديدة. كما فعل النائيني في (تنبيه الأمة وتنزيه الملة).

لقد افلت النائيني من سلطة الانتظار وغياب المعصوم في الفكر الشيعي وشرعية الحكم من عدمه وتقدم في ظل ذلك الغياب وعلى الرغم منه، بخطوة حقيقية يمكن لها أن تكون حاملا متجانسا ما بين شكل الدولة الحديثة وضرورتها للاجتماع الإنساني لاسيما في مفصلها التنفيذي (الحكومة) بغض النظر عن الكيفية التي قامت بمقتضاها (ليس ثمة فرق في الإقرار بالحاجة إلى السلطة بين القائلين كونها فردية أو جماعية، أو مشروعية حكمها بالنظر إلى وصولها إلى مركز القدرة عن طريق الانتخاب أو عن طريق الغلبة والقهر)(7). مع ميله الكبير إلى أن تكون معنية بانتظام حياة البشر واستقامة النظام العام، ومن هنا فهو يرى أن السلطة إما أن تكون تمليكية، أو سلطة ولايتيه والفارق بينهما في الطبيعة وفي طريقة قيام كل منهما وفي شكل الحكم فيهما يستتبع ذلك التمييز وينجم عنه تمييز ثان بين نوعين من الحكم يطابق كل منهما تينك الصورتين: حكم الجور، حكم العدل.

في حكم الجور يتصرف صاحب السلطة في البلاد تصرف المالك في أملاكه الشخصية من دون قيد، وهو إذا لا يقيم حرمة لأحد أو لحق، يجبر الرعية على الخضوع لأمره والتسليم لمشيئته، حتى من دون أن ينهض بواجب حفظ البلاد على ما تقتضيه مسؤولية الحاكم، ومع ذلك، فهو لا يستحي من اعتبار  نفسه منزها عن الخطأ، مقدسا يتعالى بذاته عن النقد والمساءلة.

أما حكم العدل: فالسلطة فيه تكون ولاية لا تملكا مثلما في النوع الأول. عن ذلك تنجم نتيجتان: أولاهما أن تولي السلطة يكون بمثابة الأمانة النوعية التي غرضها تصريف واستعمال القوى الخاصة بالدولة في أغراضها وليس في أغراض صاحب السلطة الأمر الذي يفضي موضوعيا إلى تقليص السلطة المطلقة للحاكم وتقييدها.

وثانيهما: إن الشعب لا يعود كالقطيع في يد صاحب السلطة المالك للدولة، بل يصبح شريكا في السلطة، وعلى قاعدة هذه الشراكة يملك أفراد الشعب حق المساءلة للسياسيين ومحاسبتهم والاعتراض على أعمالهم، مع تمتعهم بالأمان وحرية الرأي والتعبير عنها)(8).

إن فكر النائيني في وجوب قيام مثل هذا الحكم ينبغي أن يأخذ ضمن سياقه الزمني ويلاحظ فيه مدى انشغاله المبكر لسد الفراغ الحاصل في الفقه السياسي ونظرته التي لا تختلف في متبنياتها كثيرا عن بناءات الدولة الحديثة وشكل الحكم فيها بل انه يذهب بعيدا حين يضع الدستور كضامن اجتماعي يحقق العدل والمساواة ويحاسب الحكام بديلا عن العصمة،  مع خطورة ما يذهب إليه في نظر فقهاء الاستبداد كما يسميهم

يقرر النائيني أن الدستور هو أعلى القوانين وأحكامه لازمة الأجراء على كل فرد وانه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته.

وان المواطنة هي المعيار الحقيقي الذي ينبغي تفعيله وجعله الضامن في إعطاء الأقليات الحقوق التي يتساوون بها مع غيرهم (بل لابد أن تشارك في الانتخابات لان أتباعها شركاء في الوطن، وشركاء في أموال الدولة وغيره، ولتوقف عملية الشورى والانتخاب عليهم.

لقد هوجم النائيني من قبل الكثير من مجايليه في المؤسسة الدينية التي ينتمي إليها. بل أن بعضهم  وصف دعوته لكتابة الدستور ليكون الضامن لعدم سرقة السلطة، من قبيل البدعة المنهى عنها شرعا. وكانت هذه المقولة لوحدها كافية أن تحيله إلى مبتدع مارق ينفض الناس من حوله، غير انه وبدراية صاحب الصنعة الفقهية يرد على أولئك بتخريج فقهي يبدأ بتعريفه لمعنى البدعة (من اظهر بديهيات الإسلام، وما اتفق عليه علماء الأمة، هوان المواجهة مع النبوة، والمنافسة مع الشرع مما ورد في الأخبار باسم البدعة، وفي اصطلاح الفقهاء بالتشريع، إنما يتحقق حين يكون القانون المستحدث مخالفا للمجعول الشرعي، أما إذا لم يكن القانون المستحدث مقترنا بعنوان الجعل الشرعي، فانه لا ينطبق عليه مسمى البدعة، كما لا ينطبق معناها على أي من موارد الإلزام والالتزام بهذا القانون)(9).

بل انه يذهب أكثر من هذا في مجارات مغاراتهم الفقهية حين يذهب إلى أصل الواجب ويقسمه إلى واجب لذاته وواجب لغيره ويجعل من الدستور واجب لغيره باعتبار صونه للنظام وتقييده للحاكم.

لقد كانت انطلاقة النائيني الفقهية مغايرة لما درج عليه علماء الأمامية من جهة تولية الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة (مقررا إن الوظائف الحسبية لا تسقط بغياب الإمام أو بعجز نوابه الفقهاء عن النهوض بها، بل تصبح واجبة على سائر الأمة)(12).

لا نستطيع القول أن النائيني قد أفحم خصومة بمقولاته الفقهية وتأسيسه لشرعية الدستور، غير انه وضع البذرة في مكانها الصالح مستأنسا بمن يقطف ثمارها فيما بعد وبذلك يكون قد افرغ ذمته ومسؤوليته الشرعية إزاء عصره ومريديه. وبالتالي إخراج دائرة البحث في مسالة الحكم من محدداتها الأولى إلى فضاءات أكثر موائمة وواقعية يقرها العقلاء ويسترشد بها العامة.

وآخرون كذلك

ويذهب الدكتور حسن الترابي ابعد من ذلك وهو من المفكرين الإسلاميين المعاصرين فيخوض في محرمات عدة حول مفهوم الدولة إذ يقرر.

(أن المرجعية السياسية العليا هي للمجتمعات التي تبرم عقدا بينها وبين الحكم الذي تختاره لتنظيم شؤونها.وحكم الحاكم  ليس بأكثر من تفويض شعبي لخدمة مصالح المجتمعات )(11).

ولعله وجد في نظرية العقد الاجتماعي أساسا لا يمكن تجاوزه أو إغفاله لذلك فانه يتقبل مشروعية أي نظام أقام على التبادل التعاقدي.

ولا يتردد في نظرته إلى حرية إقامة المؤسسات السياسية بجعلها ضرورة مطلقة من اجل التوصل إلى صحوة إسلامية حقيقية.

إننا الآن إمام رجل تلعب الشريعة دورا محوريا في حياته غيرانة وعلى الرغم من تمسكه بمبادئ الشريعة لا يرى ضررا في استبعاد (المؤسسات والمبادئ غير الإسلامية وبخاصة عند حاجة المجتمع الإسلامي إليها )(12).

وما دام وجود هذه السلة المتكاملة من النظم في تراثنا المغطى عليه بتقرير ما تقدم من أفكار لأولئك المفكرين لم لا تعتمد كمنظومة فكرية تحمل معها إصرار التبني وفض الاشتباك الحاصل ما بين حداثة الدولة وبين واقعها العراقي.لاسيما عند الذين يترددون(وهم أكثرية من أفراد المجتمع) خشية الوقوع في المعصية بحسب اعتقادهم.

قد يرى البعض إن الخوف من هجانه الفكر وغرابته على شكل الشريعة التي عرفها وتعرف عليها بواسطة النقل الأحادي الجانب  دافع لعدم تبني هذه المنظومة.

ولكن في حال ردها إلى منبعها الأصلي وجلي ما أبهم على أطرها التنظرية يصبح الأمر أكثر وضوحا في ذائقة الفرد ومن ثم يمكن تبنيها كمنظومة متكاملة ترفع وترتفع به إلى مؤديات الدول التي يسمع عنها، وبذلك تسقط أسطورة (شكلنه) الدولة على وفق المنظور الارتدادي لأصل الشريعة.

من هنا نستطيع إن نبدأ ونفرع على منظومتنا الفكرية وننطلق باتجاه ما تأخرنا عليه أزمانا طويلة.إن اطمئنان الأفراد إلى عدم التفريط بمواقفهم العقيدية يعد من أهم العوامل والحوامل الاجتماعية لتبني شكل السلطة ومؤسساتها وبذلك تنفض قهرية العامل الخارجي المطلقة وتهشيم الصورة الراكدة في الرصيد المرجعي للأفراد عبر بناء مفهوم جديد للدولة ينطلق من منظومته الفكرية .والتي اعني بها تحديدا القراءة العقلانية لموارد الشريعة ومعطياتها قراءة حداثوية لا تخفي في طياتها روح التردد لأننا.

(كعرب وكمسلمين نعاني من مشكلة مع العصر من مشكلة مع دخول التاريخ والعصر مع مشكلة مع ما يدعى بالحداثة.وأصبح واضحا أن هذه الحداثة لن تجاملنا ولن تساعدنا على إيجاد طريقة خصوصية لدخولها.بل وربما كانت تتمنى أن نظل خارجها نتخبط في مشاكلنا وأوجاعنا إلى ما لا نهاية... فماذا يحصل لو أننا اكتشفنا أن سبب العلة روحي بقدر ما هو مادي وديني بقدر ما هو دنيوي)(13).

 

العامل الخارجي أم الحامل الفكري

مشروع الدولة العراقية.

ثمة مقاربة زمانية ما بين العامل الخارجي الذي شكل الدولة العراقية في بدايتها الأولى 1921 وبين العامل الخارجي الذي شكلها في مطلع هذا القرن مع الفارق في الراعي الأول (بريطانيا) والراعي الثاني (الولايات المتحدة الأمريكية) ولو أننا اقتربنا  من  خطوات التشكل لرأينا مدى اختلاف الحاضن لهذا الشكل ومقدار استجابته والوقت الذي تطلبه في عملية البناء (لقد استغرقت عملية بناء مؤسسات الحكومة في العراق حوالي الخمسة أعوام  ابتدئ من تأليف الحكومة المؤقتة 25 تشرين الأول 1920 ثم تتويج الملك فيصل الأول في 23 آب 1921 وإعادة تشكيل وزارة عبد الرحمن الكيلاني ومن ثم صدور قانون الانتخابات ثم توقف العملية إلى أن استؤنفت في 12 تموز 1923 وفي كانون الثاني 1924 استكملت الانتخابات الثانوية في أخر لواء وهو لواء الموصل وفي 25 شباط 1924 جرت انتخابات المجلس التأسيسي الذي افتتحت جلساته في 27 آذار 1924)(14).

أما في التشكل الثاني فقد استؤنفت الحياة السياسية في العراق بعد 9/4/2003 في محاولة لإعادة بناء الدولة ولهذا سارعت القوى الداخلية والخارجية  إلى إجراء عملية الانتخابات الأولى في كانون الثاني 2005 والانتخابات الثانية في كانون الأول من العام نفسه وكما أن الارتباك في التشكل الأول كان سيد الموقف إذ أن (الوضع الدستوري للبلاد كان غامضا بشكل فريد من انتداب مقبول من بريطانيا ومرفوض من العراقيين ولكنه لم يصدق عليه، وملكية دستورية ولكن دونما دستور، ومن معاهدة مزمع عقدها مع بريطانيا ولكن لا معاهدة إلى الآن)(15) فان الارتباك ما يزال سيد الموقف في الولادة القيصرية للشكل الجديد لا سيما في مصير الراعي لهذه العملية وتحديد شكل العلاقة بينه وبين الدولة الجديدة التي قامت على وفق إرادته. مع اختلاف كلي في واقع العراق السياسي ونمو الوعي عند مواطنيه في المرحلتين، حيث بدت المرحلة اللاحقة أكثر استجابة لقبول هذا المتغير لكن من دون تبني حقيقي. وربما يوعز ذلك إلى الفترة العصيبة التي عاشها العراق في ظل غياب تام للحريات والدستور الذي يمكن أن يهتدي به قبل أن يحصل التغيير بفعل العامل الخارجي وثمة فارق رئيس تجلى في المقاطعات العديدة من فئات مجتمعية مختلفة في المرحلة الأولى مما سار بشكل الدولة إلى تفريعات كانت تبدو في صميمها مزايدات اعتبارية أكثر من كونها اعتراضات حقيقية تؤشر إلى مكامن الخلل.

وربما يأتي هذا الإشكال على مرحلة التبني الثانية (مرحلة التغيير الأمريكية) ولكن بصورة اخف وطأة واقل تأثيرا مما يستدعي المباشرة الفورية في توضيح الحاضن العراقي وإنضاج المنظومة الفكرية لذلك الحاضن وطبعها بالصبغة العراقية خلاصا من سبة الاستيراد الجاهز لشكل الدولة، وبالتالي تقليص الامتداد الزمني الذي يتطلبه البناء والتبني، غير إن هذا الأمر لم يحصل إلى ألان بسبب  تفاوت زويا الرؤيا لكل من الراعي والمواطن والسياسي.

فالمشهد الذي يراه السياسي يتبلور في عدم الثقة بالشريك الآخر أيا كان فعله بريئا أو عفويا، المهم أن الصور الراكدة في مخزونه المرجعي هي التي تضغط باتجاه التفسير غير الدقيق ومن ثم تأويل الفعل بل وحتى النوايا إلى ما يشبه الهجوم المتعمد للكتلة المجتمعية التي ينتمي إليها، إذن هي رغبة مبطنة عند الجميع لعدم التخلف من هذا البناء شريطة توفر النوايا الحقيقية التي تضمن للإطراف مجتمعة حقوقهم وإزالة مخاوفهم عبر تعاقد جديد يقوم على أساس المواطنة.

أما الراعي فهو يراهن على الزمن في تذويب الجليد ما بين الكتل المجتمعية والرضوخ إلى الموائمة العقلانية كضرورة لا بد منها.

ولا تشذ رؤية المواطن العراقي عن الرؤيتين السابقتين لأنه كره الاحترابات الوجودية وهو يحلم الآن بوطن كما الآخرون يحميه ويصون له حريته وكرامته.

 

 

 

إعادة ترتيب المعطيات.

ربما يقترب المجتمع  العراقي ولأول مرة في تاريخه المعاصر من السؤال الذي كان ينبغي أن يسأله عبر حقب زمنية عديدة انصرمت، سؤال أذما أتت إجابته صريحة واضحة ستكون بمثابة إعادة الوعي إلى المغمى عليه.

هل نـحن نقترب من شكل الدولة ومفهومها الحداثوي ؟هل وجدنا في تراثنا سندا وأساسا يمكننا البناء عليه من دون اعتراضات الماضي؟، هل نـحن قادرون على بناء الدولة من دون النظر إلى من يشكلها ما دام انه مؤمن بهيكليتها المدنية؟   

ماهي الهيكلية التي ينبغي أن تبنى عليها الدولة؟

وفي معرض الإجابة على تلك الأسئلة يمكننا القول إننا بدأنا فعلا بالاقتراب من (شكل) الدولة وهيكليتها، وأقول شكل الدولة ولا اعني به بالضرورة البناء ألدولتي بالمعنى الحقيقي الذي تأخذ المؤسسة الدور الريادي فيه, على الرغم من وجود الاعتراضات التي تحاول التشكيك في جدوى البناء الجديد، باعتبار تبنيها لإستراتيجية الرفض المطلق لنوع الزرع الذي انبت في الأرض العراقية, أيا كان نوع هذا الزرع، ويأتي التأكيد على ذلك الرفض لأسباب تتعلق بخسارة الامتياز والمصلحة أكثر من كونها أسباب فكرية أو عقيدية، وربما يعد هذا تحولا كبيرا في مجموع نظر الأطراف التي تشكل النسيج العراقي إذ لم يتبلور اعتراض ممنهج لمن هم في مواقع مختلفة التأثير على أفراد المجتمع، يفيد على أن الشكل الذي بدأت الدولة العراقية تسير على وفقه هو شكل مرفوض كليا لأنه يتعارض مع الأسس العقيدية أو المتبنيات الفكرية لهذه الجماعة أو تلك.

إن هذا التحول من الإطراف كافة (إسلامية، قومية، ماركسية) يعد بمثابة اكتشاف العامل المشترك بين الجميع، مما يجعلنا نندفع باتجاه أخر في تشخيص الحامل الفكري الذي يؤمن حد القبول لبناء الدولة المدنية، معرضين عن أصل المفهوم النظري واشتراطاته والجدل الذي يثيره في موضوعة الأسبقية الفكرية في هذا البناء، ومن هي الجهة التي تروج لهذا البناء دون غيرها.

قد يعترض الكثير على هذا الإعراض, ويعده بمثابة القفز على اللبنات الرئيسة التي تشكل أعمدة الدولة المدنية بل ربما يعده البعض من قبيل القول المنهى عنه أو هو في حقيقته مصدر لغايات مؤقتة تحاول كسب الوقت ومن ثم تؤسس لمشروعها الذي تريد, وهذا من حق المعترضين إذ إننا ومن المفروض أن لا نذكر الدولة المدنية إلا ويجب أن نذكر الحامل الفكري المغذي لذلك البناء (العلمانية) والارتباط التاريخي الذي نشا بين ذلك المفهوم وبين مفهوم الدولة المدنية, والتخوف المبرر لهؤلاء يأتي من عدم تجانس المنظومة الإسلامية مع اشتراطات بناء الدولة. لذلك فإمكانية الإعراض تبدو محفوفة بالمخاطر.

لكن كيف يمكن لهذه المخاوف أن تهدا؟ هل يكفي التصريح من قبل الاسلامين على أنهم تحولوا من تنظيراتهم السابقة إلى ما يقتربون به من ممارسات الدولة المدنية وحده، أم أن التطبيق العملي الذي انغمسوا فيه ودخلوا في ضمن (قالبه) يهدأ من تلك المخاوف ويبعث بتطمينات إلى من يعتقدون بان الفكر الإسلامي لا ينتج سوى الإقصاء والتسلط ما أن تتاح له الفرصة.

والآن: إذا ما وجد أصحاب المخاوف الذين يخشون المصادرة والتسلط والقمع إن مواطنا ما، من دون النظر إلى صورته الذهنية المرسومة والمنطبعة في ذاكرته, يؤمن بان الإنسان الذي يعيش على هذه البقعة من الأرض هو مواطن مثله له حقوق وعليه واجبات لاتتحدد هويته من خلال (دينه أو مذهبه أو قوميته أوجنسه)، ويؤمن أن ما يزيد من لحمته هو أن يعترف بان هذا التنوع هو مصدر قوة وتكامل لا مصدر ضعف وهوان, ينبغي إدامته وقبوله بل احترامه والحرص على إنمائه وإدامة زخم تجانسه، ووجدوا أيضا أن هناك قبولا ممن يمثلون التشكيلة التي ذكرت (الدين، المذهب، القومية) على أن الحريات الفردية مصانة طالما لا تتعارض مع قانون أو دستور يقره الجميع على مبدأ التصويت والاقتراع السري، ووجدوا في هذا الدستور الذي انتخب الشعب مجموعة تمثله لكتابته ومراجعته وعرضه للقبول أو الرفض، أن التداول السلمي للسلطة أمرا لا بد منه وطريقة مثلى لحياة آمنة تجنبه الصراعات الدموية التي راح ضحيتها الكثير من أبناء هذه الأرض وما زالت شاخصة أمام أعين الجميع، ووجدوا أن هناك اتفاقا على أن البناء ألدولتي ينبغي أن يؤسس على وجود الكفاءات والطاقات العلمية لا على أسس قبلية أو طائفية أو قومية، ولا يمكن لهذه الطاقات والكفاءات أن تأخذ دورها إلا عبر البناء المؤسساتي، ووجدوا إن الحياة الحزبية ليس عليها من القيود التي تكبلها بل أنها من أسس الحياة المدنية ويتضح ذلك من اختلاف المنتمين وتعددهم في تلك الأحزاب، وبعد ذلك وجدوا أن هناك تفريقا واضحا ما بين الدولة وما بين الحكومة، باعتبار الأولى ثابتة والثانية نابتة يمكن قلعها إذا ما فسدت أو أفسدت، ووجدوا اتفاقا واضحا على أن الدولة يجب أن لاتندك في جميع مفاصل الحياة بل أنها راعية للجميع لها مؤسساتها التي تعمل بها وللقطاع الخاص الذي يمتلكه المواطن مؤسساته العملية التي تنفذ المشاريع وتستثمر هنا وهناك وربما تدخل شريكا مع مؤسسات الدولة في بعض الأحيان لتوافر الخبرات فيها أكثر من خبرات المؤسسة الحكومية، كذلك وجدوا أن هناك اهتماما واضحا بالضلع الثالث للبناء ألدولتي (المجتمع المدني) حيث انطلق يمارس عمله بجانب المؤسسة الحكومية  ومؤسسات القطاع الخاص، وبعد ذلك كله وجدوا أن هناك حدودا واضحة المعالم للتشريع، إذ يسنه برلمان ينتخب من بين مكونات الشعب ولا يسنه فرد يمتلك ثقلا ايدولوجيا أو فقهيا يمثل تلك الطائفة أو هذه، وحد أخر يتمثل بوجود السلطة التنفيذية (الحكومة) باعتبارها أداة تنفيذية تعمل على وفق رؤية مؤسساتية واضحة تتجنب الارتجال ما أمكن لها ذلك وتقر بأخطائها حين تحاسب من المشرعين بغية تحسين أدائها وعملها كوحدة متكاملة أو كوزراء منفردين، وحد آخر يتعامل ويسهر على تنفيذ القانون تمثله السلطة القضائية التي لا سلطان عليها ألا سلطان القانون.

إذا ما وجدوا كل هذه القضايا الجوهرية وقد تم الاتفاق عليها إجمالا ومن المكونات كافة أو ممن هم يمثلون تلك المكونات، بل أنهم ارتضوا أن تكون كل هذه القضايا الجوهرية من سلم أولويات عملهم كيما يتجنبوا الأخطاء التي وقع فيها إسلافهم.فهل يحق لي القول أن هذا البناء ومخرجاته بصورة عامة هو حكر على مجموعة معينة أو منظومة فكرية بعينها ؟ و هنا أتكلم عن دستور ولا أتكلم عن نوايا، ربما تجد انـحرافا في التطبيق غير انه لا يمكن أن يكون انـحراف كليا يعود بالبناء الى خط الانطلاق الأول.

احسب, سيكون جواب التخصيص مجافيا للواقع ولا يمكن قبوله باعتبار السقف العالي الذي يكبله التنظير الصرف, بل انه أكثر من ذلك ينبأ ببوادر زراعة  نوع جديد من التطرف لا يمكن الوقوف عنده، ولم تسجل في الذاكرة العراقية سابقة له.

إن اللحظات التاريخية التي كانت تحمل المنظومة الإسلامية على مر القرون المتأخرة تخلف الشعب، وعدم بلورة النظرة الواضحة في تلك المنظومة لشكل الدولة وطريقة الحكم فيها، والضبابية التي كانت تعالج المؤسسة الدينية من خلالها تلك القضية، ينبغي أن تخفف الآن ولا أقول عليها أن تتوقف كليا لأننا ما زلنا في بداية الاستفاقة وربما نـحتاج إلى براهين عدة تبعث برسائل تطمين متتالية. غير أن القبول بما تقدم من اشتراطات يوجب بالضرورة إعادة صياغة الرؤيا ولاحتكام إلى التطبيق العملي، وهذا مؤشر آخر لتبادل الأدوار، بمعنى آخر، إذا كان من حق المنتمين فكريا إلى الأطروحة المدنية في بناء الدولة الإشهار بمخاوفهم من الاسلامين وخطورة تفكيرهم في مصادرة الآخر بالعودة إلى المشروع التقليدي الذي انطبع في ذاكرتهم من استبداد ديني وحجر على الحريات وتكفير من يخرج في نظرهم عن أصل الشريعة بل ويتعدى ذلك كله إلى شرعنة القتل حفاظا على الهوية الإسلامية بحسب ما يدعون. هل من حق الاسلامين أن يتقدموا بمخاوفهم خطوة أولى باتجاه الإشهار والعلنية باعتبار التغيير المتنامي في منظومتهم وركودها في منظومة الآخر.

إن المعطيات التي يتحرك على وفقها المجتمع العراقي الآن تؤشر بوضوح إلى اختفاء الكثير من المظاهر والمفاهيم التي كانت في يوم ما هي خطوط حمراء لا ينبغي المساس بها ولا أقول أنها قد انتهت والى الأبد, ويمكننا تلمس ذلك في أدبيات الأحزاب الإسلامية ما قبل 9/4/2003 وما طرأ من تغيير على تلك الأدبيات بعد هذا التاريخ مايفضي إلى أهمية هجر الاحتجاج بهذه الأدبيات إذا ما أراد الجميع أن يكونوا شراكة حقيقية من اجل بناء الدولة.


 

قائمة المصادر

(1)   محمد عابد. العقل السياسي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية. ط1 1991 ص19.

(2)   د محمد. رند. أطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم السياسية بغداد (مشكلة بناء الدولة العراقية للمدة 1921-2006.ص48.

(3)   م.ن ص59.

(4)   م. ن ص70.

(5)   د. محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة.ص14، مركز دراسات الوحدة العربية ط 2004.

(6)   الموصللي. احمد. موسوعة الحركات الإسلامية. مركز دراسات الوحدة العربية. ط2004. ص98.

(7)   بلقزيز. د عبد الإله. الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربية. ط1 2002. ص68.

(8)   م. ن ص69.

(9)    م. ن ص70.

(10)         م. ن ص77.

(11)         م. ن ص73.

(12)         م. ن ص75.

(13)         اراكون. محمد. أين هو الفكر الإسلامي المعاصر. دار الساقية.

(14)         د. رند م. س ص80.

(15)         اديث. وائي. ايف بينروز. العراق دراسة في علاقاته الخارجية وتطوراته الداخلية ج1.ص107.